Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

Its commentaries

الروض المربعal-Buhuti

(ولا تصح الصلاة) بلا عذر فرضا كانت أو نفلا غير صلاة جنازة (في مقبرة) - بتثليث الباء - ولا يضر قبران ولا ما دفن بداره (و) لا في (حش) - بضم الحاء وفتحها - وهو المرحاض (و) لا في (حمام) داخله وخارجه وجميع ما يتبعه في البيع (وأعطان إبل) واحدها عطن - بفتح الطاء - وهي المعاطن جمع معطن - بكسر الطاء - هي ما تقيم فيها وتأوي إليها، (و) لا في (مغصوب) ومجزرة ومزبلة وقارعة طريق (و) لا في (أسطحتها) أي أسطحة تلك المواضع وسطح نهر، والمنع فيما ذكر تعبدي؛

لما روى ابن ماجه والترمذي عن ابن عمر أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نهى أن يصلى في سبع مواطن: المزبلة والمجزرة والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله» ".

Adds nothing on this mas’ala.

حاشية الروض المربعIbn Qasim · a gloss on الروض المربع

(في مقبرة) بتثليث الباء . ولا يضر قبران بناء منهم على أنه لا يتناولها اسم المقبرة،

1,002

وأن العلة لا تعقل، وتقدم أن العلة خوف الشرك بها، كما قال الشيخ وغيره: العلة لما يفضي إليه ذلك من الشرك وقال: بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد، وهو الصواب، والمقبرة كل ما قبر فيه لا أنه جمع قبر، وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه، ولا ريب أن المنع متناول لحرمة القبر المفرد وفنائه المضاف إليه.

. ولا يضر قبران ولا ما دفن بداره قال الشيخ: وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه فرق، وكل ما دخل في اسم المقبرة، أو حدثت المقبرة بعده حوله أو في قبلته فكصلاته إليها،

1,003

ولو وضع القبر والمسجد معا لم يجز، ولم تصح الصلاة فيه،

1,004

وقال: المسجد المبني على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل،

1,005

فإن كان المسجد قبل القبر غير،

1,006

إما بتسوية القبر، أو نبشه إن كان جديدا وإن كان القبر قبله،

1,007

فإما أن يزال المسجد وإما أن تزال صورة القبر.

وفتحها وهو المرحاض . (و) لا في (حمام) وهو المغتسل المعروف لقوله عليه الصلاة والسلام «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» ، وروي عنه «الحمام بيت الشيطان» ، وعن ابن عباس: لا يصلين إلى حش ولا في حمام، ولا في مقبرة، قال ابن حزم: لا نعلم لابن عباس مخالفا من الصحابة.

(حمام) داخله وخارجه، وجميع ما يتبعه في البيع لتناوله اسمه فلا فرق بين مكان نزع الثياب وموقد النار، وكل ما يغلق عليه باب الحمام،

1,008

وفي المغني: لا فرق بين مكان الغسل وصب الماء، وبين بيت المسلخ الذي تنزع فيه الثياب والأتون، وكل ما يغلق عليه باب الحمام.

فيها وتأوي إليها . (و) لا في (مغصوب) أي ولا تصح الصلاة في موضع مغصوب، أي مأخوذ ظلما، من أرض وحيوان وغيرهما، وسواء كان الظلم للرقبة أو المنافع نص عليه،

1,009

وقال النووي وغيره: الصلاة في الأرض المغصوبة حرام بالإجماع غير مقبولة، فلا ثواب فيها اهـ

1,010

وعنه تصح مع الكراهة وفاقا لمالك والشافعي وأبي حنيفة وجماهير العلماء، واختاره ابن عقيل والخلال والطوفي وغيرهم، لأن النهي لا يعود إلى الصلاة، فلم يمنع صحتها، وعليه أكثر الأصحاب، ولحصول الثواب على الفعل، فيكون مثابا على فعله، عاصيا بالمقام في المغصوب، ونقل أصحاب الشافعي الإجماع على صحة الصلاة في الدار المغصوبة، قبل مخالفة الإمام أحمد،

1,011

وقال الغزالي، هذه المسألة قطعية لأن من صححها أخذه من الإجماع وهو قطعي اهـ وتصح في أرض غيره بلا ضرر ولا غصب ولا حائل ولا حائط وإلا فلا، والمعتبر عرف الناس بالرضى وعدمه، وتصح على مصلاه بغير إذنه بلا غصب،

1,012

وإن منع المسجد غيره وصلى هو فيه، أو زحمه وصلى مكانه حرم وصحت،

1,013

وقال الشيخ: الأقوى البطلان.

إليها . (و) لا في (مغصوب) . ومجزرة أي ولا تصح في مجزرة وهو الموضع الذي تجزر فيه الإبل، وتذبح فيه البقر والغنم، لأجل النجاسة التي فيها من دماء الذبائح، فتحرم الصلاة فيها وفاقا، وتصح في المدبغة، وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب، وصححه في الإنصاف.

. (و) لا في (مغصوب) . ومجزرة ومزبلة بفتح الباء، وضمها موضع السرجين،

1,014

ولو كان المرمي من الكناسة والزبالة طاهرا فتحرم الصلاة فيها وفاقا، ولا خلاف في طهارة الدارسة العافية من آثار أهلها، مزبلة كانت أو مجزرة أو كنيسة.

المواضع وسطح نهر . والمنع في ذلك تعبدي

1,015

قال الشيخ: والصحيح أن عللها مختلفة، بأن تكون العلة مشابهة أهل الشرك، كالصلاة عند القبور، وتارة لكونها مأوى الشياطين كأعطان الإبل، تارة لغير ذلك.

عليه وسلم نهى أن يصلي في سبع مواطن أي مواضع، والموطن الوطن، وكل ما أقام به الإنسان، ومنه مربط البقر والغنم، ومواطن مكة أي مرافقها.

الشرح الممتع على زاد المستقنعIbn 'Uthaymin

«ولا تصحُّ الصَّلاةُ في مَقْبَرة»، نفيُ الصِّحَّة يقتضي الفساد؛ لأنَّ كلَّ عبادة

2,509

إما أن تكون صحيحة، وإما أن تكون فاسدة، ولا واسطة بينهما، فهما نقيضان شرعاً،

2,510

فإذا انتفت الصِّحَّة ثبت الفساد.

وقوله:«الصَّلاة» يعمُّ كلَّ ما يُسمَّى صلاة، سواءٌ كانت فريضةً أم نافلة، وسواء كانت الصلاة ذات ركوع وسجود أم لم تكن؛ لأنه قال:«الصلاة» وعليه فيشمل صلاة الجنازة فلا تصح في المقبرة. لكن قد دلَّت الأدلَّةُ على استثناء صلاة الجنازة، كما سنذكره إن شاء الله ، وعلى هذا؛ فالمراد بالصَّلاة ما سوى صلاة الجنازة.

وهل يجوز السُّجود المجرَّد كسجود التِّلاوة مثلاً؛ كما لو كان الإنسان يقرأ في المقبرة ومرَّ بآية سجدة؟ ينبني هذا على اختلاف العلماء في سجود التلاوة، فمنهم من قال: إنه صلاة. ومنهم من قال: إنَّه ليس بصلاة .

فالذين قالوا: ليس بصلاة يقولون: إنه يجوز أن يسجد الإنسان سجود التلاوة في المقبرة، والذين قالوا: إنه صلاة يقولون لا يجوز . وهل المراد بالمقبرة هنا ما أُعِدَّ للقبر،

2,511

وإن لم يدفن فيه أحد، أم ما دُفِنَ فيه أحد بالفعل؟

الجواب: المراد ما دُفِنَ فيه أحد،

2,512

أمَّا لو كان هناك أرض اشتُريت؛ لتكون مقبرة، ولكن لم يُدْفَنْ فيها أحد،

2,513

فإن الصَّلاة فيها تصحُّ، فإن دُفِنَ فيها أحد،

2,514

فإن الصَّلاة لا تصحُّ فيها؛ لأنها كلّها تُسمَّى مقبرة.

والأصل صحَّة الصَّلاة في كلِّ الأراضي؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام :«جُعِلت ليَ الأرضُ مسجداً وطَهُوراً»، ولهذا لا بُدَّ أن يُؤتى بدليل للأماكن التي لا تصحُّ فيها الصَّلاة.

2,515

فإذا قال قائل: ما الدَّليل على عدم صحَّة الصَّلاة في المقبرة؟.

قلنا: الدليل:

أولاً: قول النبيِّ ﷺ: «الأرضُ كلُّها مسجدٌ إلا المقبرة والحَمَّام»، وهذا استثناء، والاستثناء معيار العموم.

ثانياً: قول النبيِّ ﷺ: «لعن اللَّهُ اليهودَ والنَّصارى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائهم مَسَاجدَ». والمساجد هنا قد تكون أعمَّ من البناء؛ لأنه قد يُراد به المكان الذي يُبنى، وقد يُراد به المكان الذي يُتَّخذ مسجداً وإنْ لم يُبْنَ؛ لأنَّ المساجد جمع مَسْجِد، والمسْجِد مكان السُّجود، فيكون هذا أعمَّ من البناء.

ثالثاً: تعليل؛ وهو أنَّ الصَّلاة في المقبرة قد تُتَّخذ ذريعة إلى عبادة القبور، أو إلى التشبُّه بمن يعبدُ القُبور، ولهذا لمَّا كان الكُفَّار يسجدون للشَّمس عند طلوعها وغروبها، نَهى النبيُّ ﷺ عن الصَّلاة عند طلوعها وغروبها لئلا يُتَّخَذَ ذريعة إلى أن تُعبد الشَّمس من دون الله، أو إلى أن يُتَشبَّه بالكُفَّار.

2,516

وأمَّا مَنْ علَّل ذلك بأن عِلَّة النَّهي عن الصلاة في المقبرة خشية أن تكون المقبرة نجسة، فهذا تعليل عليل، بل ميِّت لم تَحُلَّ فيه الرّوحُ.

قالوا: لأنها ربما تُنبش وفيها صديد من الأموات ينجِّسُ التُّراب .

فيُجابُ عنه بما يلي:

أولاً: أنَّ نبش المقبرة الأصل عدمُه.

ثانياً: من يقول إنك ستُصلِّي على تُراب فيه صديد؟

ثالثاً: مَنْ يقول: إنَّ صديد ميتة الآدمي نجس؟

رابعاً: أنه لا فرق عند هؤلاء بين المقبرة القديمة؛ والمقبرة الحديثة التي يُعلم أنها لم تُنبش؛ فكلُّ هذه المقدمات لا يستطيعون الجواب عنها؛ فيبطُل التَّعليل بها.

2,517

فإن قال قائل: هل القبر الواحد يمنعُ صِحَّة الصَّلاة أو لا بُدَّ من ثلاثة فأكثر؟

فالجواب: أنَّ في ذلك خلافاً ،

2,518

فمن العلماء مَنْ قال: إنَّ القبر الواحد والاثنين لا يمنعُ صحَّة الصَّلاة، ومنهم من قال: بل يمنعُ.

2,519

والصَّحيح: أنه يمنع حتى القبر الواحد؛ لأنَّ المكان قُبِرَ فيه فصار الآن مقبرة بالفعل، والنَّاس لا يموتون جملة واحدة حتى يملؤوا هذا المكان، بل يموتون تِباعاً واحداً فواحداً.

2,520

فإن قال قائل: إذا جعلتم الحكمَ منوطاً بالاسم، فقولوا: إذا أُعِدَّتْ أرضٌ لأن تكون مقبرة فلا يُصلَّى فيها؟.

فالجواب: أن هذه لم يتَحقَّق فيها الاسم، فهي مقبرة باعتبار ما سيكون؛ فتصحُّ الصَّلاة فيها؛ لكن التي دُفِنَ فيها ولو واحد أصبحت مقبرة بالفعل.

مسألة:

يُستثنى من ذلك صلاة الجنازة،

2,521

فإن كانت الصلاة على القبر فلا شَكَّ في استثنائها؛ لأنه ثبت عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام أنَّه فَقَدَ المرأة التي كانت تَقُمُّ المسجد، فسأل عنها، فقالوا:«إنَّها ماتت»، وكانت قد ماتت بالليل، والصَّحابةُ رضي الله عنهم كرهوا أنْ يُخبروا النبيَّ ﷺ بالليل فيخرُجَ، فقال لهم: هلاَّ آذنتموني»، أي: أخبرتموني، ثم قال عليه الصلاة والسلام :«دُلُّوني على قبرها» فدلُّوه على القبرِ، فقامَ وصَلَّى عليها عليه الصلاة والسلام. لكن لو جِيءَ بالميت وصُلِّيَ عليه في المقبرة، قبل الدَّفن فما الحكم؟

فالجواب أن نقول: لدينا الآن عموم: «الأرضُ كلُّها مسجدٌ إلا المقبرة والحمَّام»، والصَّلاة على الميِّت صلاة بلا شَكٍّ. ولهذا تُفتتح بالتكبير، وتُختتم بالتَّسليم،

2,522

ويُشترط لها الطَّهارة والقراءة؛ فهي صلاة، فما الذي يُخرجُها من عموم قوله:«إلا المقبرة؟»، لكن ربما يسوغ لنا أن نقيسها على الصَّلاة على القبر، وما دام أنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ صَلَّى على القبر؛ فلا فرق بين أن يُصلَّى على جنازة مدفونة، أو على جنازة غير مدفونة؛ لأن العِلَّة واحدة، وهي أن هذا الميِّت الذي يُصلَّى عليه كان في المقبرة، وعَمَلُ الناس على هذا، أنه يُصلَّى على الميت،

2,523

ولو قبل الدَّفن في المقبرة.

ورُبَّما يقال: إن الصَّلاة على الميت لا تدخل في ذلك أصلاً؛ لأن النبيَّ ﷺ قال:«الأرض كلُّها مسجد»، أي: مكان للصَّلاة ذات السُّجود، وصلاة الجنازة لا سُجود فيها. «وحُشٍّ»، الحُش: المكان الذي يَتخلَّى فيه الإنسان من البول أو الغائط؛ وهو الكَنيف، فلا تصحُّ الصلاة فيه، لأنه نجس خبيث، ولأنَّه مأوى الشياطين، والشياطين خبيثة، فأحبُّ الأماكن إلى الشياطين أنجس الأماكن قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ وهذا من حكمة الله عز وجل.

فالمساجد بيوت الله ومأوى الملائكة،

2,524

أما الحُشوش فهي مأوى الشَّياطين، فلهذا يُشرع للإنسان عند دخول الخلاء أن يقول:«أعوذ بالله من الخُبْثِ والخَبَائث»، فلا ينبغي أن يكون هذا المكان الخبيث الذي هو مأوى الخبائث مكاناً لعبادة الله عز وجل. وكيف يستقيم هذا وأنت تقول في الصَّلاة: أعوذ بالله من الشيطان الرَّجيم، وأنت في مكان الشَّياطين؟!.

وحَمَّامٍ وَأَعْطَانِ إِبِلٍ ........... «وحمَّام»، كلُّ ما يُطلق عليه اسم الحَمَّام يدخل في ذلك؛ حتى المكان الذي ليس مبالاً فيه فإنه لا تصحُّ فيه الصَّلاة، للحديث:«الأرضُ كلُّها مسجدٌ إلا المقبرة والحَمَّام»، ولأن الحمَّام، مكان كشف العورات.

والحَمَّام هو المغتسل، وكانوا يجعلون الحمَّامات مغتسلات للنَّاس يأتي النَّاس إليها ويغتسلون، يختلط فيه الرِّجال والنساء، وتنكشف العورات، وليس المقصود به «المرحاض»، ولهذا نهى الشَّرع عن الصَّلاة فيه. وظاهر الحديث: أنه لا فرق بين أن يكون الحَمَّام فيه ناس يغتسلون، أو لم يكن فيه أحد، فما دام يُسمَّى حَمَّاماً فالصَّلاة لا تصحُّ فيه. «وأعطان إبِلٍ»، جمع عَطَن، ويُقال: مَعَاطِن جمع مَعْطَنٌ، وأعطان الإبل فُسِّرتْ بثلاثة تفاسير : قيل: مباركها مطلقاً،

2,525

وقيل: ما تُقيم فيه وتأوي إليه،

2,526

وقيل: ما تبرك فيه عند صدورها من الماء؛ أو انتظارها الماء. فهذه ثلاثة أشياء،

2,527

والصَّحيح: أنَّه شاملٌ لما تقيم فيه الإبل وتأوي إليه، كمَرَاحِها، سواءٌ كانت مبنيَّة بجدران أم محوطة بقوس أو أشجار أو ما أشبه ذلك،

2,528

وكذلك ما تعطن فيه بعد صدورها من الماء.

2,529

وإذا اعتادت الإبِلُ أنها تبرك في هذا المكان،

2,530

وإن لم يكن مكاناً مستقراً لها فإنه يعتبر معطناً.

2,531

أما مبرك الإبل الذي بركت فيه لعارض ومشت، فهذا لا يدخل في المعاطن؛ لأنه ليس بمبرك.

والدَّليل قول الرَّسول ﷺ :«صلُّوا في مرابضِ الغنم، ولا تُصَلّوا في أعطان الإبل»، والحديث في «الصَّحيح». ووجه الدَّلالة من كون الصَّلاة لا تصحُّ في معاطن الإبل: النهي عن الصلاة فيها،

2,532

فإذا صلَّيت فيها فقد وقعت فيما نهى عنه رسول الله ﷺ وذلك معصية، ولا يمكن أن تنقلب المعصية طاعة.

2,533

وإذاً؛ لا تصحُّ الصلاة.

فإن قال قائل: قوله: «صَلُّوا في مرابض الغنم» أمرٌ، والأمر للوجوب، فهل هذا يقتضي أن أبحث عن مرابض غنم لأُصَلِّيَ فيها؟

فالجواب: لا؛ فإن الأمر هنا للإباحة؛ لأنه في مقابل النهي عن الصَّلاة في معاطن الإبل، ولهذا قال العلماء إن الأمر بعد الحظر للإباحة ، فلما كان يُتوهَّم أنه لما نُهي عن الصَّلاة في أعطان الإبل أنَّه يُنهى كذلك عن الصَّلاة في مرابض الغنم. قال:«صَلُّوا في مرابض الغنم»، كأنه قال: لا تُصلّوا في أعطان الإبل، ولكم أن تُصلُّوا في مرابض الغنم.

والحكمة من عدم صحَّة الصلاة في أعطان الإبل: أن النبيَّ ﷺ نهى عنه، فنهيُ النبيِّ ﷺ وأمره الشَّرعي هو العِلَّة بالنسبة للمؤمن بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ .

فالمؤمن يقول: سمعنا وأطعنا.

ويدلُّ لذلك أن عائشة سُئِلت: ما بالُ الحائض تقضي الصَّوم ولا تقضي الصَّلاة؟ قالت:«كان يُصيبنا ذلك؛ فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نُؤمر بقضاء الصَّلاة»، فبيَّنت أنَّ العِلَّة في ذلك هو الأمر. لكن لا يمنع أن الإنسان يتطلَّبُ الحكمةَ المناسبة، لأنه يعلم أن أوامر الشَّرع ونواهيه كلها لحكمة، فما هي الحكمة؟ وسؤال الإنسان عن الحكمة في الأحكام الشرعية أو الجزائية أمرٌ جائز، بل قد يكون مطلوباً إذا قُصِدَ به العلم، ولهذا لمَّا قال الرسول ﷺ في النساء:«إنَّكُنَّ أكثرُ أهلِ النَّارِ»، قُلْن: بِمَ يا رسولَ الله؟

فسألن عن الحِكمة؟ قال:«لأنَّكُنَّ تُكثِرْنَ اللَّعنَ وتَكْفُرْنَ العَشير».

2,534

وأما إذا قصد أنَّه إن بانت العِلَّة امتثل وإلا فلا، فالسؤال حينئذ حرام؛ لأنه لازمُه قَبُول الحقِّ إنْ وافق هواه، وإلا فلا وقد اختلف العلماء رحمهم الله في التَّعليل للنَّهي عن الصَّلاة في أعطان الإبل من حيثُ النظرُ ، فقال بعضهم: إننا لا نعلم الحكمة، والحكم الشرعي الذي لا تُعلم حكمته يُسمَّى عند أهل العلم تعبُّديًّا. إذاً؛ الحكمةُ تحقيق العبادة بالتسليم لله، سواء علمنا الحكمة في ذلك أم لم نعلم، وهذه والله حكمة عظيمة.

فرميُ الحصى في محلِّ الجمرات في الحَجِّ، لو قال قائل ما حكمته؟ قلنا: حكمته التعبُّد لله: «إنَّما جُعلَ الطَّوافُ بالبيت، وبالصَّفا والمروة، ورميُ الجِمَار؛ لإقامة ذِكْرِ الله». فالتعبُّد لا شَكَّ أنَّه من أعظمِ الحِكَمِ، ولهذا قال بعض العلماء: إنَّ النهيَ عن الصَّلاة في أعطان الإبلِ تعبُّديٌّ، أي: أنَّنا لا نعلم عِلَّته، ولكن نتعبَّدُ لله به.

فأيُّهما أعظمُ استسلاماً وانقياداً؟ أن يستسلمَ الإنسانُ للأمر إذا لم يعلم حكمته، أو يستسلم له إذا علم حكمته؟ الأوَّلُ أعظمُ.

2,535

وقال بعضُ العلماء: بل لأنَّ أرواثها وأبوالها نجسة ، وهذا مبنيٌّ على أنَّ الأبوال والأرواث نجسة؛

2,536

ولو من الحيوان الطَّاهر، والصَّحيح خلافه كما تقدَّم في باب إزالة النَّجاسة ، ولكن هذه العِلَّة باطلة، إذ لو كانت هذه هي العِلَّة ما جازت الصَّلاة في مرابض الغنم، لأنَّ القائلين بنجاسة أبوال الإبل وأرواثها يقولون بنجاسة أرواث الغنم وأبوالها.

2,537

وقيل: لأنَّ الإبل شديدة النُّفور، ورُبَّما تنفر وهو يُصلِّي،

2,538

فإذا نفرت ربما تصيبه بأذى، حتى وإن لن تصبه فإنه ينشغل قلبه إذا كانت هذه الإبل تهيج؛ فيكون النهي عن الصَّلاة في أعطانها لئلاَّ ينشغل قلبُه ، لكن هذه العِلَّة أيضاً فيها نظر؛ لأن مقتضاها ألا يكون النَّهيُ إلا والإبل موجودة، ثم قد تنتقض بمرابض الغنم. فالغنم تهيج وتُشغل، فهل نقول: إنها مثلها؟ لا.

2,539

وقال بعضُ أهل العلم: إنما نُهي عن الصلاة في مبارك الإبل أو أعطانها؛ لأنها خُلقت من الشياطين، كما جاء ذلك في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح ،

2,540

فإذا كانت مخلوقة من الشياطين، فلا يبعد أن تصحبها الشياطين، وتكون هذه الأماكن مأوى للإبل ومعها الشياطين، وتكون الحكمة في النهي عن الصلاة فيها كالحكمة في النهي عن الصلاة في الحمَّام، وهذا الذي اختاره شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو أقرب ما يُقال في الحكمة، ومع ذلك فالحكمة الأصيلة هي التعبُّد لله بذلك.

ويُشبهُ في السؤال عن الحكمة ما يفعله بعض الناس إذا وَرَدَ عليه الأمر قال: هل هو للوجوب؟

2,541

وإذا وَرَدَ عليه النَّهيُ قال: هل هو للتَّحريم؟ ومثلُ هذا السؤال لا ينبغي؛ لأنه ينبئ عن التَّردُّد في الامتثال؛ ولأنَّ الصحابة رضي الله عنهم وهم أشدُّ الناس حرصاً على التزام حدود الله؛ لم يكونوا يسألون رسولَ الله ﷺ عن الأمر إذا ورد عليهم؛ هل هو للاستحباب أو للوجوب؟ ولا عن النَّهي؛ هل هو للتنزيه أو التحريم؟ بل يمتثلون الأمر؛ ويجتنبون النَّهيَ دون سؤال، ولا ريب أن هذا أكمل في التعبُّد والامتثال. نعم، إذا تورَّط العبد في المخالفة؛

حَسُنَ أن يسأل ليتوبَ من الوقوع في الإثم ويستدرك الواجب؛ إن كان خالف في واجب؛ أو فِعْلِ محرَّم، ويكون في حِلٍّ إذا لم يكن وقع في إثم بأن كان الأمر للاستحباب والنهيُ للتنزيه.

وَمَغْصُوبٍ، ............ «ومغصوبٍ»، أي: ولا تصحُّ الصلاة في مغصوب، والمغصوب: كلُّ ما أُخِذَ من مالكه قهراً بغير حقٍّ، سواءٌ أُخِذَ بصورة عقد أو بدون صورة عقد.

فمثلاً: لو جاء إنسان لآخر وغصب منه أرضاً وصَلَّى فيها؛ فصلاته لا تصحُّ؛ لأنها مغصوبة.

2,542

ولو جاء إنسانٌ إلى آخر وقال: بِعْنِي أرضك، قال: لا أبيعها، قال: بِعْهَا وإلا قتلتك، فباعها إكراهاً، وصَلَّى فيها المُكْرِه فلا تصحُّ؛

2,543

وإن كانت مأخوذة بصورة عقد.

ولا أعلم دليلاً أثريّاً يدلُّ على عدم صحَّة الصَّلاة في الأرض المغصوبة، لكن القائلين بذلك علَّلوا بأن الإنسان منهيٌّ عن المقام في هذا المكان؛ لأنه مُلْك غيره،

2,544

فإذا صَلَّى فصلاتُه منهيٌّ عنها؛ والصَّلاة المنهيُّ عنها لا تصحُّ؛ لقول النبيِّ ﷺ :«من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ»، ولأنها مضادَّة للتعبُّد، فكيف يُتعبَّد لله بمعصيته؟

والقول الثَّاني في المسألة: أنها تصحُّ في المكان المغصوب مع الإثم ؛ لأن الصلاة لم يُنْهَ عنها في المكان المغصوب، بل نُهيَ عن الغصب، والغصب أمر خارج، فأنت إذا صَلَّيت فقد صَلَّيت كما أُمرت، وإقامتك في المغصوب هي المحرَّمة.

2,545

وأما قوله ﷺ :«من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ»، فلا دليل فيه على عدم صحَّة الصلاة في المكان المغصوب إلا لو قال: لا تصلُّوا في الأرض المغصوبة،

note

فلو قال ذلك لقلنا: إن صلَّيت في مكان مغصوب، فصلاتُك باطلة، لكنه

2,546

قال في النَّهي عن الغصب: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ، وهذا يدلُّ على تحريم الغصب لا على بُطلان الصَّلاة في المغصوب. والقول الثاني في هذه المسألة هو الرَّاجح.

وَأَسْطِحَتِهَا ........... «وأسطحتها»، يعني: لا تصحُّ الصلاة في أسطحة هذه الأماكن، فيكون هذا الموضع السادس،

والأسطحة هي ما يلي:

أولاً: سطح المقبرة، لا تصحُّ الصلاة فيه،

2,547

فلو وجدنا حجرة مبنيَّة في المقبرة، فهل يجوز أن نُصلِّيَ على سطحها؟ لا؛ لأنَّ الهواء تابع للقرار، والهواء وما فوق هذا القرار إلى سماء الدُّنيا تابع للقرار.

ولكن هنا عِلَّة أقوى من هذه بالنسبة للمقبرة وهي: أن عِلَّة النَّهي بالنسبة للصلاة في المقبرة خوفُ أن تكون ذريعة لعبادة القبور، والصَّلاة على سطح الحجرة التي في المقبرة قد تكون ذريعة، ولا سيَّما أنَّ البناء على المقابر أصله حرام فيكون صَلَّى على بناء محرَّم للعِلَّة التي نُهيَ عن الصلاة في المقبرة من أجلها.

ثانياً: سطح ِ الحُشِّ، لا تصحُّ الصلاة فيه؛ لأن الهواء تابع للقرار، ولكن هذا التَّعليل عليل، فالهواء تابع للقرار في المُلْكِ،

2,548

أما في الحُكم فلا؛ فقد نُهيَ عن الصلاة في الحُشِّ من أجل النَّجاسة،

2,549

فإذا لم يكن نجاسة في سطحه فلا مانع، وهذا هو القول الصَّحيح الذي اختاره صاحب «المغني».

والدَّليل على أنها صحيحة: عموم قوله ﷺ: «جُعلت لي الأرضُ مسجداً وطَهُوراً»، وبناءً على ذلك فإن الصلاة على «البيَّارة» و «البلاَّعة» لا بأس بها؛ لأنها أقلُّ من سطح الحُشِّ،

2,550

فإن سطح الحُشِّ قد يقول قائل: إنه داخل في اسم الحُشِّ؛ فلا تصحُّ الصَّلاة فيه،

2,551

أما سطح «البيَّارة» فليس تابعاً لها، بل هو مستقلٌّ، وهذا هو الذي عليه عمل الناس،

2,552

فإن «البيَّارات» أو أنابيب المجاري الوسخة تمرُّ من الأحواش ويُصلِّي الناس عليها.

ثالثاً: سطح الحَمَّام، لا تصحُّ الصلاة عليه، وعلَّلوا ذلك بأن الهواء تابع للقرار، وبأن سطح الحَمَّام داخل في مُسمَّاه.

والقول الثَّاني في المسألة: أنَّ الصلاة على سطح الحَمَّام صحيحة ؛ لأن الحَمَّام إنْ كانت العِلَّة فيه أنه مأوى الشياطين؛

2,553

فإن الشياطين لا تأوي إلا إلى المكان الذي تُكشف فيه العورات،

2,554

وإن كانت العِلَّة فيه خوف النجاسة؛ فالسطح بعيد من هذه العِلَّة، وعلى هذا فتصحُّ الصلاة على سطح الحمَّام.

رابعاً: سطح أعطان الإبل، لا تصحُّ الصلاة عليه، وعلَّلوا ذلك: بأن الهواء تابع للقرار،

2,555

فلو كان هناك حوشٌ للإبل تقيم فيه وتأوي إليه، وجانب منه مُسقَّف كما يُفعل كثيراً في أحواش الإبل، فالسَّقف الذي فوق هذا الحوش ـ على المذهب ـ لا تصحُّ الصلاة فيه.

2,556

والصَّحيح: صحَّة الصلاة؛ في سطح أعطان الإبل؛ لأنَّ هذا لا يدخل في قوله عليه الصلاة والسلام :«لا تصلُّوا في أعطان الإبل» فإن الإبل لا تبرك فوق السطح، إنما تبرك في أسفله.

خامساً: سطح المغصوب، فالصَّلاة على سطح المغصوب كالصَّلاة في المغصوب إن كان السطح مغصوباً،

2,557

فإن لم يكن مغصوباً فإنه لا شَكَّ في صحة الصَّلاة فيه.

2,558

فإن قُلت: كيف صورة كون الأسفل مغصوباً والسَّطح غير مغصوب؟ قلنا: يأتي رَجُلٌ فيغصب أسفل البيت ويدع أعلاه لصاحبه، فالسطح غير مغصوب، لكن نقول: إذا غصب الإنسانُ البيتَ كلَّه، فإنه يكون كلُّه مغصوباً،

2,559

وإذا كان مغصوباً فإنه لا تصحُّ الصلاة فيه على قاعدة المذهب .

2,560

والحاصل: أن سطح المغصوب في تصويره نظر؛ لأننا نقول: إذا كان سطح المغصوب داخلاً في الغصب فهو مغصوب،

2,561

وإن كان خارجاً عن الغصب فهو ملك لصاحبه، ولا نظنُّ أنَّ أحداً من أهل العلم قال: إن الصلاة لا تصحُّ فيه. وعلى هذا؛ فالقول الرَّاجح: أن جميع هذه الأسطحة تصحُّ الصلاة فيها إلا سطح المقبرة وسطح الحَمَّام.

2,562

أمَّا المقبرة، فلأنَّ البناء على المقبرة كالمقبرة في كونه ذريعة إلى عبادة القبور، ولهذا نُهيَ عن البناء على القبر،

2,563

وأما سطح الحَمَّام فلأنه داخل في مسمَّاه؛ لكن سبق البحث في ذلك ، فهو محل تردُّدٍ عندي.

وَتَصِحُّ إِلَيْهَا ...........

A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.