وعلّته القدر والجنس
Its commentaries
(وَعِلَّتُهُ الْقَدْرُ وَالْجِنْسُ) أَيْ عِلَّةُ الرِّبَا أَيْ وُجُوبُ الْمُسَاوَاةِ الَّتِي يَلْزَمُ عِنْدَ فَوْتِهَا الرِّبَا هَكَذَا فَسَّرَهُ السِّغْنَاقِيُّ فِي شَرْحِ الْأَخْسِيكَثِيِّ فِي الْأُصُولِ، وَذَكَرَهُ فِي الْكَافِي سُؤَالًا وَجَوَابًا،
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَيْ عِلَّةُ تَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ. اهـ.
وَفِي الْمِعْرَاجِ أَيْ عِلَّةُ حُرْمَةِ الرِّبَا وَوُجُوبِ الْمُسَاوَاةِ وَالْعِلَّةُ فِي اللُّغَةِ الْمَرَضُ الشَّاغِلُ، وَالْجَمْعُ عِلَلٌ، وَأَعَلَّهُ اللَّهُ فَهُوَ مَعْلُولٌ، وَاعْتَلَّ إذَا مَرَض، وَاعْتَلَّ إذَا تَمَسَّكَ بِحُجَّةٍ، وَأَعَلَّهُ بِكَلِمَةٍ جَعَلَهُ ذَا عِلَّةٍ، وَمِنْهُ إعْلَالَاتُ الْفُقَهَاءِ، وَاعْتِلَالُهُمْ. اهـ.
وَأَمَّا فِي الْأُصُولِ فَقَالُوا إنَّهَا فِي اللُّغَةِ هِيَ الْمُغَيِّرُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمَرَضُ عِلَّةً لِأَنَّهُ بِحُلُولِهِ يَتَغَيَّرُ حَالُ الْمَحِلِّ عَنْ وَصْفِ الْقُوَّةِ إلَى وَصْفِ الضَّعْفِ، وَلِذَا سُمِّيَ الْجُرْحُ عِلَّةً لِأَنَّهُ بِحُلُولِهِ بِالْمَجْرُوحِ يَتَغَيَّرُ حُكْمُ الْحَالِ،
وَفِي الِاصْطِلَاحِ مَا يُضَافُ إلَيْهِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِلَا وَاسِطَةٍ فَخَرَجَ الشَّرْطُ لِأَنَّهُ لَا يُضَافُ إلَيْهِ ثُبُوتُهُ وَالسَّبَبُ، وَالْعَلَامَةُ، وَعِلَّةُ الْعِلَّةِ لِأَنَّهَا بِالْوَاسِطَةِ، وَهَذَا التَّعْرِيفُ شَامِلٌ لِلْعِلَلِ الْمَوْضُوعَةِ كَالْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ. اهـ.
وَلِلْمُسْتَنْبِطَةِ كَالْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الْقِيَاسَاتِ، وَالْمُرَادُ بِالْقَدْرِ الْكَيْلُ فِي الْمَكِيلِ، وَالْوَزْنُ فِي الْمَوْزُونِ فَانْحَصَرَ الْمُعَرَّفُ لِلْحُكْمِ فِيهِمَا، وَالتَّعْبِيرُ بِالْقَدْرِ أَخْصَرُ لَكِنَّهُ يَشْمَلُ مَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ يَشْمَلُ الذَّرْعَ وَالْعَدَّ، وَلَيْسَا مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَلَكِنْ بَعْدَمَا وَضَعُوا الْقَدْرَ بِإِزَاءِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ كَيْفَ يَشْمَلُ غَيْرَهُمَا.
وَالْجِنْسُ فِي اللُّغَةِ الضَّرْبُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْجَمْعُ أَجْنَاسٌ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ النَّوْعِ فَالْحَيَوَانُ جِنْسٌ، وَالْإِنْسَانُ نَوْعٌ، وَحُكِيَ عَنْ الْخَلِيلِ هَذَا يُجَانِسُ هَذَا أَيْ يُشَاكِلُهُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي التَّهْذِيبِ أَيْضًا، وَعَنْ بَعْضِهِمْ فُلَانٌ لَا يُجَانِسُ النَّاسَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَمْيِيزٌ وَلَا عَقْلٌ، وَالْأَصْمَعِيُّ يُنْكِرُ هَذَيْنِ الِاسْتِعْمَالَيْنِ، وَيَقُولُ هُوَ كَلَامُ الْمُوَلَّدِينَ، وَلَيْسَ بِعَرَبِيٍّ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ،
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَاخْتِلَافُ الْجِنْسِ يُعْرَفُ بِاخْتِلَافِ الِاسْمِ الْخَاصِّ وَاخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ فَالْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ جِنْسَانِ عِنْدَنَا لِأَنَّ إفْرَادَ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَالثَّوْبُ الْهَرَوِيُّ وَالْمَرْوِيُّ بِسُكُونِ الرَّاءِ جِنْسَانِ لِاخْتِلَافِ الصَّنْعَةِ وَقِيَامِ الثَّوْبِ بِهَا،
وَكَذَا الْمَرْوِيُّ الْمَنْسُوجُ بِبَغْدَادَ، وَخُرَاسَانَ، وَاللَّبَدُ اللامتي وَالطَّالَقَانِيُّ، وَالتَّمْرُ كُلُّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَالْحَدِيدُ، وَالرَّصَاصُ، وَالشَّبَهُ أَجْنَاسٌ،
وَكَذَا غَزْلُ الصُّوفِ وَالشَّعْرِ، وَاللَّحْمُ الضَّانِي وَالْمَعْزِيِّ، وَالْبَقَرِيُّ، وَالْأَلْيَةُ، وَاللَّحْمُ، وَشَحْمُ الْبَطْنِ أَجْنَاسٌ، وَدُهْنُ الْبَنَفْسَجِ، وَالْخَيْرِيُّ جِنْسَانِ، وَالْأَدْهَانُ الْمُخْتَلِفَةُ أُصُولُهَا أَجْنَاسٌ،
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ رِطْلِ زَيْتٍ غَيْرِ مَطْبُوخٍ بِرِطْلٍ مَطْبُوخٍ مُطَيَّبٍ لِأَنَّ الطِّيبَ زِيَادَةٌ. اهـ.
وَفِي الْمِعْرَاجِ الْقَدْرُ عِبَارَةٌ عَنْ الْعِيَارِ، وَالْجِنْسُ عِبَارَةٌ عَنْ مُشَاكَلَةِ الْمَعَانِي. اهـ.
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ» ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ بِالرَّفْعِ الْحِنْطَةُ أَيْ بَيْعُ الْحِنْطَةِ مِثْلٌ، وَيُنْصَبُ عَلَى الْحَالِ،
وَكَذَلِكَ رُوِيَ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ فِي يَدًا بِيَدٍ فَالرَّفْعُ عَطْفٌ عَلَى الْخَبَرِ أَيْ مِثْلٌ، وَمَقْبُوضَةٌ، وَالنَّصْبُ عَلَى الْحَالِ بِتَأْوِيلِهِ بِالْمُشْتَقِّ أَيْ مُتَنَاجِزَيْنِ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ لِشُهْرَتِهِ ظَنَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ حَدُّهُ،
وَقَالَ الْجَصَّاصُ إنَّهُ يَقْرُبُ مِنْ الْمُتَوَاتِرِ لِكَثْرَةِ رُوَاتِهِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ سِتَّةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا عُمَرَ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَسَارِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَبِلَالٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَمَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُثْمَانُ، وَهِشَامُ بْنُ عَامِرٍ، وَالْبَرَاءُ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَخَالِدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبُو بَكْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَقَدْ أَطَالَ الْكَلَامَ فِي بَيَانِهِ فِي الْبِنَايَةِ ثُمَّ قَالَ آخِرًا، وَلَيْسَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ الْبُدَاءَةُ بِالْحِنْطَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ مَذْكُورَةٌ فِي أَثْنَائِهِ، وَلَكِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بَادِئًا بِالْحِنْطَةِ.
اهـ.
وَالْحُكْمُ مَعْلُولٌ بِإِجْمَاعِ الْقَايِسِينَ لَكِنَّ الْعِلَّةَ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الطَّعْمُ فِي الْمَطْعُومَاتِ، وَالثَّمَنِيَّةُ فِي الْأَثْمَانِ، وَالْجِنْسِيَّةُ شَرْطٌ، وَالْمُسَاوَاةُ مَخْلَصٌ.
وَالْأَصْلُ هُوَ الْحُرْمَةُ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى شَرْطَيْنِ التَّقَابُضِ، وَالْمُمَاثَلَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِالْعِزَّةِ وَالْخَطَرِ كَاشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ فَيُعَلَّلُ بِعِلَّةٍ تُنَاسِبُ إظْهَارَ الْخَطَرِ وَالْعِزَّةِ، وَهُوَ الطُّعْمُ لِبَقَاءِ الْإِنْسَانِ، وَالثَّمَنِيَّةُ لِبَقَاءِ الْأَمْوَالِ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْمَصَالِحِ بِهَا، وَلَا أَثَرَ لِلْجِنْسِيَّةِ فِي ذَلِكَ فَجَعَلْنَاهُ شَرْطًا، وَالْحُكْمُ قَدْ يَدُورُ مَعَ الشَّرْطِ، وَلَنَا أَنَّهُ أَوْجَبَ الْمُمَاثَلَةَ شَرْطًا فِي الْبَيْعِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِسَوْقِهِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الْبَيْعِ إذْ هُوَ يُنْبِئُ عَنْ التَّقَابُلِ وَذَلِكَ بِالتَّمَاثُلِ أَوْ صِيَانَةً لِأَمْوَالِ النَّاسِ عَنْ التَّوَى أَوْ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ بِاتِّصَالِ التَّسْلِيمِ بِهِ ثُمَّ يَلْزَمُ عِنْدَ فَوْتِهِ حُرْمَةُ الرِّبَا، وَالْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى، وَالْمِعْيَارُ يُسَوِّي الذَّاتَ، وَالْجِنْسِيَّةُ تُسَوِّي الْمَعْنَى فَيَظْهَرُ الْفَضْلُ عَلَى ذَلِكَ فَيَتَحَقَّقُ الرِّبَا لِأَنَّ الرِّبَا هُوَ الْفَضْلُ الْمُسْتَحَقُّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْوَصْفُ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ تَفَاوُتًا عُرْفًا أَوْ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهِ سَدَّ بَابِ الْبِيَاعَاتِ أَوْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ» ، وَالطَّعْمُ، وَالثَّمَنِيَّةُ مِنْ أَعْظَمِ وُجُوهِ الْمَنَافِعِ، وَالسَّبِيلُ فِي مِثْلِهَا الْإِطْلَاقُ بِأَبْلَغِ الْوُجُوهِ لِشِدَّةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا دُونَ التَّضْيِيقِ فَلَا يُعْتَبَرُ بِمَا ذَكَرَهُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
قَوْلُهُ
(قَوْلُهُ وَلَكِنْ بَعْدَمَا وَضَعُوا إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمْ أَرَادُوا هَذَا الْمَعْنَى مِنْ اللَّفْظِ، وَهَذَا لَا يُفِيدُ عَدَمَ شُمُولِهِ لِغَيْرِهِ وَضْعًا نَعَمْ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْقَدْرِ لِلْعَهْدِ، وَالْمُرَادُ الْكَيْلُ، وَالْوَزْنُ.
(وعلته) أي: علة الربا المنهي عنه،
وفي (الفتح) القدر والجنس أي: علة تحريم الزيادة (القدر) أي: الكيل والوزن وهذا أعني التعبير بالقدر أشمل كما في (الهداية) .
قال في (الفتح) : لكنه يشمل ما ليس بصحيح إذ يشمل الزرع والعد وليسا من أموال الربا، ورده في (البحر) بأنهم بعدما وضعوا القدر بإزاء الكيل والوزن كيف يشمل غيرهما؟ وأنت خبير بأن هذا في خير المنع غاية الأمر أنهم أرادوا هذا المعنى من اللفظ وهذا لا يفيد عدم شموله لغيره وضعاً نعم في (الحواشي السعدية) يمكن أن يقال: الألف واللام في القدر للعهد والمراد الكيل والوزن (والجنس) وهو عبارة عن مشاكلة المعاني، كذا في (الدراية) .
قال في (الفتح) : واختلافه يعرف باختلاف الاسم الخاص واختلاف المقصود فالحنطة والشعير جنسان عندنا لأن أفراد كل منهما في الحديث يدل على ذلك والثوب الهروي والمروي بسكون الراء جنسان لاختلاف الصنعة وقيام الثوب بها،
وكذا المروي المنسوج ببغداد وخراسان واللبد الأرمني والطالقاني والتمر كل جنس واحد والحديد والرصاص والشيه أجناس،
وكذا غزل الصوف والشعر ولحم البقر والضأن والمعز والألية واللحم وشحم البطن أجناس ودهن البنفسج والجير جنسان والأدهان المختلفة أصولها أجناس ولا يجوز بيع رطل زيت غير مطبوخ برطل مطبوخ بطيب لأن الطيب زيادة انتهى.
وفي (السراج) : لحوم الإبل جنس واحد
وكذا المشاقة والكتان وعن أبي يوسف في لحم الطيور يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلاً وإن كان من نوع واحد لأنه لا يوزن في العادة وثمار النخيل كلها جنس واحد
وكذا ثمار الكروم والرطب جنس واحد أيضاً، والأصل في هذا الباب ما رواه الستة إلا البخاري عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل فمن زاد واستزاد فقد أربى) ، وليس فيه البدأة بالحنطة وإنما هي من رواية محمد عن أبي حنيفة عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري وقال: جاءت الرواية بالرفع أي بيع الحنطة فحذف المضاف إليه مقامه أو ابتاع الحنطة وكلاهما خبر بمعنى الأمر ....
أي بيعوا، وروى مثل بالرفع على الخبرية وبالنصب على الحالية،
وكذلك جاء الوجهان في يد بيد فالرفع عطف على فحرم الفضل والنساء فقط بأحدهما الخبر أي مثل ومقبوض كذا في (البحر) ، وكأنه حذف العاطف لكن بابه الشعر كما قالوا والنصب على الحال بتأويله بمشتق أي متناجزين
(وَعِلَّتُهُ الْقَدْرُ وَالْجِنْسُ) يَعْنِي بِالْقَدْرِ الْكَيْلَ فِي الْمَكِيلِ وَالْوَزْنَ فِي الْمَوْزُونِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْعِلَّةُ الطَّعْمُ بِانْفِرَادِهِ فِي الْمَطْعُومَاتِ وَالثَّمَنِيَّةِ بِانْفِرَادِهَا فِي الْأَثْمَانِ وَالْجِنْسُ شَرْطٌ عِنْدَهُ لِحَدِيثِ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنْت أَسْمَعُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمئِذٍ الشَّعِيرَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ الطَّعَامَ مُشْتَقٌّ مِنْ الطُّعْمِ فَذِكْرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عِلَّةٌ إذْ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَأْخَذَ الِاشْتِقَاقِ عِلَّةٌ لَهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} فَعِلَّةُ الْقَطْعِ وَالْجَلْدِ.
السَّرِقَةُ وَالزِّنَا وَلِأَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ» الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَضْيِيقِ تَحْصِيلِهِ؛ لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالنَّهْيِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ حُرْمَةَ الْبَيْعِ أَصْلٌ فِيهِ وَالْجَوَازُ مُعَارِضٌ وَهُوَ التَّقَابُضُ وَالْمُسَاوَاةُ مُخَلِّصٌ إذْ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ «لَا تَبِيعُوا» لَمَا جَازَ بَيْعُهُ وَتَعْلِيقُ جَوَازِهِ بِشَرْطَيْنِ يَدُلُّ عَلَى عِزَّتِهِ وَخَطَرِهِ كَمِلْكِ الْبُضْعِ ضُيِّقَ تَحْصِيلُهُ بِاشْتِرَاطِ الشُّهُودِ وَالْمَهْرِ لِعِزَّتِهِ وَخَطَرِهِ فَيُعَلَّلُ بِعِلَّةٍ تُنَاسِبُ الْعِزَّةَ وَهِيَ الطُّعْمُ فِي الْمَطْعُومَاتِ لِبَقَاءِ الْأَنْفُسِ بِهِ وَالثَّمَنِيَّةُ فِي الْأَثْمَانِ لِبَقَاءِ الْأَمْوَالِ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ مَصَالِحِهَا بِهَا وَلَا أَثَرَ لِلْجِنْسِيَّةِ وَالْقَدْرِ فِي زِيَادَةِ الْعِزَّةِ وَالْخَطَرِ لِوُجُودِهِمَا فِي خَطِيرٍ وَحَقِيرٍ، لَكِنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ إلَّا عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فَجَعَلْنَاهُ شَرْطًا وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ الشَّرْطِ كَالرَّجْمِ مَعَ الْإِحْصَانِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْعِلَّةِ أَنَّ الْعِلَّةَ مُؤَثِّرَةٌ فِي الْحُكْمِ دُونَ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ يُضَافُ وُجُودُهُ إلَى الْعِلَّةِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَا إلَى الشَّرْطِ وَقَالَ مَالِكٌ: الْعِلَّةُ الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ؛
لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خَصَّ بِالذِّكْرِ فِيمَا رَوَيْنَا كُلَّ مُقْتَاتٍ وَمُدَّخَرٍ وَلِأَنَّ الْعِزَّةَ وَالْخَطَرَ بِهِ أَكْمَلُ فَكَانَ أَنْسَبَ وَأَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ وَأَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَا وُزِنَ مِثْلٌ بِمِثْلٍ إذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا وَمَا كِيلَ فَمِثْلُ ذَلِكَ فَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَلَا بَأْسَ بِهِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
وَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَى الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّهُمَا عِلَّةُ الْحُكْمِ لِمَا عُرِفَ أَنَّ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ يُنْبِئُ عَنْ عِلِّيَّةِ مَأْخَذِ الِاشْتِقَاقِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ مِثْلًا بِمِثْلٍ بِسَبَبِ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ مَعَ الْجِنْسِ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ فَجَاءَهُمْ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ: أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا فَقَالَ: إنَّا نَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ فَقَالَ لَا تَفْعَلْ بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ مِثْلُ ذَلِكَ» أَيْ فِي الْمَوْزُونِ إذْ نَفْسُ الْمِيزَانِ لَيْسَ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا وَهُوَ أَقْوَى حُجَّةً فِي عِلِّيَّةِ الْقَدْرِ وَهُوَ بِعُمُومِهِ يَتَنَاوَلُ الْمَوْزُونَ كُلَّهُ الثَّمَنَ وَالْمَطْعُومَ وَغَيْرَهُمَا فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِمَا فِي مَنْعِهِمَا ذَلِكَ
وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ:«لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ» الْمُرَادُ مَا يَحِلُّ الصَّاعَ إذْ لَا يَجْرِي الرِّبَا فِي نَفْسِ الصَّاعِ وَهُوَ عَامٌّ فِيمَا يَحِلُّهُ فَيَتَنَاوَلُ الْمَطْعُومَ وَغَيْرَهُ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِمَا وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ مَجَازٌ فَلَا عُمُومَ لَهُ لِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَهُ عُمُومٌ كَالْحَقِيقَةِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إنَّمَا تَعُمُّ لِأَمْرٍ زَائِدٍ عَلَيْهَا لَا لِكَوْنِهَا حَقِيقَةً وَالْمَجَازُ يُشَارِكُهَا فِي هَذَا الْمَعْنَى فَيَعُمُّ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّمَاثُلُ إذْ الْبَيْعُ يُنْبِئُ عَنْ التَّقَابُلِ وَذَلِكَ بِالتَّمَاثُلِ وَاعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ فَأَوْجَبَهُ صِيَانَةً لِأَمْوَالِهِمْ عَنْ التَّوَى وَتَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ بِالتَّسْلِيمِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَيَكُونُ الزَّائِدُ عَلَيْهِ قَدْرًا تَاوِيًا عَلَى صَاحِبِهِ بِلَا عِوَضٍ
وَكَذَا الْحَالُّ خَيْرٌ مِنْ الْمُؤَجَّلِ فَتَفُوتُ بِهِ التَّسْوِيَةُ وَفَائِدَةُ الْمُبَايَعَةِ لِفَوَاتِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمُؤَجَّلِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مِثْلًا بِمِثْلٍ» فَعِنْدَ فَوَاتِهِ تَلْزَمُ الْحُرْمَةُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْفَضْلُ رِبًا فَيُعَلَّلُ بِعِلَّةٍ تُؤَثِّرُ فِي إيجَابِ التَّمَاثُلِ فَيَتَعَيَّنُ الْقَدْرُ وَالْجِنْسُ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا يُوجِبَانِهِ إذْ التَّمَاثُلُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى؛ لِأَنَّ كُلَّ مُحْدَثٍ مَوْجُودٌ بِاعْتِبَارِهِمَا فَالْمِعْيَارُ يُسَوِّي الذَّاتَ وَالْجِنْسِيَّةُ تُسَوِّي الْمَعْنَى لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَقْصِدِ أَلَا تَرَى أَنَّ كَيْلًا مِنْ بُرٍّ يُسَاوِي كَيْلًا مِنْ أُرْزٍ أَوْ شَعِيرٍ فِي الصُّورَةِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ لِعَدَمِ مَا قُلْنَا وَلَا مُعْتَبَرَ بِالتَّفَاوُتِ فِي الْوَصْفِ؛
لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ تَفَاوُتًا فِي الْعَادَةِ وَلِأَنَّهُ قَلَّمَا يُوجَدُ فِيهِ غَيْرَ مُتَفَاوِتٍ فَاشْتِرَاطُ التَّسَاوِي فِيهِ يُؤَدِّي إلَى سَدِّ بَابِ الْبِيَاعَاتِ وَهُوَ مَفْتُوحٌ وَالطَّعْمُ وَالِاقْتِيَاتُ وَالثَّمَنِيَّةُ وَالِادِّخَارُ مِنْ أَعْظَمِ وُجُوهِ الْمَنَافِعِ وَالْحَاجَةُ إلَيْهَا مِنْ أَشَدِّ الْحَاجَاتِ وَأَهَمِّهَا فَسُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي مِثْلِهِ التَّوْسِعَةُ وَالْإِطْلَاقُ دُونَ التَّضْيِيقِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَيْتَةَ أَبَاحَهَا عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ لِلْحَاجَةِ
وَكَذَا أَجَازَ الِانْتِفَاعَ بِالْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِمَظِنَّةِ الْحَاجَةِ عَادَةً
بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ الْمُشْتَرَكَةِ وَلَمَّا كَانَتْ حَاجَةُ الْحَيَوَانِ إلَى الْهَوَاءِ وَالْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَالنَّفَسِ أَشَدَّ جَعَلَهُ اللَّهُ أَوْسَعَ مِنْ غَيْرِهَا وَكُلُّ مَا اشْتَدَّتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ كَانَتْ التَّوْسِعَةُ فِيهِ أَكْثَرَ فَتَعْلِيلُهُ بِمَا يُوجِبُ التَّوْسِعَةَ عَلَى التَّضْيِيقِ مِنْ فَسَادِ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى فَسَادِ الْوَضْعِ أَنْ يَفْسُدَ وَضْعُ ذَلِكَ الْحُكْمِ عَلَى ذَلِكَ الدَّلِيلِ لِكَوْنِهِ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَيُضَادَّهُ.
وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ حُرْمَةَ الْبَيْعِ أَصْلٌ بَلْ الْأَصْلُ هُوَ الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ إذَا ثَبَتَتْ إنَّمَا تَثْبُتُ بِالدَّلِيلِ الْمُوجِبِ لَهَا وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْأَمْوَالَ خُلِقَتْ لِلِابْتِذَالِ فَيَكُونُ بَابُ تَحْصِيلِهَا مَفْتُوحًا فَيَجُوزُ مَا لَمْ يَقُمْ الدَّلِيلُ عَلَى مَنْعِهِ
بِخِلَافِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ يُرَدُّ عَلَى الْبِضْعِ وَهُوَ مُحْتَرَمٌ فَيُنَاسِبُ التَّضْيِيقَ إعْزَازًا لَهُ لِشَرَفِ الْآدَمِيِّ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ الْمُسَاوَاةَ مُخَلِّصٌ بَاطِلٌ وَلَئِنْ كَانَ مُخَلِّصًا فَهَلْ مُخَلِّصٌ فِي حَالَةِ التَّسَاوِي وَعِلَّةُ الْحُرْمَةِ فِي حَالَةِ التَّفَاضُلِ وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ يَتَضَمَّنُ حُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فِي مَحِلَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَالنِّكَاحِ يُثْبِتُ الْحِلَّ فِي الْمَنْكُوحَةِ وَالْحُرْمَةَ فِي أُمِّهَا فَكَذَا الْقَدْرُ وَالْجِنْسُ يُوجِبَانِ الْحُرْمَةَ عِنْدَ التَّفَاضُلِ وَالْحِلَّ عِنْدَ التَّسَاوِي وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِنَا هُمَا عِلَّةُ الرِّبَا وَالْقَاطِعُ لِلشَّغَبِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرَطُ التَّمَاثُلَ بِقَوْلِهِ «مِثْلًا بِمِثْلٍ» وَالتَّمَاثُلُ يَكُونُ بِالْوَزْنِ أَوْ الْكَيْلِ لَا غَيْرَ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ لَا يَكُونُ مِنْ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ وَأَنَّ الْأَمْوَالَ الرِّبَوِيَّةَ هِيَ الَّتِي تَكُونُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَمَا لَا يَكُونُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ لَيْسَتْ مِنْ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ إذْ الْحُكْمُ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ مَحِلِّهِ وَلِهَذَا قَالُوا: لَا يَجْرِي الرِّبَا فِيمَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمِعْيَارِ كَالْحَفْنَةِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَكَالذَّرَّةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِعَدَمِ مَا قُلْنَا.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَعِلَّتُهُ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ فَالْعِلَّةُ الْكَيْلُ مَعَ الْجِنْسِ أَوْ الْوَزْنُ مَعَ الْجِنْسِ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَيُقَالُ الْقَدْرُ مَعَ الْجِنْسِ وَهُوَ أَشْمَلُ اهـ قَالَ الْكَمَالُ وَقَدْ يُقَالُ بَدَلُ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ الْقَدْرُ وَهُوَ أَشْمَلُ وَأَخْصَرُ، لَكِنَّهُ يَشْمَلُ مَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ يَشْمَلُ الذَّرْعَ وَالْعَدَّ وَلَيْسَا مِنْ أَحْوَالِ الرِّبَا اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْخَبَرَ الْمَرْوِيَّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَعُبَادَةَ مَعْلُولٌ أَمْ لَا قَالَ الْقَائِسُونَ بِأَجْمَعِهِمْ: إنَّهُ مَعْلُولٌ، لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْعِلَّةُ الْقَدْرُ مَعَ الْجِنْسِ وَعَدُّوا هَذَا الْحُكْمَ إلَى كُلِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ قُوبِلَ بِجِنْسِهِ حَتَّى أَثْبَتُوا هَذَا الْحُكْمَ فِي الْجِصِّ وَالنُّورَةِ وَنَحْوِهِمَا لِوُجُودِ الْكَيْلِ وَأَثْبَتُوهُ فِي الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِوُجُودِ الْوَزْنِ.
اهـ. أَتْقَانِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَكَتَبَ أَيْضًا مَا نَصُّهُ وَقَالَ دَاوُد بْنُ عَلِيٍّ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ: إنَّ الْخَبَرَ غَيْرُ مَعْلُولٍ وَلَا يَجْرِي الرِّبَا إلَّا فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْخَبَرِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ قَالَ الْكَمَالُ: قَوْلُهُ وَالْحُكْمُ يَعْنِي حُرْمَةَ الرِّبَا أَوْ وُجُوبَ التَّسْوِيَةِ مَعْلُولٌ بِإِجْمَاعِ الْقَائِسِينَ بِوُجُوبِ الْقِيَاسِ عِنْدَ شَرْطِهِ
بِخِلَافِ الظَّاهِرِيَّةِ وَكَذَا عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ فَإِنَّ عِنْدَهُمْ حُكْمُ الرِّبَا مُقْتَصِرٌ عَلَى الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ الْمَنْصُوصَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا
أَمَّا الظَّاهِرِيَّةُ فَلِأَنَّهُمْ يَنْفُونَ الْقِيَاسَ
وَأَمَّا عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ فَلِأَنَّهُ يَشْتَرِطُ فِي الْقِيَاسِ أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ فِي كُلِّ أَصْلٍ أَنَّهُ مَعْلُولٌ وَلَمْ يَظْهَرْ هُنَا وَلِأَنَّهُ يَبْطُلُ الْعَدَدُ وَلَا يَجُوزُ كَمَا فِي قَوْلِهِ «خَمْسٌ مِنْ الْفَوَاسِقِ». اهـ.
(قَوْلُهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْعِلَّةُ الطَّعْمُ بِانْفِرَادِهِ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ثُمَّ
فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي الْفَضْلِ عَلَى مَا
قَالَ فِي التُّحْفَةِ تَظْهَرُ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي بَيْعِ مَطْعُومٍ بِجِنْسٍ غَيْرِ مُقَدَّرٍ كَبَيْعِ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ وَالسَّفَرْجَلَةِ بالسفرجلتين وَنَحْوِهِمَا يَجُوزُ عِنْدَنَا لِعَدَمِ الْقَدْرِ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ وَهِيَ الطُّعْمُ وَالثَّانِي فِي بَيْعِ مُقَدَّرٍ غَيْرِ مَطْعُومٍ كَبَيْعِ قَفِيزِ جِصٍّ بِقَفِيزَيْ جِصٍّ أَوْ مَنِّ حَدِيدٍ بِمَنَوَيْ حَدِيدٍ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا فِي الْجِصِّ لِوُجُودِ عِلَّةِ رِبَا الْفَضْلِ وَهِيَ الْكَيْلُ وَالْجِنْسُ وَعِنْدَهُ يَجُوزُ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ وَهِيَ الطَّعْمُ وَفِي الْحَدِيدِ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا لِوُجُودِ الْجِنْسِ وَالْوَزْنِ وَعِنْدَهُ يَجُوزُ لِعَدَمِ الثَّمَنِيَّةِ وَالطُّعْمِ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ إذَا بَاعَ قَفِيزَ أُرْزٍ بِقَفِيزَيْ أُرْزٍ لَا يَجُوزُ لِوُجُودِ الْكَيْلِ وَالْجِنْسِ عِنْدَنَا وَلِوُجُودِ الطُّعْمِ وَالْجِنْسِ عِنْدَهُ
وَكَذَا أَجْمَعُوا أَنَّهُ إذَا بَاعَ مَنَّ زَعْفَرَانٍ بِمَنَوَيْ زَعْفَرَانٍ أَوْ مَنَّ سُكَّرٍ بِمَنَوَيْ سُكَّرٍ لَا يَجُوزُ لِوُجُودِ الْوَزْنِ وَالْجِنْسِ عِنْدَنَا وَلِوُجُودِ الْجِنْسِ وَالطُّعْمِ عِنْدَهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْجِنْسُ شَرْطٌ عِنْدَهُ) أَيْ لِعَمَلِ الْعِلَّةِ عَمَلَهَا؛ لِأَنَّ الطُّعْمَ وَالثَّمَنِيَّةَ لَا تَعْمَلُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْجِنْسِيَّةِ. اهـ. قَوْلُهُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) لَفْظُ الْخُدْرِيِّ لَيْسَ فِي خَطِّ الشَّارِحِ. اهـ.
(قَوْلُهُ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا) يُقَالُ لَهُ سَوَادُ بْنُ غَزِيَّةَ. اهـ.
(قَوْلُهُ فَقَالَ: «لَا تَفْعَلْ بِعْ الْجَمْعَ» )
قَالَ فِي الْمُغْرِبِ وَالْجَمْعُ الدَّقَلُ؛ لِأَنَّهُ يُجْمَعُ وَيُخْلَطُ مِنْ تَمْرِ خَمْسِينَ نَخْلَةً
وَقِيلَ كُلُّ لَوْنٍ مِنْ النَّخْلِ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ فَهُوَ جَمْعٌ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى التَّمْرِ الرَّدِيءِ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» وَالْجَنِيبُ مِنْ أَجْوَدِ التَّمْرِ اهـ
وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ أَيْضًا: الدَّقَلُ مِنْ أَرْدَأِ التَّمْرِ. اهـ.
(قَوْلُهُ قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ» ) أَيْ وَلَا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ اهـ غَايَةٌ
(قَوْلُهُ الْمُرَادُ مَا يَحِلُّ الصَّاعِ) أَيْ وَيُجَاوِرُهُ مَجَازًا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ إذْ لَا يَجْرِي الرِّبَا فِي نَفْسِ الصَّاعِ) أَيْ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمِكْيَالِ بِمِكْيَالَيْنِ يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ فَيَتَنَاوَلُ الْمَطْعُومَ وَغَيْرَهُ) وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ عِلَّتِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ مُتَفَاضِلًا مَعَ وُجُودِ الطُّعْمِ
وَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى رَأْسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَسْقَ وَإِنْ كَانَ مَطْعُومًا مُتَفَاضِلًا. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إنَّمَا تَعُمُّ لِأَمْرٍ زَائِدٍ) وَذَلِكَ
إمَّا الْأَلْفُ وَاللَّامُ أَوْ لَفْظُ الْجَمْعِ أَوْ الْجِنْسِ اهـ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ) أَيْ الْمَقْصُودَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ» إيجَابُ التَّمَاثُلِ لَا إيجَابُ الْبَيْعِ. اهـ.
(قَوْلُهُ صِيَانَةً لِأَمْوَالِهِمْ عَنْ التَّوَى) ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْبَدَلَيْنِ إذَا كَانَ أَنْقَصَ مِنْ الْآخَرِ يَكُونُ الزَّائِدُ خَالِيًا عَنْ الْعِوَضِ وَفِيهِ تَلَفُ الزَّائِدِ فَاشْتَرَطَ الْمُمَاثَلَةَ حَتَّى تُصَانَ أَمْوَالُ النَّاسِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ «وَالْفَضْلُ رِبًا» أَيْ الْفَضْلُ عَلَى الْمُتَمَاثِلِ رِبًا أَيْ إنَّ الَّذِي نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ بِقَوْلِهِ {وَحَرَّمَ الرِّبَا} الْمُرَادُ بِهِ هَذَا الْفَضْلُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ وَالطُّعْمُ وَالِاقْتِيَاتُ) هَذَا جَوَابٌ عَنْ مُتَمَسَّكِ الشَّافِعِيِّ. اهـ. قَوْلُهُ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ حُرْمَةَ الْبَيْعِ أَصْلٌ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عِنْدَ قَوْلِهِ وَإِذَا عُدِمَ الْوَصْفَانِ الْجِنْسُ وَالْمَعْنَى الْمَضْمُومُ إلَيْهِ حَلَّ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَيْعِ الْحِلُّ {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} وَإِنَّمَا الْحُرْمَةُ بِعَارِضِ عِلَّةِ الرِّبَا وَهِيَ الْقَدْرُ وَالْجِنْسُ فَإِذَا انْعَدَمَتْ عِلَّةُ الْحُرْمَةِ كَانَ حَلَالًا بِالْحِلِّ الْأَصْلِيِّ. اهـ.
(قَوْلُهُ كَالْحَفْنَةِ مِنْ الْحِنْطَةِ إلَخْ) وَالْخَمْسُ حَفَنَاتٍ لَيْسَتْ حَفَنَاتٍ إذَا لَمْ تَبْلُغْ نِصْفَ الصَّاعِ. اهـ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.