يبدأ من تركة الميّت بتجهيزه ثمّ ديونه ثمّ وصيّته ثمّ تقسم بين ورثته
Its commentaries
[كِتَابُ الْفَرَائِضِ] (كِتَابُ الْفَرَائِضِ) اعْلَمْ أَنَّ عِلْمَ الْفَرَائِضِ هُوَ عِلْمُ الْمَوَارِيثِ يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِكَثْرَةِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَيَكُونُ فِيهِ النَّوَازِلُ وَالْفَتْوَى وَلِهَذَا حَثَّ الشَّارِعُ عَلَى تَعَلُّمِهِ وَرَغَّبَ فِيهِ مَخَافَةَ انْدِرَاسِهِ فَقَالَ «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ وَسَيُقْبَضُ هَذَا الْعِلْمُ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ حَتَّى يَتَنَازَعَ الِاثْنَانِ فِي الْفَرِيضَةِ فَلَا يَجِدَانِ أَحَدًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا» وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي» ثُمَّ يُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ تَفْسِيرِ الْفَرَائِضِ وَسَبَبِ اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ وَسَبَبِ حِرْمَانِهِ وَالْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّرِكَةِ وَأَصْنَافِ الْوَارِثِينَ
أَمَّا تَفْسِيرُهَا فَالْفَرْضُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ التَّقْدِيرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} أَيْ قَدَّرْتُمْ وَيُقَالُ فَرَضَ الْقَاضِي النَّفَقَةَ إذَا قَدَّرَهَا،
وَكَذَا يُسْتَعْمَلُ لِلْقَطْعِ يُقَالُ قَرَضَتْ الْفَأْرَةُ الثَّوْبَ أَيْ قَطَعَتْهُ فَسُمِّيَ كِتَابَ الْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّ سِهَامَ الْمَوَارِيثِ كُلَّهَا مُقَدَّرَةٌ مَقْطُوعَةٌ وَلِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ الْإِرْثِ الْقَرَابَةُ وَمَا هُوَ مُلْحَقٌ بِهَا كَالْوَلَاءِ
أَمَّا الْقَرَابَةُ فَنَوْعَانِ رَحِمٌ وَزَوْجِيَّةٌ وَنَصُّ الْكِتَابِ نَاطِقٌ بِهِمَا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} الْآيَةُ وَلِأَنَّ الْمَيِّتَ لَمَّا اسْتَغْنَى عَنْ مَالِهِ وَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ أَحَدٌ يَبْقَى عَاطِلًا سَائِبًا وَالْقَرِيبُ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فَيَسْتَحِقُّهُ بِالْقَرَابَةِ صِلَةً كَمَا يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ حَالَ حَيَاةِ مُوَرِّثِهِ صِلَةً وَالزَّوْجِيَّةُ أَصْلُ الْقَرَابَةِ وَأَسَاسُهَا؛ لِأَنَّ الْقَرَابَاتِ تَفَرَّعَتْ وَتَشَعَّبَتْ مِنْهَا فَالْتَحَقَ قَرَابَةُ السَّبَبِ بِقَرَابَةِ النَّسَبِ فِي حَقِّ اسْتِحْقَاقِ الْإِرْثِ،
وَأَمَّا الْوَلَاءُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» يَعْنِي فِي حَقِّ اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ فَقَدْ الْتَحَقَ الْوَلَاءُ بِالنَّسَبِ وَلِأَنَّهُ بِالْإِعْتَاقِ تَسَبَّبَ إلَى إحْيَائِهِ حُكْمًا حِينَ أَزَالَ عَنْهُ الْمَالِكِيَّةَ وَالْوِلَايَةَ الَّتِي هِيَ مِنْ خَاصَّةِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَكَانَ السَّبَبُ إلَى الْإِحْيَاءِ يَعْنِي بِالْإِعْتَاقِ
وَكَذَا وَلَاءُ الْمُوَالَاةِ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِمَنْ سَأَلَهُ عَمَّنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ هُوَ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ مَحْيَاهُ أَوْ مَمَاتَهُ» .
[مَا يَحْرُمُ بِهِ الْمِيرَاثُ] وَأَمَّا مَا يَحْرُمُ بِهِ الْمِيرَاثُ فَأَنْوَاعٌ ثَلَاثٌ الرِّقُّ وَالْكُفْرُ وَالْقَتْلُ مُبَاشَرَةً بِغَيْرِ حَقٍّ
أَمَّا الرِّقُّ فَلِأَنَّهُ سَلْبُ أَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ،
وَأَمَّا الْكُفْرُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ» يَعْنِي لَا يَرِثُ كَافِرٌ مُسْلِمًا وَلَا مُسْلِمٌ كَافِرًا،
وَأَمَّا الْقَتْلُ فَلِمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ،
وَأَمَّا الْحُقُوقُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّرِكَةِ فَأَرْبَعَةٌ الْكَفَنُ وَالدَّفْنُ وَالْوَصِيَّةُ وَالدَّيْنُ وَالْمِيرَاثُ فَأَوَّلُ مَا يُبْدَأُ مِنْهَا بِكَفَنِ الْمَيِّتِ وَدَفْنِهِ؛ لِأَنَّ سَتْرَ عَوْرَتِهِ وَمُوَارَاةَ سَوْآتِهِ مِنْ أَهَمِّ حَوَائِجِهِ وَاسْتِغْرَاقُ الدَّيْنِ بِمَالِهِ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ حَالَ حَيَاتِهِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ثُمَّ تُقْضَى دُيُونُهُ؛ لِأَنَّهَا أَهَمُّ مِنْ قَضَاءِ دُيُونِ اللَّهِ لَا اسْتِغْنَاءُ اللَّهِ تَعَالَى وَافْتِقَارُ الْعَبْدِ لِشِدَّةِ خُصُومَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ وَلِكَثْرَةِ تَجَاوُزِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَفْوِهِ وَتَفَضُّلِهِ وَكَرَمِهِ ثُمَّ تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ مِنْ الثُّلُثِ؛
لِأَنَّهَا مِنْ حَوَائِجِ الْمَيِّتِ وَالْوَارِثُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْمِيرَاثَ إذَا اسْتَغْنَى الْمُوَرِّثُ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِثُلُثِ مَالِهِ أَوْ رُبْعِهِ فَالْمُوصَى لَهُ شَرِيكُ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ حَقُّهُ فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ شَائِعًا كَحَقِّ سَائِرِ الْوَرَثَةِ ثُمَّ يُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ وَرَثَتِهِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[أَصْنَافُ الْوَارِثِينَ] وَأَمَّا أَصْنَافُ الْوَارِثِينَ فَثَلَاثَةٌ أَصْحَابُ الْفَرَائِضِ الَّذِينَ لَهُمْ سِهَامٌ مُقَدَّرَةٌ وَعَصَبَةٌ وَهُمْ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ مَا فَضَلَ مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ وَذَوُو الْأَرْحَامِ وَهُمْ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فُرُوضٌ مُقَدَّرَةٌ وَلَا لَهُمْ حَقِيقَةُ تَعْصِيبٍ وَإِنَّمَا لَهُمْ مُجَرَّدُ قَرَابَةٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ لِبَيَانِ مَا يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ وَمَا لَا يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ فَنَقُولُ لَا شَكَّ أَنَّ أَعْيَانَ الْأَمْوَالِ يَجْرِي فِيهَا الْإِرْثُ،
وَأَمَّا الْحُقُوقُ فَمِنْهَا مَا يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ حَقُّ الشُّفْعَةِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ وَحَدُّ الْقَذْفِ عِنْدَنَا وَالنِّكَاحُ لَا يُورَثُ بِلَا خِلَافٍ وَحَبْسُ الْمَبِيعِ وَحَبْسُ الرَّهْنِ يُورَثُ وَالْوَكَالَاتُ وَالْعَوَارِيّ وَالْوَدَائِعُ لَا تُورَثُ، وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُورَثُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يُورَثُ وَلَكِنْ لَا يَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً وَالدِّيَةُ تُورَثُ بِلَا خِلَافٍ،
وَأَمَّا الْقِصَاصُ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يُورَثُ وَيَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْقِصَاصُ لَا يُورَثُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيُورَثُ عِنْدَهُمَا وَالْوَلَاءُ يُورَثُ بِلَا خِلَافٍ.
[الْوَقْتِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ]
وَأَمَّا بَيَانُ الْوَقْتِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ فَنَقُولُ هَذَا فَصْلٌ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ الْإِرْثُ يَثْبُتُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاةِ الْمُوَرِّثِ وَقَالَ مَشَايِخُ بَلْخٍ الْإِرْثُ يَثْبُتُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ وَفَائِدَةُ هَذَا الِاخْتِلَافِ إنَّمَا تَظْهَرُ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِأَمَةِ الْغَيْرِ، ثُمَّ قَالَ لَهَا إذَا مَاتَ مَوْلَاك فَأَنْت حُرَّةٌ فَمَاتَ الْمَوْلَى وَالزَّوْجُ وَارِثُهُ هَلْ تَعْتِقُ؟ فَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْإِرْثَ يَجْرِي فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاةِ الْمُوَرِّثِ تُعْتَقُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْقُدُورِيِّ وَذَكَرَ أَنَّهَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا تُعْتَقُ وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ تُعْتَقُ.
[مَا يُسْتَحَقُّ بِهِ الْإِرْثُ وَمَا يَحْرُمُ بِهِ]
وَأَمَّا مَا يُسْتَحَقُّ بِهِ الْإِرْثُ وَمَا يَحْرُمُ بِهِ فَنَقُولُ مَا يُسْتَحَقُّ بِهِ الْإِرْثُ شَيْئَانِ النَّسَبُ وَالسَّبَبُ فَالنَّسَبُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ الْمُنْتَسِبُونَ إلَيْهِ وَهُمْ الْأَوْلَادُ وَالْمُنْتَسِبُ هُوَ إلَيْهِمْ وَهُمْ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ وَالسَّبَبُ وَهُمْ الْأَخَوَاتُ وَالْأَعْمَامُ وَالْعَمَّاتُ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَالسَّبَبُ ضَرْبَانِ زَوْجِيَّةٌ وَوَلَاءٌ وَالْوَلَاءُ نَوْعَانِ وَلَاءُ عَتَاقَةٍ وَوَلَاءُ الْمُوَالَاةِ وَفِي النَّوْعَيْنِ مِنْ الْوَلَاءِ يَرِثُ الْأَعْلَى مِنْ الْأَسْفَلِ وَلَا يَرِثُ الْأَسْفَلُ مِنْ الْأَعْلَى هَذَا بَيَانُ جُمْلَةِ مَا يُسْتَحَقُّ بِهِ الْإِرْثُ.
جِئْنَا إلَى بَيَانِ مَا يَحْرُمُ بِهِ الْإِرْثُ فَنَقُولُ مَا يَحْرُمُ بِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ الرِّقُّ حَتَّى إنَّ الْعَبْدَ لَا يَرِثُ مِنْ الْحُرِّ وَالْحُرُّ لَا يَرِثُ مِنْ الْعَبْدِ وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَهَا، وَاخْتِلَافُ الدِّينَيْنِ حَتَّى لَا يَرِثَ الْكَافِرُ مِنْ الْمُسْلِمِ وَلَا الْمُسْلِمُ مِنْ الْكَافِرِ وَسَيَأْتِي أَيْضًا وَالْقَتْلُ مُبَاشَرَةً بِغَيْرِ حَقٍّ فَفِي الْقَتْلِ يُشْتَرَطُ لِحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا - الْمُبَاشَرَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً حَتَّى إنَّ مَنْ تَسَبَّبَ إلَى قَتْلِ مُوَرِّثِهِ بِأَنْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى الطَّرِيقِ فَزَلَقَ بِهِ مُوَرِّثُهُ فَمَاتَ أَوْ حَفَرَ بِئْرًا عَلَى حَافَّةِ الطَّرِيقِ فَوَقَعَ فِيهَا مُوَرِّثُهُ وَمَاتَ لَا يُحْرَمُ مِنْ الْمِيرَاثِ.
الثَّانِي - أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالْقَتْلُ بِحَقٍّ لَا يُوجِبُ حِرْمَانَ الْإِرْثِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ صَالَ عَلَيْهِ مُوَرِّثُهُ فَقَتَلَهُ الْوَارِثُ دَفْعًا لِصِيَالَتِهِ لَا يُوجِبُ حِرْمَانَ الْمِيرَاثِ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ - أَنْ يَكُونَ الْمُبَاشِرُ مُخَاطَبًا حَتَّى إنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ إذَا قَتَلَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ وُجُوبِ الْقِصَاصِ وَلَا حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ
وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ سَبَبٌ لِحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِالنُّصْرَةِ وَلَا تَنَاصُرَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ وَلَكِنَّ هَذَا الْحُكْمَ فِي أَهْلِ الْكُفْرِ لَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إنَّ الْمُسْلِمَ إذَا مَاتَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَهُ ابْنٌ مُسْلِمٌ فِي دَارِ الْهِنْدِ أَوْ التُّرْكِ يَرِثُ.
وَفِي الْكَافِي ثُمَّ اخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ عَلَى نَوْعَيْنِ حَقِيقِيٌّ كَالْحَرْبِيِّ مَاتَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَهُ ابْنٌ ذِمِّيٌّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُ الذِّمِّيُّ مِنْ ذَلِكَ الْحَرْبِيِّ
وَكَذَا لَوْ مَاتَ ذِمِّيٌّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَهُ أَبٌ أَوْ ابْنٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُ ذَلِكَ الْحَرْبِيُّ مِنْ ذَلِكَ الذِّمِّيِّ وَحُكْمِيٌّ كَالْمُسْتَأْمَنِ وَالذِّمِّيِّ حَتَّى وَلَوْ مَاتَ مُسْتَأْمَنٌ فِي دَارِنَا لَا يُوَرَّثُ مِنْهُ وَارِثُهُ الذِّمِّيُّ
وَكَذَلِكَ الدَّيْنُ سَبَبٌ لِحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ وَهَذَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا لِلتَّرِكَةِ،
أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُوجَدَ حِرْمَانُ الْإِرْثِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يُوجِبُ، وَقَدْ قِيلَ الْبُعْدُ سَبَبٌ لِحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ أَيْضًا حَتَّى لَا يَرِثَ الْبَعِيدُ مِنْ الْقَرِيبِ إذْ لَوْ وَرِثَ لَوَرِثَ جَمِيعُ الْعَالَمِ مِنْ وَاحِدٍ وَأَنَّهُ مُحَالٌ.
[يَبْدَأُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِتَجْهِيزِهِ] قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (يَبْدَأُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِتَجْهِيزِهِ) الْمُرَادُ مِنْ التَّرِكَةِ مَا تَرَكَهُ الْمَيِّتُ خَالِيًا عَنْ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِعَيْنِهِ،
وَإِنْ كَانَ حَقُّ الْغَيْرِ مُتَعَلِّقًا بِهِ كَالرَّهْنِ وَالْعَبْدِ الْجَانِي وَالْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّ صَاحِبَهُ يُقْدِمُ عَلَى التَّجْهِيزِ كَمَا فِي حَالِ حَيَاتِهِ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ حَيَاتِهِ فَإِنَّ الْمَرْءَ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالسُّكْنَى عَلَى أَصْحَابِ الدَّيْنِ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّ الْغَيْرِ بِعَيْنِ مَالِهِ فَكَذَا بَعْدَ وَفَاتِهِ يُقَدِّمُ تَجْهِيزَهُ مِنْ غَيْرِ تَقْتِيرٍ وَلَا تَبْذِيرٍ وَهُوَ قَدْرُ كَفَنِ الْكِفَايَةِ أَوْ كَفَنِ السُّنَّةِ أَوْ قَدْرُ مَا كَانَ يَلْبَسُهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ مِنْ الْوَسَطِ أَوْ مِنْ الَّذِي كَانَ يَتَزَيَّنُ بِهِ فِي الْأَعْيَادِ وَالْجُمَعِ وَالزِّيَارَاتِ عَلَى مَا أَخْتَلَفُوا فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} وَهُوَ مُحْتَرَمٌ حَيًّا وَمَيِّتًا فَلَا يَجُوزُ كَشْفُ عَوْرَتِهِ وَفِي الْأَثَرِ لِعِظَامِ الْمَيِّتِ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا لِعِظَامِ الْحَيِّ فَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ التَّرِكَةَ تَتَعَلَّقُ بِهَا حُقُوقٌ أَرْبَعَةٌ جِهَازُ الْمَيِّتِ وَدَفْنُهُ وَالدَّيْنُ وَالْوَصِيَّةُ وَالْمِيرَاثُ فَيَبْدَأُ بِجِهَازِهِ وَكَفَنِهِ وَمَا يُحْتَاجُ فِي دَفْنِهِ بِالْمَعْرُوفِ وَفِي الْكَافِي مِنْ غَيْرِ تَبْذِيرٍ وَلَا تَقْتِيرٍ وَفِي التَّهْذِيبِ إذَا مَاتَ الرَّجُلُ يَبْدَأُ مِنْ تَرِكَتِهِ بِتَكْفِينِهِ وَتَجْهِيزِهِ بِالْمِثْلِ وَالْمِثْلُ مَا يُلْبَسُ عِنْدَ الْخُرُوجِ
وَقِيلَ فِي الْأَعْيَادِ وَقِيلَ فِي الْجُمَعِ وَالْجَمَاعَاتِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، ثُمَّ الدَّيْنُ وَأَنَّهُ لَا يَخْلُو
إمَّا أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ دَيْنَ الْمَرَضِ،
وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ دَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْبَعْضُ دَيْنَ الْمَرَضِ فَإِنْ كَانَ الْكُلُّ سَوَاءً لَا يُقَدَّمُ الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ،
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ دَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْبَعْضُ دَيْنَ الْمَرَضِ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الْمُعَايَنَةِ فَهُوَ دَيْنُ الصِّحَّةِ سَوَاءٌ وَفِي الْمُضْمَرَاتِ وَسُئِلَ عَمَّنْ مَاتَ وَلَهُ مَالٌ فِي يَدِ أَجْنَبِيٍّ وَطَلَبَ مِنْهُ الْوَرَثَةُ تَسْلِيمَ ذَلِكَ وَعَلَى الْمَيِّتِ دُيُونٌ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَعْلَمُ بِذَلِكَ وَأَنَّهُمْ وَرَثَتُهُ فَصَالَحَهُ الْوَرَثَةُ عَمَّا عَلَيْهِ وَفِي يَدِهِ مَالٌ، ثُمَّ دَفَعَهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ إلَيْهِمْ هَلْ يَغْرَمُ لِغُرَمَاءِ الْمَيِّتِ فَقَالَ نَعَمْ وَلَا يَبْرَأُ بِهَذَا الصُّلْحِ وَسُئِلَ عَمَّنْ مَاتَ وَلَهُ فِي يَدِ أَجْنَبِيٍّ مَالٌ وَلَهُ وَرَثَةٌ وَلَا شَيْءَ فِي أَيْدِيهِمْ وَعَلَى الْمَيِّتِ دُيُونٌ عَلَى مَنْ يَدَّعِي صَاحِبُ الدَّيْنِ وَعَلَى مَنْ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ فَقَالَ عَلَى ذِي الْيَدِ بِحَضْرَةِ الْوَرَثَةِ وَتُنَفَّذُ وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ،
وَفِي الْفَرَائِضِ لِلْحُسَامِيِّ، ثُمَّ تُنَفَّذُ وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ مَا يَبْقَى بَعْدَ الْكَفَنِ وَالدَّيْنِ إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ وَيُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ عَلَى سِهَامِ الْمِيرَاثِ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ
فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ شَائِعًا نَحْوُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ أَوْ بِالرُّبُعِ لَا تُقَدَّمُ الْوَصِيَّةُ عَلَى الْمِيرَاثِ بَلْ يَكُونُ الْمُوصَى لَهُ شَرِيكَ الْوَرَثَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُزَادُ حَقُّهُ بِزِيَادَةِ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ وَيَنْقُصُ حَقُّهُ بِنُقْصَانِ تَرِكَة الْمَيِّتِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (ثُمَّ بِدَيْنِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ إنَّكُمْ تَقْرَءُونَ الْوَصِيَّةَ مُقَدَّمَةً عَلَى الدَّيْنِ، وَقَدْ شَهِدْت «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَّمَ الدَّيْنَ عَلَى الْوَصِيَّةِ» وَلِأَنَّ الدَّيْنَ وَاجِبٌ ابْتِدَاءً وَالْوَصِيَّةُ تَبَرُّعٌ وَالْبُدَاءَةُ بِالْوَاجِبِ أَوْلَى وَالتَّقْدِيمُ ذِكْرًا لَا يَدُلُّ عَلَى التَّقْدِيمِ فِعْلًا وَالْمُرَادُ دَيْنٌ لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ لَا دَيْنُ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الدُّيُونَ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ فَلَا يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ أَدَاؤُهَا إلَّا إذَا أَوْصَى بِهَا أَوْ تَبَرَّعَتْ الْوَرَثَةُ بِهَا مِنْ عِنْدِهِمْ؛
لِأَنَّ الرُّكْنَ فِي الْعِبَادَاتِ نِيَّةُ الْمُكَلَّفِ بِفِعْلِهِ، وَقَدْ فَاتَ بِمَوْتِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ بَقَاءُ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدَارِ الِابْتِلَاءِ حَتَّى يَلْزَمَهُ الْفَصْلُ فِيهَا وَلَا الْعِبَادَةُ حَتَّى يُجِيزَ بِفِعْلِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ
بِخِلَافِ دَيْنِ الْعِبَادِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ إذَا ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ وَأَخَذَ يَجْتَزِئُ بِذَلِكَ وَلَا كَذَلِكَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا فِعْلُهُ وَنِيَّتُهُ ابْتِلَاءً، وَاَللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ مَالِهِ وَعَنْ الْعَالَمِينَ جَمِيعًا غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَصَدَّقَ عَلَى الْعَبْدِ بِثُلُثِ مَالِهِ فِي آخِرِ عُمْرِهِ لِيَتَدَارَكَ مَا فَرَّطَ فِيهِ تَفَضُّلًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ فَإِنْ أَوْصَى بِهِ قَامَ فَعَلَ الْوَرَثَةُ مَقَامَ فِعْلِهِ لِوُجُودِ اخْتِيَارِهِ بِالْإِيصَاءِ وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (ثُمَّ وَصِيَّتُهُ) أَيْ تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ بَعْدَ التَّجْهِيزِ وَالدَّيْنِ لِمَا تَلَوْنَا وَفِي أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ، ثُمَّ هَذَا لَيْسَ بِتَقْدِيمٍ عَلَى الْوَرَثَةِ فِي الْمَعْنَى بَلْ هُوَ شَرِيكٌ لَهُمْ حَتَّى إذَا سَلِمَ لَهُ شَيْءٌ سَلِمَ لِلْوَرَثَةِ ضِعْفُهُ أَوْ أَكْثَرُ وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ
بِخِلَافِ التَّجْهِيزِ وَالدَّيْنِ فَإِنَّ الْوَرَثَةَ وَالْمُوصَى لَهُمْ لَا يَأْخُذُونَ إلَّا مَا فَضَلَ مِنْهُمَا.
[مِيرَاث أَصْحَاب الْفُرُوض] قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (ثُمَّ يُقْسَمُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ وَهُمْ ذُو فَرْضٍ أَيْ ذُو سَهْمٍ مُقَدَّرٍ) لِمَا تَلَوْنَا وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا فَضَلَ فَلِذِي عَصَبَةٍ ذَكَرٍ وَفِي رِوَايَةٍ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» وَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}{وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} .
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
Says nothing on this mas’ala.
Says nothing on this mas’ala.
كِتَابُ الْفَرَائِضِ] (كِتَابُ الْفَرَائِضِ) وَهِيَ جَمْعُ فَرِيضَةٍ، وَالْفَرْضُ التَّقْدِيرُ يُقَالُ فَرَضَ الْقَاضِي النَّفَقَةَ أَيْ قَدَّرَهَا، وَسُمِّيَ هَذَا الْعِلْمُ فَرَائِضَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَهُ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُفَوِّضْ تَقْدِيرَهُ إلَى مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، وَلَا نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، وَبَيَّنَ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النِّصْفِ وَالرُّبُعِ وَالثُّمُنِ وَالثُّلُثَيْنِ وَالثُّلُثِ وَالسُّدُسِ
بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَحْكَامِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهَا فَإِنَّ النُّصُوصَ فِيهَا مُجْمَلَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} وَإِنَّمَا السُّنَّةُ بَيَّنَتْهَا ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ أَشْرَفِ الْعُلُومِ.
وَقَدْ جَاءَتْ النُّصُوصُ بِهِ، وَبِالْحَثِّ عَلَى تَعْلِيمِهِ وَتَعَلُّمِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَضْلٌ آيَةُ مُحْكَمَةٌ أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ» وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ فَإِنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ، وَهُوَ يُنْسَى، وَهُوَ أَوَّلُ شَيْءٍ يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي» وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ، وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ، وَالْعِلْمُ مَرْفُوعٌ، وَيُوشِكُ أَنْ يَخْتَلِفَ اثْنَانِ فِي الْفَرِيضَةِ وَالْمَسْأَلَةِ فَلَا يَجِدَانِ أَحَدًا يُخْبِرُهُمَا» فَجَعَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نِصْفَ الْعِلْمِ مَعَ صِغَرِ حَجْمِهِ وَقِلَّةِ مَسَائِلِهِ.
فَلَوْلَا أَنَّهُ مِنْ أَشْرَفِ الْعُلُومِ لَمَا قَابَلَ الْكُلَّ، وَهَذَا كَالْحِسِّيَّاتِ فَإِنَّ الشَّيْءَ الْقَلِيلَ مِنْ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا إنَّمَا يُقَابِلُ الْكَثِيرَ وَيُسَاوِيهِ إذَا كَانَ الْقَلِيلُ أَشْرَفَ مِنْهُ، وَمَعْنَى النِّصْفِ
إمَّا بِاعْتِبَارِ أَحْوَالِ الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ، وَهَذَا الْعِلْمُ مُخْتَصٌّ بِحَالَةِ الْمَمَاتِ وَغَيْرُهُ بِالْحَيَاةِ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَسْبَابِ الْمِلْكِ فَإِنَّهَا جَبْرِيَّةٌ أَوْ اخْتِيَارِيَّةٌ فَالْأَوَّلُ الْمِيرَاثُ،
وَالثَّانِي غَيْرُهُ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (يَبْدَأُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِتَجْهِيزِهِ) .
وَالْمُرَادُ مِنْ التَّرِكَةِ مَا تَرَكَهُ الْمَيِّتُ خَالِيًا عَنْ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِعَيْنِهِ،
وَإِنْ كَانَ حَقُّ الْغَيْرِ مُتَعَلِّقًا بِعَيْنِهِ كَالرَّهْنِ وَالْعَبْدِ الْجَانِي وَالْمُشْتَرَى قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَتَقَدَّمُ عَلَى التَّجْهِيزِ كَمَا فِي حَالِ حَيَاتِهِ فَحَاصِلٌ أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ حَيَاتِهِ فَإِنَّ الْمَرْءَ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ فِي حَيَاتِهِ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى وَالْكِسْوَةِ عَلَى أَصْحَابِ الدُّيُونِ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّ الْغَيْرِ بِعَيْنِ مَالِهِ فَكَذَا بَعْدَ وَفَاتِهِ يُقَدَّمُ تَجْهِيزُهُ مِنْ غَيْرِ تَقْتِيرٍ وَلَا تَبْذِيرٍ، وَهُوَ قَدْرُ كَفَنِ الْكِفَايَةِ أَوْ كَفَنِ السُّنَّةِ أَوْ قَدْرُ مَا كَانَ يَلْبَسُهُ فِي حَيَاتِهِ مِنْ أَوْسَطِ ثِيَابِهِ أَوْ مِنْ الَّذِي كَانَ يَتَزَيَّنُ بِهِ فِي الْأَعْيَادِ وَالْجُمَعِ وَالزِّيَارَاتِ عَلَى مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى.
{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} وَهُوَ مُحْتَرَمٌ حَيًّا وَمَيِّتًا فَلَا يَجُوزُ كَشْفُ عَوْرَتِهِ،
وَفِي الْأَثَرِ لِعِظَامِ الْمَيِّتِ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا لِعِظَامِ الْحَيِّ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (ثُمَّ دُيُونُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}«قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ إنَّكُمْ تَقْرَءُونَ الْوَصِيَّةَ مُقَدَّمَةً عَلَى الدَّيْنِ، وَقَدْ شَهِدْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَّمَ الدَّيْنَ عَلَى الْوَصِيَّةِ»، وَلِأَنَّ الدَّيْنَ وَاجِبٌ ابْتِدَاءً، وَالْوَصِيَّةَ تَبَرُّعٌ، وَالْبِدَايَةُ بِالْوَاجِبِ أَوْلَى.
وَالتَّقْدِيمُ ذِكْرًا لَا يَدُلُّ عَلَى التَّقْدِيمِ فِعْلًا، وَالْمُرَادُ بِالدَّيْنِ دَيْنٌ لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ لَا دَيْنُ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّ هَذِهِ الدُّيُونَ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ فَلَا يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ أَدَاؤُهَا إلَّا إذَا أَوْصَى بِهَا أَوْ تَبَرَّعُوا بِهَا هُمْ مِنْ عِنْدِهِمْ لِأَنَّ الرُّكْنَ فِي الْعِبَادَاتِ نِيَّةُ الْمُكَلَّفِ وَفِعْلُهُ، وَقَدْ فَاتَ بِمَوْتِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ بَقَاءُ الْوَاجِبِ يُحَقِّقُهُ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ التَّكْلِيفِ، وَالْآخِرَةَ دَارُ الْجَزَاءِ، وَالْعِبَادَةُ اخْتِيَارِيَّةٌ، وَلَيْسَتْ بِجَبْرِيَّةٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ بَقَاءُ الْوَاجِبِ لِأَنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدَارِ الِابْتِلَاءِ حَتَّى يَلْزَمَهُ الْفِعْلُ فِيهَا، وَلَا الْعِبَادَةَ جَبْرِيَّةٌ حَتَّى يُجْتَزَأَ بِفِعْلِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا جَزَاءُ الْفِعْلِ أَوْ تَرْكُهُ ضَرُورَةً
بِخِلَافِ دَيْنِ الْعِبَادِ.
لِأَنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِيهِ وَلَا نِيَّتَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ لَوْ ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ أَخَذَهُ، وَيَجْتَزِأُ بِذَلِكَ، وَلَا كَذَلِكَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا فِعْلُهُ وَنِيَّتُهُ ابْتِلَاءً، وَاَللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ مَالِهِ، وَعَنْ الْعَالَمِينَ جَمِيعًا غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَصَدَّقَ عَلَى الْعَبْدِ بِثُلُثِ مَالِهِ فِي آخِرِ عُمْرِهِ يَضَعُهَا فِيمَا فَرَّطَ فِيهِ تَفَضُّلًا مِنْهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ فَإِنْ أَوْصَى بِهِ قَامَ فِعْلُ الْوَرَثَةِ مَقَامَ فِعْلِهِ لِوُجُودِ اخْتِيَارِهِ بِالْإِيصَاءِ، وَإِلَّا فَلَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (ثُمَّ وَصِيَّتُهُ) أَيْ ثُمَّ تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ بَعْدَ التَّجْهِيزِ وَالدَّيْنِ لِمَا تَلَوْنَا.
وَفِي أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ لَا تَجُوزُ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ ثُمَّ هَذَا لَيْسَ بِتَقْدِيمٍ عَلَى الْوَرَثَةِ فِي الْمَعْنَى بَلْ هُوَ شَرِيكٌ لَهُمْ حَتَّى إذَا سَلِمَ لَهُ شَيْءٌ سَلِمَ لِلْوَرَثَةِ ضِعْفُهُ أَوْ أَكْثَرُ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا لَيْسَ بِتَقْدِيمٍ فِي الْحَقِيقَةِ
بِخِلَافِ التَّجْهِيزِ وَالدَّيْنِ فَإِنَّ الْوَرَثَةَ وَالْمُوصَى لَهُ لَا يَأْخُذُونَ إلَّا مَا فَضَلَ مِنْهُمَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (ثُمَّ يُقْسَمُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، وَهُمْ ذُو فَرْضٍ أَيْ ذُو سَهْمٍ مُقَدَّرٍ) لِمَا تَلَوْنَا.
وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا أَبْقَتْ فَلَأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ»
وَفِي رِوَايَةٍ «فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» وَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ «فَإِنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ» ) كَذَا هُوَ بِخَطِّ الشَّارِحِ اهـ.
(قَوْلُهُ «وَعَلِّمُوهُ» ) كَذَا هُوَ بِخَطِّ الشَّارِحِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ يَبْدَأُ بِتَرِكَةِ الْمَيِّتِ) كَذَا بِخَطِّ الشَّارِحِ اهـ قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ ثُمَّ دَيْنُهُ) مِنْ جَمِيعِ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ إنْ وَفَّتْ التَّرِكَةُ بِهِ فَبِهَا وَإِنْ لَمْ تُوفِ يُؤَخَّرُ مَا ثَبَتَ فِي الْمَرَضِ بِإِقْرَارِهِ عَنْ سَائِرِ الدُّيُونِ وَبَاقِي الدُّيُونِ سَوَاءٌ يَأْخُذُ كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَقْدِيمِ الدَّيْنِ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ فِي الْآيَةِ لِأَنَّ تَقْدِيمَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِيُهْتَمَّ بِتَنْفِيذِهَا حَيْثُ تَهَاوَنَ النَّاسُ فِيهِ. اهـ.
مِسْكِينٌ [أحوال الْأَب فِي الْمِيرَاث]
(قَوْلُهُ الْأَبَاعِدُ) الَّذِي بِخَطِّ الشَّارِحِ الْأَجَانِبُ اهـ هَكَذَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَتْنِ وَفِي بَعْضِهَا السُّدُسُ بَدَلَ لَفْظِ لَا وَفِي بَعْضِهَا بَعْدَ قَوْلِهِ وَالْأَخَوَاتُ لَا أَوْلَادُهُمْ السُّدُسُ اهـ كَتَبَهُ مُصَحِّحُهُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [ أحوال الْجَدّ فِي الْمِيرَاث]
Adds nothing on this mas’ala.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.