إلّا جلد الخنزير والآدميّ،
Its commentaries
(قَوْلُهُ: إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ) يَعْنِي كُلَّ إهَابٍ دُبِغَ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ شَرْعًا إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ وَجِلْدَ الْآدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الطَّهَارَةِ نَجَاسَةٌ، وَهَذَا فِي جِلْدِ الْخِنْزِيرِ مُسَلَّمٌ، فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ
وَأَمَّا جِلْدُ الْآدَمِيِّ فَقَدْ ذُكِرَ فِي الْغَايَةِ أَنَّهُ إذَا دُبِغَ طَهُرَ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَسَائِرِ أَجْزَائِهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ
وَقِيلَ جِلْدُ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ لَا يَقْبَلَانِ الدِّبَاغَ؛ لِأَنَّ لَهُمَا جُلُودًا مُتَرَادِفَةً بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا كَمَا لَا يَخْفَى، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى الْجِلْدَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْإِهَابَ مَعَ كَوْنِهِ مُنَاسِبًا لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ كُلُّ إهَابٍ دُبِغَ لِمَا أَنَّ الْإِهَابَ هُوَ الْجِلْدُ قَبْلَ أَنْ يُدْبَغَ فَكَانَ مُهَيَّأً لِلدِّبَاغِ يُقَالُ تَأَهَّبَ لِكَذَا إذَا تَهَيَّأَ لَهُ، وَاسْتَعَدَّ وَجِلْدُ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ لَا يَتَهَيَّآنِ لِلدَّبْغِ؛ فَلِذَا اسْتَثْنَى بِلَفْظِ الْجِلْدِ دُونَ الْإِهَابِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْخِنْزِيرَ عَلَى الْآدَمِيِّ فِي الذِّكْرِ؛
لِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ إهَانَةٍ لِكَوْنِهِ فِي بَيَانِ النَّجَاسَةِ وَتَأْخِيرُ الْآدَمِيِّ فِي ذَلِكَ أَكْمَلُ فَحَاصِلُهُ أَنَّ مِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ إنَّمَا لَا يَطْهُرُ جِلْدُ الْخِنْزِيرِ بِالدِّبَاغِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْدَبِغُ؛ لِأَنَّ شَعْرَهُ يَنْبُتُ مِنْ لَحْمِهِ،
وَلَوْ تُصُوِّرَ دَبْغُهُ لَطَهُرَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَطْهُرُ،
وَإِنْ انْدَبَغَ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي الْمَبْسُوطِ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ،
وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَطْهُرُ
إمَّا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَ أَوْ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ نَجِسٌ. اهـ.
وَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ جِلْدَهُ لَا يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَةَ حَتَّى لَوْ قَبِلَهَا طَهُرَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَحِسِ الْعَيْنِ لَكِنْ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ دَبْغُهُ احْتِرَامًا لَهُ، وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ جِلْدَهُ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغَةِ أَصْلًا احْتِرَامًا لَهُ فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ طَهَارَةِ جِلْدِهِ تَعْظِيمٌ لَهُ حَتَّى لَا يَتَجَرَّأَ أَحَدٌ عَلَى سَلْخِهِ وَدَبْغِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ وَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ كُلُّ إهَابٍ جِلْدُ الْفِيلِ فَيَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فِي قَوْلِهِ إنَّ الْفِيلَ نَجِسُ الْعَيْنِ وَعِنْدَهُمَا هُوَ كَسَائِرِ السِّبَاعِ
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ بَابِ الْحَدَثِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَرَى لِفَاطِمَةَ سِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ» فَظَهَرَ اسْتِعْمَالُ النَّاسِ الْعَاجَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَدَلَّ عَلَى طَهَارَتِهِ اهـ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَمَشَّطُ بِمُشْطٍ مِنْ عَاجٍ» قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْعَاجُ عَظْمُ الْفِيلِ قَالَ الْعَلَّامَةُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ هَذَا الْحَدِيثُ يُبْطِلُ قَوْلَ مُحَمَّدٍ بِنَجَاسَةِ عَيْنِ الْفِيلِ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي عَظْمِ الْمَيْتَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَيَدْخُلُ أَيْضًا فِي عُمُومِ قَوْلِهِ كُلُّ إهَابٍ جِلْدُ الْكَلْبِ فَيَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ رِوَايَاتُ الْمَبْسُوطِ فِيهِ فَذُكِرَ فِي بَيَانِ سُؤْرِهِ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا أَنَّ عَيْنَ الْكَلْبِ نَجِسٌ إلَيْهِ يُشِيرُ مُحَمَّدٌ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ، وَلَيْسَ الْمَيِّتُ بِأَنْجَسَ مِنْ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ ثُمَّ قَالَ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا يَقُولُونَ عَيْنُهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَيْهِ بِطَهَارَةِ جِلْدِهِ بِالدِّبَاغِ
وَقَالَ فِي بَابِ الْحَدَثِ وَجِلْدُ الْكَلْبِ يَطْهُرُ عِنْدَنَا بِالدِّبَاغِ خِلَافًا لِلْحَسَنِ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ نَجِسٌ عِنْدَهُمَا وَلَكِنَّا نَقُولُ: الِانْتِفَاعُ بِهِ مُبَاحٌ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ
فَلَوْ كَانَ عَيْنُهُ نَجِسَةً لَمَا أُبِيحَ الِانْتِفَاعُ بِهِ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي مُخَالَفَةِ الْأَوَّلِ وَذُكِرَ أَيْضًا فِي كِتَابِ الصَّيْدِ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْكَلْبِ فِي التَّعْلِيلِ قَالَ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ وَذَكَرَ فِي الْإِيضَاحِ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ فِيهِ،
وَفِي الْمَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا جِلْدُ الْكَلْبِ فَعَنْ أَصْحَابِنَا فِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ
وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَطْهُرُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ جَعَلَهُ كَالْخِنْزِيرِ وَمَنْ جَعَلَهُ طَاهِرَ الْعَيْنِ جَعَلَهُ مِثْلَ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ سِوَى الْخِنْزِيرِ
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ،
وَكَذَا صَحَّحَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَالَ: إنَّهُ أَقْرَبُ الْقَوْلَيْنِ إلَى الصَّوَابِ وَلِذَلِكَ قَالَ مَشَايِخُنَا فِيمَنْ صَلَّى وَفِي كُمِّهِ جَرْوٌ أَنَّهُ تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَقَيَّدَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ الْجَوَازَ بِكَوْنِهِ مَشْدُودَ الْفَمِ اهـ.
وَلِذَا صَحَّحَ فِي الْهِدَايَةِ طَهَارَةَ عَيْنِهِ وَتَبِعَهُ شَارِحُوهَا كَالْأَتْقَانِيِّ وَالْكَاكِيِّ وَالسِّغْنَاقِيِّ وَاخْتَارَ قَاضِي خان فِي الْفَتَاوَى نَجَاسَةَ عَيْنِهِ وَفَرَّعَ عَلَيْهَا فُرُوعًا فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِيهِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ عُمُومُ مَا فِي الْمُتُونِ كَالْقُدُورِيِّ
وَالْمُخْتَارِ وَالْكَنْزِ طَهَارَةَ عَيْنِهِ وَلَمْ يُعَارِضْهُ مَا يُوجِبُ نَجَاسَتَهَا فَوَجَبَ أَحَقِّيَّةُ تَصْحِيحِ عَدَمِ نَجَاسَتِهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ حِرَاسَةً وَاصْطِيَادًا وَقَدْ صَرَّحَ فِي عِقْدِ الْفَوَائِدِ شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى طَهَارَةِ عَيْنِهِ،
وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَلَيْسَ الْمَيِّتُ بِأَنْجَسَ مِنْ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ فَقَدْ
قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ نَجَاسَةَ الْعَيْنِ تَثْبُتُ فِي الْكَلْبِ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْكَلَامِ فَمَنْ ادَّعَى ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ، وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي نَجَاسَةِ الْعَيْنِ، وَمَا أُورِدَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ طَهَارَةُ عَيْنِهِ،
فَإِنَّ السِّرْقِينِ يُنْتَفَعُ بِهِ إيقَادًا وَتَقْوِيَةً لِلزَّارِعَةِ مَعَ نَجَاسَةِ عَيْنِهِ أَجَابَ عَنْهُ فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ هَذَا الِانْتِفَاعَ بِالِاسْتِهْلَاكِ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي نَجِسِ الْعَيْنِ كَالِاقْتِرَابِ مِنْ الْخَمْرِ لِلْإِرَاقَةِ
وَقَالَ فِي الْقُنْيَةِ: رَامِزًا لِمَجْدِ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَاَلَّذِي صَحَّ عِنْدِي مِنْ الرِّوَايَاتِ فِي النَّوَادِرِ وَالْأَمَالِي أَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ اهـ.
وَمَشَى عَلَيْهِ ابْنُ وَهْبَانَ فِي مَنْظُومَتِهِ وَذَكَرَ فِي عِقْدِ الْفَوَائِدِ شَرْحَهَا وَذَكَرَ النَّاطِفِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا صَلَّى عَلَى جِلْدِ كَلْبٍ أَوْ ذِئْبٍ قَدْ ذُبِحَ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تُفِيدُ عَيْنَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ اهـ.
وَقَالَ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ: وَأَمَّا الْكَلْبُ يَحْتَمِلُ الذَّكَاةَ وَالدِّبَاغَةَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ خِلَافًا لِمَا رَوَى الْحَسَنُ اهـ.
فَإِذَا عَلِمْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْجِلْدَ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ، وَيَطْهُرُ بِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ،
وَإِذَا وَقَعَ فِي بِئْرٍ وَاسْتُخْرِجَ حَيًّا تَنَجَّسَ الْمَاءُ كُلُّهُ مُطْلَقًا عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ كَمَا لَوْ وَقَعَ الْخِنْزِيرُ وَعَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا إذَا وَصَلَ فَمَه الْمَاءُ،
وَإِذَا ذُكِّيَ لَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ وَلَا لَحْمُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِالنَّجَاسَةِ كَالْخِنْزِيرِ وَيَطْهُرُ عَلَى الْقَوْلِ بِالطَّهَارَةِ وَإِذَا صَلَّى، وَهُوَ حَامِلٌ جَرْوًا صَغِيرًا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ مُطْلَقًا، وَتَصِحُّ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ
إمَّا مُطْلَقًا أَوْ بِكَوْنِهِ مَشْدُودَ الْفَمِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَدَائِعِ وَتَقْيِيدُهُ بِكَوْنِهِ جَرْوًا صَغِيرًا يُظْهِرُ أَنَّ فِي الْكَبِيرِ لَا تَصِحُّ مُطْلَقًا لِمَا أَنَّهُ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَجِسَ الْعَيْنِ فَهُوَ مُتَنَجِّسٌ؛ لِأَنَّ مَأْوَاهُ النَّجَاسَاتُ، وَقَدْ يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَصِحَّ صَلَاةُ مَنْ حَمَلَ جَرْوًا صَغِيرًا اتِّفَاقًا
أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ فَظَاهِرٌ،
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ؛ فَلِأَنَّ لَحْمَهُ نَجِسٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ سُؤْرَهُ نَجِسٌ لِمَا أَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِلُعَابِهِ وَلُعَابُهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ لَحْمِهِ، وَهُوَ نَجِسٌ؛ وَلِهَذَا
قَالَ فِي التَّجْنِيسِ: نَجَاسَةُ السُّؤْرِ دَلِيلُ نَجَاسَةِ اللَّحْمِ،
وَقَالَ: الْعَلَّامَةُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ نَجَاسَةُ سُؤْرِهِ لَا تَسْتَلْزِمُ نَجَاسَةَ عَيْنِهِ بَلْ تَسْتَلْزِمُ نَجَاسَةَ لَحْمِهِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ اللُّعَابِ اهـ.
وَسَبَبُ نَجَاسَةِ لَحْمِهِ اخْتِلَاطُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ بِأَجْزَائِهِ حَالَةَ الْحَيَاةِ مَعَ حُرْمَةِ أَكْلِهِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي بَيَانِ الْأَسْآرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ إشْكَالًا، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ كَيْفَ يَكُونُ سُؤْرُهُ نَجِسًا عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ،
فَإِنَّ هَذِهِ غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ عَنْ فَهْمِ كَلَامِهِمْ،
فَإِنَّ قَوْلَهُمْ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ طَهَارَةَ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ وَلِهَذَا عَلَّلَ فِي الْبَدَائِعِ لِنَجَاسَةِ سُؤْرِ الْكَلْبِ وَسَائِرِ السِّبَاعِ بِأَنَّ سُؤْرَ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ مُتَحَلِّبٌ مِنْ لُحُومِهَا وَلُحُومُهَا نَجِسَةٌ، وَقَدْ قَالُوا إنَّ حُرْمَةَ الشَّيْءِ إذَا لَمْ تَكُنْ لِلْكَرَامَةِ كَحُرْمَةِ الْآدَمِيِّ وَلَا لِفَسَادِ الْغِذَاءِ كَالذُّبَابِ وَالتُّرَابِ وَلَا لِلْخَبَثِ طَبْعًا كَالضُّفْدَعِ وَالسُّلَحْفَاةِ وَلَا لِلْمُجَاوَرَةِ كَالْمَاءِ النَّجِسِ كَانَتْ عَلَامَةُ النَّجَاسَةِ أَيْ نَجَاسَةِ اللَّحْمِ فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي نَجَاسَةِ لَحْمِهِ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي نَجَاسَةِ عَيْنِهِ، فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الْكَلْبَ طَاهِرُ الْعَيْنِ بِمَعْنَى طَهَارَةِ عَظْمِهِ وَشَعْرِهِ وَعَصَبِهِ وَمَا لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ لَا بِمَعْنَى طَهَارَةِ لَحْمِهِ لَكِنْ قَدْ أَجَابَ فِي الْمُحِيطِ
فَقَالَ: وَإِنْ كَانَ فَمُهُ مَشْدُودًا بِحَيْثُ لَا يَصِلُ لُعَابُهُ إلَى ثَوْبِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ كُلِّ حَيَوَانٍ طَاهِرٌ وَلَا يَتَنَجَّسُ إلَّا بِالْمَوْتِ وَنَجَاسَةُ بَاطِنِهِ فِي مَعِدَتِهِ فَلَا يَظْهَرُ حُكْمُهَا كَنَجَاسَةِ بَاطِنِ الْمُصَلِّي،
وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ،
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ فَلَا لِظُهُورِ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ لِحَامِلِهِ مُطْلَقًا كَمَا فِي حَقِّ حَامِلِ الْخِنْزِيرِ وَإِذَا دَخَلَ الْمَاء فَانْتَفَضَ فَأَصَابَ ثَوْبَ إنْسَانٍ أَفْسَدَهُ،
وَلَوْ أَصَابَهُ مَاءُ الْمَطَرِ لَمْ يَفْسُدْ؛ لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الْمَاءُ أَصَابَ الْجِلْدَ وَجِلْدُهُ نَجِسٌ،
وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي أَصَابَ شَعْرَهُ وَشَعْرُهُ طَاهِرٌ كَذَا ذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الشَّعْرَ طَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ لِمَا ذُكِرَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّ جِلْدَ الْكَلْبِ نَجِسٌ وَشَعْرُهُ طَاهِرٌ هُوَ الْمُخْتَارُ وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ ذِكْرُ الْفَرْعِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ
أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالطَّهَارَةِ إذَا انْتَفَضَ فَأَصَابَ ثَوْبًا لَا يُنَجِّسُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَصَابَ شَعْرَهُ أَوْ جِلْدَهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ صَاحِبَ الْبَدَائِعِ ذَكَرَ هَذَا الْفَرْعَ شَاهِدًا لِلْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ، فَقَالَ مَنْ جَعَلَهُ نَجِسَ الْعَيْنِ اسْتَدَلَّ بِمَا ذُكِرَ فِي الْعُيُونِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْكَلْبَ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ عَنْ الْوَلْوَالِجِيِّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ صَاحِبَ التَّجْنِيسِ ذَكَرَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مَعَ التَّفْصِيلِ مِنْ جُمْلَةِ مَسَائِلَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهَا، وَهَذَا الْمَسَائِلُ تُشِيرُ إلَى نَجَاسَةِ عَيْنِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فِي آخِرِ بَابِ الْأَنْجَاسِ مِنْ مَسَائِلَ شَتَّى بِمَا لَفْظُهُ وَمَا ذُكِرَ فِي الْفَتَاوَى مِنْ التَّجْنِيسِ مَنْ وَضَعَ رِجْلَهُ مَوْضِعَ رِجْلِ كَلْبٍ فِي الثَّلْجِ أَوْ الطِّينِ وَنَظَائِرِ هَذِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةِ نَجَاسَةِ عَيْنِ الْكَلْبِ وَلَيْسَتْ بِالْمُخْتَارَةِ اهـ.
فَقَوْلُهُ وَنَظَائِرُ هَذَا أَرَادَ بِهِ مِثْلَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ الْوَلْوَالِجِيِّ كَمَا لَا يَخْفَى لَكِنْ ذَكَرَ قَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُفَرَّعَةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ وَعَلَّلَ النَّجَاسَةَ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا أَصَابَ الْمَاءَ جِلْدُهُ بِتَعْلِيلٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ مَأْوَاهُ النَّجَاسَاتُ فَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ الْمَاءَ إذَا أَصَابَ جِلْدَهُ وَانْتَفَضَ، فَأَصَابَ الثَّوْبَ نَجَّسَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَأْوَاهُ النَّجَاسَاتِ صَارَ جِلْدُهُ مُتَنَجِّسًا، وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ مَنْ قَالَ بِنَجَاسَةِ عَيْنِ الْكَلْبِ الشَّعْرُ
بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ بِنَجَاسَةِ عَيْنِ الْخِنْزِيرِ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ شَعْرُهُ أَيْضًا فَإِذَا انْتَفَضَ الْخِنْزِيرُ فَأَصَابَ ثَوْبًا نَجَّسَهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَصَابَ الْمَاءُ جِلْدَهُ أَوْ شَعْرَهُ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَقَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ أَيْضًا الْكَلْبُ إذَا أَخَذَ عُضْوَ إنْسَانٍ أَوْ ثَوْبَهُ إنْ أَخَذَ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ لَا يَتَنَجَّسُ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِالْأَسْنَانِ وَلَا رُطُوبَةَ فِيهَا،
وَإِنْ أَخَذَهُ فِي حَالَةِ الْمِزَاحِ يَتَنَجَّسُ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِالْأَسْنَانِ وَالشَّفَتَيْنِ وَشَفَتَاهُ رَطْبَةٌ فَيَتَنَجَّسُ اهـ.
وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُهُ وَفِي الْقُنْيَةِ رَامِزًا لِلْوَبَرِيِّ عَضَّهُ كَلْبٌ وَلَا يَرَى بَلَلًا لَا بَأْسَ بِهِ يَعْنِي لَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا فِي الْقُنْيَةِ إنَّمَا يَنْظُرُ إلَى وُجُودِ الْمُقْتَضِي لِلنَّجَاسَةِ، وَهُوَ الرِّيقُ سَوَاءٌ كَانَ مُلَاعِبًا أَوْ غَضْبَانًا، وَهُوَ الْفِقْهُ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُلْتَقَطِ بِأَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ مَا لَمْ يَرَ الْبَلَلَ سَوَاءٌ كَانَ رَاضِيًا أَوْ غَضْبَانًا وَفِي الصَّيْرَفِيَّةِ هُوَ الْمُخْتَارُ
وَكَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَوَاقِعَاتِ النَّاطِفِيِّ وَغَيْرِهِمَا كَذَا فِي عِقْدِ الْفَوَائِدِ وَفِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى وَعَلَامَةُ الِابْتِلَالِ أَنْ لَوْ أَخَذَهُ بِيَدِهِ تَبْتَلُّ يَدُهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ
إمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالنَّجَاسَةِ، فَظَاهِرٌ
وَإِمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ؛ فَلِأَنَّ لُعَابَهُ نَجِسٌ لِتَوَلُّدِهِ مِنْ لَحْمٍ نَجِسٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَفِي التَّجْنِيسِ امْرَأَةٌ صَلَّتْ وَفِي عُنُقِهَا قِلَادَةٌ فِيهَا سِنُّ كَلْبٍ أَوْ أَسَدٍ أَوْ ثَعْلَبٍ فَصَلَاتُهَا تَامَّةً؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهَا الذَّكَاةُ وَكُلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الذَّكَاةُ فَعَظْمُهُ لَا يَكُونُ نَجِسًا
بِخِلَافِ الْآدَمِيِّ وَالْخِنْزِيرِ اهـ.
وَكَذَا ذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ وَذَكَرَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى الذَّخِيرَةِ أَسْنَانَ الْكَلْبِ طَاهِرَةً وَأَسْنَانَ الْآدَمِيِّ نَجِسَةً؛ لِأَنَّ الْكَلْبَ يَقَعُ عَلَيْهِ الذَّكَاةُ
بِخِلَافِ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَهُ بِكَوْنِهِ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ،
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ فَلَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ فَتَكُونُ أَسْنَانُهُ نَجِسَةً كَالْخِنْزِيرِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى أَسْنَانِ الْآدَمِيِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَرِيبًا،
وَأَمَّا إذَا أَكَلَ مِنْ شَيْءٍ يُغْسَلُ ثَلَاثًا، وَيُؤْكَلُ كَذَا فِي الْمُبْتَغَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا بِالِاتِّفَاقِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يَطْهُرَ بِالْجَفَافِ قِيَاسًا عَلَى الْكَلَأِ إذَا تَنَجَّسَ، فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِهِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الطَّهَارَةُ فِي الْكَلَأِ بِالْجَفَافِ حَصَلَتْ اسْتِحْسَانًا بِالْأَثَرِ لِكَوْنِهِ فِي مَعْنَى الْأَرْضِ لِاتِّصَالِهِ بِهَا، وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ،
وَأَمَّا بَيْعُهُ وَتَمْلِيكُهُ فَهُوَ جَائِزٌ هَكَذَا نَقَلُوا وَأَطْلَقُوا لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ
أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالنَّجَاسَةِ فَهُوَ كَالْخِنْزِيرِ فَبَيْعُهُ بَاطِلٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ كَالْخِنْزِيرِ لَكِنَّ الْمَنْقُولَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خان مِنْ الْبُيُوعِ أَنَّ بَيْعَ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ جَائِزٌ فَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمُعَلَّمِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ،
وَفِي التَّجْنِيسِ مِنْ بَابِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ رَجُلٌ ذَبَحَ كَلْبَهُ ثُمَّ بَاعَ لَحْمَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ طَاهِرٌ
بِخِلَافِ مَا لَوْ ذَبَحَ خِنْزِيرَهُ ثُمَّ بَاعَهُ. اهـ.
فَالظَّاهِرُ مِنْهُمَا أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ وَذَكَرَ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى التَّجْرِيدِ أَنَّ الْكَلْبَ لَوْ أَتْلَفَهُ إنْسَانٌ ضَمِنَهُ،
وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَتَمْلِيكُهُ وَفِي عُمْدَةِ الْمُفْتِي لَوْ اسْتَأْجَرَ الْكَلْبَ يَجُوزُ وَالسِّنَّوْرُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ السِّنَّوْرَ لَا يُعْلَمُ وَنُقِلَ عَنْ التَّجْرِيدِ لَوْ اسْتَأْجَرَ كَلْبًا مُعَلَّمًا أَوْ بَازِيًا لِيَصِيدَ بِهِمَا فَلَا أُجْرَةَ لَهُ قَالَ لَعَلَّهُ لِفَقْدِ الْعُرْفِ وَالْحَاجَةِ إلَيْهِ. اهـ.
وَهَذَا مَا تَيَسَّرَ التَّكَلُّمُ عَلَيْهِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْكَلْبِ، وَهَذَا الْبَيَانُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ خَوَاصِّ هَذَا الْكِتَابِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ دُبِغَ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَسْتَوِي أَنَّهُ يَكُونُ الدَّابِغُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ امْرَأَةً إذَا حَصَلَ بِهِ مَقْصُودُ الدِّبَاغِ،
فَإِنْ دَبَغَهُ الْكَافِرُ وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمْ يَدْبُغُونَ بِالسَّمْنِ النَّجِسِ، فَإِنَّهُ يُغْسَلُ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَفِيهِ مَسْأَلَةُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ هَلْ يَجُوزُ أَكْلُهُ إذَا كَانَ جِلْدُ حَيَوَانٍ مَأْكُولِ اللَّحْمِ قَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ كَجِلْدِ الشَّاةِ الْمُذَكَّاةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} ، وَهَذَا جُزْءٌ مِنْهَا «وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - إنَّمَا يَحْرُمُ مِنْ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا مَعَ أَمْرِهِ لَهُمْ بِالدِّبَاغِ وَالِانْتِفَاعِ» ،
وَأَمَّا إذَا كَانَ جِلْدُ مَا لَا يُؤْكَلُ كَالْحِمَارِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الدِّبَاغَ فِيهِ لَيْسَ بِأَقْوَى مِنْ الذَّكَاةِ وَذَكَاتُهُ لَا تُبِيحُهُ فَكَذَا دِبَاغُهُ. اهـ.
وَهَذَا الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي جُلُودِ الْمَيْتَاتِ كُلُّهُ مَذْهَبُنَا وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ سَبْعَةُ مَذَاهِبَ ذَكَرَهَا الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَنَقْتَصِرُ مِنْهَا عَلَى مَا اُشْتُهِرَ مِنْ الْمَذَاهِبِ مِنْهَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ طَهُرَ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ مَا عَدَا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَلَا يَدْخُلُ الْآدَمِيُّ فِي هَذَا الْعُمُومِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَهُ أَنَّ الْآدَمِيَّ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ فَجِلْدُهُ طَاهِرٌ مِنْ غَيْرِ دَبْغٍ لَكِنْ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لِحُرْمَتِهِ وَتَكْرِيمِهِ وَمِنْهَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ شَيْءٌ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَمِنْهَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّهُ يَطْهُرُ الْجَمِيعُ حَتَّى الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ إلَّا أَنَّهُ يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ فَيُسْتَعْمَلُ فِي الْيَابِسِ دُونَ الرَّطْبِ وَجْهُ قَوْلِ أَحْمَدَ قَوْله تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} ، وَهُوَ عَامٌّ فِي الْجِلْدِ وَغَيْرِهِ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ «أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرَيْنِ لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الدِّبَاغَ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ وَوَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي شَاةٍ مَيِّتَةٍ هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا مَيْتَةٌ قَالَ إنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخَرُ ذَكَرَهَا النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَإِنَّمَا خَرَجَ الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ؛
لِأَنَّ الْحَيَاةَ أَقْوَى مِنْ الدِّبَاغِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا سَبَبٌ لِطَهَارَةِ الْجُمْلَةِ وَالدِّبَاغُ إنَّمَا يُطَهِّرُ الْجِلْدَ فَإِذَا كَانَتْ الْحَيَاةُ لَا تُطَهِّرُهُمَا فَالدِّبَاغُ أَوْلَى وَلَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي دَلِيلِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ كَمَا تَرَاهُ عَامٌّ فَإِخْرَاجُ الْخِنْزِيرِ مِنْهُ لِمُعَارَضَةِ الْكِتَابِ إيَّاهُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} بِنَاءً عَلَى عَوْدِ الضَّمِيرِ إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَالِحٌ لِعَوْدِهِ وَعِنْدَ صَلَاحِيَّةِ كُلٍّ مِنْ الْمُتَضَايِفَيْنِ لِذَلِكَ يَجُوزُ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَقَدْ جُوِّزَ عَوْدُ ضَمِيرِ مِيثَاقِهِ فِي قَوْله تَعَالَى {يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} إلَى كُلٍّ مِنْ الْعَهْدِ وَلَفْظِ الْجَلَالَةِ وَتَعَيَّنَ عَوْدُهُ إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} ضَرُورَةَ صِحَّةِ الْكَلَامِ وَإِلَى الْمُضَافِ فِي قَوْلِك رَأَيْت ابْنَ زَيْدٍ فَكَلَّمْته؛
لِأَنَّ الْمُحَدَّثَ عَنْهُ بِالرُّؤْيَةِ رَتَّبَ عَلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَنْهُ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ فَتَعَيَّنَ هُوَ مُرَادًا بِهِ، وَإِلَّا اخْتَلَّ النَّظْمُ فَإِذَا جَازَ كُلٌّ مِنْهُمَا لُغَةً وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ احْتِيَاطٍ وَجَبَ إعَادَتُهُ عَلَى مَا فِيهِ الِاحْتِيَاطُ، وَهُوَ بِمَا قُلْنَا كَذَا قَرَّرَهُ الْعَلَّامَةُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَمِمَّا ظَهَرَ لِي فِي فُؤَادِي مِنْ الْأَنْوَارِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْأَجْوِبَةِ الْإِلْهَامِيَّةِ أَنَّ الْهَاءَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى اللَّحْمِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} خَرَجَ فِي مَقَامِ التَّعْلِيلِ،
فَلَوْ رَجَعَ إلَيْهِ لَكَانَ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ فَاسِدٌ لِكَوْنِهِ مُصَادَرَةً، وَهَذَا؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ لَحْمِهِ عُرِفَتْ مِنْ قَوْلِهِ {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الشَّيْءِ مَعَ صَلَاحِيَّتِهِ لِلْغِذَاءِ لَا لِلْكَرَامَةِ آيَةُ النَّجَاسَةِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنَاهُ كَأَنَّهُ قَالَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ نَجِسٍ،
فَإِنَّ لَحْمَهُ نَجِسٌ أَمَّا إذَا رَجَعَ الضَّمِيرُ إلَى الْخِنْزِيرِ فَلَا فَسَادَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ حَاصِلُ الْكَلَامِ لَحْمَ خِنْزِيرٍ نَجِسٍ؛ لِأَنَّ الْخِنْزِيرَ نَجِسٌ يَعْنِي أَنَّ هَذَا الْجُزْءَ مِنْ الْخِنْزِيرِ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ كُلَّهُ نَجِسٌ هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ فِي الْبَابِ لِأُولِي الْأَلْبَابِ اهـ.
وَتَعَقَّبَهُ شَارِحٌ مُتَأَخِّرُ بِأَنَّهُ عِنْدَ التَّأَمُّلِ بِمَعْزِلٍ عَنْ الصَّوَابِ، وَكَيْفَ لَا وَالْجَرْيُ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ مِمَّا يَسُدُّ بَابَ التَّعْلِيلِ بِالْأَوْصَافِ الْمُنَاسِبَةِ لِلْأَحْكَامِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ عَلَامَةً عَلَى شَيْءٍ أَنْ لَا يَصِحَّ التَّصْرِيحُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ الثَّانِي عِلَّةً لِلشَّيْءِ الْأَوَّلِ بِجَعْلِ الشَّارِعِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ لِذَلِكَ بَلْ ذَلِكَ يُصَحِّحُ التَّصْرِيحَ بِكَوْنِهِ عِلَّةً،
وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ قَطْعًا، وَلِنُوَضِّحهُ فِيمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنَّهُ رِجْسٌ تَعْلِيلٌ لِلتَّحْرِيمِ وَكَوْنُ التَّحْرِيمِ لَا لِلتَّكْرِيمِ عَلَامَةً عَلَى نَجَاسَةِ الْمُحَرَّمِ كَمَا هُنَا يُصَحِّحُ التَّصْرِيحَ بِكَوْنِهِ نَجِسًا عِلَّةً لِتَحْرِيمِهِ لَا أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْهُ، وَلَيْسَ فِيهِ تَعْلِيلُ النَّجَاسَةِ بِالنَّجَاسَةِ بَلْ تَعْلِيلُ التَّحْرِيمِ الْكَائِنِ لَا لِلتَّكْرِيمِ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ لَهُ قَائِمٍ بِالْعَيْنِ الْمُحَرَّمَةِ، وَهُوَ الْقَذَارَةُ حَثًّا عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْتِزَامِ الْمُرُوءَةِ بِمُجَانَبَةِ الْأَقْذَارِ وَالنَّزَاهَةِ مِنْهَا وَنَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا} فَقَوْلُهُ {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا} تَعْلِيلٌ لِتَحْرِيمِ نِكَاحِ مَنْكُوحَاتِ الْآبَاءِ مَعَ أَنَّ تَحْرِيمَ نِكَاحِهِنَّ عَلَامَةٌ عَلَى قُبْحِهِ مَمْقُوتًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ التَّصْرِيحِ بِهِ عِلَّةً لَهُ اهـ.
وَهُوَ كَمَا تَرَى فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالتَّحْقِيقِ،
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِ أَحْمَدَ
أَمَّا عَلَى الْآيَةِ، فَهُوَ أَنَّهَا عَامَّةٌ خَصَّتْهَا السُّنَّةُ كَذَا أَجَابَ النَّوَوِيُّ عَنْهَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ،
وَأَمَّا عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ فَالِاضْطِرَابُ فِي مَتْنِهِ وَسَنَدِهِ يَمْنَعُ تَقْدِيمَهُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -،
فَإِنَّ النَّاسِخَ أَيَّ مُعَارِضٍ فَلَا بُدَّ مِنْ مُشَاكَلَتِهِ فِي الْقُوَّةِ؛ وَلِذَا قَالَ بِهِ أَحْمَدُ وَقَالَ هُوَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ تَرَكَهُ لِلِاضْطِرَابِ فِيهِ
أَمَّا فِي السَّنَدِ فَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ ابْنِ عُكَيْمٍ كَمَا قَدَّمْنَا وَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ جِهَةِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتْبَةَ بِالتَّاءِ فَوْقُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ انْطَلَقَ هُوَ وَنَاسٌ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ فَدَخَلُوا وَوَقَفْت عَلَى الْبَابِ فَخَرَجُوا إلَيَّ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ أَخْبَرَهُمْ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَتَبَ إلَى جُهَيْنَةَ» الْحَدِيثَ فَفِي هَذَا أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ الدَّاخِلِينَ وَهُمْ مَجْهُولُونَ،
وَأَمَّا فِي الْمَتْنِ فَفِي رِوَايَةٍ بِشَهْرٍ وَفِي أُخْرَى بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَفِي أُخْرَى بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ هَذَا مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي صُحْبَةِ ابْنِ عُكَيْمٍ ثُمَّ كَيْفَ كَانَ لَا يُوَازِي حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الصَّحِيحَ فِي جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ التَّرْجِيحِ ثُمَّ لَوْ كَانَ لَمْ يَكُنْ قَطْعِيًّا فِي مَعَاضَتِهِ؛ لِأَنَّ الْإِهَابَ اسْمٌ لِغَيْرِ الْمَدْبُوغِ وَبَعْدَهُ يُسَمَّى شَنًّا وَأَدِيمًا وَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ هَكَذَا «كُنْت رَخَّصْت لَكُمْ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِجِلْدٍ وَلَا عَصَبٍ» فِي سَنَدِهِ فُضَالَةُ بْنُ مُفَضِّلٍ مُضَعَّفٌ وَالْحَقُّ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُكَيْمٍ ظَاهِرٌ فِي النَّسْخِ لَوْلَا الِاضْطِرَابُ الْمَذْكُورُ،
فَإِنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَحَدًا لَا يَنْتَفِعُ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُسْتَقْذَرٌ فَلَا يَتَعَلَّقُ النَّهْيُ بِهِ ظَاهِرًا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِيهِ كَلَامٌ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ حَسَّنَهُ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ أَيْضًا وَالْحَسَنُ لَا اضْطِرَابَ فِيهِ الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي صُحْبَةِ ابْنِ عُكَيْمٍ لَا يَقْدَحُ فِي حُجِّيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ لَيْسَ صَحَابِيًّا يَكُونُ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا وَأَنْتُمْ تَعْمَلُونَ بِهِ الثَّالِثُ أَنَّ قَوْلَهُ الْحَقُّ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُكَيْمٍ ظَاهِرٌ فِي النَّسْخِ إلَخْ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْحَازِمِيِّ كَمَا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ الْمُخَرَّجُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ وَطَرِيقُ الْإِنْصَافِ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُكَيْمٍ ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ فِي النَّسْخِ وَلَكِنَّهُ كَثِيرُ الِاضْطِرَابِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛
لِأَنَّ أَخْبَارَنَا مُطْلَقَةٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا قَبْلَ وَفَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدُونِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِيهَا، وَبِهَذَا صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ إنَّمَا حَسَّنَهُ بِنَاءً عَلَى اجْتِهَادِهِ وَقَدْ بَيَّنَ هُوَ وَغَيْرُهُ وَجْهَ ضَعْفِهِ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ هَذَا أَعْنِي كَوْنَهُ مُرْسَلًا صَالِحٌ لَأَنْ يُجَابَ بِهِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى الْعَمَلَ بِالْمُرْسَلِ لَا أَنَّهُ جَوَابٌ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِ مَالِكٍ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا، فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِي طَهَارَةِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ «سَوْدَةَ قَالَتْ مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا، وَهُوَ جِلْدُهَا فَمَازِلْنَا نَنْتَبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا» ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، فَإِنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي مَائِعٍ وَهُمْ لَا يُجِيزُونَهُ،
وَإِنْ كَانُوا يُجِيزُونَ شُرْبَ الْمَاءِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَتَنَجَّسُ عِنْدَهُمْ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِ الشَّافِعِيِّ إنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْكَلْبَ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ،
وَإِنَّ جِلْدَهُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، فَهُوَ عُمُومُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي عُمُومِهَا الْكَلْبُ؛ لِأَنَّ أَيًّا فِي الْحَدِيثِ نَكِرَةٌ وُصِفَتْ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ فَتَعُمُّ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ،
وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَإِنَّمَا خَرَجَ عَنْ الْعُمُومِ لِعَارِضٍ ذَكَرْنَاهُ، وَلَقَدْ أَنْصَفَ النَّوَوِيُّ حَيْثُ
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَحَادِيثَ لَا دَلَالَةَ فِيهَا فَتَرَكَهَا " لِأَنِّي الْتَزَمْت فِي خُطْبَةِ الْكِتَابِ الْإِعْرَاضَ عَنْ الدَّلَائِلِ الْوَاهِيَةِ " اهـ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْكَلْبَ كَالْخِنْزِيرِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الدِّبَاغَ جَائِزٌ بِكُلِّ مَا يَمْنَعُ النَّتْنَ وَالْفَسَادَ،
وَلَوْ تُرَابًا أَوْ مِلْحًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ بِالشَّمْسِ وَالتُّرَابِ وَالْمِلْحِ لِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ قَالَ إنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا أَوْ لَيْسَ فِي الْمَاءِ وَالْقَرَظِ مَا يُطَهِّرُهَا، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِمَا بِمَعْنَاهُ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَ يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ وَلَنَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ،
فَإِنَّ اسْمَ الدِّبَاغِ يَتَنَاوَلُ مَا يَقَعُ بِالتَّشْمِيسِ وَالتَّتْرِيبِ فَلَا يُقَيَّدُ بِشَيْءٍ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ غَيْرِهِ وَلَيْسَ الْحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِمَّا يَقْتَضِي الِاخْتِصَاصَ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَخْتَصُّ بِمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ عِنْدَنَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ وَيُنْتَفَعُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ،
وَأَمَّا بَيْعُهُ قَبْلَ الدِّبَاغِ فَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ بِجَوَازِ بَيْعِهِ وَرَهْنِهِ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ، وَهُوَ سَهْوٌ مِنْهُ،
فَإِنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ وَشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ ذَكَرَ خِلَافًا قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْمَيْتَةِ وَبَعْضُهُمْ أَلْحَقَهُ بِالْخَمْرِ فَالظَّاهِرُ مِنْهُ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا طَهُرَ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ طَهُرَ بِالذَّكَاةِ لَحْمُهُ وَجِلْدُهُ سَوَاءٌ كَانَ مَأْكُولًا أَوْ لَا
أَمَّا طَهَارَةُ جِلْدِهِ، فَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَفِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ إنَّمَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالذَّكَاةِ إذَا لَمْ يَكُنْ سُؤْرُهُ نَجِسًا اهـ.
وَأَمَّا طَهَارَةُ لَحْمِهِ إذَا كَانَ غَيْرَ مَأْكُولٍ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَصَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ وَالْهِدَايَةِ وَالتَّجْنِيسِ طَهَارَتَهُ وَصَحَّحَ فِي الْأَسْرَارِ وَالْكِفَايَةِ وَالتَّبْيِينِ نَجَاسَتَهُ وَفِي الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَفِي الْخُلَاصَةِ هُوَ الْمُخْتَارُ وَاخْتَارَهُ قَاضِي خان،
وَفِي التَّبْيِينِ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ،
وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فَقَدْ اخْتَلَفَ كَلَامُهُ فَصَحَّحَ فِي الْكَافِي نَجَاسَتَهُ وَاخْتَارَ فِي الْكَنْزِ فِي الذَّبَائِحِ طَهَارَتَهُ وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا بِدَلَائِلِهَا وَبَيَانِ مَا هُوَ الْحَقُّ ثَمَّةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَكِنْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّ الذَّكَاةَ إنَّمَا تُوجِبُ الطَّهَارَةَ فِي الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ إذَا كَانَتْ مِنْ الْأَهْلِ فِي الْمَحَلِّ، وَهُوَ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ، وَقَدْ سَمَّى بِحَيْثُ لَوْ كَانَ مَأْكُولًا يَحِلُّ أَكْلُهُ بِتِلْكَ الذَّكَاةِ فَذَبِيحَةُ الْمَجُوسِيِّ لَا تُوجِبُ الطَّهَارَةَ؛ لِأَنَّهَا إمَاتَةٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُجْتَبَى أَنَّ ذَبِيحَةَ الْمَجُوسِيِّ وَتَارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا تُوجِبُ الطَّهَارَةَ عَلَى الْأَصَحِّ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْكُولًا، وَكَذَا نَقَلَ صَاحِبُ الْمِعْرَاجِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الطَّهَارَةَ عَنْ الْقُنْيَةِ أَيْضًا هُنَا وَصَاحِبُ الْقُنْيَةِ هُوَ صَاحِبُ الْمُجْتَبَى، وَهُوَ الْإِمَامُ الزَّاهِدِيُّ الْمَشْهُورُ عِلْمُهُ وَفِقْهُهُ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ ذَكَرَ هَذَا الشَّرْطَ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ بِصِيغَةِ قِيلَ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى قَاضِي خان وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي السِّنْجَابُ إذَا أُخْرِجَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَعُلِمَ أَنَّهُ مَدْبُوغٌ بِوَدَكِ الْمَيْتَةِ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُغْسَلْ،
وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ مَدْبُوغٌ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ جَازَ،
وَإِنْ لَمْ يُغْسَلْ، وَإِنْ شَكَّ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُغْسَلَ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ مَا قِيلَ) أَيْ مَا قَالَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْوُقَايَةِ، وَهَذَا التَّقْرِيرُ لِبَعْضِ مُحَشِّي صَدْرِ الشَّرِيعَةِ قَالَ الْفَاضِلُ قَاضِي زَادَهْ ثُمَّ أَنَّهُ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ وَاسْتِثْنَاءُ الْآدَمِيِّ مَعَ الْخِنْزِيرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إذَا دُبِغَ طَهُرَ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ بِهِ الِانْتِفَاعُ لِسَائِرِ أَجْزَائِهِ وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْوُقَايَةِ: وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الطَّهَارَةِ نَجَاسَةٌ، وَهَذَا فِي جِلْدِ الْخِنْزِيرِ مُسَلَّمٌ، فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ،
وَأَمَّا جِلْدُ الْآدَمِيِّ فَفِي غَايَةِ السُّرُوجِيِّ ذَكَرَ أَنَّهُ إذَا دُبِغَ طَهُرَ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَسَائِرِ أَجْزَائِهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ وَقَصَدَ الْمُحَشِّيُّ يَعْقُوبُ بَاشَا أَنْ يُصَحِّحَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ فَقَالَ يَعْنِي جَازَ اسْتِعْمَالُهُ شَرْعًا إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ لِنَجَاسَتِهِ وَجِلْدَ الْآدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ ثُمَّ قَالَ فَلَا يَرِدُ مَا قِيلَ إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الطَّهَارَةِ نَجَاسَةٌ، وَهَذَا فِي جِلْدِ الْخِنْزِيرِ مُسَلَّمٌ، فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ،
وَأَمَّا جِلْدُ الْآدَمِيِّ فَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ إذَا دُبِغَ طَهُرَ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَسَائِرِ أَجْزَائِهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ قُلْت فِيهِ خَلَلٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَرَادَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ هُوَ مَعْنًى جَازَ اسْتِعْمَالُهُ شَرْعًا فَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ طَهُرَ يَسْتَلْزِمُ مَعْنًى جَازَ اسْتِعْمَالُهُ شَرْعًا فَيَتَعَلَّقُ الِاسْتِثْنَاءُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُنْفَهِمِ مِنْ الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ الْتِزَامًا لَا بِصَرِيحِ مَعْنَى الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ فَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ بِالنَّظَرِ إلَى الْآدَمِيِّ أَيْضًا لِعَدَمِ جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ شَرْعًا كَعَدَمِ جَوَازِ اسْتِعْمَالِ جِلْدِ الْخِنْزِيرِ،
وَإِنْ كَانَتْ عِلَّةُ جَوَازِ الِاسْتِعْمَالِ مُخْتَلِفَةً فِيهِمَا قُلْنَا يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ يَبْقَى صَرِيحُ مَعْنَى الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ عَلَى كُلِّيَّتِهِ بِلَا اسْتِثْنَاءِ شَيْءٍ مِنْهُ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ لَا يَطْهُرُ جِلْدُ الْخِنْزِيرِ بِالدِّبَاغِ فَلَا صِحَّةَ لِلْكُلِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ لَا يُقَالُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ بِقَوْلِهِ فَقَدْ طَهُرَ مَعْنًى فَقَدْ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ شَرْعًا مَجَازًا بِطَرِيقِ ذِكْرِ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةِ اللَّازِمِ وَيُجْعَلُ اسْتِثْنَاءُ الْآدَمِيِّ قَرِينَةً عَلَيْهِ فَلَا يُرَادُ حَقِيقَةُ قَوْلِهِ فَقَدْ طَهُرَ. لِامْتِنَاعِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَلَا تَكُونُ الْكُلِّيَّةُ إلَّا فِي جَوَازِ الِاسْتِعْمَالِ، وَقَدْ اسْتَثْنَى مِنْهُ جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ فَلَا يَلْزَمُ الْمَحْذُورُ؛
لِأَنَّا نَقُولُ طَهَارَةُ الشَّيْءِ حَقِيقَةٌ لَا تَسْتَلْزِمُ جَوَازَ اسْتِعْمَالِهِ شَرْعًا أَلَا يُرَى أَنَّ جِلْدَ الْآدَمِيِّ إذَا دُبِغَ طَهُرَ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ شَرْعًا احْتِرَامًا لَهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِمَا
وَكَذَا شَعْرُ الْإِنْسَانِ وَعَظْمُهُ طَاهِرَانِ عِنْدَنَا وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا لِكَرَامَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ قَاطِبَةً فَلَمْ تَتَحَقَّقْ عَلَاقَةُ اللُّزُومِ بَيْنَ طَهُرَ وَبَيْنَ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ شَرْعًا حَتَّى يَصِحَّ حَمْلُ قَوْلِهِ فَقَدْ طَهُرَ عَلَى مَعْنَى فَقَدْ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ شَرْعًا مَجَازًا بِعَلَاقَةِ اللُّزُومِ وَأَيْضًا قَوْلُهُ وَكُلُّ إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ لَيْسَ عِبَارَتُهُ فَقَطْ بَلْ هُوَ كَلَامُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ شَرْعًا بَلْ بَيَانُ طَهَارَتِهِ حَقِيقَةً، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بَيَانُ طَهَارَتِهِ حَقِيقَةً مَتْرُوكًا بِالْكُلِّيَّةِ مَعَ كَوْنِهِ أَمْرًا مُهِمًّا يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمَسَائِلِ مِنْهَا إذَا وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ الْقَلِيلِ لَا يُنَجِّسُهُ وَمِنْهَا إذَا وَقَعَ مِنْهُ فِي بَدَنِ الْمُصَلِّي أَوْ فِي ثَوْبِهِ تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَأَيْضًا قَدْ اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ طَهُرَ» وَلَمْ يُنَازِعْ أَحَدٌ فِي كَوْنِ الْمُرَادِ بِالطَّهَارَةِ فِيهِ هُوَ الطَّهَارَةُ حَقِيقَةً اهـ.
مَا ذَكَرَهُ الْفَاضِلُ قَاضِي زَادَهْ وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ لَا تَنْحَصِرُ الْعَلَاقَةُ فِي اللُّزُومِ فَلْيَكُنْ طَهُرَ مَجَازًا عَنْ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ شَرْعًا بِعَلَاقَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا عَلَاقَةَ السَّبَبِيَّةِ والمسببية مُتَحَقِّقَةٌ لَا تُنْكَرُ بِالْكُلِّيَّةِ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا عَلَاقَةُ اللُّزُومِ. اهـ.
أَقُولُ: يَعْنِي أَنَّ السَّبَبِيَّةَ مُتَحَقِّقَةٌ فِي الْجُمْلَةِ،
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُطَّرِدَةً؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ جِلْدِ الْإِنْسَانِ وَعَظْمِهِ وَشَعْرِهِ لَيْسَتْ سَبَبًا لِجَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ شَرْعًا كَمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مَلْزُومَةً لَهَا، وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ الْقَوْلِ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ أَوْ يُقَالُ عَبَّرَ عَنْ عَدَمِ جَوَازِ الِانْتِفَاعِ شَرْعًا بِجِلْدِ الْآدَمِيِّ بِعَدَمِ طَهَارَتِهِ مُشَاكَلَةً لِذِكْرِهِ مَعَ الْخِنْزِيرِ الَّذِي لَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ حَقِيقَةً فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْخِنْزِيرُ) أَيْ فِي هَذَا الْمَحَلِّ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ؛ لِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ إهَانَةٍ أَوْ لِأَنَّ فِيهِ إشَارَةً إلَى كَمَالِ عَدَمِ قَابِلِيَّةِ الطَّهَارَةِ فِي الْخِنْزِيرِ وَالتَّأْخِيرُ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ يُفِيدُ التَّعْظِيمَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ} وَالْمُصَنِّفُ قَدَّمَ الْآدَمِيَّ نَظَرًا إلَى كَرَامَتِهِ وَذُكِرَ فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْخِنْزِيرَ إذَا ذُبِحَ يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [اسْتِعْمَال جِلْد الْفِيل إذَا دُبِغَ]
(قَوْلُهُ: وَتَقْيِيدُهُ بِكَوْنِهِ جَرْوًا صَغِيرًا إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ بَلْ قَيَّدُوا بِهِ لِوُقُوعِ التَّصْوِيرِ بِكَوْنِهِ فِي كُمِّهِ
(قَوْلُهُ: وَمَا لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ) أَيْ مَا لَا يُمْكِنُ أَكْلُهُ احْتِرَازًا عَنْ لَحْمِهِ، فَإِنَّهُ قَابِلٌ لِلْأَكْلِ
(قَوْلُهُ: لَكِنْ قَدْ أَجَابَ فِي الْمُحِيطِ) أَيْ أَجَابَ عَمَّا قَدَّمَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَقَدْ يُقَالُ يَنْبَغِي إلَخْ
قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نَقَلَهُ فِي مَسَائِلِ الْآبَارِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ وَأُخْرِجَ حَيًّا لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ مَا لَمْ يَصِلْ فَمُهُ الْمَاءَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَجِلْدِ الشَّاةِ الْمُذَكَّاةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: يَعْنِي فِي الْحِلِّ وَسَوَاءٌ فِيهَا قَبْلَ الدِّبَاغِ وَبَعْدَهُ كَنَحْوِ أَكْلِ تُرَابٍ لَا يَضُرُّ فَحِلُّ جِلْدِ الْمُذَكَّاةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ وَبَعْدَهُ حَيْثُ كَانَ مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَحُرْمَتُهُ مِنْ غَيْرِ الْمَأْكُولِ كَذَلِكَ وَالْخِلَافُ فِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ مِنْ الْمَأْكُولِ بَعْدَ الدِّبَاغَةِ وَالصَّحِيحُ حُرْمَتُهُ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: رُتِّبَ عَلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَنْهُ) أَيْ عَنْ ابْنِ زَيْدٍ.
وَقَوْلُهُ الْحَدِيثُ الثَّانِي أَيْ، وَهُوَ قَوْلُهُ فَكَلِمَتُهُ نَائِبُ فَاعِلٍ رُتِّبَ
(قَوْلُهُ: وَتَعَقَّبَهُ شَارِحٌ مُتَأَخِّرٌ) أَقُولُ: هُوَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ مُحَمَّدُ بْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ الْحَلَبِيّ شَارِحُ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(قَوْلُهُ: وَاخْتَارَهُ قَاضِي خان) قَالَ الرَّمْلِيُّ: أَقُولُ: الَّذِي اخْتَارَهُ قَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ مِنْ بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ طَهَارَتُهُ فَرَاجِعْهُ تَجِدْ مَا فِي نَقْلِهِ عَنْهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ اخْتَارَهُ فِي كِتَابٍ آخَرَ مِنْ كُتُبِهِ فَيَكُونُ كَلَامُهُ قَدْ اخْتَلَفَ كَمَا وَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ فِي الْكَنْزِ وَفِي الْكَافِي تَبْيِينٌ
(قَوْلُهُ: وَفِي التَّبْيِينِ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: عِبَارَةُ التَّبْيِينِ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الَّتِي اطَّلَعْنَا عَلَيْهَا،
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ: يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِهَا وَلَا يَطْهُرُ لَحْمُهُ كَمَا لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُخَالَفَةِ.
(لا يمسه إلا المطهرون) الواقعة ٧٩ بناء أن الجملة صفة للقران يقتضي اختصاص المنع به وعم كلامه اللوح المكتوب والدرهم والحائط لا فرق بين موضع الكتابة وغيره
وقيل يجوز مس الغير قال في الغاية وهذا أقرب إلى القياس إلا أن المنع أقرب للتعظيم إلا أن يكون اللمس بغلافه قيل هو المشرز والمخيط
قال في الكافي وهو الأصح إلا أن المذكور في الهداية وغيرها أن المنفصل كالخريطة وغيرها وهو الأصح وفي السراج وعليه الفتوى وعلى الأول فيجوز مسه بالكم أيضا وجعله في المحيط قول الجمهور واختاره في الكافي أيضا معللا بأن المس المحرم اسم للمباشرة باليد بلا حائل وعلى الثاني يكره
قال في الهداية وهو الصحيح وفي الخلاصة وعليه عامة المشايخ والمراد كراهة التحريم كذا في الفتح ثم قال لي بعض الأخوان يجوز بالمنديل الموضوع على العنق قلت لا أعلم فيه نقلا والذي يظهر أنه إن تحرك طرفه بحركته لا يجوز وإلا جاز لاعتبارهم إياه تبعا له كبدنه في الأول دون الثاني فيما لو صلى وعليه عمامة بطرفها الملقى نجاسة مانعة ومنع الحدث الأصغر المس أي مس القران فقط لإطلاق ما تلونا قيد به لأن مس كتب الحديث والفقه الأصح أنه لا يكره عند الإمام
ويكره عندهما كذا في الخلاصة وفي شرح الدرر ورخص المس باليد في الكتب الشرعية إلا التفسير ذكره في مجمع الفتاوى وغيره ولا يخفى أن مقتضى ما في الخلاصة عدم الكراهة مطلقا لأن من أثبتها حتى في التفسير نظر إلى ما فيها من الآيات ومن نفاها نظر إلى أن الأكثر ليس كذلك وهذا يعم التفسير أيضا إلا أن يقال إن القران فيه أكثر من غيره
وأما الكتابة فتكره وإن كانت الصحيفة على الأرض وذكر القدوري عدمها إذا كانت على الأرض قيل هذا قول ومنعهما الجنابة والنفاس وتوطأ بلا غسل بتصرم لأكثره ولأقله لا حتى تغتسل أو يمضي عليها أدنى وقت صلاة ..
الثاني قال في الفتح وهو أقيس لما أنه في هذه الحالة ما مس بالقلم وهو واسطة منفصلة فكان كثوب منفصل إلا أن يمسه بيده قالوا ولا بأس بدفع المصحف ونحوه لغير البالغ المحدث على الأصح وهذا صريح في أن دفعه للمحدث البالغ لا يجوز ومنعهما أي قراءة القران والمس الجنابة والنفاس وتوطأ الحائض بلا إيجاب غسل لحا وطئها بل هو مستحب فقط بتصرم أي انقطاع لأكثره وبتصرم لأقله وقد تمت عادتها لا أي لا يحل وطؤها حتى تغتسل أو تيمم إن فقدت الماء سواء صلت به أو لا إجماعا قاله الاسبيجابي إلا أنه في المبسوط قال الأصح أنه عند عدم الصلاة به ليس له أن يقربها إجماعا نعم حلها للأزواج وانقطاع الرجعة موقوف على الصلاة به على المذهب أو يمضي عليها أدنى أي أقل وقت صلاة مفروضة حتى لو طهرت في وقت العيد لا بد أن يمضي وقت الظهر والمراد بالأدنى أدناه الواقع أخرا أعني أن تطهر في وقت خروجه قدر الاغتسال والتحريمة لا أعم من هذا ومن أن تطهر في أوله ويمضي منه هذا المقدار لأن هذا لا ينزلها طاهرة شرعا كما رأيت بعضهم يغلط فيه ألا ترى إلى تعليلهم بأن تلك الصلاة صارت دينا في ذمتها وذلك بخروج الوقت ولذا لم يذكر غير واحد لفظة أدنى وعبارة الكافي وتصير الصلاة دينا في ذمتها بمضي أدنى وقت صلاة بقدر الغسل والتحريمة بأن انقطع في آخر الوقت كذا في الفتح وفيه إيماء إلى أن الأولى حذف لفظ أدنى وقيد بتمام عادتها لأنه لو تصرم قبل تمامها لم يحل وطؤها وإن أغتسلت لكنها تصلي إذا خافت خروج الوقت وتصوم الفرض وتنقطع الرجعة ولا تحل للأزواج احتياطا كذا في الخلاصة وأفاد في المبسوط أن المراد بالوقت هو المستحب وفي النهاية وتأخير الغسل إلى الوقت المستحب فيما إذا انقطع لتمام عادتها أو لأقلها واجب واعلم أن زمن الغسل من الحيض فيما إذا تصرم لأقله ومن الطهر فيما إذا تصرم لأكثره لئلا تزيد الأايام على العشرة
وأما التحريمة فمن الطهر على كل حال
قال في المجتبى والصحيح أنه يعتبر مع الغسل لبس الثياب وهكذا جواب صومها فيما إذا طهرت قبل الفجر لكن الأصح عدم اعتبار التحريمة في حق الصوم وما قاله المشايخ من اعتبار زمن الغسل من الطهر في الأكثر ومن الحيض في الأقل في حق القربان وانقطاع الرجعة وجواز التزوج بآخر لا في جميع الأحكام ألا ترى أنها لو طهرت عقيب غيبوبة الشفق ثم اغتسلت عند الفجر الكاذب ثم رأت الدم في الليلة والطهر بين الدمين في المدة حيض ونفاس السادسة عشرة بعد زوال الشفق فهو طهر تام وإن لم يتم خمسة عشر من وقت الاغتسال انتهى وفي السراج والتوشيح اعتبار زمن التحريمة في حق الصوم أيضا
قال في البحر وهو الحق فيما يظهر وفيه نظر والطهر المتخلل بين الدمين في لمدة أي مدة الحيض والنفاس حيض ونفاس هذا رواية عن الإمام لأن استيعاب الدم ليس بشرط إجماعا فاعتبر الأول والآخر كالنصاب وروي عنه كما في المعراج وبه أخذ محمد أن الطهر إن نقص عن ثلاثة ولو بساعة لا يفصل لأن ما دونها من الدم لا حكم له فكذا الطهر ولو ثلاثة فأكثر وكان مثل الدمين فكذلك وإن أكثر فصل
ثم إن كان في أحد الجانبين ما يمكن جعله حيضا كان حيضا والآخر استحاضة وإلا فالكل استحاضة ولا يمكن جعل الكل حيضا لما سبق إلا أن زاد على العشرة فنجعل الأول حيضا لسبقه وعليها فلا يبدأ الحيض بالطهر ولا يختم به واختلف على هذه الرواية فيما إذا اجتمع طهران معتبران وصار أحدهما حيضا لاستواء الدم بطرفيه حتى صار كالمتوالي كما إذا رأت يومين دما وثلاثة طهرا أو يوما دما وثلاثة طهرا ويوما دما فقيل يتعدى إلى الطرف الآخر فيصير الكل حيضا
وقيل لا وهو الأصح ووافقه ابن زياد غير أنه جعل الثلاثة فاصلة مطلقا وروي الثاني عنه وبه أخذ إن كان الطهر أقل من خمسة عشر يوما لا يفصل وعليها فيبدأ بالطهر ويختم به كما إذا رأت قبل عادتها بيوم دما وعشرة طهرا ويوما دما فالعشرة التي لا دم فيها حيض فإن كان لها عادة ردت إليها قيل هي آخر أقوال الإمام وعليها الفتوى
وقيل الفتوى على قول محمد والأول أولى كذا في الفتح كأنه قيل لما أنه أسهل على المفتي والمستفتي وروي ابن المبارك عنه اعتبار كون الدم في العشرة ثلاثة فقط وبه أخذ زفر وجعلها في التوشيح رواية زفر عنه ولا مانع من تعدد الراوي ويفرع على هذا الأقوال ما لو رأت يومين دما وخمسة طهرا ويوما دما ويومين طهرا ويوما دما فعتد الثاني العشرة الأولى حيض إن كانت عادتها أو مبتدأة وعند الثالث الأربعة الأخيرة فقط أنه تعذر جعل العشرة الأولى حيضا لاختتامها بالطهر وتعذر جعل ما قبل الطهر الثاني حيضا لما أن الغلبة فيه للطهر فطرحنا الدم الأول والطهر الأول فبقي وأقل الطهر خمسة عشر يوما ولا حد لأكثره إلا عند نصب العادة في زمن الاستمرار ....
بعده يوم دم ويومان طهر ويوم دم والطهر أقل من ثلاثة فجعلنا الأربعة حيضا وقال زفر الثمانية حيض لاشتراطه كون الدم ثلاثة في العشرة ولا يختم عنده بالطهر وقد وجدنا أربعة دما
وكذلك على رواية محمد عن الإمام لخروج الثاني عن العشرة وجزم المصنف وغيره بهذه الرواية
قال في البحر ولم أر من رجحها ولعله لضعف وجهها لأن قياسها على النصاب غير صحيح لأن الدم منقطع في أثناء الدم بالكلية وفي المقيس عليه يشترط فيه بقاء النصاب في أثناء الحول والمشروط وجوده ابتداء وانتهاء إنما هو تمامه وأقول لا نسلم أن هذا قياس بل تنظير ولئن سلم فالدم كوجود حكما وإن انعدم حسا بدليل ثبوت أحكام الحيض كلها في هذه الحالة واعتماد أصحاب المتون على شيء ترجيح له والله أعلم وأقله أي الطهر أي الفاصل بين الحيضتين خمسة عشر يوما لإجماع الصحابة على ذلك ولا حد لأكثره لأنها قد لا ترى الحيض أصلا فلا حاجة إلى تقدير إلا عند الاحتياج إلى نصب العادة في زمن الاستمرار أي فله حد وهذا قول العامة خلافا لمن قال لا حد له ومحل الخلاف في تقدير طهرها في حق انقضاء العدة ولا خلاف أنه في غيرها لا يقدر بشيء وعم كلامه المبتدأة وستأتي ومن نسيت عادتها أولها وآخرها ودورها وهي المضللة والمحيرة بفتح الياء لتحيرها وكسرها لأنها حيرت الفقهاء في أمرها وحاصل كلامهم فيها أنها متى تيقنت به في وقت تركت العبادة وإلا تحرت فإن لم يستقر رأيها على شيء بل ترددت بين الحيض والدخول فيه والطهر وتوضأت لكل صلاة وإن بينهما والدخول فيه اغتسلت لكل صلاة وهو الأصح وصلت الواجبات والسنن المؤكدة أيضا وقرأت القدر المفروض والواجب على الراجح وفي الآخريين على الأصح ولا تدخل مسجدا ولا تمس مصحفا ولا توطأ بالتحري على الأرجح وتصوم رمضان ثم تقضي عشرين يوما وإن علمت أن ايتداءه ليلا وإن علمته نهارا قضت اثنين وعشرين يوما وإن لم تعلم شيئا فعامة المشائخ على العشرين
وقيل باثنين وعشرين وهو الأصح ولو حجت أتت بطواف الزيادة ثم أعادته بعد عشرة وبالصدر ولا تعيده ولو طلقت انقضت عدتها بتسعة عشر شهرا إلا ثلاث ساعات في قول الميداني قال صدر الشريعة وهو الأصح لأن الطهر بين الدمين أقل من مدة الحمل عادة فتصنا من ذلك ساعة وفي الشرح ينبغي أن يزيدوا على ذلك لجواز أن يكون طلقها في أول الحيض وأجاب في البحر بأنه لما كان محظورا لم ينزلوه مطلقا فيه حملا لحال المسلم على الصلام ما أمكن وذكر ابن سماعة ولو زاد الدم على أكثر الحيض والنفاس فما زاد على عادتها استحاضة ولو مبتدأة فحيضها عشرة ونفاسها أربعون ...
عن محمد أنها تنقي بسبعة عشر شهرا واختاره الحاكم الشهيد وغيره وعليه الفتوى ولو زاد الدم على أكثر الحيض السابق بيانه أعني عشرة أيام ولياليها حتى لو رأت عشرة وتسع ليال كان الكل حيضا حتى يزيد على ليلة الحادي عشر كذا في السراج وعلى أكثر النفاس وهو أربعون يوما كذلك فما زاد من ذلك على عادتها فهو استحاضة لأن المرئي في العادة والزائد على الأكثر حيض ونفاس واستحاضة بيقين وما بين ذلك متردد بين أن يلحق بالحيض والنفاس أو الاستحاضة فلا تترك الصلاة بالشك وتترك الصلاة في الزائد على العادة وتترك بمجرد رؤيتها الزيادة على الأصح كذا في النهاية أطلقه فعم ما إذا ختم العادة بالدم أو لا عند الثاني وقال محمد إن ختمت بالطهر فلا
وقيل بالزيادة على الأكثر لأنه لو لم يزد بل كان على العادة كان الكل حيضا اتفاقا بشرط ان يكون بعد طهر صحيح حتى لو كانت عادتها خمسة من كل شهر مثلا فرأت ستة كان السادس حيضا فإن طهرت بعد ذلك أربعة عشر ثم رأت الدم ردت إلى عادتها وكان الزائد استحاضة كذا في السراج وهل تصير لها عادة قال الثاني نعم وعليه الفتوى وقالا لا بد أن يعاودها في الثاني كذلك والخلاف في الأصلية بأن ترى دمين متفقين وطهرين كذلك لا الجعلية بأن ترى أطهارا مختلفة ودما كذلك فإنها تنتقض برؤية المخالف اتفاقا
قال في الفتح وإنما تظهر ثمرة الخلاف فيما لو استمر بها الدم في الشهر الثاني فعند أبي يوسف بقدر حيضها من كل شهر ما رأته آخرا وعندهما على ما كان قبله ونازعه في البحر في ادعاء الحصر بأنها تظهر أيضا فيما لو رأت في الشهر الأول زيادة على عادتها فإن الأمر موقوف عند الإمام إن رأت في الثاني مثله فهذا والأول حيض وإلا فهو استحاضة وقالا حيض لأن الثاني يرى نقض العادة بمرة ومحمد يرى الإبدال إن أمكن كما صرح به في الكافي فيما لو رأت يومين فيها ويوما قبلها ولو كانت مبتدأة بفتح الدال والهمزة اسم مفعول وهي التي ابتدأها الحيض ويكسرها اسم فاعل لابتدائها في الحيض وهي التي بلغت مستحاضة أو مع الولد الأول فحيضها عشرة من أول مرائيها ونفاسها أربعون قالوا وتترك الصلاة بمجرد رؤية الدم في الأصح كصاحبة العادة واعلم أن العادة في المبتدأة أيضا أصلية وهي نوعان أحدهما أن ترى دمين وطهرين متفقين متواليين كما لو رأت ثلاثة دما وخمسة عشر طهرا ثم رأت كذلك ثم استمر بها الدم والثاني أن ترى دمين وطهرين وتتوضأ المستحاضة ومن به سلسل بول أو استطلاق بطن أو انفلات ريح أو رعاف دائم أو جرح لا يرقا لوقت كل فرض ويصلون به فرضا ونفلا
ويبطل بخروجه فقط وهذا إذا لم يمض عليهم وقت فرض إلا وذلك الحدث يوجد فيه ...
مختلفين فعند الثاني أيام حيضها وطهرها هو المرئ أولا واختلف على قولهما فقيل وهو كقول الثاني
وقيل أقل المرئيين وجعلية وهي أن ترى ثلاثة أطهار ودماء مختلفة ثم يستمر بها الدم فقيل عادتها أوسط الأعداد
وقيل أقل المرئيين الأخيرين كذا في المحيط وتتوضأ المستحاضة قيد به لأن الاستنجاء غير واجب عليها كذا في الظهيرية ومن به سلسل بول لا يقدر على إمساكه لضعف مثانته قيل السلسل بفتح اللام نفس الخارج وبكسرها من به هذا المرض أو استطلاق أي جريان بطن أو انفلات ريح ومن لا يملك جمع مقعدته لاسترخاء فيها أو رعاف وهو دم خارج من أنفه دائم لا ينقطع أو جرح لا يرقأ أي لا يسكن دمه لوقت كل فرض لا لكل صلاة ويصلون به فرضا أي فرض كان ونفلا وعلم منه الواجب بالأولى ما بقي الوقت إن لم يوجد نهم حدث
ويبطل وضوئهم بخروجه مجاز عقلي الإسناد إذ المبطل حقيقة إنما هو ظهور الحدث السابق لكنه يستند تارة ويقتصر تارة اخرى ولذا قلنا لا يجوز لهم المسح على الخفين حيث وجد العذر وقت الوضوء أو اللبس عملا بالأول ولو شرع في تطوع ثم خرج الوقت وجب القضاء عملا بالثاني ولم يعكس للاحتياط
قال في الفتح والذي يظهر أنه اقتصار من كل وجه وكونه بالحدث السابق لا يستلزم الإسناد ليظهر عدم صحة الصلاة إذ المراد أن ذلك الحدث محكوم بارتفاعه إلى غاية معلومة فيظهر عندها مفتقرا إلى أن يظهر قيامه شرعا من ذلك الوقت ومن حقق أن هذه اعتبارات شرعية يشكل عليه ذلك فقطط أي لا غير حتى لو توضأ للعصر في وقت الظهر بعد ما صلاه ثم دخل وقت العصر لا يصلي به وأفاد أنه لا يبطل بالدخول خلافا لزفر ولا بهما خلافا للثاني وأثر الخلاف يظهر فيما لو توضأ بعد الطلوع ولو لعيد أو أضحى على الأصح صلى بالظهر عندنا خلافا لهما ولو توضأ قبل الطلوع انتقض بالطلوع خلافا لزفر فظاهر أن هذا مقيد بما إذا كان الوضوء على السيلان أو وجد بعده
أما لو وجد على الانقطاع ودام إلى آخر الوقت لم يبطل إلا بحدث آخر وهذا أي هذا الحكم المذكور للمستحاضة ومن بمعناها إذا لم يمض عليهم وقت فرض إلا في ذلك الحدث الذي ابتلي موجود فيه أي في ذلك الوقت هذا هو الشرط البقائي وسكت عن الابتدائي وفي الكافي هو أن لا يجد في وقت الصلاة زمنا يتوضأ ويصلي فيه خاليا عن الحدث
والأظهر ما في عامة الكتب من أنه لا بد أن والنفاس دم يعقب الولد يستوعب وقت صلاة كاملة كذا في الشرح وجعل في فتح القدير ما في الكافي تفسيرا لما في عامة الكتب إذ قل ما يستمر كمال وقت بحيث لا ينقطع لحظة فيؤدي إلى نفي تحققه إلا في الإمكان
بخلاف جانب الصحة منه فإنه بداوم انقطاعه وقتا كاملا وهو مما يتحقق وفي شرح الدرر لا مخالفة بين ما في الكافي وعامة الكتب ويدل على ذلك ما قاله شراح الجامع الخلاطي في شرح قوله لأن زوال العذر يثبت باستيعاب الوقت كالثبوت في الانقطاع الكامل معتبر في إبطال رخصة المعذور والنادر غير معتبر إجماعا فاحتيج إلى حد فاصل فقدرناه بوقت الصلاة كما قررنا به ثبوت العذر ابتداء فإنه يشترط لثبوته ابتداء دوام السيلان من أول الوقت إلى آخره لأنه إنما يصير صاحب عذر ابتداء إذا لم يجد في وقت صلاة زمانا يتوضأ فيه ويصلي خاليا عن الحدث الذي ابتلي به.
والنفاس بكسر النون لغة مصدر نفست المرأة بضم النون وفتحها ولدت وحاضت إلا أن الضم في الولادة أفصح وعكسه في الحيض سمي به الدم لأن النفس التي هي اسم لجملة الحيوان قوامها به وقولهم هو الدم الخارج عقيب الولادة تسمية بالمصدر كالحيض
فأما اشتقاقه من تنفس الرحم بمعنى تشققه وانصداعه أو خروج النفس بمعنى الولد فقال المطرزي إنه ليس بذاك ويقال في الولادة نفساء بضم النون وفتح الفاء والمد وبفتحهما وبإسكان الفاء مع فتح النون ونفسى بضم النون ككبرى ونسوة نفاس بكسر النون وليس في كلامهم جمع فعلى على فعال إلا نفسا وعشرا للحامل وشرعا دم من الفرج يعقب الولادة أو أكثره قيدنا بكونه من الفرج لأنها لو ولدت من سرتها بأن كان ببطنها جرح فانشقت وخرج الولد منها لا تكون نفساء بل صاحبة جرح سائل لكن تنقضي به العدة وتصير الأمة به أم ولد ويقع الطلاق المعلوم بولادتها به كذا في الفتح وقيده الشارح بأن لا يسيل الدم من فرجها فأن سال كانت نفساء ثم
قال في الفتح وأفاد كلامه أنها لو لم تر دما لا تكون نفساء ثم يجب الغسل احتياطا عند الإمام لأن الولادة لا تخلو ظاهرا عن قليل من الدم وعند أبي يوسف لا يجب انتهى وهو ظاهر في أنها لا تكون نفساء عند الإمام
قال في البحر وفيه نظر بل هي عنده نفساء لما في السراج أنه يبطل صومها وهذا آية ودم الحامل استحاضة والسقط إن ظهر بعض خلقه ولد ولا حد لأقله نفاسها وأقول لا يلزم من إبطال صومها إثبات نفاسها لجواز أن يكون احتياطا أيضا كالغسل وقد جعل في السراج العلة فيهما واحدة وهي احتياط وكيف سلم أن إيجاب الغسل عليها لا يستلزم ثبوت نفاسها ولم يسلمه في الصوم ولم يلح لي وجه الفرق بينهما نعم ظاهر ما في الشرح يفيد أنها تكون نفساء عند الإمام وفي السراج وغيره أنه الصحيح وبه أخذ أكثر المشايخ ورجح الشارح ما عن الثاني ودم الحامل ولو حال ولادتها قبل خروج أكثر الحمل استحاضة لأنسداد فم الرحم بالحمل والسقط بكسر السين والتثليث لغة بمعنى المسقوط إن ظهر بعض خلقه كإصبع وظفر وشعر ولد تنقضي به العدة وتصير الأمة أم ولد إذا ادعاه المولى
قال في البحر وذكره الشارح في ثبوت النسب أنه لا يستبين خلقه قبلها وأقول إنما ذكر الشارح هذا في نكاح الرقيق وكون المراد به ما ذكر ممنوع فقد وجه في البدائع وغيرها ذلك بأن يكون أربعين يوما نطفة وأربعين علقة وأربعين مضغة وعبارته في عقد الفرائد قالوا يباح لها أن تعالج في استنزال الدم ما دام الحمل مضغة أو علقة ولم يخلق له عضو وقدروا تلك المدة بمائة وعشرين يوما وإنما اباحوا ذلك لأنه ليس بآدمي انتهى ولا مانع أنه بعد هذه المدة تخلق أعضاؤه وتنفخ فيه الروح قيد بالظهور لأنه لو لم يظهر منه شيء لا يكون ولدا لكنه إن أمكن جعل المرئي حيضا بأن امتد جعل اياه وإلا فاستحاضة أو لم يعلم أظهر أم لا بأن أسقطته في المخرج وعادتها في الحيض عشرة وفي الطهر عشرون تركت الصلاة أيام عادتها ثم أغتسلت وصلت كل صلاة بوضوء ثم تدع الصلاة أيام عادتها أيضا وقد تم لها أربعون يوما كذا قالوا وكان ينبغي أن يقال ولم تعلم عدد أيام حملها بانقطاع الحيض عنها
أما لو لم تره مائة وعشرون يوما ثم أسقطته في المخرج كان مستبين الخلق كما سبق ولا حد لأقله لأن خروج الولد دليل على أنه من الرحم فلا حاجة إلى مادة زائدة عليه
بخلاف الحيض قال شيخ الإسلام ولا خلاف في ذلك بين أصحابنا إنما الخلاف فيما إذا وجب اعتبار أقل النفاس في انقضاء العدة بأن قال لها إن ولدت فأنت طالق فقالت انقضت عدتي أي مقدار يعتبر لأقل النفاس في انقضاء العدة مع ثلاث حيض قال الإمام خمسة وعشرون يوما لأنه لو قدر بأقل من ذلك لأدى إلى نقض العادة عند عودة الدم في الأربعين لأن من أصله أن الدم إذا كان في الأربعين فالطهر المتخلل لا يفصل طال أو قصر حتى لو رأت ساعة دما وأربعين إلا ساعتين طهرا ثم ساعة دما كان الأربعون كلها نفاسا وعليه الفتوى كذا في الخلاصة وقال الثاني أحد عشر وقال الثالث ساعة
فأما في حق الصوم والصلاة فأقله ما يوجد وبقية تفاريع المسألة تأتي وأكثره أربعون يوما والزائد استحاضة ونفاس التوءمين من الأول [باب الأنجاس] يطهر البدن والثوب في العدة إن شاء الله تعالى وأكثره أربعون يوما لرواية الترمذي وغيره سألت أم سلمة النبي صلى الله عليه وسلم كم تجلس المرأة إذا ولدت قال أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك والزائد على الأربعين استحاضة هذا في المبتدأة
أما المعتادة فترد إلى أيام عادتها وتحصل من كلامه أن الاستحاضة اسم لما نقص عن الثلاثة أو زاد على العشرة أو على أكثر النفاس أو على عادة عرفت لها وجاوزت لأكثرها ونفاس التوءمين وهما الولدان اللذان بين ولادتهما أقل من ستة أشهر ولو ثلاثة أولاد وكان بين الأول والثالث أكثر من ستة أشهر والثاني أقل فالأصح أن يجعل حملا واحدا من الأول عندهما والمرئي عقيب الثاني أن كان في الأربعين فمن نفاس الأول وإلا فاستحاضة وقال محمد وزفر من الثاني والأول استحاضة ولا كلام أنه لو كان بينهما ستة أشهر وأكثر كانا حملين ومن فوائد الخلاف ما لو كانت عادتها عشرين يوما فرأت بعد الأول عشرين وبعد الثاني أخدا وعشرين فالأول عندهما نفاس وما بعد الثاني استحاضة وعند محمد وزفر الأول استحاضة وما بعد الثاني نفاس ولو رأت بعد الأول عشرين
وكذا بعد الثاني وعادتها عشرون فيما بعد الثاني نفاس إجماعا
وكذا ما قبله عندهما خلافا لمحمد وزفر كذا في السراج والله الموفق [باب الأنجاس] جمع نجس بفتحتين يطلق على الحقيقي والحكمي إلا أنه لما قدم الحكمي أمن اللبس فأطلقه كذا في العناية ولا حاجة إليه لما مر من أنه بالفتح عند الفقهاء اسم لعين النجاسة وبكسرها لما لا يكون طاهرا فإطلاقه على الحكم أيضا ليس إلا لغة يطهر البدن من النجاسة الحقيقية
وكذا الثوب سواء علم وضع النجاسة منه أو لا حتى لو نسي طرفا من ثوبه تنجس فغسل طرفا منه بلا تحر طهر هو المختار
فلو صلى معه صلوات ثم ظهر أنه في طرف آخر أعاد ما صلى كذا في الخلاصة وفي الظهيرية المختار عند الإمام أنه لا يعيد إلا الصلاة التي هو فيها انتهى وينبغي ان يكون البدن كالثوب هذا وعبارة النقاية يطهر أولى لشمولها بالماء وبمائع مزيل كالخل وماء الورد لا الدهن والخف بالدلك بنجس ذي جرم وإلا يغسل والثوب والمكان والآنية والمأكولات وكل شيء تنجس بالماء المطلق ويطهران أيضا بمائع أي بكل مائع مزيل للنجاسة ينعصر بالعصر كالخل وماء الورد واللسان ونحو ذلك لكن عندهما خلافا لمحمد كذا في الكرخي والطحاوي وفي العيون أنه لا يطهر به البدن في قولهم جميعا
والصحيح ما ذكرناه كذا في المجتبى
قال في البحر ولم يقيده بالطاهر للاختلاف فيه حتى لو غسل المتنجس بالدم ببول ما يؤكل لحمه بقيت نجاسة البول فقط قال السرخسي
والأصح أن التطهير بالبول لا يكون أي التطهير عن التغليظ وعبارة الصيرفي المختار أن حكم التغليظ لا يزول وأقول هذا لا يكاد يصح إذ لا قائل بالطهارة ولا نسلم أنه لم يقيده به بل أشار إلى ذلك بقوله يطهر إذ تطهيرة لغيره
فرع طهارته في نفسه ويدل على ذلك أنه لم يقيد الماء به ولا بد إجماعا وأثر الخلاف يظهر فيمن حلف أنه لا دم فيه وقد غسله بالبول أو بالمستعمل على القول بنجاسة المخففة لا مثل الدهن والدبس والعسل ونحو ذلك لأنه غير مزيل وإن كان ما ئعا وما عن الثاني لو أزال الدم بدهن حتى لو ذهب أثره جاز
بخلاف الظاهر عنه وجعل في المحيط اللبن مزيلا في رواية وجزم بها في الخجندي حيث قال يجوز باللبن عند الإمام والثاني
قال في البحر وهذا ضعيف ومحمول على ما إذا لم يكن فيه دسومة ولا يخفى أنه لا داعي إلى الحمل بل هذه الرواية توافق ما مر عن الثاني في الدهن ولذا علل في النهاية عدم الجواز أنه لا ينعصر كالأدهان نعم لو حمل المنع على وجود الدسومة والجواز على عدمها لكان حسنا ويطهر الخف والنعل غير الرقيق بالدلك وهو المسح بالتراب كما عبر به في الأصل إلا أنه صرح في الجامع بأنه لو حكه أو حته بعد ما يبس طهر قال المشايخ لولا ما في الجامع لشرطنا المسح بالتراب لأن له أثرا في الطهارة
بخلاف الحك بقول محمد في المسافر إذا أصابت يده نجاسة يمسحها بالتراب إلا أن ما في الجامع بين أن له أثرا كذا في النهاية بنجس بفتح الجيم في محل نصب على أنه حال من الفاعل أي متنجسا بنجس ذي أي صاحب جرم أي جثة وهي ما يرى بعد الجفاف سواء جف أو لا عند الثاني وقيداه بالجفاف والفتوى على قوله بشرط عدم بقاء الأثر كما في الكافي وإطلاق غيره مقيد به إلا أن يشق زواله
قال في البحر وأطلق في الجرم فشمل ما إذا كان منها أو من غيرها بأن ابتل الخف بخمر فمشى به على رمل أو رماد فالتصق بالخف فمسحه بالأرض فإنه يطهر على الأصح
قال في الخانية وعن الثاني أنه لو مسحه على وجه المبالغة بحيث لا يبقى لها أثر يطهر وعليه الفتوى وأنت خبير بأن قوله ذي جزم وقع صفة لنجس فاقتضى قوله وإلا يغسل أنه لم يكن كذلك وبمني آدمي يابس بالفرك وإلا يغسل ونحو السيف بالمسح والأرض كالبوك ونحوه غسل ومن تأمل كلام الشارح لم يتردد في ذلك وبمني عطف على البدن أي ويطهر مني أي محله وزيدت الباء في الفاعل وما في البحر من أنه معطوف على قوله بالماء يعني يطهر البدن والثوب والخف إذا أصابه مني بفركه يعني أنه معطوف على قولة بالماء يعني يطهر البدن والثوب والخف إذا اصابه مني بفركه يعني أنه معطوف على الجار والمجرور فبعيد جدا يابس بالفرك وهو الحك باليد حتى يتفتت ولا يضر بقاء الأثر بعده كما في المجتبى أطلق في المني فعم منيها أيضا ولا فرق في ظاهر الرواية بين البدن والثوب جديدا كان أو غسيلا وشرط في غاية البيان كونه غسيلا
قال في البحر ولم أره لغيره وهو بعيد وأقول الظاهر تخريجه على ما لو أصابه ثوبا له بطانة فنفذ إليها ففي طهارته بالفرك خلاف ورجح بعضهم أنه لا يطهر به للتشرب ولا شك أن الجديد كذلك نعم رجح في النهاية وغيرها أنه لا يطهر به ويدل عليه الإطلاق قيل هذا مقيد بما إذا لم يكن أمنى عقب بول لم يزله بالماء وبما إذا لم يكن أمذى أولا فإن كان لا بد من غسله وعن هذا قال شمس الأئمة مسألة المني مشكلة لأن كل فحل يمذي ثم يمني إلا أن يقال إنه مغلوب بالمني فيجعل تبعا فإن قلت لم لا يجعل البول كذلك قلت لأنه لا ضرورة تدعو إليه
بخلاف المذي لأنه إذا كان لا يمني حتى يمذي وقد طهره بالفرك يابسا علمنا أنه اعتبر ذلك الاعتبار للضرورة كذا في فتح القدير وقوله في البحر إن ظاهر المتون الإطلاق لأن المذي لم يعف عنه إلا أنه مغلوب مستهلك لا للضرورة فكذا البول ممنوع إذ الأصل أن لا يجعل النجس تبعا لغيره إلا بدليل وقد قام في المذي دون البول وفي قوله يطهر إيذان لنجاسته لا فرق في ذلك بين الآدمي وغيره وقيد بالمني لأن غيره لا يطهر بالفرك وما في المجتبى لو أصاب الثوب دم عبيط فيبس فحته طهر كالمني شاذ
قال في البدائع وأما سائر النجاسات إذا أصابت الثوب والبدن ونحوهما فإنها لا تزول إلا بالغسل رطبة كانت أو يابسة لها جرم أو لا ويطهر نحو السيف وهو كل صقيل لا مسام له أي منافذ فخرج الحديد المصدي وماله نقش والثوب الصقيل لوجود المسام وبالمسح بشرط ذهاب الأثر كما في الخانية ولا فرق بين أن يمسحه بتراب أو خرقة أو صوف أطلقه فعم أنواع النجاسة رطبها ويابسها وعدل عن قول القدوري اكتفى إيماء إلى أنه لا يقلل النجاسة بل يزيلها وأثر الخلاف يظهر فيما لو قطع البطيخ أو اللحم بالسكين الممسوحة من النجاسة يحل على الأول لا على الثاني وتطهر الأرض وما كلن ثابتا فيها كالحيطان والأشجار والكلاء والقصب وغيره ما دام قائما عليها هو المختار كما في الخلاصة
وكذا الآجر المفروش لا الموضوع للنقل والحصى
وأما الحجر فإن تشرب النجاسة كحجر الرحا فكالأرض وإلا لا كذا في الصيرفية والمذكور في غيرها أنه لا باليبس وذهاب الأثر للصلاة لا للتيمم يطهر إلا بالغسل ويدخل في القصب الخص بضم المعجمة وبعدها صاد مهملة البيت من القصب المراد به السترة التي تكون على السطح منه كذا في شرح الوقاية باليبس أي يبس النجاسة بنحو ريح وذهاب الأثر وهو الطعم واللون والريح قيد بالأرض لأن الثوب ونحوه لا يطهر به وباليبس لأن الرطبة لا تطهر إلا بالغسل ولا توقيت فيه بل المراد على غلبة الظن وعن الثاني يصب الماء عليها بحيث لو كانت النجاسة في الثوب لطهر واستحسنها في الذخيرة وبذهاب الأثر لو بقي الريح لم تطهر كذا في السراج للصلاة أي لأجلها ولا للتيمم
أما طهارتها فلأثر عائشة وغيرها زكاة الأرض يبسها أي طهارتها
وأما عدم جواز التيمم به فلأن الصعيد قبل التنجس كان طاهرا وبالتنجس زال الوصفان وبالجفاف تثبت الطهارة شرعا فبقي الآخر والتيمم لا يجوز إلا بالطهور وقالوا لو احترقت الأرض بالنار فتيمم بذلك التراب جاز على الأصح واعلم أن كل ما سبق الحكم بتطهيره بغير الماء والمائع إذا أصابه هل يعود نجسا فيه روايتان قال الشارح
والأظهر أنه يعود ورجح غيره أنه لا يعود ففي الخلاصة المختار في المني عدم العود والخف كالمني
وكذا الأرض على الروايات المشهورة وفي الخانية والمجتبى الصحيح في الأرض عدم العود وينبغي أن يعول على هذا وأفاد الشارح أن جلد الميتة على الروايتين
قال في البحر إلا أن المتون مجمعة على الطهارة لقولهم كل إهاب دبغ طهر قلنا وأجمعت على طهارة غيره أيضا وإلى هنا تبين أن التطهير يكون بالدبغ والنزح والغسل والدلك ومسح الصقيل والجفاف وبقي مسح المحاجم بثلاث خرق والنار وانقلاب العين كخنزير صار ملحا وسرقين صار رمادا عند محمد قيل والإمام خلافا الثاني
والمختار قول محمد وعليه الفتوى وجعل في الظهيرية الخلاف على العكس وأن الفتوى على الطهارة ولا خلاف في طهارة الخمر إذا صار خلا والذكاة ونحت الخشب وقلب العين بجعل الأعلى أسفل والتقور ودخول الماء من جانب وخروجه من آخر قيل وهبة البعذ والندف كقطن نجس فندف والقسمة والأكل وغسل البعض والثالث والعشرون غسل اللحم ثلاثا إذا وقعت فيه نجاسة حال غليانه على قول الثاني المرجح وقد كنت نظمتها مجموعة ليسهل حفظها فقلت وبالله استعين لنظم الخبايا في الزوايا يحبه أولو الفضل تحصيلا لفقه تغربلا وقد ذكروا أن المطهر عشرة وزادوا ثلاثا ثم عشرا عن الملا فغسل وتخليل وفرك تخلل نحت وحفر مع جفاف تحصلا وعفي قدر الدرهم كعرض الكف ونزح وقد غارت دخول تنور ومسح وقلب العين والشيء قد غلا ونار وندف قسمه مع دلكه ذكاة ودبغ الجلد إن يقبل ادخلا فهذا قصارى ما تيسر جمعه وفي بعضه شيء فلا تك مهملا وقوله تصرفه في البعض شامل للهبة والبيع وأشرت بقولي وفي بعضه شيء إلى ما قاله بعض المتأخرين من أنه لا ينبغي التقور والحفر بجعل الأعلى أسفل والقسمة والبيع والهبة
أما الأول فلأن السمن الجامد مثلا لم يتصف كله بالنجاسة لقولهم إن النجاسة لا تعدو محلها وقد ألقي المتنجس منه
وأما الثاني فلأن النجاسة باقية على حالها غاية الأمر أن هذه أرض طاهرة جعلت فوقها كما لو فرش على النجاسة ما هو طاهر
وأما القسمة وما بعدها فلأن النجاسة باقية أيضا وإنما جاز الانتفاع لوقوع الشط في الموجود أبقيت النجاسة فيه أم لا ألا ترى أن الذاهب لو عاد عادت النجاسة وعلى هذا فلا ينبغي عد الندف أيضا ومن عده شرط أن يكون النجس مقدارا قليلا يذهب بالندف
أما لو كان كالنصف ونحوه فلا يطهر به كما في البزازبة واقتصر في البحر على ما اشتهر من أنها عشرة ومن زاد زاد الله في حسناته وعفي قدر الدرهم أي عفا الشارع عن هذا المقدار فلم يجعله مانعا من صحة الصلاة لكنه يكره إجماعا ولو أقل وقد دخل في الصلاة ولم يخف فوت الوقت ولا الجماعة بأن كان يجدها في أخرى فالأفضل إزالتها والاستقبال وإلا مضى عليها كذا في السراج
قال في البحر والظاهر أن الكراهة تحريمية لتجويزهم رفض الصلاة لأجلها ولا ترفض لأجل المكروه تنزيهها وأقول هذا مسلم في الدرهم لا فيما دونه لما سبق قريبا من حيث المساحة وأراد به ما عدا مفاصل الأصابع كذا في العناية
وقيل يعتبر من حيث الوزن وهو الدرهم المثقالي الذي زنته عشرون قيراطا في الأصح
وقيل يعتبر في كل زمان ومكان درهمه ووفق الهندواني بين الروايتين بأن اعتبار المساحة في الرقيق كالبول والوزن في الثخين واختاره كثير ورجحه الشارح وغيره وفي البدائع إنه المختار عند مشائخ ما وراء النهر والاعتبار لوقت الأصابة حتى لو كان وقت الإصابة درهما فانبسط حتى صار أكثر منع عند الأكثر واختار المرغيناني أنه لا يمنع وفي التجنيس شرع من نجس مغلظ كالدم والخمر وخرؤ الدجاج فيها ومعه ثوب قد أصابه دهن نجس أقل من قدر الدرهم فانبسط حتى صار أكثر منه فسدت صلاته بالإجماع انتهى وينبغي على ما اختاره المرغيناني أن لا يفسد والله الموفق من نجس مغلظ بنص لم يعارض بمثله ولا حرج في اجتنابه فإن عورض كان مخففا عند الإمام وقالا ما اتفق العلماء على نجاسته ولا بلوى في اجتنابه مغلظ وغيره مخفف وقرر ابن الملط ثبوت التخفيف بالتعارض اتفاقا إنما الاختلاف في ثبوته بالاختلاف قالا نعم ونفاه لأن النص الوارد في النجاسة إذا كان يضعف حكمه لمخالفته الاجتهاد فيثبت التخفيف فبورود نص يخالفه أولى وأقره ابن أمير حاج قال ومن هنا والله أعلم
قال في الكافي ولا يظهر الاختلاف في غير الروث والخثى لثبوت الخلاف مع فقد تعارض النصين لكن على هذا يحتاج إلى الاعتذار لمحمد في قوله بطهارة بول المأكول ولا يخفى أن المراد بالعلماء الماضون قبل وجودهما والكائنون في عصرهما لا ما هو أعم من ذلك انتهى وأورد على قول الإمام سؤر الحمار فإنه لم يقل بنجاسته مع تعارض النصين وعلى قولهما المني فإنه مغلظ اتفاقا مع ثبوت الخلاف فيه كالدم المسفوح في غير الشهيد إلا لغيره فخرج الباقي في اللحك المهزول والعروق والكبد وفي القنية إنه نجس
وقيل طاهر والبول سواء كان بول آدمي أو غيره وسيأتي في حكم بول مأكول اللحم وفي الخانية بول الفأرة والهرة وخرؤهما نجس في أظهر الروايات يفسد المأكول والثوب وبوول الخفاش وخرؤه لا يفسد لتعذر الاحتراز عنه ومرارة كل شيء كبوله وجرة البعير كسرقينه كذا في الظهيرية ونبه بالدم والبول على أن كل خارج من بدن الإنسان مما يوجب خروجه الوضوء أو الغسل فخو نجس كالمني لما أن أصله دم والقيح والصديد والذي والودي والقيء ملاء الفم والخمر خصه بالذكر لاتفاق الروايات على تغليظه وفي باقي الأشربه ثلاث روايات التغليظ والتخفيف والطهارة كذا في البدائع وينبغي ترجيح التغليظ لما مر وكون الرحمة في غيره ليست قطعية لا أثر له في التخفيف ولذا أول قول صاحب الهداية في المغلظة لأنها ثبتت بدليل مقطوع به أي بوجوب العمل به لكن في منية المفتي صلى وفي ثوبه دون الكثير الفاحش من السكر أو المنصف تجزئه في الأصح وهذا يفيد ترجيح التخفيف وخرؤ الدجاج بالفتح والضم أي وخرؤ الدجاج من كل طير لا يذرق في الهواء فدخل البط وفيه روايتان وفي البزازية إن كان يعيش بين الناس ولا يطير فكالدجاج وإلا فكالحمام وخرؤ ما يزرق وبول ما لا يؤكل والروث والخثي وما دون ربع الثوب من مخفف كبول ما يؤكل ..
في الهواء نجس غير أنه قدم أنه خرؤ ما يؤكل كالحمام والعصفور طاهر وسيأتي أن ما لا يؤكل مخففه وبول ما لا يؤكل هذا محذوف في أكثر النسخ وعلى إثباته فإنه خصه بالذكر مع دخوله فيما مر دفعا لتوهم أن المراد بالبول هو بول الآدمي لأنه المتبادر عند الإطلاق والروث فهو الخارج من ذي حافر كالحمار والفرس والخثى بكسر المعجمة وسكون المثلثة جمع أخثاء الخارج من ذي ظلف كالبقر والبعير والأيل والغنم خاصة والغائط للآدمي ولا خلاف بين الإمام وصاحبيه في تغليظ ما من الآدمي ونجو الكلب ورجيع السباع وفيما سوى ذلك اختلفوا واعلم أن الظاهر من إطلاقهم نجاسة شيء التغليظ كالآسار النجسة وثوب الحية الذي لم يدبغ والدودة الساقطة من السبيلين على القول أنها ناقضة وما أبين من الحي ولو سنا ومثانة الغنم ومرارته وعفي ما دون ربع الثوب من نجس مخفف لأن التقدير فيه بالكثير الفاحش وللربع حكم الكل في الأحكام مروي ذلك عن الإمام والثالث وهو الصحيح وكلامه يعطي اعتبار ربع جميع الثوب
قال في المبسوط وهو الأصح وعن الإمام ربع أدنى ثوب تجوز فيه الصلاة كالمئزر قال الأقطع وهذا أصح ما روي فيه وفي التحفة إنه الأصح ويظهر أن اعتبار الربع أحسن لاعتبارهم إياه كثيرا كالكل في مسألة الثوب تنجس إلا ربعه وانكشاف ربع العضو من العورة
بخلاف ما دونه فيهما غير أن ذلك الثوب الذي هو عليه إن شاملا اعتبر ربعه وإن كان أدنى ما تجوز فيه الصلاة اعتبر ربعه لأنه الكثير بالنسبة إلى الثوب المصاب كذا في الفتح وجعل في البحر هذا توفيقا بين ما مر من الروايتين وهذا أحسن جدا وأقول فيه نظر بل إنما فيه تقييد حسن لمحل الخلاف وذلك أن أعتبار ربع الجميع محله ما إذا كان لابسا له
أما إذا لم يكن عليه إلا ثوب تجوز فيه الصلاة اعتبر ربعه أي اتفاقا ومقتضى القول الثاني أنه لو كان عليه ثوب كامل تنجس منه أقل من الربع إلا أنه لو اعتبر أدنى ثوب تجوز فيه الصلاة بلغ منه ربعا
وقيل إنما يعتبر ربع المصاب كالذيل والكم ونحوه وصححه في البدائع وغيره
قال في الحقائق وعليه الفتوى وما في الكتاب أولى لما مر ولا شك أن ربع المصاب ليس كثيرا فضلا عن أن يكون فاحشا ولضعف وجه هذا القول لم يعرج عليه في فتح القدير كبول ما يؤكل لحمه من الحيوان والفرس وخرؤ طير لا يؤكل ودم السمك ولعاب البغل والحمار وبول انتضح كرؤوس الإبر عند الإمام والثاني لتعارض النصين على قوله أعني حديث العرنيين المعروف واستنزهوا من البول واعترض الإمام قائل بنسخ حديث العرنيين فأنى يصح معارضا وأجيب بأنه قال بالرأي ولم يقطع به فكانت صورة التعارض قائمة كذا في الكافي وفيه نظر لا يخفى ولاختلاف العلماء على قول الثاني وطهره الثالث والفرس خصه بالذكر لاختلاف الرواية في كراهة أكلها وعلى ككل تقدير فليست للنجاسة بل لأنها آلة للجهاد وبدليل الاتفاق على طهارة سؤرها وخرؤ طير لا يؤكل وقالا مغلظة كما رواه الهندواني وروى الكرخي طهارته عندهما ونجاسته عند محمد وصحح الشارح وغيره رواية الهندواني قال ابن أمير حاج وهي أوجه وصحح في المبسوط والحقائق رواية الكرخي ولا يخفى أنها بقولهما أنسب إذ لا وجه للتغليظ مع ثبوت الاختلاف وما في البحر من أن رواية الكرخي ضعيفة وإن رجحت فمنعه ظاهر إذ لو اعتبر هذا المعنى لما ثبت تخفيف باختلاف أصلا وقول المخالف بعد إثبات ضعف دليله ورده مؤثر في التخفيف وعفي دم السمك كبيرا كان أو صغيرا
وكذا لعاب البغل والحمار وفيه نظر إذ العفو يقتضي النجاسة ودم السمك وما عطف عليه طاهر في ظاهر الرواية كذا في الشرح ويمكن أن يقال قد قيل بأن الشك في لعاب البغل والحمار في طهارته وعليه فالعفو على بابه وذكر دم السمك معه رعاية لصورته وعفي بول انتضح أي ترشرش منه كرؤوس الأبر خرج بذلك ما لو كان مثل رؤوس المسال حيث يمنع إن زاد على الدرهم في المغلظة وبلغ الربع في غيرها وفي ذكر الرؤوس إيماء إلى أنه لو كان قدر جانبها يعتبر والحكم أنه لا يعتبر كذا في الشرح والمصنف تبع محمدا في التعبير كما في المعراج على أن الهندواني قائل باعتباره وإن كان غيره من المشائخ لا يعتبره دفعا للحرج وما لم يعتبر لو كثر بإصابة الماء لا يجب غسله وفي المجتبى لو انبسط وما ترشرش على الغاسل من غسالة الميت مما لا يمكن الامتناع عنه ما دام في علاجه لا ينجسه وما ترشرش من السوق عليه لو صلى به لم يجزه لغلبة النجاسة في أسواقنا
وقيل تجزئه وعن الدبوسي طين الشارع ومواطن الكلاب طاهر
وكذا الطين المسرقن وردغة طريق فيه نجاسة إلا إذا رأى عين النجاسة قال رحمه الله هذا صحيح من حيث الرواية وقريب من حيث المنصوص والنجس المرئي يطهر بزوال عينه إلا ما يشق وغيره بالغسل ثلاثاَ والعصر في كل مره عن الأصحاب والنجس المرئي بعد الجفاف يطهر محله بزوال عينه ولو بمرة على الظاهر ولم يقل: بغسلة لما مر من أنه قد يكون بغيره كالدلك إلا ماشق قيل استثناء للعرض من الجوهر فهو منقطع
وقيل: بل من العرض أي: بزوال عينه وأثره إلا ما شق بأن يحتاج إزالته إلى إستعمال غير الماء ولو غليا بالنار والأثر واللون والريح وفي غاية البيان أنه يعفى عن الريح لكن في التجسيس: صب في خمر غسل ثلاثاَ لا يطهر إلا إذا لم يبق فيه رائحة الخمر فإن بقيت فلا يجوز أن يجعل فيه شئ من المائعات سوى الخل وفي الخلاصة تطهيره أن يجعل فيه الماء ثلاثا كل مره ساعة إن كان جديدا عند الثاني وعند محمد لا يطهر أبدا من غير تفصيل بين بقاء الرائحة أو لا والتفصيل أحوط كذا في الفتح ثم قال لو صبغ ثوبه أو يده بصبغ أو حناء نجسين فغسل إلى أن يصفو الماء طهر مع قيام اللون
وقيل: يغسل بعد ذلك ثلاثا وعبارته في الخيانه اختصبت بحناء نجس فغسلت ذلك الموضع ثلاثا بماء طاهر يطهر لأنها أتت بما في وسعها وينبغي أن لا يكون الماء طاهرا ما دام يخرج منه الماء الملون بلون الحنا تؤذن بأن ما جزم به في الفتح بحث لقاضي خان وأن المذهب الأول في المجتبي غسل يده من دهن نجس طهرت ولا يضر أثر الدهن على الأصح وغيره أي غير النجس المرئي يطهر بالغسل ثلاثا في ظاهر الرواية لأن غلبة الظن به تحصل فأقيم السبب الظاهر مقامه تيسيرا ومن هنا اعتبر بعضهم الغلبة
وقال في منبيه المفتي وبه يفتى وجعل الأول في السراج قول البخاريين والثاني قول العراقيين قال والظاهر الأول إن لم يكن موسوما والثاني إن كان وهو توفيق حسن والعصر في كل مره في الظاهر الرواية بحيث ينقطع التقاطر واكتفى في رواية الأصول بمرة وهي أرفق وعن الثاني تخصيصه باليابسة
أما الرطبة فلا يشترط فيها العصر
قال في السراج وهو المختار وهذا في غير الجاري ولو غمس فيه المتنجس
قال في الفتح ويخص من استراط العصر ما قاله الثاني في إزار الحمام إذا صب عليه ماء كير وهو عليه طهر بلا عصر حتى ذكر الحلواني أن النجاسة لو كانت دما أو بولا وصب عليه الماء كفاه على قياس قول الثاني في إزار الحمام لكن لا يخفى وبتثليث الجفاف فيما لا ينعصر وسن الاستنجاء ........
أن ذلك لضرورة ستر العورة فلا يلحق به غيره وتترك الرواية الظاهرة فيه واعترضه في البحر بما في السراج لو صب الماء على الثوب النجس إن أكثر الصب بحيث يخرج ما أصاب الثوب من الماء ويخلفه غيره ثلاثا فقد طهر لأن الجريان بمنزلة التكرار والعصر المعتبر غلبة الظن هو الصحيح انتهى. وعليه فلا فرق بين بين إزار الحمام وغيره وليس الاكتفاء في الإزار إلا لضرورة الستر وظاهر ما في الخانية أن تنجس الإزار إنما هو بماء الاغتسال من الجنابة على رواية نجاسة الماء المستعمل انتهى.
وقالوا: نعتبر قوة كل عاصر دون غيره وعليه الفتوى ولو لم يصرفها لرقته قيل: لا يطهر
وقيل ي طهر للضرورة وهو الأظهر كذا في السراج.
(إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ) أَمَّا الْخِنْزِيرُ فَلِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ إذْ الْهَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} رَاجِعٌ إلَيْهِ أَيْ إلَى الْخِنْزِيرِ لِقُرْبِهِ،
فَإِنْ قِيلَ عَوْدُ الضَّمِيرِ كَمَا يَكُونُ إلَى الْأَقْرَبِ يَكُونُ إلَى الْمَقْصُودِ، وَالْمُضَافُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ دُونَ الْمُضَافِ إلَيْهِ فَوَجَبَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ كَمَا يُقَالُ لَقِيت ابْنَ عَبَّاسٍ فَحَدَّثْته قُلْنَا لَا يَمْتَنِعُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} وَلِأَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَ الْأَصْلَانِ فَصَرْفُهُ إلَى مَا هُوَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَوْلَى إذْ اللَّحْمُ مَوْجُودٌ فِي الْخِنْزِيرِ،
وَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَلِحُرْمَتِهِ وَاسْتِثْنَاؤُهُ مَعَ الْخِنْزِيرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إذَا دُبِغَ طَهُرَ ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَسَائِرِ أَجْزَائِهِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ) قِيلَ الِاسْتِثْنَاءُ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا عِنْدَنَا، وَاَلَّذِي قِيلَ إذَا طُحِنَ سِنُّ الْآدَمِيِّ مَعَ الْحِنْطَةِ لَمْ تُؤْكَلْ فَذَلِكَ لِحُرْمَةِ الْآدَمِيِّ لَا لِنَجَاسَتِهِ، وَالْجَوَابُ عَنْ تَعَلُّقِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} مَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الْمَيْتَةُ مَا فَارَقَهُ الرُّوحُ بِلَا ذَكَاةٍ وَلَا رُوحَ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَلَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ التَّحْرِيمِ اهـ كَاكِيٌّ وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ إهَانَةٍ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ} اهـ ع
(قَوْلُهُ إذَا دُبِغَ طَهِرَ) قِيلَ لَا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ لِئَلَّا يُسْتَعْمَلَ كَرَامَةً لَهُ. اهـ. يَحْيَى
(قَوْلُهُ ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ) ، قَالَ الرَّازِيّ وَجِلْدُ الْآدَمِيِّ إنْ لَمْ يَحْتَمِلْ الدِّبَاغَ فَطَاهِرٌ،
وَإِنْ احْتَمَلَهُ طَهُرَ لَكِنْ لَا يَحِلُّ سَلْخُهُ وَدَبْغُهُ وَابْتِذَالُهُ احْتِرَامًا لَهُ انْتَهَى. فَحَاصِلُ هَذَا الْكَلَامِ مَا عَدَا هَذَيْنِ الْإِهَابَيْنِ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، وَهُوَ سَاكِتٌ عَنْهُمَا فَلَيْسَ فِيهِ الْحُكْمُ بِنَجَاسَتِهِمَا فَكَيْفَ فَهِمَهُ الشَّارِحُ وَاشْتَغَلَ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ أَقُولُ الْمَفْهُومُ فِي الرِّوَايَاتِ مُعْتَبَرٌ عِنْدَنَا فَيُفْهَمُ الْحُكْمُ بِنَجَاسَتِهِمَا بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ. اهـ. يَحْيَى
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.