وأمن طريقٍ
Its commentaries
(قَوْلُهُ: وَأَمْنُ طَرِيقٍ) أَيْ وَبِشَرْطِ أَمْنِ طَرِيقٍ يَعْنِي وَقْتَ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ وَإِنْ كَانَ مُخِيفًا فِي غَيْرِهِ وَحَقِيقَةُ أَمْنِ الطَّرِيقِ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ فِيهِ السَّلَامَةَ كَمَا اخْتَارَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَمَا أَفْتَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ مِنْ سُقُوطِ الْحَجِّ عَنْ أَهْلِ بَغْدَادَ وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْكَافِ لَا أَقُولُ: الْحَجُّ فَرِيضَةٌ فِي زَمَانِنَا قَالَهُ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ وَقَوْلُ الثَّلْجِيِّ لَيْسَ عَلَى أَهْلِ خُرَاسَانَ حَجٌّ مُذْ كَذَا
وَكَذَا سَنَةَ كَانَ وَقْتَ غَلَبَةِ النَّهْبِ وَالْخَوْفِ فِي الطَّرِيقِ فَلَا يُعَارِضُ مَا ذَكَرْنَا وَمَا قَالَهُ الصَّفَّارُ مِنْ إنِّي لَا أَرَى الْحَجَّ فَرْضًا مِنْ حِينِ خَرَجَتْ الْقَرَامِطَةُ وَمَا عَلَّلَ بِهِ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ بِأَنَّ الْحَاجَّ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى الْحَجِّ إلَّا بِالرِّشْوَةِ لِلْقَرَامِطَةِ وَغَيْرِهِمْ فَتَكُونُ الطَّاعَةُ سَبَبًا لِلْمَعْصِيَةِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الْخَوَارِجِ كَانُوا يَسْتَحِلُّونَ قَتْلَ الْمُسْلِمِينَ وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ وَكَانُوا يَغْلِبُونَ عَلَى أَمَاكِنَ وَيَتَرَصَّدُونَ لِلْحَاجِّ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَخْذِهِمْ الرِّشْوَةَ فَالْإِثْمُ فِي مِثْلِهِ عَلَى الْآخِذِ لَا الْمُعْطِي عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ تَقْسِيمِ الرِّشْوَةِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ وَلَا يُتْرَكُ الْفَرْضُ لِمَعْصِيَةِ عَاصٍ
قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنْ يُعْتَبَرَ مَعَ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ عَدَمُ غَلَبَةِ الْخَوْفِ حَتَّى إذَا غَلَبَ الْخَوْفُ عَلَى الْقُلُوبِ مِنْ الْمُحَارَبِينَ لِوُقُوعِ النَّهْبِ وَالْغَلَبَةِ مِنْهُمْ مِرَارًا وَسَمِعُوا أَنَّ طَائِفَةً تَعَرَّضَتْ لِلطَّرِيقِ وَلَهَا شَوْكَةٌ وَالنَّاسُ يَسْتَضْعِفُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنْهُمْ لَا يَجِبُ وَاخْتُلِفَ فِي سُقُوطِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ رُكُوبِ الْبَحْرِ فَقِيلَ الْبَحْرُ يَمْنَعُ الْوُجُوبَ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ إنْ كَانَ الْغَالِبُ فِي الْبَحْرِ السَّلَامَةَ مِنْ مَوْضِعٍ جَرَتْ الْعَادَةُ بِرُكُوبِهِ يَجِبُ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ الْأَصَحُّ وَسَيْحُونُ وَجَيْحُونَ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ أَنْهَارٌ لَا بِحَارٌ كَمَا فِي الْحَدِيثِ «سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ» .
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَأَمْنُ طَرِيقٍ) اُخْتُلِفَ هَلْ هُوَ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ أَوْ الْأَدَاءِ
وَالرَّاجِحُ الثَّانِي كَمَا سَيَأْتِي
(قَوْلُهُ: وَعَلَى تَقْدِيرِ أَخْذِهِمْ الرِّشْوَةَ إلَخْ) كَذَا فِي الْفَتْحِ
قَالَ فِي النَّهْرِ وَرَدَّهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْقَضَاءِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُعْطِي مُضْطَرًّا بِأَنْ لَزِمَهُ الْإِعْطَاءُ ضَرُورَةً عَنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ
أَمَّا إذَا كَانَ بِالِالْتِزَامِ مِنْهُ فَبِالْإِعْطَاءِ أَيْضًا يَأْثَمُ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ اهـ.
وَأَرَادَ بِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْنَ كَمَالٍ بَاشَا فِي شَرْحِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ وَفِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ وَإِنْ كَانَ الْإِثْمُ عَلَى الْآخِذِ، لَكِنْ وُجُودُ الضَّرَرِ الْعَائِدِ عَلَى الْمُعْطِي فِي مَالِهِ صَيَّرَهُ عُذْرًا فِي تَرْكِ الْحَجِّ لَا كَوْنُ الْإِثْمِ لِذَلِكَ وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَلَزِمَ الْحَجُّ مَعَ تَحْقِيقِ الْقَتْلِ وَالنَّهْبِ اهـ.
وَأُجِيبَ عَمَّا فِي النَّهْرِ بِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ إنَّ الْمُعْطِيَ مُضْطَرٌّ لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ عَنْ نَفْسِهِ وَلِهَذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ جَزَمَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ بِمَا فِي الْفَتْحِ ثُمَّ قَالَ وَسَيَجِيءُ آخِرَ الْكِتَابِ أَنَّ قَتْلَ بَعْضِ الْحُجَّاجِ عُذْرٌ، وَهَلْ مَا يُؤْخَذُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ الْمَكْسِ وَالْخُفَارَةِ عُذْرٌ؟ قَوْلَانِ
وَالْمُعْتَمَدُ لَا، كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَالْمُجْتَبَى وَعَلَيْهِ فَيُحْتَسَبُ فِي الْفَاضِلِ عَمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَكْسِ وَنَحْوِهِ كَمَا فِي مَنَاسِكِ الطَّرَابُلْسِيِّ اهـ.
وَأَمَّا مَا قَالَهُ الرَّمْلِيُّ فَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ إذْ الْقَتْلُ وَالنَّهْبُ الْمُؤَدِّي إلَى الْهَلَاكِ لَيْسَ كَهَذَا بِلَا شُبْهَةٍ تَدَبَّرْ.
(و) بشرطة (أمن الطريق) على نفسه وماله وقت خروج أهل بلده والاعتبار للغالب فإن غلبت السلامة عدم غلبة الخوف حتى لو غلب لوقوع النهب والغلبة من المحاربين مرارة أو سمعوا أن طائفة تعرضت للطريق ولها شوكة والناس يستضعفون أنفسهم محنهم لا يجب وما أفتى به الوادي من سقوطه عن أهل بغداد وقول الإسكان: في سنة سمت وثلاثين وثلاثمائة لا أقول: فإنه فرض في زماننا وقول البلخي: ليعر على أهل خراسان حج منذ كذا كذا سنة إنما كان وقت غلبة النهب والخوف في الطريق ثم زار ولله المنة وقول من قال: لا أوى الحج فوضع منذ عشرين سنة من حين خرجت القرامطة لأنه لا يتوصل إليه إلا بإرشادهم فتكون الطاعة سبب المعصية فيه نظر لأن هذا لم يكن في شأنهم إنما شأنهم استحلال قتل الأنفس وأخذ الأموال وكانوا يغلبون على أماكن يترصدون فيها للحاج وبتقديره فالإثم في مثله على الآخذ مما عرف من تقسيم الرشوة في كتب الفضاء كذا في (الفتح لا، ورده بعض المتأخرين بان ما ذكر في القضاء ليعر على إطلاقه بل فيما إذا كان المعطي مضطرة بان لزمه الإعفاء ضرورة عن نفسه أو ماله
أما إذا كان بالالتزام منه في الإعطاء أيضا يجثم وما نحن فيه من هذا القبيل. (و) بشرط
(وَأَمْنُ طَرِيقٍ وَمَحْرَمٌ أَوْ زَوْجٌ لِامْرَأَةٍ فِي سَفَرٍ) أَيْ هُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِ بِشَرْطِ أَمْنِ الطَّرِيقِ لِلْكُلِّ وَبِشَرْطِ وُجُودِ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ لِلْمَرْأَةِ إذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسِيرَةُ سَفَرٍ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ
أَمَّا كَوْنُ الطَّرِيقِ آمِنًا فَلِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى الْحَجُّ بِدُونِهِ فَصَارَ كَالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ شُجَاعٍ هُوَ شَرْطُ الْوُجُوبِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْوُصُولَ إلَى الْبَيْتِ بِدُونِهِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ فَصَارَ مِنْ جُمْلَةِ الِاسْتِطَاعَةِ وَكَانَ الْقَاضِي أَبُو حَازِمٍ يَقُولُ هُوَ شَرْطُ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَمَّا سُئِلَ عَنْ الِاسْتِطَاعَةِ فَسَّرَهَا بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ» وَلَوْ كَانَ أَمْنُ الطَّرِيقِ مِنْ الِاسْتِطَاعَةِ لَبَيَّنَهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ فَلَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي شَرْطِ الْعِبَادَةِ بِالرَّأْيِ؛
وَلِأَنَّ هَذَا مِنْ الْعِبَادَةِ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الْوَاجِبُ كَالْقَيْدِ مِنْ الظَّالِمِ لَا يَسْقُطُ بِهِ خِطَابُ الشَّرْعِ،
وَإِنْ طَالَ بِخِلَافِ الْمَرَضِ وَثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ الْإِيصَاءِ فَمَنْ جَعَلَهُ شَرْطَ الْأَدَاءِ يُوجِبُهُ وَمَنْ جَعَلَهُ شَرْطَ الْوُجُوبِ لَا يُوجِبُهُ وَسُئِلَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ عَمَّنْ لَا يَحُجُّ خَوْفًا مِنْ الْقَرَامِطَةِ فِي الْبَادِيَةِ فَقَالَ مَا سَلِمَتْ الْبَادِيَةُ مِنْ الْآفَاتِ أَيْ لَا تَخْلُو عَنْهَا كَقِلَّةِ الْمَاءِ وَشِدَّةِ الْحَرِّ وَهَيَجَانِ الرِّيحِ السَّمُومِ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ: لَا أَشُكُّ فِي سُقُوطِ الْحَجِّ عَنْ النِّسَاءِ وَلَكِنْ أَشُكُّ فِي سُقُوطِهِ عَنْ الرِّجَالِ وَالْبَادِيَةُ عِنْدِي دَارُ الْحَرْبِ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الثَّلْجِيُّ: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ خُرَاسَانَ حَجٌّ مُذْ كَذَا
وَكَذَا سَنَةً وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ: لَا أَقُولُ الْحَجُّ فَرِيضَةٌ فِي زَمَانِنَا قَالَهُ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ وَأَفْتَى أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ أَنَّ الْحَجَّ قَدْ سَقَطَ عَنْ أَهْلِ بَغْدَادَ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ: إنْ كَانَ الْغَالِبُ فِي الطَّرِيقِ السَّلَامَةَ يَجِبُ،
وَإِنْ كَانَ خِلَافَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ،
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ بَحْرٌ لَا يَجِبُ وَسَيْحُونُ وَجَيْحُونَ وَالْفُرَاتِ أَنْهَارٌ وَلَيْسَتْ بِبِحَارٍ فَلَا تَمْنَعُ الْوُجُوبَ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ إنْ كَانَ الْغَالِبُ فِي الْبَحْرِ السَّلَامَةَ مِنْ مَوْضِعٍ جَرَتْ الْعَادَةُ بِرُكُوبِهِ يَجِبُ وَإِلَّا فَلَا
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الزَّوْجِ أَوْ الْمَحْرَمِ لِلْمَرْأَةِ فِي السَّفَرِ، وَهُوَ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا إلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوْ ابْنُهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ مَحْرَمٌ مِنْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجُوزُ لَهَا الْحَجُّ إذَا خَرَجَتْ فِي رِفْقَةٍ وَمَعَهَا نِسَاءٌ ثِقَاتٌ لِلْعُمُومَاتِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} الْآيَةَ وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «حُجُّوا بَيْتَ رَبِّكُمْ» وَلِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ:«يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنْ الْحِيرَةِ تَؤُمُّ الْبَيْتَ لَا جِوَارَ مَعَهَا لَا تَخَافُ إلَّا اللَّهَ تَعَالَى» وَقَالَ عَدِيٌّ: رَأَيْت الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إلَّا اللَّهَ تَعَالَى رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا زَوْجًا وَلَا مَحْرَمًا؛
وَلِأَنَّهُ سَفَرٌ وَاجِبٌ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهَا الْمَحْرَمُ فِيهِ كَالْمُهَاجِرَةِ وَالْمَأْسُورَةِ إذَا تَخَلَّصَتْ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ وَلَنَا مَا رَوَيْنَا وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تُسَافِرْ امْرَأَةٌ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ تَحُجَّ إلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا» ذَكَرَهُ فِي الْإِمَامِ وَعَزَاهُ إلَى الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ وَلَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ، إنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَإِنِّي اكْتَتَبْت فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِك» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ؛
وَلِأَنَّهَا يُخَافُ عَلَيْهَا الْفِتْنَةُ وَتَزْدَادُ بِانْضِمَامِ غَيْرِهَا إلَيْهَا وَلِهَذَا تَحْرُمُ الْخَلْوَةُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ،
وَإِنْ كَانَ مَعَهَا غَيْرُهَا مِنْ النِّسَاءِ؛ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ وَحْدَهَا عَادَةً فَتَحْتَاجُ إلَى مَنْ يُرْكِبُهَا وَيُنْزِلُهَا مِنْ الْمَحَارِمِ أَوْ الزَّوْجِ فَعِنْدَ عَدَمِهِمْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَطِيعَةً وَالنُّصُوصُ الْعَامَّةُ هُمْ خَصَّصُوهَا بِرَأْيِهِمْ حَتَّى اشْتَرَطُوا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا رِفْقَةٌ وَنِسَاءٌ ثِقَاتٌ وَنَحْنُ خَصَّصْنَاهَا بِمَا رَوَيْنَا وَجَازَ ذَلِكَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَشْهُورٌ أَوْ لِكَوْنِهِ مَخْصُوصًا بِالْإِجْمَاعِ عِنْدَ عَدَمِ الرِّفْقَةِ وَالنِّسَاءُ الثِّقَاتُ وَالْمُهَاجِرَةُ وَالْمَأْسُورَةُ لَا تَنْشِآنِ سَفَرًا، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُمَا النَّجَاةُ لَا غَيْرُ خَوْفًا مِنْ تَبَدُّلِ الدِّينِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ وَجَدَتَا عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ تُسَافِرَا بِغَيْرِ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ لِحُصُولِ الْأَمْنِ بِذَلِكَ وَلِهَذَا لَا تَقْصِدَانِ مَكَانًا مُعَيَّنًا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛
وَلِأَنَّ لَهُمَا ضَرُورَةً إلَيْهِ، وَهِيَ تُبِيحُ الْمَحْظُورَ وَاَلَّذِي يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا أَنَّهُمَا لَوْ كَانَتَا مُعْتَدَّتَيْنِ لَا نَمْنَعُهُمَا مِنْ ذَلِكَ،
وَإِنْ كَانَتْ الْعِدَّةُ أَقْوَى فِي مَنْعِ الْخُرُوجِ مِنْ عَدَمِ الْمَحْرَمِ حَتَّى مَنَعَتْ مَا دُونَ السَّفَرِ
بِخِلَافِ عَدَمِ الْمَحْرَمِ؛ وَلِهَذَا لَا تَخْرُجُ الْمُعْتَدَّةُ لِلْحَجِّ بِالْإِجْمَاعِ وَحَدِيثُ عَدِيٍّ يَدُلُّ عَلَى الْوُقُوعِ وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْجَوَازِ فَلَا يَلْزَمُ حُجَّةً وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سَاقَ الْكَلَامُ لِبَيَانِ أَمْنِ الطَّرِيقِ مِنْ الْعَدْلِ لَا لِبَيَانِ أَنَّهَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُسَافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ وَلَا زَوْجٍ نَظِيرُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَبِهِ «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَسِيرُ الظَّعِينَةُ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْحِيرَةِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ بِخِطَامِ رَاحِلَتِهَا» الْحَدِيثَ وَأَجْمَعُوا أَنَّهَا لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَسِيرَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْحِيرَةِ وَلَا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ آخَرَ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُنَا خُرُوجُهَا إلَى مَا دُونَ السَّفَرِ؛
لِأَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لَهَا بِغَيْرِ مَحْرَمٍ وَلَا زَوْجٍ لِأَيِّ حَاجَةٍ شَاءَتْ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ كَرَاهَةُ خُرُوجِهَا وَحْدَهَا مَسِيرَةَ يَوْمٍ،
وَإِذَا وَجَدَتْ مَحْرَمًا فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ مَعَهُ إذَا خَرَجَتْ عِنْدَ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهَا أَوْ قَبْلَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَقَبْلَهُ يَمْنَعُهَا وَيَمْنَعُهَا مِنْ الْإِحْرَامِ إلَى أَدْنَى الْمَوَاقِيتِ وَبِمَكَّةَ إلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ.
وَإِنْ أَحْرَمَتْ قَبْلَ ذَلِكَ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا وَتَصِيرَ كَالْمُحْصَرِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَهُ مَنْعُهَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ فِي الْخُرُوجِ تَفْوِيتَ حَقِّهِ فَصَارَ كَمَا إذَا حَجَّتْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ أَوْ فِي حَجٍّ مَنْذُورٍ أَوْ تَطَوُّعٍ وَلَنَا أَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْفَرَائِضِ وَالْحَجُّ مِنْهَا
بِخِلَافِ مَا إذَا حَجَّتْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهَا وَبِخِلَافِ الْحَجِّ الْمَنْذُورِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهَا بِالْتِزَامِهَا فَلَا يَظْهَرُ الْوُجُوبُ فِي حَقِّ الزَّوْجِ فَصَارَ نَفْلًا فِي حَقِّهِ،
وَإِذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا،
وَإِنْ خَرَجَتْ بِلَا مَحْرَمٍ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْمَحْرَمِ فِيهِ، وَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ مَعَ كُلِّ مَحْرَمٍ عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا وَكَافِرًا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَجُوسِيًّا أَوْ فَاسِقًا لَا يُؤْمَنُ مِنْ الْفِتْنَةِ أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ الصِّيَانَةُ وَالصَّبِيَّةُ الَّتِي بَلَغَتْ حَدَّ الشَّهْوَةِ مِثْلَ الْبَالِغَةِ حَتَّى لَا يُسَارُ بِهَا إلَّا مَعَ الْمَحْرَمِ وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الزَّوْجَ أَوْ الْمَحْرَمَ شَرْطًا لِوُجُوبٍ أَمْ شَرْطًا لِأَدَاءٍ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَمْنِ الطَّرِيقِ وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَفِي وُجُوبِ نَفَقَةِ الْمَحْرَمِ وَرَاحِلَتِهِ إذَا أَبَى أَنْ يَحُجَّ مَعَهَا إلَّا بِالزَّادِ مِنْهَا وَالرَّاحِلَةِ وَفِي وُجُوبِ التَّزَوُّجِ عَلَيْهَا لِيَحُجَّ بِهَا إنْ لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا فَمَنْ قَالَ هُوَ شَرْطُ الْوُجُوبِ قَالَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛
لِأَنَّ شَرْطَ الْوُجُوبِ لَا يَجِبُ تَحْصِيلُهُ وَلِهَذَا لَوْ مَلَكَ الْمَالَ كَانَ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْقَبُولِ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ
وَكَذَا لَوْ أُبِيحَ لَهُ وَمَنْ قَالَ إنَّهُ شَرْطُ الْأَدَاءِ أَوْجَبَ عَلَيْهَا جَمِيعَ ذَلِكَ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ) لَيْسَ فِي خَطِّ الشَّارِحِ. اهـ.
(قَوْلُهُ؛ وَلِأَنَّ هَذَا) أَيْ عَدَمَ الْأَمْنِ يَكُونُ مِنْ الْعِبَادَةِ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ
(قَوْلُهُ وَثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ الْإِيصَاءِ) أَيْ بِالْحَجِّ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْأَمْنِ اهـ كَافِيٌّ
(قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ بَحْرٌ لَا يَجِبُ) قَالَ الزَّاهِدِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ؛
لِأَنَّ رُكُوبَ الْبَحْرِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ وَقَالَ الْكَاكِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ حَالٍ اهـ قَوْلُهُ مِنْ مَوْضِعٍ جَرَتْ الْعَادَةُ بِرُكُوبِهِ يَجِبُ) أَيْ، وَهُوَ الْأَصَحُّ انْتَهَى كَمَالٌ
(قَوْلُهُ وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الزَّوْجِ أَوْ الْمَحْرَمِ لِلْمَرْأَةِ) فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ والْوَلْوَالِجِيِّ سَوَاءٌ كَانَتْ الْمَرْأَةُ شَابَّةً أَوْ عَجُوزًا. اهـ. كَاكِيٌّ.
(تَتِمَّةٌ): قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي دَاعِي مَنَارِ الْبَيَانِ بِجَامِعِ النُّسُكَيْنِ بِالْقُرْآنِ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي شُرُوطِهِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: شُرُوطُ الْوُجُوبِ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ: الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الزَّادِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ،
وَمِنْ شَرْطِ هَذَيْنِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنْ لَا يَكُونَا بِطَرِيقِ الْإِبَاحَةِ وَلَا بِطَرِيقِ الْعَارِيَّةِ فِي حَقِّ الرَّاحِلَةِ بَلْ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ فِيهِمَا أَوْ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْجَارِ فِي حَقِّ الرَّاحِلَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ كَانَتْ الْإِبَاحَةُ بِجِهَةٍ مَنْ لَا مِنَّةَ لَهُ عَلَيْهِ كَالْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَوْ فِيمَا إذَا كَانَتْ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ الْمِنَّةُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ قَوْلَانِ وَالْوَقْتُ، وَهُوَ وَقْتُ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ إنْ كَانُوا يَخْرُجُونَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ وَأَشْهُرُ الْحَجِّ إنْ كَانُوا يَخْرُجُونَ فِيهَا وَالْعِلْمُ بِكَوْنِ الْحَجِّ فَرْضًا، وَهَذَا مِمَّا زَادَهُ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ أَحَدًا ذَكَرَهُ نَصًّا، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ فِي الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ، ثُمَّ الْعِلْمُ يَثْبُتُ لِمَنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِمُجَرَّدِ الْوُجُودِ فِيهَا سَوَاءٌ عَلِمَ بِالْفَرِيضَةِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَشَأَ فِيهَا عَلَى الْإِسْلَامِ أَوْ لَا
وَأَمَّا لِلْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَبِإِخْبَارِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ وَاحِدٍ عَدْلٍ وَعِنْدَهُمَا لَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ فِي هَذَا الْإِخْبَارِ وَشُرُوطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَهِيَ خَمْسَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ صِحَّةُ الْبَدَنِ وَزَوَالُ الْمَوَانِعِ الْحِسِّيَّةِ عَلَى الذَّهَابِ إلَى الْحَجِّ حَتَّى أَنَّ الْمُقْعَدَ وَمَقْطُوعَ الرِّجْلَيْنِ وَالْمَرِيضَ وَالشَّيْخَ الَّذِي لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَالْأَعْمَى وَالْمَحْبُوسَ وَالْخَائِفَ مِنْ السُّلْطَانِ الَّذِي يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْحَجِّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْحَجُّ بِأَنْفُسِهِمْ وَلَا الْإِحْجَاجُ عَنْهُمْ إنْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَهُوَ رِوَايَةُ الصَّاحِبَيْنِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَأْمُرُوا مَنْ يَحُجُّ عَنْهُمْ بِمَالِهِمْ وَيَكُونُ ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ مَا دَامَ الْعَجْزُ مُسْتَمِرًّا بِهِمْ فَإِنْ زَالَ فَعَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ بِأَنْفُسِهِمْ وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ تُحْفَةِ الْفُقَهَاءِ اخْتِيَارُهُ قَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْمُحَقِّق أَثَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ أَوْجَهُ وَأَمْنُ الطَّرِيقِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ فِيهِ السَّلَامَةَ بَرًّا كَانَ أَوْ بَحْرًا عَلَى الصَّحِيحِ وَعَدَمُ قِيَادَةِ الْعِدَّةِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ وَخُرُوجُ الزَّوْجِ أَوْ الْمَحْرَمِ مَعَهَا إذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا فَوْقَهَا وَشُرُوطُ صِحَّتِهِ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ وَالْوَقْتُ الْمَخْصُوصُ وَالْمَكَانُ الْمَخْصُوصُ وَالْإِسْلَامُ إذْ لَا صِحَّةَ لِحَجٍّ كَافِرٍ؛
لِأَنَّ وُجُودَ الْإِيمَانِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ بِلَا خِلَافٍ.
(تَنْبِيهٌ) وَمَا فِي خُلَاصَةِ الْفَتَاوَى وَغَيْرِهَا لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْهُ حَجَّ أَوْ تَهَيَّأَ لِلْإِحْرَامِ وَلَبَّى وَشَهِدَ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ إسْلَامًا لَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَا بِقَلِيلٍ تَأَمَّلْ،
وَإِذًا فَظَهَرَ أَنَّ الْإِسْلَامَ كَمَا هُوَ مِنْ شُرُوطِ الْوُجُوبِ فَهُوَ أَيْضًا مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ غَايَتُهُ أَنَّهُ مِنْ شُرُوطِ الْوُجُوبِ عِنْدَ مَشَايِخِنَا الْبُخَارِيِّينَ وَمِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ التَّمْيِيزُ وَالْعَقْلُ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ أَيْضًا لَكِنْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ «امْرَأَةً رَفَعَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَبِيًّا وَقَالَتْ أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ نَعَمْ وَلَك أَجْرٌ» فَلَا جَرَمَ إنْ قَالَ مَشَايِخُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - بِصِحَّةِ حَجَّةِ الصَّبِيِّ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ
وَكَذَا بِصِحَّةِ حَجِّ الْمَجْنُونِ وَيُحْرِمُ عَنْهُمَا الْأَبُ يَعْنِي وَمَنْ بِمَثَابَتِهِ وَكَأَنَّ دَلِيلَهُمْ عَلَى جَوَازِ حَجِّ الْمَجْنُونِ،
وَإِنْ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ فِيمَا أَعْلَمُ دَلَالَةَ النَّصِّ غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ شَرَطَتْ فِي وُقُوعِهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إفَاقَتَهُ عِنْدَ الْأَرْكَانِ غَيْرَ مُشْتَرِطِينَ ذَلِكَ فِي وُقُوعِهِ تَطَوُّعًا وَلَمْ أَقِفْ لِمَشَايِخِنَا عَلَى التَّعَرُّضِ لِصِحَّةِ حَجِّهِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ لَا بِنَفْيٍ وَلَا بِإِثْبَاتٍ لَا مَعَ هَذَا الِاشْتِرَاطِ وَلَا بِدُونِهِ إلَّا أَنَّهُ فِيمَا يَظْهَرُ لَوْ قَالَ قَائِلٌ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُفِيقًا عِنْدَ التَّلَبُّسِ بِالْإِحْرَامِ فَأَحْرَمَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَاقِلًا ثُمَّ عَرَضَ لَهُ الْجُنُونُ فَفَعَلَ بِهِ مَا عَلَى الْحَاجِّ مِنْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَمُقْتَضَى قَوَاعِدِنَا أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ،
وَإِنْ لَمْ يُفِقْ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ بِسِنِينَ وَإِلَّا فَلَا لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا فَأَمْعِنْ النَّظَرَ فِيهِ اهـ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْحَاشِيَةِ لَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَاهُ بِقَلِيلٍ تَأَمَّلْ مَا نَصَّهُ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ مَا إذَا حَجَّ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَمَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا حَجَّ مُنْفَرِدًا وَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ حِينَئِذٍ كَمَا إذَا صَلَّى مُنْفَرِدًا
بِخِلَافِ مَا إذَا صَلَّى مَعَ الْجَمَاعَةِ قُنْيَةٌ قَوْلُهُ لِبَيَانِ أَمْنِ الطَّرِيقِ مِنْ الْعَدْلِ) أَيْ بِسَبَبِ الْعَدْلِ. اهـ.
(قَوْلُهُ نَظِيرُهُ: قَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ) أَيْ فِي مِثْلِهِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ اهـ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ
(قَوْلُهُ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا) أَيْ أَوْ عَبْدًا. اهـ. كَاكِيٌّ
(قَوْلُهُ وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الزَّوْجَ أَوْ الْمُحْرِمَ إلَخْ) صَحَّحَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ الْأَوَّلَ وَصَحَّحَ السِّغْنَاقِيُّ الثَّانِيَ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَفِي وُجُوبِ التَّزْوِيجِ عَلَيْهَا)
قَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ لِيَحُجَّ بِهَا كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ اكْتِسَابُ الْمَالِ لِأَجْلِ الْحَجِّ اهـ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.