ومن فرض الكفاية القيام بإقامة الحجج وحل المشكلات في الدين وبعلوم الشرع كتفسير وحديث والفروع بحيث يصلح للقضاء
Its commentaries
(وَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ الْقِيَامُ بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ) الْعِلْمِيَّةِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ فِي الدِّينِ عَلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ، وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ، وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ مِنْهَا وَالنُّبُوَّاتِ وَصِدْقِ الرُّسُلِ وَمَا أُرْسِلُوا بِهِ مِنْ الْأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ وَالنَّظَرِيَّةِ (وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ فِي الدِّينِ) لِتَنْدَفِعَ الشُّبُهَاتُ وَتَصْفُوَ الِاعْتِقَادَاتُ عَنْ تَمْوِيهَاتِ الْمُبْتَدَعِينَ وَمُعْضِلَاتِ الْمُلْحِدِينَ، وَلَا يَحْصُلُ كَمَالُ ذَلِكَ إلَّا بِإِتْقَانِ قَوَاعِدِ عِلْمِ الْكَلَامِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْحُكْمِيَّاتِ وَالْإِلَهِيَّاتِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْإِمَامُ: لَوْ بَقِيَ النَّاسُ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي صَفْوَةِ الْإِسْلَامِ لَمَا أَوْجَبْنَا التَّشَاغُلَ بِهِ،
وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ ثَارَتْ الْبِدَعُ وَلَا سَبِيلَ إلَى تَرْكِهَا تَلْتَطِمُ فَلَا بُدَّ مِنْ إعْدَادِ مَا يُدْعَى بِهِ إلَى طَرِيقِ الْحَقِّ، وَتُحَلُّ بِهِ الشُّبْهَةُ، فَصَارَ الِاشْتِغَالُ بِأَدِلَّةِ الْمَعْقُولِ وَحَلِّ الشُّبْهَةِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ مَدْحُهُ وَلَا ذَمُّهُ فَفِيهِ مَنْفَعَةٌ وَمَضَرَّةٌ، فَبِاعْتِبَارِ مَنْفَعَتِهِ أُوقِتَ الِانْتِفَاعُ حَلَالٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ وَاجِبٌ، وَبِاعْتِبَارِ مَضَرَّتِهِ وَقْتَ الْإِضْرَارِ حَرَامٌ،
وَيَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يُرْزَقْ قَلْبًا سَلِيمًا أَنْ يَتَعَلَّمَ أَدْوِيَةَ أَمْرَاضِ الْقَلْبِ مِنْ كِبْرٍ وَعُجْبٍ وَرِيَاءٍ وَنَحْوِهَا كَمَا يَجِبُ كِفَايَةً تَعَلُّمُ عِلْمِ الطِّبِّ (وَ) الْقِيَامُ (بِعُلُومِ الشَّرْعِ كَتَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ وَالْفُرُوعِ) الْفِقْهِيَّةِ زَائِدًا عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ (بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ) وَالْإِفْتَاءِ بِأَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا مُطْلَقًا، وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ عُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَعِلْمِ الْحِسَابِ الْمُضْطَرِّ إلَيْهِ فِي الْمَوَارِيثِ وَالْأَقَارِيرِ وَالْوَصَايَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي فِي بَابِ الْقَضَاءِ، فَيَجِبُ الْإِحَاطَةُ بِذَلِكَ كُلِّهِ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ بِحَيْثُ مُتَعَلِّقٌ بِعُلُومٍ وَتَعْرِيفُ الْفُرُوعِ لِلتَّفَنُّنِ، وَمَا بَحَثَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ فِي اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ إلَّا بِمَعْرِفَةِ جَمْعٍ يَبْلُغُونَ حَدَّ التَّوَاتُرِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مُتَوَاتِرٌ وَمَعْرِفَتُهُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ، فَلَا بُدَّ أَنْ تَثْبُتَ بِالتَّوَاتُرِ حَتَّى يَحْصُلَ الْوُثُوقُ بِقَوْلِهِمْ فِيمَا سَبِيلُهُ الْقَطْعُ يُرَدُّ بِأَنَّ كُتُبَهَا مُتَوَاتِرَةٌ، وَتَوَاتُرُ الْكُتُبِ مُعْتَدٌّ بِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَيَظْهَرُ حُصُولُ فَرْضِهِمَا بِمَعْرِفَةِ الْآحَادِ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْ إثْبَاتِ مَا نُوزِعَ فِيهِ مِنْ تِلْكَ الْأُصُولِ بِالْقَطْعِ الْمُسْتَنِدِ لِمَا فِي كُتُبِ ذَلِكَ الْفَنِّ، وَلَا يَكْفِي فِي إقْلِيمٍ مُفْتٍ وَقَاضٍ وَاحِدٌ لِعُسْرِ مُرَاجَعَتِهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَعَدُّدِهِمَا بِحَيْثُ لَا يَزِيدُ مَا بَيْنَ كُلِّ مُفْتِيَيْنِ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَقَاضِيَيْنِ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى لِكَثْرَةِ الْخُصُومَاتِ،
أَمَّا مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي فَرْضٍ عَيْنِيٍّ أَوْ فِي فِعْلٍ آخَرَ أَرَادَ مُبَاشَرَتَهُ وَلَوْ بِوَكِيلِهِ فَتَعَلُّمُ ظَوَاهِرِ أَحْكَامِهِ غَيْرِ النَّادِرَةِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ فِي الْعِلْمِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ ذَكَرٍ غَيْرِ بَلِيدٍ مُكْفًى وَلَوْ فَاسِقًا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِهِ لِعَدَمِ قَبُولِ فَتْوَاهُ وَيَسْقُطُ بِالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ فِي أَوْجَهِ الْوَجْهَيْنِ، وَبِقَوْلِهِ غَيْرِ بَلِيدٍ مَعَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّ الِاجْتِهَادَ الْمُطْلَقَ انْقَطَعَ مِنْ نَحْوِ ثَلَثِمِائَةِ سَنَةٍ يُعْلَمُ أَنَّ لَا إثْمَ عَلَى النَّاسِ الْيَوْمَ بِتَعْطِيلِ هَذَا الْفَرْضِ، وَهُوَ بُلُوغُ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ؛
لِأَنَّ النَّاسَ صَارُوا كُلُّهُمْ بُلَدَاءَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا وَمَا قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ وَالْفُرُوعُ " إنَّ " عَطْفٌ عَلَى تَفْسِيرٍ اقْتَضَى بَقَاءَ شَيْءٍ مِنْ عُلُومِ الشَّرْعِ أَوْ عَلَى مَدْخُولِ الْبَاءِ اقْتَضَى أَنَّ الْفُرُوعَ لَيْسَتْ مِنْ عُلُومِ الشَّرْعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ يُجَابُ عَنْهُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا،
أَمَّا الْأَوَّلُ فَتَكُونُ الْكَافُ فِيهِ اسْتِقْصَائِيَّةً.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ، وَقَدْ يُقَالُ عُلُومُ الشَّرْعِ قَدْ يُرَادُ بِهَا تِلْكَ الثَّلَاثَةُ فَقَطْ، وَهِيَ عُرْفُهُمْ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ وَنَحْوِهَا، وَقَدْ يُرَادُ بِهَا هِيَ وَآلَتِهَا وَهِيَ عُرْفُهُمْ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مِنْهَا هَذَا لِمَا صَرَّحُوا بِهِ أَنَّ فَرْضَ الْكُلِّ كِفَايَةٌ
(قَوْلُهُ: وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ) يَظْهَرُ أَنَّ الْمُشْكِلَ الْأَمْرُ الَّذِي يَخْفَى إدْرَاكُهُ لِدِقَّتِهِ، وَالشُّبْهَةُ الْأَمْرُ الْبَاطِلُ الَّذِي يَشْتَبِهُ بِالْحَقِّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقِيَامَ بِالْحُجَجِ غَيْرُ حَلِّ الْمُشْكِلِ، وَأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْأَوَّلِ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الثَّانِي اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ
(قَوْلُهُ: وَتَصْفُوَ) أَيْ تَخْلُصُ
(قَوْلُهُ: وَمُعْضِلَاتٌ) أَيْ مُشْكِلَاتٌ
(قَوْلُهُ: فِي صَفْوَةِ الْإِسْلَامِ) أَيْ فِي النُّورَانِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ حَاصِلَةً فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الِاشْتِغَالِ بِمَا يُفْسِدُ قُلُوبَهُمْ وَأَحْوَالَهُمْ
(قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ مَدْحُهُ) أَيْ عِلْمِ الْكَلَامِ
(قَوْلُهُ: أَنْ يَتَعَلَّمَ أَدْوِيَةَ أَمْرَاضِ الْقَلْبِ) وَقَدْ بَيَّنَهَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَلْيُرَاجِعْ مَنْ أَرَادَ
(قَوْلُهُ: مِنْ كِبْرٍ) بَيَانٌ لِلْأَمْرَاضِ
(قَوْلُهُ: مُتَعَلِّقٌ بِعُلُومٍ) أَيْ إلَخْ
(قَوْلُهُ: فَيَظْهَرُ حُصُولُ فَرْضِهِمَا) أَيْ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ
(قَوْلُهُ: بِحَيْثُ لَا يَزِيدُ بَيْنَ كُلِّ مُفْتِيَيْنِ) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ
وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهَا وَيَكُونُ مِنْ نِسْبَةِ الْجُزْئِيِّ إلَى كُلِّيِّهِ اهـ سم عَلَى حَجّ فِي خُطْبَةِ الْكِتَابِ
(قَوْلُهُ: غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ) أَيْ الْفَاسِقُ
(قَوْلُهُ وَيَسْقُطُ) أَيْ فَرْضُ كِفَايَةِ الْإِفْتَاءِ
(قَوْلُهُ: اسْتِقْصَائِيَّةٍ) أَيْ لَيْسَ هُنَاكَ فَرْدٌ آخَرُ
(قَوْلُهُ: مِنْ الْأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ) أَيْ وَالضَّرُورِيُّ قَدْ يُقَامُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ قَاسِمٍ
(قَوْلُهُ: فَتَجِبُ الْإِحَاطَةُ بِذَلِكَ كُلِّهِ) أَيْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: مُتَعَلِّقٌ بِعُلُومٍ) أَيْ لَا بِالْفُرُوعِ، وَجَعَلَهُ الْجَلَالُ مُتَعَلِّقًا بِالْفُرُوعِ خَاصَّةً لَمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَهُ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ قَاسِمٍ وَأَطَالَ فِي تَوْجِيهِهِ بِمَا يُعْرَفُ بِمُرَاجَعَتِهِ
Adds nothing on this mas’ala.
فَقَالَ: (وَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ الْقِيَامُ بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ) الْعِلْمِيَّةِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ فِي الدِّينِ عَلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ سُبْحَانَهُ، وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ مِنْهَا وَالنُّبُوَّاتِ وَصِدْقِ الرُّسُلِ وَمَا أُرْسِلُوا بِهِ مِنْ الْأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ وَالنَّظَرِيَّةِ. (وَحَلُّ الْمُشْكِلَاتِ فِي الدِّينِ) لِتَنْدَفِعَ الشُّبُهَاتُ وَتَصْفُوَ الِاعْتِقَادَاتُ عَنْ تَمْوِيهَاتِ الْمُبْتَدِعِينَ وَمُعْضِلَاتِ الْمُلْحِدِينَ وَلَا يَحْصُلُ كَمَالُ ذَلِكَ إلَّا بِإِتْقَانِ قَوَاعِدِ عِلْمِ الْكَلَامِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْحُكْمِيَّاتِ وَالْإِلَهِيَّاتِ؛
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْإِمَامُ لَوْ بَقِيَ النَّاسُ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي صَفْوَةِ الْإِسْلَامِ لَمَا أَوْجَبْنَا التَّشَاغُلَ بِهِ، وَرُبَّمَا نَهَيْنَا عَنْهُ أَيْ: كَمَا جَاءَ عَنْ الْأَئِمَّةِ كَالشَّافِعِيِّ، بَلْ جَعَلَهُ أَقْبَحَ مِمَّا عَدَا الشِّرْكَ،
فَأَمَّا الْآنَ وَقَدْ ثَارَتْ الْبِدَعُ وَلَا سَبِيلَ إلَى تَرْكِهَا تَلْتَطِمُ فَلَا بُدَّ مِنْ إعْدَادِ مَا يُدْعَى بِهِ إلَى الْمِلْكِ الْحَقِّ وَتَحِلُّ بِهِ الشُّبْهَةُ، فَصَارَ الِاشْتِغَالُ بِأَدِلَّةِ الْمَعْقُولِ وَحِلِّ الشُّبْهَةِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ،
وَأَمَّا مَنْ اسْتَرَابَ فِي أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ فَيَلْزَمُهُ السَّعْيُ فِي إزَالَتِهِ حَتَّى تَسْتَقِيمَ عَقِيدَتُهُ اهـ. وَأَقَرَّهُ فِي الرَّوْضَةِ وَتَبِعَهُ الْغَزَالِيُّ فَقَالَ: الْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ ذَمُّهُ وَلَا مَدْحُهُ فَفِيهِ مَنْفَعَةٌ وَمَضَرَّةٌ، فَبِاعْتِبَارِ مَنْفَعَتِهِ وَقْتَ الِانْتِفَاعِ حَلَالٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ وَاجِبٌ، وَبِاعْتِبَارِ مَضَرَّتِهِ وَقْتَ الْإِضْرَارِ حَرَامٌ.
وَيَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يُرْزَقْ قَلْبًا سَلِيمًا أَنْ يَتَعَلَّمَ أَدْوِيَةَ أَمْرَاضِ الْقَلْبِ مِنْ كِبْرٍ وَعُجْبٍ وَرِيَاءٍ وَنَحْوِهَا، كَمَا يَجِبُ لَكِنْ كِفَايَةُ تَعَلُّمِ عِلْمِ الطِّبِّ. (وَ) الْقِيَامُ (بِعُلُومِ الشَّرْعِ كَتَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ وَالْفُرُوعِ) الْفِقْهِيَّةِ زَائِدًا عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، (بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ) وَالْإِفْتَاءِ بِأَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا مُطْلَقًا وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ عُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَعِلْمِ الْحِسَابِ الْمُضْطَرِّ إلَيْهِ فِي الْمَوَارِيثِ وَالْإِقْرَارَاتِ وَالْوَصَايَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي فِي بَابِ الْقَضَاءِ، فَتَجِبُ الْإِحَاطَةُ بِذَلِكَ كُلِّهِ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ بِحَيْثُ إلَخْ مُتَعَلِّقٌ بِعُلُومٍ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ شَارِحٍ، وَتَعْرِيفُ الْفُرُوعِ لِلتَّفَنُّنِ؛
أَوْ لِأَنَّهَا لَمْ تُشْتَهَرْ مُرَادًا بِهَا الْفِقْهِيَّاتُ لَا مَعَ التَّعْرِيفِ دُونَ سَابِقَيْهَا.
وَبَحَثَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ فِي اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ إلَّا بِمَعْرِفَةِ جَمْعٍ يَبْلُغُونَ حَدَّ التَّوَاتُرِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مُتَوَاتِرٌ وَمَعْرِفَتَهُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ تَثْبُتَ بِالتَّوَاتُرِ حَتَّى يَحْصُلَ الْوُثُوقُ بِقَوْلِهِمْ فِيمَا سَبِيلُهُ الْقَطْعُ وَيُرَدُّ بِأَنَّ كُتُبَهَا مُتَوَاتِرَةٌ وَتَوَاتُرُ الْكُتُبِ مُعْتَدٌّ بِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَيَنْبَغِي حُصُولُ فَرْضِهِمَا بِمَعْرِفَةِ الْآحَادِ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْ إثْبَاتِ مَا نُوزِعَ فِيهِ مِنْ تِلْكَ الْأُصُولِ بِالْقَطْعِ الْمُسْتَنِدِ لِمَا فِي كُتُبِ ذَلِكَ الْفَنِّ، وَلَا يَكْفِي فِي إقْلِيمٍ مُفْتٍ وَقَاضٍ وَاحِدٍ لِعُسْرِ مُرَاجَعَتِهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَعَدُّدِهِمَا بِحَيْثُ لَا يَزِيدُ مَا بَيْنَ كُلِّ مُفْتِيَيْنِ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَقَاضِيَيْنِ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى لِكَثْرَةِ الْخُصُومَاتِ،
أَمَّا مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي فَرْضٍ عَيْنِيٍّ أَوْ فِي فِعْلٍ آخَرَ أَرَادَ مُبَاشَرَتَهُ وَلَوْ بِوَكِيلِهِ، فَتَعَلُّمُ ظَوَاهِرِ أَحْكَامِهِ غَيْرِ النَّادِرَةِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَعَلَيْهِ حُمِلَ الْخَبَرُ الْحَسَنُ:«التَّفَقُّهُ فِي الدِّينِ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» ، وَنَقَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ عَنْ الْفَرَاوِيِّ أَنَّهُ تَحْرُمُ الْإِقَامَةُ بِبَلَدٍ لَا مُفْتِيَ بِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَقَضِيَّةُ مَا مَرَّ مِنْ اعْتِبَارِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ بَيْنَ كُلِّ مُفْتِيَيْنِ أَنَّ الْحُرْمَةَ خَاصَّةٌ بِبَلَدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُفْتِي أَكْثَرُ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَبِتَسْلِيمِ عُمُومِهِ يَنْبَغِي زَوَالُ الْحُرْمَةِ بِأَنْ يَكُونَ بِالْبَلَدِ مَنْ يَعْرِفُ الْأَحْكَامَ الظَّاهِرَةَ غَيْرَ النَّادِرَةِ؛
لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهَا الَّتِي يُحَبُّ تَعَلُّمُهَا عَيْنًا بِفَرْضِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا، وَيَجْبُرُ الْحَاكِمُ وُجُوبًا أَهْلَ كُلِّ بَلَدٍ تَرَكُوا تَعَلُّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ: وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ فِي الْعِلْمِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ ذَكَرٍ غَيْرِ بَلِيدٍ مَكْفِيٍّ وَلَوْ فَاسِقًا، لَكِنْ لَا يَسْقُطُ بِهِ؛ إذْ لَا تُقْبَلُ فَتْوَاهُ وَيَسْقُطُ بِالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلَا اهـ وَوَقَعَ فِي الرَّوْضَةِ عَنْهُ مَا يَقْتَضِي خِلَافَ مَا ذُكِرَ فِي مَسْأَلَةِ الْوَجْهَيْنِ وَأَوْجَهُهُمَا مَا ذُكِرَ مِنْ السُّقُوطِ وَبِقَوْلِهِ: غَيْرِ بَلِيدٍ مَعَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَابْنِ الصَّلَاحِ: أَنَّ الِاجْتِهَادَ الْمُطْلَقَ انْقَطَعَ مِنْ نَحْوِ ثَلَثِمِائَةِ سَنَةٍ، يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَى النَّاسِ الْيَوْمَ بِتَعْطِيلِ هَذَا الْفَرْضِ، وَهُوَ بُلُوغُ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ؛
لِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ صَارُوا بُلَدَاءَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا قَبْلَ الْفُرُوعِ إنْ عُطِفَ عَلَى تَفْسِيرٍ اقْتَضَى بَقَاءَ شَيْءٍ مِنْ عُلُومِ الشَّرْعِ لَمْ يَذْكُرْهُ أَوْ عَلَى عُلُومٍ اقْتَضَى أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ عُلُومِ الشَّرْعِ وَكِلَاهُمَا فَاسِدٌ اهـ. وَيَرُدُّهُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ أَنَّ عُلُومَ الشَّرْعِ قَدْ يُرَادُ بِهَا تِلْكَ الثَّلَاثَةُ فَقَطْ، وَهِيَ عُرْفُهُمْ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ وَنَحْوِهَا، وَقَدْ يُرَادُ بِهَا هِيَ وَآلَاتُهَا وَهِيَ عُرْفُهُمْ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مِنْهَا هَذَا؛ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ أَنَّ الْكُلَّ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَحِينَئِذٍ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى تَفْسِيرٍ، وَلَا فَسَادَ فِيهِ خِلَافًا لِمَنْ وَهَمَ فِيهِ، ثُمَّ رَأَيْت شَارِحًا أَشَارَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: مِنْ الْأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ) فِيهِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ الضَّرُورِيُّ قَدْ يُقَامُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ سم وَهُوَ كَذَلِكَ فَقَدْ يَكُونُ الضَّرُورِيُّ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضٍ غَيْرِ ضَرُورِيٍّ بِالنِّسْبَةِ لِآخَرَ وَقَدْ يُقَامُ عَلَى الضَّرُورِيِّ مُنَبِّهُهُ لِإِزَالَةِ خَفَاءٍ فِيهِ، وَالْمُنَبِّهُ بِصُورَةِ الدَّلِيلِ وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ دَلِيلًا حَقِيقَةً وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ تَسْمِيَتِهِ دَلِيلًا حَقِيقَةً بِالنِّسْبَةِ لِمَا نَحْنُ فِيهِ إذْ الْقِيَامُ بِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ اهـ. سَيِّدُ عُمَرَ.
(قَوْلُ الْمَتْنِ: وَحِلُّ الْمُشْكَلَاتِ) يَظْهَرُ أَنَّ الْمُشْكِلَ الْأَمْرُ الَّذِي يَخْفَى إدْرَاكُهُ لِدِقَّتِهِ، وَالشُّبْهَةُ الْأَمْرُ الْبَاطِلُ الَّذِي يَشْتَبِهُ بِالْحَقِّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَجِّ غَيْرُ حَلِّ الْمُشْكَلَاتِ، وَقَدْ يَقْدِرُ عَلَى الْأَوَّلِ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الثَّانِي سم عَلَى الْمَنْهَجِ اهـ. ع ش.
(قَوْلُهُ: وَتَصْفُو) أَيْ: تَخْلُصُ، وَقَوْلُهُ: وَمُعْضَلَاتٌ إلَخْ أَيْ: مُشْكِلَاتٌ اهـ ع ش.
(قَوْلُهُ: كَمَا ذَلِكَ) أَيْ: الْقِيَامُ بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ.
(قَوْلُهُ: وَالْإِلَهِيَّاتِ) مِنْ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ.
(قَوْلُهُ: قَالَ الْإِمَامُ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي
وَأَمَّا الْعِلْمُ الْمُتَرَجِّحُ بِعِلْمِ الْكَلَامِ فَلَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ وَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - يَشْتَغِلُونَ بِهِ قَالَ الْإِمَامُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فِي صَفْوَةِ الْإِسْلَامِ) أَيْ: فِي النُّورَانِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ حَاصِلَةً فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الِاشْتِغَالِ بِمَا يُفْسِدُ قُلُوبَهُمْ وَأَحْوَالَهُمْ اهـ. ع ش.
(قَوْلُهُ: بِهِ) أَيْ: بِعِلْمِ الْكَلَامِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ: كَمَا جَاءَ عَنْ الْأَئِمَّةِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَالرَّوْضِ مَعَ شَرْحِهِ وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ تَحْرِيمِ الِاشْتِغَالِ بِعِلْمِ الْكَلَامِ مَحْمُولٌ عَلَى التَّوَغُّلِ فِيهِ،
وَأَمَّا تَعَلُّمُ عِلْمِ الْفَلْسَفَةِ وَالشَّعْبَذَةِ وَالتَّنْجِيمِ وَالرَّمَلِ وَعُلُومِ الطَّبَائِعِيِّينَ وَالسِّحْرِ فَحَرَامٌ وَتَعَلُّمُ الشِّعْرِ مُبَاحٌ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سُخْفٌ أَوْ حَثٌّ عَلَى شَرٍّ وَإِنْ حَثَّ عَلَى التَّغَزُّلِ وَالْبَطَالَةِ كُرِهَ اهـ.
(قَوْلُهُ: بَلْ جَعَلَهُ) أَيْ: جَعَلَ الشَّافِعِيُّ الِاشْتِغَالَ بِعِلْمِ الْكَلَامِ اهـ. مُغْنِي.
(قَوْلُهُ: تَلْتَطِمُ) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ تَرْكِهَا وَفِي الْقَامُوسِ الْتَطَمَتْ الْأَمْوَاجُ ضَرَبَ بَعْضُهَا بَعْضًا اهـ.
(قَوْلُهُ: انْتَهَى) أَيْ: كَلَامُ الْإِمَامِ.
(قَوْلُهُ: وَتَبِعَهُ) أَيْ: الْإِمَامُ.
(قَوْلُهُ: ذَمُّهُ إلَخْ) أَيْ: عِلْمِ الْكَلَامِ اهـ. ع ش.
(قَوْلُهُ: حَلَالٌ) أَيْ: مُبَاحٌ.
(قَوْلُهُ: وَيَجِبُ) إلَى قَوْلِهِ: وَبِمَا تَقَرَّرَ فِي الْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ: بِأَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ: أَنْ يَتَعَلَّمَ أَدْوِيَةَ أَمْرَاضِ الْقَلْبِ إلَخْ) وَقَدْ بَيَّنَهَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَلْيُرَاجِعْ مَنْ أَرَادَ، وَقَوْلُهُ: مِنْ كِبْرٍ إلَخْ بَيَانٌ لِأَمْرَاضِ الْقَلْبِ اهـ. ع ش
(قَوْلُهُ: زَائِدٌ إلَخْ) سَيَذْكُرُ مُحْتَرَزَهُ بِقَوْلِهِ: أَمَّا مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا إلَخْ) وَيَأْتِي أَنَّ الِاجْتِهَادَ الْمُطْلَقَ انْقَطَعَ مِنْ نَحْوِ ثَلَثِمِائَةِ سَنَةٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ.
(قَوْلُهُ: وَمَا يَتَوَقَّفُ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى عُلُومِ الشَّرْعِ، وَقَوْلُهُ: ذَلِكَ أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفُرُوعِ
(قَوْلُهُ: مِنْ عُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ) بَيَانٌ لِمَا الْمَوْصُولَةِ.
(قَوْلُهُ: وَغَيْرُ ذَلِكَ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَشَرْحُ الرَّوْضِ وَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عِلْمُ الطِّبِّ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ لِمُعَالَجَةِ الْأَبْدَانِ وَالْحِسَابُ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ لِقِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ وَالْوَصَايَا وَالْمُعَامَلَاتُ وَأُصُولُ الْفِقْهِ وَالنَّحْوُ وَاللُّغَةُ وَالتَّصْرِيفُ وَأَسْمَاءُ الرُّوَاةِ وَالْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ وَاتِّفَاقُهُمْ اهـ.
(قَوْلُهُ: بِذَلِكَ كُلِّهِ إلَخْ) أَيْ: بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ذَلِكَ اهـ. رَشِيدِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَبِمَا تَقَرَّرَ) أَيْ: مِنْ قَوْلِهِ: وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ شَارِحٍ) وَهُوَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ جَعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِالْفُرُوعِ خَاصَّةً وَصَوَّبَهُ سم وَأَطَالَ فِي تَوْجِيهِهِ بِمَا يُعْرَفُ بِمُرَاجَعَتِهِ اهـ. رَشِيدِيٌّ وَأَقَرَّهُ الْمُغْنِي عِبَارَتُهُ قَالَ الشَّارِحُ: وَعَرَّفَ أَيْ: الْمُصَنِّفُ الْفُرُوعَ أَيْ: بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ دُونَ مَا قَبْلَهُ لِمَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَوْدُهُ لِمَا قَبْلَهُ أَيْضًا اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيُرَدُّ بِأَنَّ كُتُبَهَا مُتَوَاتِرَةٌ إلَخْ) نَظَرَ فِيهِ سم رَاجِعْهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَكْفِي فِي إقْلِيمٍ)
إلَى قَوْلِهِ: وَعَلَيْهِ حُمِلَ فِي الْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ: وَلَوْ بِوَكِيلِهِ.
(قَوْلُهُ: لَا يَزِيدُ بَيْنَ كُلِّ مُفْتِيَيْنِ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ) أَيْ: لِئَلَّا يُحْتَاجَ إلَى قَطْعِهَا اهـ. مُغْنِي.
(قَوْلُهُ:؛ لِكَثْرَةِ الْخُصُومَاتِ) أَيْ: وَتَكَرُّرِهَا فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ مِنْ كَثِيرِينَ اهـ. مُغْنِي.
(قَوْلُهُ: أَمَّا مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَالرَّوْضِ مَعَ شَرْحِهِ وَيَتَعَيَّنُ مِنْ ظَوَاهِرِ الْعُلُومِ لَا دَقَائِقِهَا مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِقَامَةِ فَرَائِضِ الدِّينِ كَأَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَشُرُوطِهِمَا، وَإِنَّمَا يَجِبُ تَعَلُّمُهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ،
وَكَذَا قَبْلَهُ إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَعَلُّمِهِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ مَعَ الْفِعْلِ وَكَأَرْكَانِ الْحَجِّ وَشُرُوطِهِ وَتَعَلُّمِهَا عَلَى التَّرَاخِي كَالْحَجِّ وَكَالزَّكَاةِ إنْ مَلَكَ مَالًا،
وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ سَاعٍ وَأَحْكَامِ الْبَيْعِ وَالْقِرَاضِ إنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ وَيُتَاجِرَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ يُرِيدُ بَيْعَ الْخُبْزِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ خُبْزِ الْبُرِّ بِالْبُرِّ وَلَا بِدَقِيقِهِ وَعَلَى مَنْ يُرِيدُ الصَّرْفَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ وَنَحْوَ ذَلِكَ،
وَأَمَّا أُصُولُ الْعَقَائِدِ، فَالِاعْتِقَادُ الْمُسْتَقِيمُ مَعَ التَّصْحِيحِ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فَفَرْضُ عَيْنٍ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بِوَكِيلِهِ) يَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِمَعْرِفَةِ الْوَكِيلِ الْمُبَاشِرِ لِذَلِكَ الْفِعْلِ سم.
(قَوْلُهُ: يَنْبَغِي زَوَالُ الْحُرْمَةِ إلَخْ) وَلَوْ لَمْ يُفْتِ الْمُفْتِي، وَهُنَاكَ مَنْ يُفْتِي وَهُوَ عَدْلٌ لَمْ يَأْثَمْ فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِفْتَاءُ
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُعَلِّمُ كَذَلِكَ اهـ. مُغْنِي.
(قَوْلُهُ: أَنَّهَا) أَيْ: الْأَحْكَامَ الظَّاهِرَةَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: عَلَيْهِ) أَيْ: التَّعْلِيمِ وَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِيَجْبُرُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ) إلَى قَوْلِهِ: وَبِقَوْلِهِ فِي الْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ: وَوَقَعَ إلَى، وَأَوْجَهُهُمَا وَإِلَى قَوْلِهِ: فَحِينَئِذٍ فِي النِّهَايَةِ إلَّا قَوْلَهُ: وَوَقَعَ إلَى وَأَوْجَهُهُمَا وَقَوْله: مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ.
(قَوْلُهُ: مَكْفِيٍّ) أَيْ: قَادِرٍ عَلَى الِانْقِطَاعِ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ كِفَايَةٌ اهـ. مُغْنِي.
(قَوْلُهُ: لَا يَسْقُطُ) أَيْ: فَرْضُ الْفَتْوَى بِهِ أَيْ: بِالْفَاسِقِ.
(قَوْلُهُ: وَيَسْقُطُ بِالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ إلَخْ) لِأَنَّهُمَا أَهْلٌ لِلْفَتْوَى دُونَ الْقَضَاءِ. اهـ. مُغْنِي
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَدْخُلَا) أَيْ فِي الْفَرْضِ. اهـ. سم
(قَوْلُهُ: عَنْهُ) أَيْ الْمَاوَرْدِيِّ
(قَوْلُهُ: وَأَوْجَهُهُمَا إلَخْ) كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي كَمَا مَرَّ التَّنْبِيهُ إلَيْهِ
(قَوْلُهُ: بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا) أَيْ إلَى دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ وَإِنْ كَانُوا مُجْتَهِدِينَ فِي الْمَذْهَبِ وَالْفَتْوَى بَلْ هَذَانِ أَيْضًا عِزًّا بَلْ عَدَمًا مِنْ زَمَنٍ طَوِيلٍ. اهـ. إمْدَادٌ
(قَوْلُهُ وَيَرُدُّهُ إلَخْ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَيُجَابُ عَنْهُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا
أَمَّا: الْأَوَّلُ فَتَكُونُ الْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةً أَيْ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ الذِّهْنِيَّةِ
وَأَمَّا: الثَّانِي؛ فَلِأَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ وَقَدْ يُقَالُ عُلُومُ الشَّرْعِ قَدْ يُرَادُ بِهَا إلَخْ
(قَوْلُهُ: الضَّرُورِيَّةِ) فِيهِ شَيْءٌ مَعَ كَوْنِ الْكَلَامِ فِي إقَامَةِ الْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الضَّرُورِيُّ قَدْ يُقَامُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ شَارِحٍ وَتَعْرِيفُ الْفُرُوعِ لِلتَّفَنُّنِ إلَخْ) قَالَ الْمُحَقِّقُ الْمَحَلِّيُّ وَعُرْفُ الْفُرُوعِ دُونَ مَا قَبْلَهُ لِمَا ذُكِرَ بَعْدَهُ اهـ.
وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا مُصَرِّحَةٌ بِمَا قَالَهُ حَيْثُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: وَأَمَّا فَرْضُ الْكِفَايَةِ فَالْقِيَامُ بِعُلُومِ الشَّرْعِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ التَّفْسِيرُ وَالْحَدِيثُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْوَصِيَّةِ وَمِنْهَا أَنْ يَنْتَهِيَ فِي مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ إلَى حَيْثُ يَصْلُحُ لِلْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ. اهـ. وَهُوَ قَرِينَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى إرَادَةِ تَوْجِيهِ الْمُحَقِّقِ لِلتَّعْرِيفِ، وَلَهُ أَنْ يُؤَيِّدَ هَذَا التَّوْجِيهَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْعُلُومِ الثَّلَاثَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي نَفْسِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَوَقُّفِ غَيْرِهِ مِنْهَا عَلَيْهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِمْ حَتَّى إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: الْقِيَامُ بِعُلُومِ الشَّرْعِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي نَفْسِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَسُوغُ تَعَلُّقُ الْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ بِالْجَمِيعِ؛
لِأَنَّ الْقَدْرَ الْمُؤَدِّيَ لِلْفَرْضِ مِنْ كُلٍّ مِنْ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ لَيْسَ مَضْبُوطًا بِهَا، بَلْ لَا يَتَأَتَّى ضَبْطٌ بِهَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِي نَفْسِهِ لَا يَكْفِي فِي حُصُولِ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَالْقَدْرُ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةُ مِنْهَا لَيْسَ هُوَ الْقَدْرَ الْمُؤَدِّيَ لِفَرْضِهِمَا؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي فِي حُصُولِهَا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِنْ الْأُصُولِ الصَّحِيحَةِ الْجَامِعَةِ مِنْ كُتُبِ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ أَصْلٌ فَأَكْثَرُ وَأَنْ يَعْرِفَ آيَاتِ الْأَحْكَامِ فَقَطْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُجَرَّدَ وُجُودِ أَصْلٍ فَأَكْثَرَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ لَا يَكْفِي فِي الْقِيَامِ بِفَرْضِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ اتَّضَحَ لَك مَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُ الْمَحَلِّيُّ وَعَلِمْت مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فَتَأَمَّلْهُ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُحَصَّلِ بِفَرْضِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ، وَالْقَدْرُ الْمُحَصَّلُ لَهُمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ لِتَعْلَمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بِمَعْزِلٍ بَعِيدٌ عَنْ الصَّوَابِ.
وَأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ الْمَحَلِّيُّ مِمَّا لَا يُمْكِنُ خِلَافُهُ عِنْدَ أُولِي الْأَلْبَابِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا بِمَعْرِفَةِ جَمْعٍ يَبْلُغُونَ حَدَّ التَّوَاتُرِ) قَدْ يُقَالُ: بُلُوغُ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ حَدَّ التَّوَاتُرِ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ إلَّا إذَا اسْتَنَدَتْ مَعْرِفَتُهُ إلَى التَّوَاتُرِ عَنْ جَمْعٍ مِنْ الْعَرَبِ يَبْلُغُونَ ذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَيُرَدُّ بِأَنَّ كُتُبَهَا مُتَوَاتِرَةٌ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ: إنْ أُرِيدَ تَوَاتُرُ كُتُبِهَا مِنْ مُصَنِّفِيهَا إلَيْنَا لَمْ يُفِدْ أَوْ تَوَاتَرَ مَا فِيهَا عَنْ الْعَرَبِ بِأَنْ كَانَ مَا فِيهَا نَقَلَهُ جَمْعٌ مِنْ النُّحَاةِ مَثَلًا بَلَغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ عَنْ جَمْعٍ مِنْ الْعَرَبِ كَذَلِكَ،
فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمُفِيدُ لِلْقَطْعِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ كُلِّيًّا لِظُهُورِ أَنَّهُ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَهَذَا الرَّدُّ كَمَا تَرَى
ثُمَّ إنْ أُجِيبَ عَنْ الْبَحْثِ بِأَنَّ تَوَاتُرَ الْقُرْآنِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُغْنٍ عَنْ اللُّغَةِ لِلْقَطْعِ بِصِحَّةِ مَا تَوَاتَرَ عَنْهُ وَعِصْمَتُهُ عَنْ الْخَلَلِ فِيهِ فَإِنْ فَرَضَ عَدَمَ تَوَاتُرِ بَعْضِ كَيْفِيَّاتِهِ لَمْ يَحْتَجْ فِيهَا لِتَوَاتُرِ اللُّغَةِ، وَرُدَّ عَلَيْهِ أَنَّ تَوَاتُرَ الْقُرْآنِ إنَّمَا يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا خَلَلَ فِيهِ،
وَأَمَّا تَمْيِيزُ الْفَاعِلِ مِنْ الْمَفْعُولِ وَالْمُبْتَدَأِ مِنْ غَيْرِهِ، وَهَكَذَا مَعَ تَوَقُّفِ الْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ التَّمْيِيزِ فَلَا يُعْلَمُ مِنْ تَوَاتُرِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمَعْنَى ظَنِّيٌّ فَيَكْفِي مَعْرِفَتُهُ بِالْآحَادِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بِوَكِيلِهِ) يَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِمَعْرِفَةِ الْوَكِيلِ الْمُبَاشِرِ لِذَلِكَ الْفِعْلِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَدْخُلَا) أَيْ: فِي الْفَرْضِ
(قَوْلُهُ: فَحِينَئِذٍ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى تَفْسِيرٍ وَلَا فَسَادَ إلَخْ) يُجَابُ بِأَنَّ الْكَافَ اسْتِقْصَائِيَّةٌ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ الذِّهْنِيَّةِ، وَبِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى عُلُومٍ وَلَا فَسَادَ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِنُكْتَةٍ كَإِظْهَارِ مِزْيَتِهَا وَالِاهْتِمَامِ بِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ
(وَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ الْقِيَامُ بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ) الْعِلْمِيَّةِ، وَهِيَ الْبَرَاهِينُ الْقَاطِعَةُ عَلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ مِنْهَا وَعَلَى إثْبَاتِ النُّبُوَّاتِ وَصِدْقِ الرُّسُلِ، وَمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ مِنْ الْحِسَابِ وَالْمَعَادِ وَالْمِيزَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْحُجَجِ الْقَهْرِيَّةِ بِالسَّيْفِ لَا بُدَّ مِمَّنْ يُقِيمُ الْبَرَاهِينَ وَيُظْهِرُ الْحُجَجَ وَيَدْفَعُ الشُّبُهَاتِ وَيَحِلُّ الْمُشْكِلَاتِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: الْقِيَامُ بِإِقَامَةِ (وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ فِي الدِّينِ) وَدَفْعِ الشُّبْهَةِ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُكَلَّفِ دَفْعُ شُبْهَةٍ أَدْخَلَهَا بِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَعْرِفَ أَدِلَّةَ الْمَعْقُولِ وَيَعْلَمَ دَوَاءَ أَمْرَاضِ الْقَلْبِ وَحُدُودَهَا وَأَسْبَابَهَا كَالْحَسَدِ وَالرِّيَاءِ وَالْكِبْرِ،
وَأَنْ يَعْرِفَ مِنْ ظَوَاهِرِ الْعُلُومِ لَا دَقَائِقِهَا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِقَامَةِ فَرَائِضِ الدِّينِ كَأَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَشُرُوطِهِمَا، وَإِنَّمَا يَجِبُ تَعَلُّمُهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ،
وَكَذَا قَبْلَهُ إنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَعَلُّمِهِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ مَعَ الْفِعْلِ وَكَأَرْكَانِ الْحَجِّ وَشُرُوطِهِ وَتَعَلُّمِهَا عَلَى التَّرَاخِي كَالْحَجِّ وَكَالزَّكَاةِ إنْ مَلَكَ مَالًا،
وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ سَاعٍ يَكْفِيه الْأَمْرَ، وَأَحْكَامِ الْبَيْعِ وَالْقِرَاضِ إنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ وَيَتَّجِرَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ يُرِيدُ بَيْعَ الْخُبْزِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ خُبْزِ الْبُرِّ بِالْبُرِّ وَلَا بِدَقِيقِهِ، وَعَلَى مَنْ يُرِيدُ الصَّرْفَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا أُصُولُ الْعَقَائِدِ فَالِاعْتِقَادُ الْمُسْتَقِيمُ مَعَ التَّصْمِيمِ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فَفَرْضُ عَيْنٍ.
وَأَمَّا الْعِلْمُ الْمُتَرْجَمُ بِعِلْمِ الْكَلَامِ فَلَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ، وَكَانَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - يَشْتَغِلُونَ بِهِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ كَانَ النَّاسُ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي صَفْوَةِ الْإِسْلَامِ لِمَا أَوْجَبْنَا التَّشَاغُلَ بِهِ، وَرُبَّمَا نُهِينَا عَنْهُ،
وَأَمَّا الْآنَ وَقَدْ ثَارَتْ الْبِدْعَةُ وَلَا سَبِيلَ إلَى تَرْكِهَا تَلْتَطِمُ فَلَا بُدَّ مِنْ إعْدَادِ مَا يُدْعَى بِهِ إلَى الْمَسْلَكِ الْحَقِّ وَتُحَلُّ بِهِ الشُّبْهَةُ فَصَارَ الِاشْتِغَالُ بِأَدِلَّةِ الْمَعْقُولِ وَحَلُّ الشُّبْهَةِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ تَحْرِيمِ الِاشْتِغَالِ بِهِ،
وَقَالَ: لَأَنْ يَلْقَى اللَّهَ الْعَبْدُ بِكُلِّ ذَنْبٍ مَا خَلَا الشِّرْكَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ مَحْمُولٌ عَلَى التَّوَغُّلِ فِيهِ.
وَأَمَّا تَعَلُّمُ عِلْمِ الْفَلْسَفَةِ وَالشَّعْبَذَةِ وَالتَّنْجِيمِ وَالرَّمْلِ وَعُلُومِ الطَّبَائِعِيِّينَ وَالسِّحْرِ فَحَرَامٌ، وَالشِّعْرُ مُبَاحٌ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سُخْفٌ أَوْ حَثٌّ عَلَى شَرٍّ وَإِنْ حَثَّ عَلَى التَّغَزُّلِ وَالْبَطَالَةِ كُرِهَ. (وَ) مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ الْقِيَامُ (بِعُلُومِ الشَّرْعِ كَتَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ) وَسَبَقَ مَعْنَاهُمَا فِي كِتَابِ الْوَصَايَا (وَالْفُرُوعِ) الْفِقْهِيَّةِ الزَّائِدَةِ عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ (بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ) وَالْفُتْيَا كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ.
فَإِنْ اُحْتِيجَ فِي التَّعْلِيمِ إلَى جَمَاعَةٍ لَزِمَهُمْ،
وَيَجِبُ لِكُلِّ مَسَافَةٍ قَصْرٍ مُفْتٍ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى قَطْعِهَا، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِمْ؛ لَا يَجُوزُ إخْلَاءُ مَسَافَةِ الْعَدْوَى عَنْ قَاضٍ بِكَثْرَةِ الْخُصُومَاتِ وَتَكَرُّرِهَا فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ مِنْ كَثِيرِينَ
بِخِلَافِ الِاسْتِفْتَاءِ فِي الْوَقَائِعِ، وَلَوْ لَمْ يُفْتِ الْمُفْتِي وَهُنَاكَ مَنْ يُفْتِي وَهُوَ عَدْلٌ لَمْ يَأْثَمْ فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِفْتَاءُ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُعَلِّمُ كَذَلِكَ. اهـ.
وَفَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ نَظِيرِهِ مِنْ أَوْلِيَاءِ النِّكَاحِ وَالشُّهُودِ بِأَنَّ اللُّزُومَ هُنَا فِيهِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ بِكَثْرَةِ الْوَقَائِعِ بِخِلَافِهِ ثُمَّ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَيُسْتَحَبُّ الرِّفْقُ بِالْمُتَعَلِّمِ وَالْمُسْتَفْتِي.
أَمَّا تَعَلُّمُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ الْفُرُوعِ فَفَرْضُ عَيْنٍ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ: مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عِلْمُ الطِّبِّ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ لِمُعَالَجَةِ الْأَبَدَانِ، وَالْحِسَابِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ لِقِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ وَالْوَصَايَا وَالْمُعَامَلَاتِ، وَأُصُولُ الْفِقْهِ، وَالنَّحْوِ، وَاللُّغَةُ، وَالتَّصْرِيفُ، وَأَسْمَاءُ الرُّوَاةِ وَالْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ، وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ وَاتِّفَاقُهُمْ،
وَأَمَّا الْمَنْطِقُ فَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إنَّ مَنْ جَهِلَهُ لَا وُثُوقَ بِعِلْمِهِ،
وَقَالَ غَيْرُهُ يَحْرُمُ الِاشْتِغَالُ بِهِ، وَمَرَّ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ الْحَدَثِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ. قَالَ الشَّارِحُ: وَعَرَّفَ أَيْ الْمُصَنِّفُ الْفُرُوعَ: أَيْ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ دُونَ مَا قَبْلَهُ لِمَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ: أَيْ: وَهُوَ قَوْلُهُ: " بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ: لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَوْدُهُ لِمَا قَبْلَهُ أَيْضًا، وَهُنَا مُؤَاخَذَةٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَهِيَ
إمَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: " وَالْفُرُوعِ " مَجْرُورًا بِالْعَطْفِ عَلَى تَفْسِيرٍ، أَوْ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَجْرُورِ بِالْبَاءِ، وَهُوَ قَوْلُهُ بِإِقَامَةِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ عُلُومِ الشَّرْعِ لَمْ يَذْكُرْهُ وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ،
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي اقْتَضَى أَنَّ الْفُرُوعَ لَيْسَتْ مِنْ عُلُومِ الشَّرْعِ وَلَيْسَ مُرَادًا، وَقَدْ يُخْتَارُ الْأَوَّلُ. وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْكَافَ اسْتِقْصَائِيَّةٌ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّمَا يَتَوَجَّهُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ فِي الْعِلْمِ عَلَى مَنْ جَمَعَ أَرْبَعَةَ شُرُوطٍ: التَّكْلِيفُ،
وَأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَلِي الْقَضَاءَ: أَيْ حُرًّا ذَكَرًا لَا عَبْدًا وَامْرَأَةً،
وَأَنْ لَا يَكُونَ بَلِيدًا، وَأَنْ يَقْدِرَ عَلَى الِانْقِطَاعِ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ كِفَايَةٌ، وَيَدْخُلُ الْفَاسِقُ فِي الْفَرْضِ، وَلَا يَسْقُطُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ فَتْوَاهُ،
وَفِي دُخُولِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَجْهَانِ، أَوْجَهُهُمَا الدُّخُولُ؛ لِأَنَّهُمَا أَهْلٌ لِلْفَتْوَى دُونَ الْقَضَاءِ
(وَمِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ الْقِيَامُ بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ) الْعِلْمِيَّةِ (وَحَلُّ الْمُشْكِلَاتِ فِي الدِّينِ) وَدَفْعُ الشُّبَهِ (وَ) الْقِيَامُ، (بِعُلُومِ الشَّرْعِ كَتَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ) بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا (وَالْفُرُوعِ) الْفَقِيهُ (بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ) وَالْإِفْتَاءُ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِمَا وَعَرَّفَ الْفُرُوعَ دُونَ مَا قَبْلَهُ لِمَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ، وَأَسْقَطَ مِنْ الْمُحَرَّرِ الْفَتْوَى.
Adds nothing on this mas’ala.
قَوْلُهُ: (الْحُجَجِ الْعِلْمِيَّةِ) وَهِيَ الْبَرَاهِينُ عَلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَعَلَى إثْبَاتِ النُّبُوَّاتِ لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَعَلَى إثْبَاتِ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ مِنْ الْمَعَادِ وَالْحِسَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ،
قَوْلُهُ: (وَحَلُّ الْمُشْكِلَاتِ) أَيْ الْأُمُورِ الْخَفِيَّةِ الْمُدْرِكُ لِقُوَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَدَفْعُ الشُّبَهِ) وَهِيَ أُمُورٌ بَاطِلَةٌ تَشْتَبِهُ بِالْحَقِّ.
قَوْلُهُ: (بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا) أَيْ مِنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَالْعَرَبِيَّةُ تَنْقَسِمُ إلَى اثْنَيْ عَشَرَ عِلْمًا: اللُّغَةُ وَالصَّرْفُ وَالِاشْتِقَاقُ وَالنَّحْوُ وَالْمَعَانِي، وَالْبَيَانُ وَالْعَرُوضُ وَالْقَافِيَةُ وَالْخَطُّ وَقَرْضُ الشِّعْرِ، وَإِنْشَاءُ الرَّسَائِلِ، وَالْخُطَبُ وَالْمُحَاضَرَاتُ، وَمِنْهُ التَّوَارِيخُ
وَأَمَّا الْبَدِيعُ فَهُوَ ذَيْلُ الْبَلَاغَةِ.
قَوْلُهُ: (بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ وَالْإِفْتَاءِ) بِأَنْ يَكُونَ مَعَهُ زِيَادَةٌ عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ،
فَإِنْ قَدَرَ عَلَى التَّرْجِيحِ دُونَ الِاسْتِنْبَاطِ فَهُوَ مُجْتَهِدُ الْفَتْوَى،
وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ قَوَاعِدِ إمَامِهِ وَضَوَابِطِهِ، فَهُوَ مُجْتَهِدُ الْمَذْهَبِ أَوْ عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَهُوَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ وَهَذَا قَدْ انْقَطَعَ مِنْ نَحْوِ الثَّلَاثِمِائَةِ لِغَلَبَةِ الْبَلَادَةِ عَلَى النَّاسِ،
وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُجْتَهِدِ حُرِّيَّةٌ، وَلَا ذُكُورَةٌ وَلَا عَدَالَةٌ عَلَى الرَّاجِحِ،
وَيَجِبُ تَعَدُّدُ الْمُفْتِي بِحَيْثُ يَكُونُ فِي كُلِّ مَسَافَةِ قَصْرٍ وَاحِدٌ، وَتَعَدُّدُ الْقَاضِي بِحَيْثُ يَكُونُ فِي كُلِّ مَسَافَةِ عَدْوَى وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا ذَكَرَهُ بَعْدُ) وَهُوَ بِحَيْثُ إلَخْ وَهِيَ عَطْفٌ عَلَى تَفْسِيرٍ وَالْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ وَلَا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَى عُلُومٍ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ لِمَا لَا يَخْفَى.
قَوْلُهُ: (وَأَسْقَطَ) أَيْ الْمُصَنِّفُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُحَرَّرِ الْفَتْوَى، وَلَعَلَّهُ اسْتَغْنَى بِذِكْرِ الْقَضَاءِ عَنْهَا.
فَائِدَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ وَالْجِهَادِ.
قَوْلُهُ: (بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ) اُحْتُرِزَ عَنْ الْقَدْرِ الضَّرُورِيِّ فَإِنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ،
قَوْلُهُ: (وَالْإِفْتَاءِ) يُرِيدُ أَنَّ الْقَاضِي يَرْجِعُ إلَيْهِ النَّاسُ فِي فَصْلِ الْخُصُومَاتِ وَالْمُفْتِي يُرَادُ لِغَرَضٍ آخَرَ، فَلَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِأَحَدِهِمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَاَلَّذِي فَهِمْتُهُ مِنْ كَلَامِهِمْ عَدَمُ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْمُجْتَهِدِ الْمُقَيَّدِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ بِذَلِكَ الْفَرْضِ الْفَتْوَى وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ فَرْضُ الْكِفَايَةِ فِي إحْيَاءِ تِلْكَ الْعُلُومِ الَّتِي يَسْتَمِدُّ مِنْهَا الْمُفْتِي.
قَوْلُهُ: (وَأَسْقَطَ مِنْ الْمُحَرَّرِ) فَاعِلُهُ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -،
Adds nothing on this mas’ala.
قال: (ومن فروض الكفاية: القيام بإقامة الحجج) أي: العلمية, وهي البراهين القاطعة على إثبات الصانع سبحانه وتعالى وما يجب له من الصفات وما يستحيل عليه, وإثبات النبوات وصدق الرسل, وما ورد به الشرع من المعاد والحساب والميزان وغير ذلك. قال: (وحل المشكلات في الدين) , فيجب ألا تخلو خطة من خطط الإسلام عن ذلك, والمراد بالخطة: مسافة القصر.
كما تجب الدعوة القهرية بالسيف, كذا قالوه هنا.
ونقل الغزالي عن الشافعي ومالك وسفيان وأحمد وجميع أهل الحديث: أن الاشتغال بعلم الكلام- أي: بقواعده, كما قاله في (الشرح الصغير) - بدعة محرمة.
قال الشافعي: لأن يلقى اللهَ العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام.
وأن غيرهم قال: إنه واجب,
إما عينًا أو كفاية, وهو أفضل الأعمال, قال الغزالي: والحق: أنه لا يطلق القول بذمه ولا بحمده؛ ففيه منفعة ومضرة, باعتبار منفعته وقت الانتفاع .. حلال أو مندوب أو واجب, وباعتبار مضرته وقت الإضرار .. حرام.
وينبغي أن يكون العالم كالطبيب الحاذق في استعمال الدواء الخطر, لا يضعه إلا في موضعه على قدر الحاجة, فيتعلمه ليدفع به مبتدعًا لا يندفع بغيره, فيستعمله عند الحاجة ويسلك به طريق الحجج الواردة في القرآن.
قال: (وبعلوم الشرع) أي: من فروض الكفاية القيام بعلوم الشرع (كتفسير وحديث) أي: وفقه ,
وكذا مقدمات هذه العلوم, كأصول الفقه والنحو والتصريف واللغة وأسماء الرواة والجرح والتعديل واختلاف العلماء ووفاقهم.
قال: (والفروع بحيث يصلح للقضاء) ؛ لأن الحاجة إلى ذلك شديدة, وسيأتي في (القضاء) صفات من يصلح له, ويدل لذلك قوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} الآية, فدل على أن التفقه في الدين فرض كفاية لا عين.
وقال صلى الله عليه وسلم:(التفقه في الدين حق على كل مسلم) رواه أبو نعيم في (تاريخ أصبهان).
قال الحافظ المزي: وله طرق يبلغ بها رتبة الحسن.
وفي (طبقات العبادي) عن الربيع عن الشافعي أنه قال: إذا ترك أهل بلد طلب العلم .. رأيت للإمام أن يجبرهم عليه.
ونقل ابن الصلاح عن محمد بن الفضل الفراوي: أن البلد إذا خلا عن المفتي .. لا تحل الإقامة به.
روى البيهقي في (شعبه)[٧٥١٨] عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (يا ثوبان؛ لا تسكن الكفور؛
فإن ساكن الكفور كساكن القبور).
وفي (كامل ابن عدي)[٣/ ٣٦٠] في (ترجمة سعيد بن سنان أبي مهدي الحمصي).
وفية وفي (الميزان)[٢/ ١٣٦] في) ترجمة إسماعيل بن عباد السعدي) عن قتادة عن أنس مرفوعًا: (إياكم والسكنى في السواد؛ فإنه من سكن السواد .. يصدأ قلبه كما يصدأ الحديد).
والمراد بـ) الفروع) التبحر فيها, وإلا .. فتعلم ما لا بد منه فرض عين.
وعد العبادى من فروض الكفاية حفظ القرآن, وعد منها القاضي حسين والروياني نقل السنن,
فإذا نقلها من فيه كفاية .. سقط الفرض عن الباقين.
فرع:
وقعت للعامي مسألة فاستفتى اثنين فاختلفا عليه؟ قيل: يأخذ بالحظر,
وقيل: بالإباحة. والثالث: بقول من بني قوله على الأثر دون الرأي.
والرابع: بقول من سأله أولًا.
والخامس: يسأل ثالثًا فيأخذ بفتوى من وافقه.
والسادس: الأصح: يتخير؛ إن شاء أخذ بقول هذا أو هذا.
قال الماوردي: إنما يتوجه فرض الكفاية في العلم على من جمع أربعة شروط:
أن يكون مكلفًا.
وممن يتقلد القضاء لا عبدًا وامرأة.
وأن لا يكون بليدًا.
وأن يقدر على الانقطاع إليه؛ بأن يكون له كفاية.
ويدخل الفاسق في الفرض ولا يسقط به, لأنه لا تقبل فتواه.
ومن فروض الكفاية: علم الطب المحتاج إليه في علاج الأبدان, والحساب المحتاج اليه في المعاملات وقسم التركات والوصايا وتعليم الطالبين وإفتاء المستفتين, وتعليم ما يحتاج المكلف إليه في المعاملات من الأمور العامة دون الفروع النادرة.
فرع:
أفتى قاضي القضاة تقي الدين بن رزين في متصدر لإقراء بعض العلوم
قال في كتاب (النهاية) لإمام الحرمين: هذا ما يساوي شيئًا: أنه يعزر تعزيرًا بليغًا بالحبس والشهرة,
ولا يجوز لولي الأمر أن يستمر به متصدرًا, ولا تمكَّن الناس من القراءة عليه,
وإن كان أشار إلى أن النسخة غلط .. فإنه يعزر تعزيرًا أخف من ذلك, ويستتاب من العود إلى إطلاق مثل هذا اللفظ في مثل هذا الكتاب,
فإن لم يتب .. منع من التصدر, ومنع الناس من الاقتداء به.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.