واختار إقامة غير المحتاج بمحله لمحتاج قال: وفيه نظر.
Its commentaries
(وَاخْتَارَ) مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ (إقَامَةَ غَيْرِ الْمُحْتَاجِ) أَيْ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ نَدْبًا (بِمَحَلِّهِ لِمُحْتَاجٍ) لِجَدْبٍ عِنْدَهُ وَلَوْ بَعُدَ مَكَانُهُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى (قَالَ) مُعْتَرِضًا عَلَيْهِ (وَفِيهِ نَظَرٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ السَّلَفُ وَلَوْ فَعَلَهُ لَنُقِلَ إلَيْنَا فَالْوَجْهُ الْكَرَاهَةُ وَإِنَّمَا الْمَطْلُوبُ الدُّعَاءُ لَهُ كَمَا تُفِيدُهُ السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
Adds nothing on this mas’ala.
(قَوْلُهُ إقَامَةَ غَيْرِ الْمُحْتَاجِ بِمَحَلِّهِ) أَيْ
وَأَمَّا لَوْ ذَهَبَ غَيْرُ الْمُحْتَاجِ لِمَحَلِّ الْمُخْتَارِ لَصَارَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُحْتَاجِينَ فَيُخَاطَبُ مَعَهُمْ بِالسُّنَّةِ
وَيَجُوزُ لَهُ إقَامَتُهَا بِاتِّفَاقٍ
(قَوْلُهُ قَالَ) أَيْ الْمَازِرِيُّ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمَّا قَدَّمَهُ فِي الْخُطْبَةِ [فَصْلٌ أَحْكَامَ الْمَوْتَى] (فَصْلٌ ذَكَرَ فِيهِ أَحْكَامَ الْجَنَائِزِ)
Says nothing on this mas’ala.
(وَاخْتَارَ إقَامَةَ غَيْرِ الْمُحْتَاجِ بِمَحَلِّهِ لِمُحْتَاجٍ وَقَالَ فِيهِ نَظَرٌ) تَقَدَّمَ هَذَا الْفَصْلُ ابْنُ شَاسٍ. [كِتَابُ الْجَنَائِزِ][حُكْم غَسَلَ الْمَيِّت] وَالنَّظَرُ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِأَدَبَيْ الْمُحْتَضَرِ وَبِغُسْلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ وَتَحْنِيطِهِ وَحَمْلِ جِنَازَتِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنه وَالتَّعْزِيَةِ وَالْبُكَاءِ عَلَيْهِ
Adds nothing on this mas’ala.
(ص) وَاخْتَارَ إقَامَةَ غَيْرِ الْمُحْتَاجِ لِمُحْتَاجٍ (ش) أَيْ وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ نَدْبَ إقَامَةِ الْمُخْصِبِ غَيْرِ الْمُحْتَاجِ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى سُنَّتِهَا بِمَحَلِّهِ لِمُحْتَاجٍ مُجْدِبٍ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ،
وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ أَقَامَهَا غَيْرُ الْمُحْتَاجِ مُجْتَمِعًا مَعَهُ، أَوْ أَقَامَهَا وَكُلٌّ بِمَحَلِّهِ وَلَوْ فِي زَمَنَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِسَبَبِ حُصُولِ جَدْبٍ لِأَنَّهُ مِنْ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَكَلَامِ اللَّخْمِيِّ قَالَ: وَفِي ذَلِكَ عِنْدِي نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ عَلَى إقَامَتِهَا بِصَلَاتِهَا دَلِيلٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَطْلُوبًا لَفَعَلَهُ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ فَمَنْ بَعْدَهُ وَلَوْ فَعَلُوهُ لَنُقِلَ،
أَمَّا دُعَاؤُهُ لَهُمْ فَمَنْدُوبٌ، وَحَمَلَ ابْنُ الصَّبَّاغِ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّهُ أَقَامَهَا مَعَهُ لَا بِمَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِمَّنْ تَقَدَّمَ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْمَطْلُوبَةِ - عَيْنًا فَرْضًا وَنَفْلًا - شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا يُطْلَبُ كِفَايَةً وَهُوَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَوْتَى مِنْ غُسْلٍ وَغَيْرِهِ، فَقَالَ (فَصْلٌ) فِيمَا ذُكِرَ وَتَقَدَّمَ دُخُولَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي رَسْمِ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ: ذَاتُ إحْرَامٍ وَسَلَامٍ وَالْمَوْتُ كَيْفِيَّةٌ وُجُودِيَّةٌ تَضَادُّ الْحَيَاةَ فَلَا يُعَرَّى الْجِسْمُ الْحَيَوَانِيُّ عَنْهُمَا وَلَا يَجْتَمِعَانِ فِيهِ. وَصَرِيحُ كَلَامِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ عَرَضٌ لِأَنَّ الْكَيْفِيَّةَ عَرَضٌ،
وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ مَعْنًى خَلَقَهُ اللَّهُ فِي كَفِّ مَلَكِ الْمَوْتِ،
وَفِي بَعْضِهَا أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ فِي صُورَةِ كَبْشٍ لَا يَمُرُّ بِشَيْءٍ يَجِدُ رِيحَهُ إلَّا مَاتَ، وَالرُّوحُ جِسْمٌ لَطِيفٌ مُتَخَلِّلٌ فِي الْبَدَنِ تَذْهَبُ الْحَيَاةُ بِذَهَابِهَا.
(قَوْلُهُ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ) أَيْ: فَاللَّخْمِيُّ اخْتَارَ مَا عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ
(قَوْلُهُ وَكَلَامِ اللَّخْمِيِّ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَسْأَلَةِ
(قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ. . . إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ النَّظَرَ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ سَوَاءٌ أَقَامَهَا بِمَحَلِّهِ أَوْ أَتَى لِلْمَحَلِّ الْمُحْتَاجِ وَهُوَ كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّ الثَّانِيَ يُقَيَّدُ بِمَا إذَا لَمْ يَجِئْ إلَيْهِ مُنْتَقِلًا،
وَأَمَّا إذَا جَاءَ إلَيْهِ مُنْتَقِلًا نَاوِيًا السُّكْنَى بِهِ فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُهُمْ
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ عَلَى إقَامَتِهَا. . . إلَخْ) أَيْ: فَهِيَ لَا تَجُوزُ، أَوْ تُكْرَهُ. قَوْلُهُ وَحَمَلَ ابْنُ الصَّبَّاغِ. إلَخْ) أَيْ: ابْنُ الصَّبَّاغِ الشَّافِعِيُّ بِالْجَوَازِ،
وَإِنْ لَمْ يَأْتِ مَحَلَّهُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ.
[فَصْلٌ صَلَاة الْجِنَازَة] (فَصْلٌ الْجِنَازَةُ)
فَائِدَةٌ: تَرَدَّدَ بَعْضٌ هَلْ شُرِعَتْ الْجِنَازَةُ بِمَكَّةَ أَوْ بِالْمَدِينَةٍ؟ وَظَاهِرُ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ بِالْمَدِينَةِ
(قَوْلُهُ ذَاتُ إحْرَامٍ وَسَلَامٍ) فَإِنْ قِيلَ: صَلَاةُ الْجِنَازَةِ قَدْ قِيلَ إنَّهُ لَا إحْرَامَ لَهَا وَإِنَّمَا تَكْبِيرَاتُهَا كَالرَّكَعَاتِ وَلِذَا إذَا سَبَقَ الْإِمَامَ الْمَأْمُومُ بِتَكْبِيرَةٍ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا يُكَبِّرُ حَتَّى يُكَبِّرَ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَبَّرَ قَبْلَهُ لَكَانَ قَاضِيًا فِي صُلْبِهِ فَنَتَجَ مِنْ هَذَا أَنَّ فِيهَا تَسْلِيمًا فَقَطْ لَا إحْرَامًا وَسَلَامًا فَلَا تَدْخُلُ تَحْتَ الرَّسْمِ. قُلْنَا هَذَا لَا يَصِحُّ إيرَادُهُ لِأَنَّ تَكْبِيرَاتِ الْإِحْرَامِ غَيْرُ الْإِحْرَامِ، وَالْإِحْرَامُ وَالسَّلَامُ مَوْجُودَانِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَكْبِيرَةُ إحْرَامٍ
(قَوْلُهُ وُجُودِيَّةٌ) وَصْفٌ كَاشِفٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَيْفِيَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا وُجُودِيَّةً، وَدَلِيلُهُ: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ، إذْ الْعَدَمُ لَا يُخْلَقُ. وَرُدَّ بِأَنَّ مَعْنَى الْخَلْقِ التَّقْدِيرُ،
وَقِيلَ عَدَمُ الْحَيَاةِ فَمُقَابَلَتُهُ لِلْحَيَاةِ مِنْ قَبِيلِ تَقَابُلِ الْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ
(قَوْلُهُ فَلَا يُعَرَّى. . . إلَخْ) الْمُنَاسِبُ: وَلَا يُعَرَّى بِالْوَاوِ؛ لِأَنَّ الضِّدَّيْنِ يَجُوزُ ارْتِفَاعُهُمَا، وَالتَّفْرِيعُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ارْتِفَاعُهُمَا
(قَوْلُهُ أَنَّهُ مَعْنًى) ظَاهِرٌ أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفًا أَيْ: مُسَبَّبُ مَعْنًى خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَوْتَ صِفَةٌ لِلْمَيِّتِ، وَصِفَةُ الشَّيْءِ قَائِمَةٌ بِهِ فَلَا تَكُونُ قَائِمَةً بِغَيْرِهِ مِنْ مَلَكِ الْمَوْتِ.
(قَوْلُهُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ) فِيهِ مَا تَقَدَّمَ أَيْ: خَلَقَ سَبَبَهُ فِي صُورَةِ كَبْشٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جُزْءُ سَبَبٍ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُعَالِجُ خُرُوجَهَا مِنْ الْبَدَنِ، وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَشُمُّونَ ذَلِكَ بَلْ مَنْ قَرُبَ أَجَلُهُ. وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُعْتَبَرِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ مَا نَصَّهُ الْمَازِرِيُّ: الْمَوْتُ عَرَضٌ مِنْ الْأَعْرَاضِ عِنْدَنَا يُضَادُّ الْحَيَاةَ إلَى أَنْ
قَالَ: وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَوْتُ كَبْشًا وَلَا جِسْمًا مِنْ الْأَجْسَامِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهَذَا التَّشْبِيهُ وَالتَّمْثِيلُ، وَقَدْ يَخْلُقُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هَذَا الْجِسْمَ ثُمَّ يُذْبَحُ وَيُجْعَلُ هَذَا مِثَالًا؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يَطْرَأُ عَلَى أَهْلِ الْآخِرَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ جِسْمٌ لَطِيفٌ) أَيْ: فَهُوَ جِسْمٌ ذُو يَدَيْنِ وَرِجْلَيْنِ وَعَيْنَيْنِ وَرَأْسٍ. وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ قُطِعَ يَدُهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ قَطْعُ يَدِ الرُّوحِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَعُودُ عَلَى الشَّخْصِ الْمَقْطُوعِ بِسُرْعَةٍ بِدُونِ قَطْعٍ أَوْ مَعَ قَطْعٍ وَيَلْتَحِمُ، وَرُوحُ كُلِّ إنْسَانٍ عَلَى صِفَتِهِ
(وَاخْتَارَ) اللَّخْمِيُّ مِنْ نَفْسِهِ (إقَامَةَ) أَيْ صَلَاةِ (غَيْرِ الْمُحْتَاجِ) لِلْمَاءِ لِلِاسْتِسْقَاءِ، وَهُوَ بِمَحَلِّهِ نَدْبًا (لِلْمُحْتَاجِ) لِلْمَاءِ لِزَرْعٍ أَوْ شُرْبٍ وَلَوْ بَعُدَ مَكَانُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَاوُنٌ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى. (قَالَ) الْمَازِرِيُّ مِنْ نَفْسِهِ (وَفِيهِ) أَيْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ (نَظَرٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ السَّلَفُ وَلَوْ فَعَلُوهُ لَنُقِلَ إلَيْنَا فَالْوَجْهُ كَرَاهَةُ صَلَاةِ غَيْرِ الْمُحْتَاجِ لِلْمُحْتَاجِ وَيَدْعُو لَهُ كَمَا تُفِيدُهُ السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ. فَصْلٌ) فِي وُجُوبِ غُسْلِ الْمَيِّتِ بِمُطَهِّرٍ.
وَلَوْ بِزَمْزَمَ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَدَفْنِهِ، وَكَفْنِهِ، وَسُنِّيَّتِهِمَا: خِلَافٌ وَتَلَازَمَا، [منح الجليل] [فَصْلٌ فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْمَيِّتِ] ِ
واختار إقامة غير المحتاج لمحتاج؛ يعني أن اللخمي اختار من عند نفسه أن غير المحتاج لكونه في خصب وسعة يندب له أن يقيم صلاة الاستسقاء لمن هو محتاج،
ولو بعد مكانه عنه أقامها معه، أم لا. وقاله الشافعي. لأنه من التعاون على البر والتقوى، ولخبر: (من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل (١) )، (ودعوة المؤمن لأخيه بظهر الغيب مستجابة (٢) ). قال: وفيه نظر؛ يعني أن الإمام المازري قدح في كلام شيخه وخالة اللخمي من إقامة غير المحتاج للمحتاج، فقال: فيه نظر؛ أي بحث، وتأمل لإشكاله لعدم فعل السلف الصلاة في ذلك، فلا تجوز أو تكره، ويقع الدعاء له وينطبق على ما مر مما استدل به اللخمي.
المازري: وأما دعاؤهم لهم فمندوب. واعلم أن كلام المؤلف في إقامة غير المحتاج للمحتاج حيث لم يأت محل المحتاج،
فإن أتى محله بنية الإقامة فهوم أهل محله، وإلا فهو كمن لم يأت محل المحتاج. انتهى. قاله الشيخ الخرشي، وغيره.
ولما فرغ من الكلام على الصلاة المطلوبة عينا فرضا أو نفلا، شرع في الكلام على ما يطلب كفاية، وهو ما يحتاج إليه الموتي من غسل وغيره، ولم يرتبها، بل بدأ بحكم غسله، والصلاة عليه، ودفنه، وكفنه، فقال: فصل يذكر فيه أحكام الموتى؛ وما يتعلق بذلك. واعلم أن صلاة الجنازة تدخل في تعريف ابن عرفة للصلاة؛ وهو قربة فعلية ذات إحرام وسلام؛ ولا يرد على هذا أن تكبيراتها بمنزلة الركعات،
فإذا سبق الإمام المأموم بتكبيرة أو أكثر، فلا يكبر حتى يكبر الإمام؛ لأنه لو كبر قبله كان قاضيا في صلبه، فصح من هذا أن فيها تسليما فقط لا إحراما وتسليما، فلا تدخل تحت التعريف المذكور؛ لأنه يقال: لا يصح إيراد هذا؛ لأن تكبيرة الإحرام غير الإحرام، والإحرام والسلام موجودان في هذه الصلاة على كل قول،
وإن لم يكن لها تكبيرة إحرام. واختلف هل الموت وجودي أو عدمي؟ ومذهب الأشعري أنه: كيفية وجودية تضاد الحياة، وتمسك القائل بأنه وجودي بقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} ، وأجاب القائل بأنه عدمي، بأن معنى الخلق في الآية التقدير، وعلى أنه عدمي فهو عدم الحياة،
وفي بعض الأحاديث: أنه معنى خلقه الله في كف ملك الموت،
وفي بعضها (أن الله خلقه في صورة كبش لا يمر بشيء يجد ريحه إلاَّ مات (١) ) قال ابن عرفة: والروح ذو جسد ويدين ورجلين وعينين ورأس. انتهى.
وقال ابن عباس: وأكثر السلف أن حقيقتها غير معلومة؛ وهي مما استأثر الله جل وعز بعلمه. قاله الشاذلي. ومذهب أهل السنة من المتكلمين، والمحدثين، والفقهاء، والصوفية أن الروح جسم لطيف متخلل للبدن، تذهب الحياة بذهابها، وعبارة بعض المحققين هي: جسم لطيف مشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأخضر، وعن العلماء الموت ليس بعدم محض، ولا بفناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن، ومفارقة وحيلولة بينهما، وتبدل حال بحال، وانتقال من دار إلى دار، وهو من أعظم الصائب، وأعظم منه الغفلة عنه.
واعلم أن الجنازة اسم للميت أو للنعش، وهي من جنز أي ستر
وقيل بالفتح اسم للميت وبالكسر اسم للنعش. واعلم أن مقر الأرواح بعد الموت البرزخ، وأصل البرزخ الحاجز بين الشيئين، وأريد به هنا الحاجز بين الدنيا والآخرة؛ وله زمان ومكان وحال. فزمانه من حين الموت إلي يوم القيامة، وحاله الأرواح، ومكانه من القبر إلى عليين لأروح أهل السعادة،
وأما أرواح أهل الشقاء فلا تفتح لهم أبواب السماء؛ بل هي بسجين. ويكون الإيمان بعد الموت مع الروح لكن لا ينقطع من الجسد، فيكون بينهم عمود من نور معلق مثل الشمس لو طلعت في السماء فضوءها في الأرض لا ينقطع عن الخلائق والهواء والأرض. قاله الشيخ الخرشي.
وفي كلام بعضهم أن السُّورَ في قوله تعالى: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ} ؛ هو البرزخ، وبطنه ما يلي الجنة،
وظاهره ما يلي النار، وفيه ثقب بعدد أرواح الخلائق، ومثلوه بهذا . فالصورة التي فوقه مثال الجنة، والتي تحته مثال للنار تقريبا. واعلم أن كل جنة فوق جنة هي أوسع منها، كما في المثال، إلي أن يكون للأدني منها دار السلام، والنار بالعكس ما دامت تسفل فهي تتسع، وكل جنة يقابلها موضع من النار إلا دار المزيد وهي العليا التي مسكن الأنبياء ومن ورثهم، جعلنا الله تعالي منهم بمنه وكرمه وما ذلك علي الله بعزيز.
والنقط التي في كلا جانبيه مواضع أرواح الناس، فالمؤمنون مما يلي الجنة مقابلون لمنازلهم في الجنة وغيرهم بالعكس، ولبعضهم في ترتيب الجنات الثمانية: مزيد وعليون فردوس عدنها … وخلد ومأوى والنعيم سلام ولبعضهم في نظم أبواب النار السبعة -نعوذ بالله منها-: وذكروا في السبعة الأبواب … نعوذ بالله من العذاب جهنم الأعلى لظى والحطمه … ثم الجحيم والسعير المؤلمه وسقر من بعدها والهاويه … ليس لمن ينزلها من واقيه تنبيهات: الأول: اعلم أن الروح مخلوقة بإجماع أهل السنة، واختلف هل مخلوقة قبل الجسد أو بعده؟
على قولين مشهورين، قاله الشاذلي، قال: ومقرها في حال الحياة القلب، وبعد الممات مختلف، فأرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الجنة، وأرواح الشهداء في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنة وتشرب لمن أنهارها، وأرواح أهل السعادة من المؤمنين على أفنية القبور تسرح حيث شاءت. واعلم أن مما يجب اعتقاده أن أرواح أهل السعادة؛ أي أهل الجنة وهم المؤمنون محسنهم ومسيئهم باقية؛ أي غير فانية ناعمة أي منعمة برؤيتها لقعدها في الجنة إلى يوم القيامة،
وأن أرواح أهل الشقاء؛ وهم الكفار معذبة إلى يوم القيامة، قال الشاذلي: معذبة برؤيتها لمقعدها في النار وغير ذلك من أنواع العذاب. واعلم أن أرواح الشهداء بعد قتلهم أحياء في الجنة يرزقون مثل ما يرزق الأحياء، يأكلون ويشربون، قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} ، وسموا شهداء لأن أرواحهم أحضرت دار السلام
بخلاف غيرهم، فإن أرواحهم لا تصل إلى الجنة، فالشهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للخير، وخصوا بأشياء منها أن الله تعالى يغفر لهم في أول الملاقاة،
وأن الأرض لا تأكل أجسامهم كالأنبياء والعلماء والمؤذنين، وأنهم لا يسألون في قبورهم، انتهى كلام الشاذلي.
وفي الكتاب العزيز: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} . فقبض الروح بالوفاة إخراجه،
وفي النوم منعه الحس والمميز والإدراك، وتظاهرت الأحاديث بأن أرواح المؤمنين تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، تعلق من شجر الجنة؛ أي تأكل، وحديث: في حواصل طير خضر، صححه مسلم في أرواح الشهداء فقط. واعلم أن فتنة القبر، وهي سؤال الملكين بإجماع العلماء وعذابه ونعيمه حق، قاله ابن عرفة.
وفي الخرشي: أن أول ميت: آدم عليه السلام، وأول من تمنى الموت: يوسف عليه السلام، وأول من جمع الناس في صلاة الجنازة على أربع تكبيرات، عمر رضي الله عنه، وأول من دفن بالبقيع: عثمان بن مظعون، وأول من دفن في جوف داره: الأشعث بن قيس، وأول ما ينتن من الإنسان إذا مات: بطنه، وأول من نقل من قبر إلى قبر: علي بن أبي طالب رضي الله عنه،
وقيل: إن قابيل قتل هابيل في حياة آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام. الثاني: روى أبو الليث السمرقندي بسنده عن البراء بن عازب أنه قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر -ولم يلحد بعد- فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلسنا حوله -كأنا على رؤوسنا الطير،
وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه،
وقال: استعيذوا بالته من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا، نزلت عليه ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل من جسده كما يسيل القطر من السقاء، فيأخذها، فلا يدعونها في يده طرفة عين حتى يأخذونها فيجعلونها في ذلك الكفن والحنوط، فيخرج مها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون على ملإ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الريح الطيبة؟
فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه، حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون لها فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله تبارك وتعالى: اكتبوا كتابه في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فيعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: م ربك؟ فيقول ربي الله تعالى، فيقولان له: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟
فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان له: وما علمك به؟ فيقول: قرأت كتاب الله تعالى وآمنت به وصدقته، قال: فينادي مناد من السماء: صدق عبدي، فافرشوا له فراشا من الجنة، وألبسوه لباسا من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، فيأتيه من ريحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه طيب الريح، فيقول له: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي وعدت في دار الدنيا، فيقول له: من أنت؟
فيقول: أنا عملك الصالح في دار الدنيا، فيقول: رب أقم الساعة، شوقا لما يرى من النعيم،
قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة أنزل الله تعالى إليه ملائكة من السماء سود الوجوه، معهم المسوح من شعر، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط الله تعالى وغضبه، فتتفرق في الأعضاء كلها فينزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول، فتنقطع منه العروق والعصب، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين؛
حتى يأخذونها، فيجعلونها في ذلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون على ملإ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الريح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون فلا يفتح لهم، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} ، ويقول الله تبارك وتعالى: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقته، وفيها نعيده، ومنها نخرجه تارة أخرى، قال: فيطرح روحه طرحا،
ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} ، فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ها ها لا أدري، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ها ها لا أدري، فيقولان له: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: ها ها لا أدري، فينادي مناد من السماء كذب عبدي، فأفرشوه فراشا من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيدخل عليه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى يختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟
فوجهك الذي يجئ بالشر، فيقول: أنا عملك السيء في دار الدنيا، فيقول: يا رب لا تقم الساعة ). انتهى. قوله: كأنما على رؤوسنا الطير؛ أي من السكون والوقار، ولم يكن فيهم طيش ولا خفة؛ لأن الطير لا يكاد يقع إلا على ساكن كما في العذق المنضود،
وفي بعض طرق هذا الحديث عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فيقيض له أصم أبكم ومعه مرزبة لو ضرب بها جبل صار ترابا، أو قال: رمادا، فيضربه ضربة يسمعها الخلائق إلا الثقلين، ثم تعاد فيه الروح فيضربه ضربة أخرى (٢) ).
وفي بعض طرقه: (فإذا أخرجت روحه لعنه كل ملك في السماء وكل ملك في الأرض (٣) ). وروى أبو الليث السمرقندي بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن إذا احتضر أتته الملائكة بحريرة من الجنة فيها مسك ومن سائر الريحان، فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين، ويقال لها: أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى ربك راضية مرضية ومرضيا عنك إلى روح الله تعالى وكرامته،
فإذا خرجت روحه وضعت على ذلك المسك والريحان، وطويت عليه الحريرة، وبعث بها إلى عليين،
وإن الكافر إذا احتضر أتته الملائكة بمسوح فيها جمرة، فتنزع روحه انتزاعا شديدا، ويقال: أيتها النفس الخبيثة اخرجي ساخطة مسخوطا عليك إلى هوان الله وعذابه،
فإذا خرج روحه وضع على تلك الجمرة،
وأن لها نشيجا كنشيج الغليان، ويطوى عليه المسوح ويذهب بها إلى سجين (٤) ). والمسوح،
قال في القاموس: المسوح المنديل الأخشن، وروى أبو جعفر بإسناده عن ابن عمر (أن: المؤمن إذا وضع في القبر وسع عليه قبره سبعين ذراعا طولا،
ومثله عرضا، وينشر عليه الرياحين، ويستر بالحرير،
وإن كان معه شيء من القرآن كفاه نوره،
وإن لم يكن جعل له نور كنور الشمس في قبره، ويكون مثله كمثل العروس تنام فلا يوقظها إلا أحب أهلها إليها، فتقوم من نومها كأن لم تشبع منه،
وأن الكافر يضيق عليه قبره حتى تدخل أضلاعه في جوفه، ويرسل عليه حيات كأمثال أعناق البخت؛ فتأكل لحمه حتى لا تذر على عظمه لحما، ويرسل عليه ملائكة صم بكم عمي معهم فطاطيس من حديد؛ فيضربونه بها لا يسمعون صوته فيرحمونه، ولا يبصرون ما هو فيه فيرفعون عليه، ويعرض عليه مقعده من النار بكرة وعشيا ). وروى أبو الليث السمرقندي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ما من ميت يموت إلا وله خوار تسمعه كل دابة عنده إلا الإنس والجن لو سمعه لصعق،
فإذا انطلق به إلى قبره،
فإن كان صالحا قال: عجلوا بي عجلوا بي لو تعلمون ماذا أمامي من الخير،
وإن كان غير ذلك، قال: لا تعجلوا بي لو تعلمون ماذا أمامي (٢) )، وقوله: فطاطيس، الفطيس كسكين: المطرقة العظيمة، قاله في القاموس. وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم،
فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني،
وإن كانت غير صالحة، قالت: يا ويلها أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان،
ولو سمعها الإنسان لصعق (٣) )، نقله في الرياض. الثالث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: (اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك (٤) ). وقد جمع صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث علما كثيرا، فقوله: شبابك قبل هرمك؛ أي أن الرجل يقدر على الأعمال في حال شبابه ما لا يقدر في حال هرمه؛
لأن الشباب إذا تعود المعصية شق عليه الامتناع في حال هرمه، فينبغي له أن يحمل نفسه في حال شبابه على طاعة الله تعالى لتسهل عليه في حال هرمه، وقوله عليه الصلاة والسلام: وصحتك قبل سقمك، معناه أن الصحيح نافذ الأمر في ماله ونفسه، فعليه بالجد في مصلحة أمره لآخرته، قبل أن يضعف عن طاعة الله تعالى، وتقصر يداه عن التصرف في ماله حاشا ثلثه، فيقل عمله ويطول ندمه، ومعنى فراغك قبل شغلك؛
يعني فراغه في آناء ليله وأطراف نهاره، فيقدم من الأعمال الصالحة ما يجده في يوم شغله وكربه. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الشتاء غنيمة المؤمن، طال ليله فقامه، وقصر يومه فصامه (١) )، فاغتنم ذلك، ومعنى: غناك قبل فقرك، أراد إن كنت راضيا بالذي أعطاك الله من القوت، فاغتنم ذلك، ولا تطمع في شيء مما في أيدي الناس. الرابع: روي عن إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى، أنه قيل له: لو جلست حتى نسمع منك شيئا، فقال: إني مشغول بأربعة أشياء لو فرغت منها لجلست لكم، قيل: وما هي؟
قال: إني تفكرت حين أخذ الله الميثاق من بني آدم، فقال عز وجل: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، فلم أدر من أي الفريقين كنت أنا؟ وتفكرت في الولد إذا قضى الله تعالى أن يخلقه في بطن أمه، ونفخ فيه الروح، ويقول الملك الموكل به: يا رب أشقي أم سعيد؟ فلم أدر كيف خرج جوابي في ذلك الوقت؟
والثالث: حين ينزل ملك الموت لقبض روحي، فيقول: يا رب مع أهل الإسلام أو مع أهل الكفر؟ فلا أدري كيف خرج جوابي في ذلك؟ والرابع: تفكرت في قول الله تعالى: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} ، فلا أدري من أي الفريقين أكون؟ نقله أبو الليث السمرقندي. وذكر عن عيسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه أنه كان يحيي الموتي بإذن الله تعالى، فقال له بعض الكفرة: إنك قد أحييت من كان حديث الموت، فلعله لم يكن مات، فأحي لنا من كان مات في الزمن الأول، فقال لهم: اختاروا من شئتم، فقالوا له: أحي لنا سام بن نوح عليه الصلاة والسلام، قال: فأروني قبره، فجاء إليه، فصلى ركعتين، ودعا الله تعالى، فحيي سام،
فإذا رأسه ولحيته قد ابيضا، فقال عيسى عليه الصلاة والسلام: ما هذا الشيب إن الشيب لم يكن في زمانك؟ قال: لما سمعت النداء ظننت أن القيامة قد قامت، فشاب رأسي ولحيتي من الهيبة، فقال عيسى: مذ كم أنت ميت؟ قال منذ أربعة آلاف عام، فما ذهبت عني سكرات الموت إلى الآن. الخامس: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} ، ومعنى استقاموا: أدوا الفرائض، وانتهوا عن المحارم.
فقال يحيى بن معاذ الرازي: استقاموا أفعالا مثل ما استقاموا أقوالا،
وقيل: استقاموا على السنة. وقوله: ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة، يقال: البشارة عند الموت على خمسة أوجه، فعامة المؤمنين يقال لهم: لا تخافوا تأبيد العذاب، ويشفع لكم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصالحون، ولا تخافوا فوات الثواب، وأبشروا بالجنة؛ يعني مرجعكم إليها. والثانية للمخلصين، يقال لهم: لا تخافوا رد أعمالكم فإنها مقبولة؛ ولا تحزنوا على فوات الثواب فإنه قد ضوعف لكم، والثالثة للتائبين، ويقال لهم: لا تخافوا من ذنوبكم، فإنها مغفورة لكم، ولا تخافوا فوات الثواب على ما فعلتم بعد التوبة.
والرابعة للزاهدين، يقال: لا تخافوا حبس الحساب، ولا تحزنوا مخافة نقصان التضعيف، وأبشروا بالجنة بلا حساب ولا عذاب. والخامسة للعلماء الذين يعلمون الناس الخير، وعملوا بالعلم، يقال لهم: لا تخافوا أهوال يوم القيامة ولا تحزنوا؛ فإنه يجزيكم بما عملتم، وأبشروا بالجنة أنتم ومن اقتدى بكم. نقله أبو الليث السمرقندي. وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله (١) ).
ولله در القائل: تزود قرينا من فعالك إنما … قرين الفتى في القبر ما كان يفعل ولن يصحب الإنسان من بعد موته … إلى قبره غير الذي كان يعمل السادس: قال الفقيه أحمد بن عيسي البجائي: أرواح العباد مأواها على أربعة أقسام:
أما أرواح السعداء غير الشهداء، ففي عليين، وهو موضع في الجنة،
وأما أرواح الشهداء فإنها تسرح في الجنة فتأوي إلى قناديل من نور تحت العرش،
وأما أرواح من أراد الله إنفاذ الوعيد فيه من العصاة، ففي سجين مع أرواح الكفار.
الوانشريسي: قال بعض الأشياخ: وفي إلحاق العاصي بالكافر إشكال. انتهى.
الرهوني: وفي قوله: قال بعض الأشياخ الخ، نظر؛ لأن الإشكال إنما يتجه إذا كان المستند في ذلك العقل، وهذا من الأمور التي لا مجال للعقل فيها، وإنما تتلقى من قبل الوحي، والله سبحانه لا يسأل عما يفعل. انتهى.
وقال ابن برجان: وذكر ابن حبيب عن علمائنا: أن المؤمن إذا دخل قبره يذهب روحه إلى عليين، وبها تجتمع أرواح المؤمنين، وهي على صورة طير بيض إلى يوم القيامة بالغداة والعشي، ثم تأوي إلى جنة المأوى في ظل، إلى قناديل من نور معلقة بالعرش. وإنما سميت جنة المأوي لأن أرواح المؤمنين تأوي إليها،
وأما أرواح الكفار والفساق فيذهب بها إلى سجين، وهي صخرة عظيمة على شفير جهنم فيها تجمع أرواح الأشقياء والفجار والكفار، في أجواف طير سود تعرض على النار بالغداة والعشي، والأشقياء الذكورون مع الكفار الذين لا يعرفون جواب الحق عن سؤال الملكين في القبر. والله أعلم. الرهوني: يؤخذ من هذين الجوابين أن من ينفذ فيهم الوعيد من المؤمنين لا تلتقي أرواحهم مع أرواح أقاربهم السعداء، وقد صرح بذالك أبو عبد الله الحفار.
انتهى. السابع: نقل الثعالبي عن شبيب بن إبراهيم: أن المنعمين على جهات مختلفات، منها ما هو كطائر يعلق من شجر الجنة، ومها ما هو في حواصل طير خضر، ومنها ما يأوي في قناديل تحت العرش، ومنها ما هو في حواصل طير بيض، ومنها ما هو في حواصل طير كالزرازير، ومنها ما هو في أشخاص من صور الجنة، ومنها ما هو في صور تخلق لهم من ثواب أعمالهم، ومنها ما يسرح ويتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما يتلقى أرواح المقبوضين، ومنها ما هو في كفالة ميكائيل، ومنها ما هو في كفالة آدم، ومنها ما هو في كفالة إبراهيم عليه السلام، قال القرطبي: وهذا قول حسن؛
فإنه يجمع الأخبار حتى لا تدافع. والله أعلم.
قال الثعالبي: قلت: ونحو هذا لابن عطية، ولفظه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ثمر الجنة، وروي في قبة خضراء، وروي أنهم في قناديل من ذهب إلى كثير من هذا، ولا مخالفة فإنها أحوال الطوائف أو للجميع أوقات متغايرة. انتهى. وهو حسن في غاية الوضوح. وقوله: في حواصل طير خضر، سيأتي الكلام عليه في آخر الفصل عند قوله: "ولا يغسل شهيد معترك" الخ.
الثامن: ذكر الغزالي عن النبي صلى الله عليه وسلم في المؤمن: يعني العالم: أن الملكين بعد سؤالهما له يضربان عليه القبر كالقبة العظيمة، ويفتحان له بابا إلى الجنة من تلقاء يمينه؛ ثم يفرشان له من حريرها، ويدخل عليه من نسيمها وروحها وريحانها، ويأتيه عمله في صورة أحب الأشخاص إليه يؤنسه ويحدثه، ويملأ قبره نورا، ولا يزال في فرح وسرور ما بقيت الدنيا حتى تقوم الساعة، فليس شيء أحب إليه من قيامها.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.