وَمَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ: كَعَنْبَرٍ فَلِوَاجِدِهِ بِلَا تَخْمِيسٍ.
Its commentaries
(فَلِوَاجِدِهِ بِلَا تَخْمِيسٍ) فَإِنْ تَقَدَّمَ مِلْكٌ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ لِجَاهِلِيٍّ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَرِكَازٌ وَإِنْ كَانَ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَلُقَطَةٌ
Adds nothing on this mas’ala.
(قَوْلُهُ فَلِوَاجِدِهِ) فَلَوْ رَآهُ جَمَاعَةٌ فَبَادَرَ إلَيْهِ أَحَدُهُمْ كَانَ لَهُ خَاصَّةً كَالصَّيْدِ يَمْلِكُهُ الْمُبَادِرُ لَهُ
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَلُقَطَةٌ) فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ إنْ كَانَ لِذِمِّيٍّ النَّظَرُ فِيهِ لِلْإِمَامِ وَلَا يَكُونُ لُقَطَةً وَفَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ فِيمَا هُوَ لِمُسْلِمٍ فَقَالَ إنْ كَانَ رَبُّهُ تَرَكَهُ لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا فَلُقَطَةٌ وَإِنْ كَانَ أَلْقَاهُ رَبُّهُ لِلنَّجَاةِ فَلِوَاجِدِهِ اُنْظُرْ ح وَالْمَوَّاقَ اهـ بْن [فَصْلٌ مَنْ تُصْرَفُ لَهُ الزَّكَاةُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ] (فَصْلٌ وَمَصْرِفُهَا فَقِيرٌ وَمِسْكِينٌ)
Adds nothing on this mas’ala.
ص (وَمَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ كَعَنْبَرٍ فَلِوَاجِدِهِ بِلَا تَخْمِيسٍ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا وَمَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ وَلَمْ يُمْلَكْ كَعَنْبَرٍ وَلُؤْلُؤٍ لِآخِذِهِ دُونَ تَخْمِيسٍ كَصَيْدٍ وَمَا وُجِدَ مِمَّا لَفَظَهُ الْبَحْرُ إنْ كَانَ لِمُسْلِمٍ لُقْطَةٌ وَلِمُشْرِكٍ لُقَطَةُ الْإِمَامِ لَا لِوَاجِدِهِ، وَزَادَ فِي سَمَاعِ عِيسَى وَمَا شُكَّ فِيهِ لُقَطَةٌ ابْنُ رُشْدٍ مَا لَفَظَهُ مِنْ مَالٍ مَغْصُوبٍ لُقَطَةٌ اتِّفَاقًا
بِخِلَافِ مَا أَلْقَاهُ رَبُّهُ لِنَجَاةِ نَفْسِهِ، وَفِيهَا مَا وُجِدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ جَاهِلِيٍّ أَوْ سَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ تَصَاوِيرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلِوَاجِدِهِ مُخَمَّسًا، وَنَقَلَ ابْنُ بَشِيرٍ مَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ مِنْ مَمْلُوكٍ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لِوَاجِدِهِ مُطْلَقًا خِلَافَ تَفْصِيلِ ابْنِ رُشْدٍ بَيْنَ مَا أُلْقِيَ لِنَجَاةٍ أَوْ كَانَ عَطَبًا ابْنُ بَشِيرٍ وَمَا لَفَظَهُ لِحَرْبِيٍّ إنْ كَانَ مَعَهُ وَأَخَذَهُ بِقِتَالٍ أَوْ لِخَوْفِهِ مِنْ أَخْذِهِ لِعَدَمِ حُصُولِهِ فِي قَبْضَةِ الْإِسْلَامِ فَلَهُ مُخَمَّسًا،
وَإِنْ لَمْ يَخَفْهُ فَلِوَاجِدِهِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ إنْ أُخِذَ بِقِتَالٍ خُمِّسَ وَإِلَّا فَلَا،
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: فَلَوْ رَآهُ أَحَدٌ فَبَادَرَ إلَيْهِ غَيْرُهُ أَوْ جَمَاعَةٌ فَلِلسَّابِقِ فَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا فَهَلْ لِمَالِكِهِ أَوْ لِوَاجِدِهِ؟ قَوْلَانِ إلَّا لِحَرْبِيٍّ فَلِوَاجِدِهِ كَانَ أَخْذُهُ مِنْهُ بِقِتَالٍ هُوَ السَّبَبُ وَإِلَّا فَفَيْءٌ، انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ مَا غُسِلَ مِنْ تُرَابِ سَاحِلِ بَحْرٍ وُجِدَ بِهِ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةُ مَعْدِنٍ] (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا مَا غُسِلَ مِنْ تُرَابِ سَاحِلِ بَحْرٍ وُجِدَ بِهِ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةُ مَعْدِنٍ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ مِنْ بَقِيَّةِ مَالٍ جَاهِلِيٍّ وَقَلَّتْ مُؤْنَةُ غَسْلِهِ فَرِكَازٌ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ إنْ كَثُرَتْ،
وَإِنْ أَتَتْ بِهِ سُيُولٌ مِنْ مَعْدِنٍ اُحْتُمِلَ كَوْنُهُ مَعْدِنًا
وَالْأَظْهَرُ فَائِدَةً كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي زَيْتُونٍ جَبَلِيٍّ لَمْ يُجْنَ حِيزَ مِنْهُ نِصَابٌ (قُلْتُ) : الْأَظْهَرُ تَخْمِيسُهُ لِنُدْرَةٍ لِقُوَّةِ الشُّبْهَةِ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ أَسْلَمَ دَابَّتَهُ فِي سَفَرٍ آيِسًا مِنْهَا فَأَخَذَهَا مَنْ أَخَذَهَا وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا فَعَاشَتْ] (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ لِمَنْ أَسْلَمَ دَابَّتَهُ فِي سَفَرٍ آيِسًا مِنْهَا أَخَذَهَا مَنْ أَخَذَهَا وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا فَعَاشَتْ ابْنُ رُشْدٍ لِمُسْلِمِهَا إتْيَانُهَا بِنِيَّةِ رَدِّهَا أَخَذَهَا مِمَّنْ أَخَذَهَا إنْ كَانَ أَشْهَدَ بِذَلِكَ، أَوْ لَمْ يُشْهِدْ وَتَرَكَهَا بِأَمْنٍ وَمَاءٍ وَكَلَأٍ وَإِلَّا فَفِي تَصْدِيقِهِ ثَالِثَهَا بِيَمِينٍ وَبَيِّنَةِ عَدَمِ رَدِّهَا لَا يَأْخُذُهَا وَبِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فِي حَمْلِهِ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي قَوْلَانِ، وَعَلَى الْأَخْذِ فَعَلَى رَبِّهَا نَفَقَةُ آخِذِهَا لَا أَجْرُ قِيَامِهِ عَلَيْهَا إنْ أَقَامَ عَلَيْهَا لِنَفْسِهِ،
وَلَوْ أَقَامَ عَلَيْهَا لِرَبِّهَا فَلَهُ أَجْرُهُ إنْ أَشْهَدَ بِذَلِكَ وَإِلَّا فَفِي تَصْدِيقِهِ ثَالِثَهَا بِيَمِينٍ، وَسَمِعَ أَيْضًا لِمَنْ طَرَحَ مَتَاعَهُ خَوْفَ غَرَقِهِ أَخَذَهُ مِمَّنْ غَاصَ عَلَيْهِ وَحَمَلَهُ يَغْرَمُ أَجْرَهَا ابْنُ رُشْدٍ هِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا وِفَاقًا وَخِلَافًا وَلِسَحْنُونٍ مَنْ أَخْرَجَ ثَوْبًا مِنْ جُبٍّ وَأَبَى رَدَّهُ لِرَبِّهِ فَرَدَّهُ فِيهِ فَطَلَبَهُ رَبُّهُ فَعَلَيْهِ إخْرَاجُهُ ثَانِيَةً وَإِلَّا ضَمِنَهُ مُحَمَّدٌ إنْ أَخْرَجَهُ فَلَهُ أَجْرُهُ إنْ كَانَ رَبُّهُ لَا يَصِلُ إلَيْهِ إلَّا بِأَجْرٍ وَسَمِعَ أَيْضًا لِمَنْ أَسْلَمَ مَتَاعَهُ بِفَلَاةٍ لِمَوْتِ رَاحِلَتِهِ أَخَذَهُ مِمَّنْ احْتَمَلَهُ بِغُرْمِ أَجْرِ حَمْلِهِ ابْنُ رُشْدٍ أَخَذَهُ حِفْظًا لِرَبِّهِ أَوْ تَمَلُّكًا لِظَنِّهِ تَرْكَهُ،
وَإِنْ أَخَذَهُ اغْتِفَالًا فَلَا حَمْلَ لَهُ ابْنُ شَاسٍ وَمَا تُرِكَ بِمَضْيَعَةٍ فَقَامَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَأَحْيَاهُ فَفِي كَوْنِهِ لِرَبِّهِ أَوْ أَخْذِهِ رِوَايَتَانِ، وَالثَّانِيَةُ أَصَحُّ، انْتَهَى. وَالسَّمَّاعَاتُ الْمَذْكُورَةُ كُلُّهَا فِي كِتَابِ اللُّقْطَةِ.
(فَائِدَةٌ) وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ ذَهَبٍ فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا» ، وَمَعْنَى " يَحْسِرُ " أَيْ يَنْكَشِفَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ نُهِيَ عَنْ أَصْلِهِ مِنْ التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِلْكًا لِأَحَدٍ وَلَيْسَ بِمَعْدِنٍ وَلَا رِكَازٍ فَحَقُّهُ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، انْتَهَى، وَقَوْلُهُ عَنْ أَصْلِهِ لَعَلَّهُ عَلَى أَصْلِهِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَمَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ كَعَنْبَرٍ فَلِوَاجِدِهِ بِلَا تَخْمِيسٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: مَا لَفَظَ الْبَحْرُ وَلَمْ يُمْلَكْ كَعَنْبَرٍ وَلُؤْلُؤٍ فَهُوَ لِآخِذِهِ دُونَ تَخْمِيسٍ لِصَيْدٍ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَا وُجِدَ مِمَّا لَفَظَهُ الْبَحْرُ إنْ كَانَ لِمُسْلِمٍ لُقَطَةٌ،
وَإِنْ كَانَ لِمُشْرِكٍ نَظَرَ فِيهِ الْإِمَامُ زَادَ فِي سَمَاعِ عِيسَى: وَإِنْ شَكَّ فَهُوَ لُقَطَةٌ. رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فِيمَنْ أَسْلَمَ دَابَّتَهُ فِي سَفَرٍ آيِسًا مِنْهَا فَأَخَذَهَا مَنْ عَاشَتْ عِنْدَهُ،
وَمَنْ طَرَحَ مَتَاعَهُ خَوْفَ غَرَقِهِ فَغَاصَ عَلَيْهِ آخَرُ وَأَخَذَهُ وَكَيْفَ لَوْ رَدَّهُ الْغَائِصُ مِنْ حَيْثُ أَخَذَهُ،
وَمَنْ أَسْلَمَ مَتَاعَهُ بِفَلَاةٍ لِمَوْتِ رَاحِلَتِهِ فَجَاءَ بِهِ آخَرُ وَمَا وُجِدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَوْ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ مَالِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ تَصَاوِيرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ مِنْ مَالِ الْحَرْبِيِّينَ وَهُمْ مَعَهُ. [فَصْلٌ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ][بَيَانِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ وَكَيْفِيَّةِ الصَّرْفِ إلَيْهِمْ] فَصْلٌ ابْنُ شَاسٍ: خَاتِمَةٌ فِي قِسْمِ الصَّدَقَاتِ وَهِيَ بَابَانِ: الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ. الْبَابُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ الصَّرْفِ إلَيْهِمْ.
وَلَمَّا ذَكَرَ فِي الْإِحْيَاءِ التَّضْيِيقَ فِي صَرْفِ الزَّكَاةِ قَالَ: وَلَعَلَّ مَنْ لَا يُدْرِكُ غَرَضَ الشَّافِعِيِّ يَتَسَاهَلُ وَيُلَاحِظُ الْمَقْصُودَ مِنْ سَدِّ الْخَلَّةِ وَمَا أَبْعَدَهُ عَنْ التَّحْصِيلِ،
فَإِنَّ وَاجِبَاتِ الشَّرْعِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمُ تَعَبُّدٍ مَحْضٍ لَا مَدْخَلَ لِلْحُظُوظِ وَالْأَغْرَاضِ فِيهِ وَذَلِكَ كَرَمْيِ الْجِمَارِ فِي الْحَجِّ، وَقِسْمٌ الْمَقْصُودُ مِنْهُ حَظٌّ مَعْقُولٌ وَلَيْسَ يُقْصَدُ مِنْهُ التَّعَبُّدُ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ، وَقِسْمٌ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْأَمْرُ أَنَّ: حَظَّ الْعِبَادِ وَامْتِحَانَ الْمُكَلَّفِ بِالِاسْتِعْبَادِ، وَالزَّكَاةُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
فَحَظُّ الْفَقِيرِ مَقْصُودٌ فِي سَدِّ الْخَلَّةِ وَهُوَ جَلِيٌّ سَابِقٌ إلَى الْفَهْمِ، وَحَقُّ التَّعَبُّدِ فِي اتِّبَاعِ التَّفَاصِيلِ مَقْصُودُ الشَّرْعِ.
قَالَ هَذَا مُرَشِّحًا لِمَنْعِ الشَّافِعِيِّ إخْرَاجَ الدَّرَاهِمِ عَنْ الدَّنَانِيرِ.
وَمِنْ نَحْوِ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: مَنْ ذَبَحَ شَاةَ زَكَاتِهِ فَجَزَّأَهَا وَفَرَّقَهَا فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَكَذَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَيْضًا وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَخْرَجَ عَنْ الْعَيْنِ عَرْضًا انْتَهَى.
وَانْظُرْ إذَا دَفَعَ الشَّاةَ لِمَنْ يَذْبَحُهَا لِلْمَسَاكِينِ يُفَرِّقُهَا عَلَيْهِمْ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِيهِ أَيْضًا لِأَنَّ يَدَ وَكِيلِهِ كَيَدِهِ، لَكِنْ اتَّفَقَ لِلْإِمَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ دَقِيقًا عُجِنَ بِمَاءٍ مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ فَوَقَعَتْ الْفُتْيَا بِالْوَرَعِ مِنْ أَكْلِهِ فَانْبَخَسَ ثَمَنُهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ فَدَفَعَ الْإِمَامُ ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ زَكَاتِهِ لِرَجُلٍ قَالَ لَهُ: صَرْفُهُ فِيمَا يَظْهَرُ لَك وَإِنْ ظَهَرَ لَك أَنْ تَصْرِفَهُ لِأَهْلِ السِّجْنِ يَعْنِي أَنَّهُمْ كَانُوا جِيَاعًا وَكَانَ زَمَنَ مَسْغَبَةٍ.
(ص) وَمَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ كَعَنْبَرٍ فَلِوَاجِدِهِ بِلَا تَخْمِيسٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ مِمَّا لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِأَحَدٍ كَالْعَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِوَاجِدِهِ وَلَا يُخَمَّسُ
فَلَوْ رَآهُ جَمَاعَةٌ فَبَادَرَ إلَيْهِ أَحَدُهُمْ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ كَالصَّيْدِ يَمْلِكُهُ الْمُبَادِرُ فَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَحَلِّ الْحَالِ أَيْ حَالَ كَوْنِهِ كَعَنْبَرٍ مِمَّا لَيْسَ أَصْلُهُ مِلْكَ أَحَدٍ وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ لِجَاهِلِيٍّ، أَوْ شَكَّ فِيهِ فَهُوَ رِكَازٌ،
وَإِنْ كَانَ لِمُسْلِمٍ، أَوْ ذِمِّيٍّ فَهُوَ لُقَطَةٌ.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى مَا قَصَدَ مِنْ أَجْزَاءِ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ وَمَا تَجِبُ فِيهِ وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَنْ تَجِبُ لَهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فَقَالَ (فَصْلٌ) وَمَصْرِفُهَا فَقِيرٌ وَمِسْكِينٌ وَهُوَ أَحْوَجُ (ش) مَصْرِفُ اسْمُ مَكَان لَا مَصْدَرٌ لِأَنَّ الْأَصْنَافَ اسْمُ مَحَلِّ الزَّكَاةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَقِيرٌ إلَخْ.
وَفِي كَلَامِهِ لَطِيفَةٌ وَهِيَ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ اللَّامَ الْوَاقِعَةَ فِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} إلَخْ لِبَيَانِ الْمَصْرِفِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ وَالْمِلْكِ، وَإِلَّا لَكَانَ يُشْتَرَطُ تَعْمِيمُ الْأَصْنَافِ وَإِنَّمَا كَانَ الْمِسْكِينُ أَحْوَجَ مِنْ الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّ الْفَقِيرَ مَنْ لَهُ بُلْغَةٌ لَا تَكْفِيهِ لِعَيْشِ عَامِهِ وَالْمِسْكِينُ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ نَقْلِ اللَّخْمِيِّ وَالصَّقَلِّيِّ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَكْسُهُ، قَالَ أَبُو عِمْرَانَ وَكُلُّ أَصْحَابِ مَالِكٍ مَعَ الْجَلَّابِ عَلَى تَرَادُفِهِمَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَيْسَ الْمَقْصُودُ طَلَبَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، فَلَا تُضَيِّعْ زَمَانَك فِي ذَلِكَ، إذْ كِلَاهُمَا يَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ اهـ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَى الْمَشْهُورِ قَوْله تَعَالَى
{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} حَيْثُ أَثْبَتَ لِلْمَسَاكِينِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَسَاكِينُ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، فَلَا طَاقَةَ لَهُمْ بِدَفْعِ الْمَلِكِ عَنْ غَصْبِ سَفِينَتِهِمْ، وَهَذَا لَا يُنَافِي الْغِنَى، أَوْ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ كَانُوا أُجَرَاءَ فِي السَّفِينَةِ
(قَوْلُهُ: وَمَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ) بِفَتْحِ الْفَاءِ
(قَوْلُهُ: كَعَنْبَرٍ) قَالَ الشَّافِعِيُّ حَدَّثَنِي بَعْضُهُمْ أَنَّهُ رَكِبَ الْبَحْرَ فَوَقَعَ إلَى جَزِيرَةٍ فَنَظَرَ إلَى شَجَرَةٍ مِثْلُ عِتْقِ الشَّاةِ وَإِذَا تَمْرُهَا عَنْبَرٌ قَالَ فَتَرَكْنَاهُ حَتَّى يَكْبَرَ فَنَأْخُذَهُ فَهَبَّتْ رِيحٌ فَأَلْقَتْهُ فِي الْبَحْرِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَدَوَابُّ الْبَحْرِ تَبْتَلِعُهُ أَوَّلَ مَا يَقَعُ لِأَنَّهُ لَيِّنٌ فَإِذَا ابْتَلَعَتْهُ قَلَّمَا تَسْلَمُ إلَّا قَتَلَهَا الْحَرَارَةُ الَّتِي فِيهِ فَإِذَا أَخَذَ الصَّيَّادُ السَّمَكَةَ وَجَدَهُ فِي بَطْنِهَا فَيَظُنُّ أَنَّهُ مِنْهَا وَإِنَّمَا هُوَ ثَمَرَةٌ نَبَتَتْ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ
(قَوْلُهُ: فَلِوَاجِدِهِ) أَيْ آخِذِهِ لَا رَائِيهِ قَالَ الشَّارِحُ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا أَثَرَ لَهَا فِي بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ
بِخِلَافِ الْيَدِ [فَصْلٌ مَصَارِفُ الزَّكَاةِ]
(قَوْلُهُ: مِنْ أَجْزَاءِ الزَّكَاةِ إلَخْ) أَيْ: مِنْ أَنْوَاعِ الزَّكَاةِ مِنْ رُبُعِ الْعُشْرِ وَالْعُشْرِ وَنِصْفِهِ، وَإِطْلَاقُ الْأَجْزَاءِ عَلَى الْجُزْئِيَّاتِ مَجَازُ اسْتِعَارَةٍ
(قَوْلُهُ: وَمَا تَجِبُ فِيهِ) أَيْ: الْقَدْرُ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ، أَيْ: وَهُوَ أَرْبَعُونَ فِي الْغَنَمِ وَخَمْسَةٌ فِي الْإِبِلِ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ أَحْوَجُ) أَحْوَجُ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنْ احْتَاجَ فَهُوَ شَاذٌّ قِيَاسًا لَا اسْتِعْمَالًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُبْنَى إلَّا مِنْ ثُلَاثِيٍّ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَصَّلَ إلَى بِنَائِهِ مِنْ الْمَزِيدِ بِأَشَدَّ وَيَقُولُ: وَهُوَ أَشَدُّ حَاجَةً
(قَوْلُهُ: لَا مَصْدَرٌ) أَيْ: وَلَا اسْمُ زَمَانٍ
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَكَانَ إلَخْ) ظَاهِرٌ فِي الْمِلْكِ دُونَ الِاسْتِحْقَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ الْإِعْطَاءُ بِالْفِعْلِ
(قَوْلُهُ: بُلْغَةٌ) بِضَمِّ الْبَاءِ مَا يَتَبَلَّغُ بِهِ مِنْ الْعَيْشِ وَلَا يَفْضُلُ
(قَوْلُهُ: وَالْمِسْكِينُ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ)
أَيْ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ» فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إنَّمَا سَأَلَ الْمَسْكَنَةَ الَّتِي يَرْجِعُ مَعْنَاهَا إلَى التَّوَاضُعِ وَإِلَى اسْتِكَانَةِ الْقَلْبِ وَلَا يَكُونُ مِنْ الْجَبَّارِينَ، لَا الْمَسْكَنَةَ الَّتِي هِيَ نَوْعٌ مِنْ الْفَقْرِ،
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ إذَا أَوْصَى لِلْفُقَرَاءِ لَا لِلْمَسَاكِينِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالصَّقَلِّيِّ) هُوَ ابْنُ يُونُسَ
(قَوْلُهُ: تَرَادُفِهِمَا) أَيْ: بِأَنْ يُرَادَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا الْمُحْتَاجُ مُطْلَقًا
(قَوْلُهُ: وَلَا يُشْكِلُ إلَخْ) قَدْ اسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ مَنْ قَالَ بِعَكْسِ الْمَشْهُورِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَسَاكِينُ إلَخْ) وَمِنْ جُمْلَةِ الْأَجْوِبَةِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَأْجَرَةً لَهُمْ كَمَا يُقَالُ: هَذِهِ دَارُ فُلَانٍ إذَا كَانَ سَاكِنَهَا وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّوْا مَسَاكِينَ عَلَى جِهَةِ الرَّحْمَةِ وَالِاسْتِعْطَافِ، وَيَنْبَغِي لِلشَّخْصِ أَنْ يَخْتَارَ لِصَدَقَتِهِ أَهْلَ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ،
فَإِنَّ سَدَّ خَلَّتِهِمْ أَوْلَى مِنْ سَدِّ خَلَّةِ غَيْرِهِمْ
(وَمَا لَفَظَهُ) بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: رَمَاهُ وَطَرَحَهُ (الْبَحْرُ كَعَنْبَرٍ) مِمَّا لَمْ يَمْلِكْهُ آدَمِيٌّ (فَ) هُوَ (لِوَاجِدِهِ بِلَا تَخْمِيسٍ) فَإِنْ كَانَ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِآدَمِيٍّ فَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَالنَّظَرُ فِيهِ لِلْإِمَامِ، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَ رَبُّهُ تَرَكَهُ لِعَطَبِهِ فَلُقَطَةٌ وَإِنْ كَانَ أَلْقَاهُ لِلنَّجَاةِ فَهُوَ لِوَاجِدِهِ.
وما لفظه البحر كعنبر فلواجده بلا تخميس؛ يعني أن ما لفظه البحر -أي ألقاه من جوفه لساحله كعنبر ولؤلؤ وكل حلية مما ليس أصله ملكا لأحد. أو علم أنه ملك حربي -يكون لواجده أي آخذه لا رائيه؛ لأن الرؤية لا أثر لها في باب الاستحقاق
بخلاف اليد، ولا يؤخذ من واجده خمس بل يفوز به كله،
وأما ما علم تقدم ملك عليه ولفظه البحر أو غاص فيه وأخرجه،
فإن كان لجاهلي أو شك فيه فهو ركاز،
وإن كان لمسلم فلقطة، ولمشرك ينظر فيه الإمام لا لواجده. قاله الحطاب.
وقال عبد الباقي وغيره: وإن كان لمسلم أو ذمي فلقطة. انتهى. قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل الذي في المدونة أنه إن كان لذمي نظر فيه الإمام لا لقطة. انتهى. وفصل ابن رشد فيما هو لمسلم، فقال: إن كان معطوبا فلقطة،
وإن ألقاه ربه لنجاة نفسه فلواجده. ونقل ابن بشير أن ما لفظه البحر من ملك مسلم أو ذمي لواجده مطلقا، خلاف تفصيل ابن رشد بين ما ألقاه لنجاة نفسه أو كان عطبا، وفيها: ما وجد على وجه الأرض من مال جاهلي أو ساحل البحر من تصاوير الذهب والفضة فلواجده مخمسا، وما لفظه لحربيٍّ إن كان معه وأخذ بقتال أو لخوفه من أخذه لعدم حصوله في قبضة الإسلام فله مخمسا،
وإن لم يخفه لحصوله في قبضة الإسلام ففيء لا لواجده: وقول ابن الحاجب: إن أخذ بقتال خمس وإلا فلا، قاصر للغوه خوف أخذه.
وفي الشامل: فلو رآه أحد فبادر إليه غيره أو واحد من جماعة فللسابق،
فإن كان مملوكا فهل لمالكه أو لواجده؟ قولان، إلا لحربي فلواجده حيث كان أخْذُهُ منه بقتال هو السبب، وإلا فَفَيْءٌ، والله أعلم. ولابن عاصم: وما رمى البحر به من عنبر … ولؤلؤ واجده به حر تنبيهات: الأول: قال ابن عرفة: سمع ابن القاسم: لو أسلم دابة بسفره آيسا منها أخذها ممن أخذها وأنفق عليها فعاشت. ابن رشد: لمسلمها آيسا منها بنية ردها أخْذُها من آخذها إن كان أشهد بذلك أو لم يشهد وتركها بأمن وماء وكلإ، وإلا ففي تصديقه، ثالثها بيمين، وبنية عدم ردها لا يأخذها، وبغير نية في حمله على الأول أو الثاني قولان، وعلى أنه يأخذها فعلى ربها نفقة أخذها لا أجر قيامه عليها إن قام عليها لنفسه،
ولو قام عليها لربها فله أجره إن أشهد بذلك، وإلا ففي تصديقه، ثالثها بيمين، وسمع أيضا لمن طرح متاعه خوف غرقه أخذه ممن غاص عليه وحمله بغرم أجرهما. ابن رشد: هي كالتي قبلها وفاقا وخلافا، ولسحنون: من أخرج ثوبا من جب وأبى رده لربه فرده فيه، فطلبه ربه فلم يجده فعليه إخراجه ثانية، وإلا ضمنه. محمد: إن أخرجه فله أجره إن كان ربه لا يصل إليه إلا بأجر، وسمع أيضا لمن أسلم متاعه بفلاة لموت راحلته أخذه ممن احتمله بغرم أجر حمله.
ابن رشد: أخذه لربه أو تملكا لظنه تركه،
ولو أخذه اغتيالا فلا حمل له. ابن شأس: ما ترك بمضيعة فقام عليه غيره فأحياه ففي كونه لربه أو آخذه روايتان: والثانية أصح. قاله الحطاب. الثاني: ورد في صحيح مسلم: (لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات (١) عن ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا )، ومعنى يحسر: ينكشف. قاله الحطاب. وشاهده قول ذي الرمة: وإنسان عيني يحسر الماء تارة … فيبدو وتارات يجم فيغرق قال القرطبي: نهي عن أصله من التحريم لأنه ليس ملكا لأحد وليس بمعدن ولا ركاز، فحقه أن يكون في بيت المال.
وقوله: عن أصله، لعله على أصله. فتأمله. والله أعلم. قاله الحطاب. الثالث: عُلِمَ أن قوله: "كعنبر" ، المراد به ما لم يسبق إليه بملك ولا خصوصية لما لفظه البحر بذلك، كما أشار إليه المصنف بقوله في باب الذكاة: "وملك الصيد المبادر" ، فالمباحات كلها إنما تستحق بوضع اليد لا بالمعاينة،
وفي خبر غير ثابت اللفظ: (من سبق إلى مباح فهو له (٣) )، وقوله: "كعنبر" ، العنبر خرء دابة في البحر، ويقال للحوت الذي في جوفه العنبر عنبر أيضا، قال الشيخ إبراهيم: وسمي هذا الحوت بالعنبر لوجوده في جوفه. قال الشافعي: حدثني بعضهم أنه ركب البحر فوقع إلى جزيرة، فنظر إلى شجرة مثل عنق الشاة -وإذا ثمرها عنبر- قال: فتركناه حتى يكبر فنأخذه، فهبت ريح فألقته في البحر، قال الشافعي: والسمك ودواب الماء تبتلعه أول ما يقع لأنه لين،
فإذا ابتلعته قلما تسلم لفرط حرارته،
فإذا أخذ الصياد السمكة وجده في بطنها فيظن أنه منها، وإنما هو ثمرة تنبت. قاله القسطلاني في شرح البخاري. انتهى. الرابع: علم مما تقدم أن الركاز دفن غير معصوم، فيدخل مال الحربي الوجود الآن وليس المراد خصوص الجاهلية -كما علمت- وقال الأمير: إن ما لفظه البحر إن تقدم له ملك فكالدفن المعصومُ منه لقطة، وغيره كالركاز وإن لم يتقدم عليه ملك فلواجده بلا تخميس. انتهى. وفيه موافقة مع ما مر عن عبد الباقي والشبراخيتي، حيث قالا: إن ما علم أنه لذمي لقطة، وهو مخالف لما مر عن ابن رشد، وعن محمد بن الحسن: أن ما لمشرك ينظر فيه الإمام وليس لواجده. والله سبحانه أعلم.
وقال الأمير: وفي الحطاب وكبير التتائي: الخلاف فيمن ترك شيئه فأخذه غيره، هل هو لربه حتى لو رماه الآخذ في كالجب ثانيا ضمنه وليس له إلا أجرة تخليصه أو نفقته على كالدابة أو لآخذه مطلقا، أو إن تركه ربه معرضا عنه؟. الخامس: قولهم: إن المعادن يجتمع لها شرار الناس، مما يزهد في الدنيا ويوجب الإعراض عنها بالكلية. وبالله تعالى التوفيق.
ولما بين ما تجب فيه الزكاة وما لا تجب، شرع في الكلام على من تجب له، فقال: فصل: في بيان مستحق الزكاة، وما يتعلق بذلك، ومصرفها؛ المصرف هنا بكسر الراء اسم مكان ولا يصح الفتح هنا على أن المراد المصدر لفساد المعنى لأن المصدر لا يخبر عنه بالذات مع أن المحفوظ في المتن الكسر، ومعنى كلام المصنف أن الذي تصرف إليه الزكاة ثمانية أصناف؛ أحدها أشار إليه بقوله: فقير؛ يعني أن الفقير ممن يستحق الزكاة، والفقير من له بلغة لا تكفيه لعيش عامة.
قاله الشبراخيتي وغيره. وهو من فقر ككرم وتعب، ومعناه في اللغة: المحتاج، ويقال للأنثى: فقيرة، وجمعها فقراء كالمذكر،
ومثلها سفيهة وسفهاء ولا نظير لهما؛ وهو مشتق من فقار الظهر كأن صاحبه انكسرت فقرات ظهره فلم تبق له قوة. قاله الشبراخيتي.
وقال الخرشي: قال الأخفش: إن الفقير من قولهم: فقرت له فقرة من مالي؛ أي قطعت له قطعة فهو من له قطعة من المال. ومسكين، هذا هو الصنف الثاني من الأصناف الثمانية؛ يعني أن من المستحق للزكاة المسكين. وقوله: وهو أحوج، أشار به إلى أن الفقير والمسكين كل منهما صنف وليسا بمترادفين؛ يعني أن المسكين أحوج من الفقير؛ لأن الفقير هو من له بلغة لا تكفيه لعيش عامة، والمسكين من لا شيء له بالكلية، وهذا هو المشهور لقوله تعالى: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ } ؛
أي بلغت به الحاجة أن لصق جلده بالتراب من غير حائل، فليس له علقة من المال؛ ولقوله عليه الصلاة والسلام: (ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان ولا التمرة والتمرتان، قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يتفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس شيئا (١) ). ولا شك أن من هذه الحالة حالته تناهت به الحاجة إلى غايتها،
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا (٢) )، فمعناه أنه صلى الله عليه وسلم إنما سأل السكنة التي معناها يرجع إلى التواضع وإلى استكانة القلب لله عز وجل وأن لا يكون من الجبارين، لا المسكنة التي هي نوع من الفقر،
وأما قوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} حيث أثبت للمساكين شيئا فالراد أنهم مساكين القهر والغلبة فلا طاقة لهم بدفع المَلِك عن غصب سفينتهم كقوله تعالى {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} وذلك لا ينافي الغنى ويحتمل أن تكون مستأجرة لهم ويحتمل أنهم سموا مساكين على جهة الرحمة والاستعطاف وقوله وهو أحوج هو المشهور وعليه فالمشهور أن الفرق بينهما شدة الحاجة كما مر
وقيل إن الفقير يسأل بخلاف المسكين
وقيل الفقير يعلم به فيتصدق عليه
بخلاف المسكين ومقابل المشهور أن المسكين والفقير مترادفان واستدل له بقوله تعالى
{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} ، وتقدم الجواب عن ذلك، وقوله: "أحوج" ، فيه صوغ أفعل التفضيل من الخماسي. سؤال عمن قبض زكاة بعض أصحابه لبعض المساكين ولم يعينه ونيته دفعها لعجوز كبيرة السن عاجزة عن التصرف، وكان يجري عليها النفقة من تلك الزكاة حتى ماتت وكفنها، وفضلت من تلك الزكاة فضلة وليس لها وارث حاضر إلا عصبة غيب، فهل تعطى تلك الفضلة للمساكين حين لم تقبض الزكاة ولا أعلمها القابض، أو ذلك لعصبتها؟
جوابه مقتضى ما أفتى به ابن رشد عياضا أن ذلك موروث عنها فيوقف لورثتها ويبحث عنهم،
فإذا لم يظهر لهم خبر بعد البحث والاستيناء يتصدق به عنهم، والذي أفتى به ابن رشد عياضا هو عن سؤال له عمن أخرج مالا لصدقة فعزل منه شيئا، سماه بلسانه وميزه لمسكين معين، ثم بعد ذلك بداله فصرفه لمسكين آخر، هل يباح له ذلك أم لا؟ وهل يستوي في هذا ما أخرجه الإنسان على هذا الوجه من ماله وما ميزه لمسكين من صدقة غيره على يده؟
فأجاب ابن رشد: فإذا كان الرجل عزل من المال الذي أخرجه للصدقة شيئا لمسكين بعينه وبتله له بقول أو نية، فلا يجوز له صرفه إلى غيره وهو ضامن له إن فعل ذلك ويغرم،
وإن لم يبتله له بقول ولا نية كره له صرفه إلى غيره. والله سبحانه أعلم، ونقل ابن هلال غير صحيح. واعلم أن اللام في قوله عز وجل: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} للاستحقاق، وهو لا يقتضي تعميم الأصناف الثمانية، وعند الإمام الشافعي أنها للملك فيلزم تعميم الأصناف،
فإذا أعطى عنده من كل صنف ثلاثة أجزأت الزكاة، واحتج أهل الذهب بأن آية الصدقة ليس فيها قسم بل هي إعلام بأهلها، ولذلك لو لم يوجد إلا صنف واحد أعطيها. واعلم أنه إذا لم يوجد إلا صنف واحد من الأصناف الثمانية، فالإجماع على أنها تعطى له وتجزئ،
والمذهب أنه إذا اجتمعت الأصناف الثمانية وأعطيت لصنف واحد فإنها تجزئ، وسيأتي للمصنف دون عموم الأصناف.
وفي الشبراخيتي: ويكره إعلامه بأنها من الزكاة أو من حق الله؛ لأن فيه جرح القلوب، وينبغي للشخص أن يختار لصدقته أهل الفضل والصلاح،
فإن سد خلتهم أولى من سد خلة غيرهم. انتهى.
وفي الحطاب: وإذا اجتمعت الأصناف فالمذهب أنه لا يجب استيعابها، بل لو أعطيت صنفا واحدا أجزأ. نقله القرافي في الذخيرة. وقول ابن عرفة: صرفها في أحدها غير العامل مجزئ، خلاف إطلاق ابن الحاجب والشامل والقرافي وغيرهم، وسيأتي الكلام على ذلك في التنبيه الرابع في شرح قول المصنف: "وندب إيثار المضطر دون عموم الأصناف" . والله أعلم. وصدقا؛ يعني أن الإنسان إذا ادعى أنه فقير فإنه يصدق في ذلك ويعطى من الزكاة،
وكذلك إذا ادعى أنه مسكين فإنه يصدق في ذلك ويعطى من الزكاة.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.