يجب بالسنة صاع أو جزؤه عنه
Its commentaries
(فَصْلٌ) (يَجِبُ) وُجُوبًا (ثَابِتًا) (بِالسُّنَّةِ) فَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَةَ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ» وَحَمْلُ الْفَرْضِ عَلَى التَّقْدِيرِ بَعِيدٌ لَا سِيَّمَا وَقَدْ خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنَادِيًا يُنَادِي فِي فِجَاجِ الْمَدِينَةِ أَلَا إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» (صَاعٌ) أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ كُلُّ مُدٍّ رِطْلٌ بِالْبَغْدَادِيِّ وَقَدْ حُرِّرَ الصَّاعُ فَوُجِدَ أَرْبَعَ حَفَنَاتٍ مُتَوَسِّطَةٍ وَذَلِكَ قَدَحٌ وَثُلُثٌ بِالْكَيْلِ الْمِصْرِيِّ (أَوْ جُزْؤُهُ) إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّاعِ أَوْ فِي عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ أَوْ مُبَعَّضٍ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمُخْرَجِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْمَعْنَى؛
لِأَنَّ قَوْلَ صَاعٍ مَعْنَاهُ إخْرَاجُ صَاعٍ
Adds nothing on this mas’ala.
(قَوْلُهُ يَجِبُ بِالسُّنَّةِ) أَيْ لَا بِالْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ آيَاتِ الزَّكَاةِ الْعَامَّةِ السَّابِقَةِ عَلَيْهَا فَعُلِمَ أَنَّهَا غَيْرُ مُرَادَةٍ مِنْهَا أَوْ أَنَّهَا غَيْرُ صَرِيحَةٍ فِي وُجُوبِهَا خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّ وُجُوبَهَا ثَبَتَ بِعُمُومِ {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} الْآيَةَ
(قَوْلُهُ فِي رَمَضَانَ) أَيْ الْكَائِنِ فِي رَمَضَانَ أَيْ مِنْهُ
(قَوْلُهُ وَحُمِلَ الْفَرْضُ عَلَى التَّقْدِيرِ) كَمَا هُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ سُنَّةً وَقَوْلُهُ بَعِيدٌ أَيْ؛ لِأَنَّ فَرْضَ،
وَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ بِمَعْنَى قَدْرٌ لِكُلِّ نَقْلٍ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ إلَى الْوُجُوبِ فَيَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ فِي فِجَاجِ الْمَدِينَةِ) أَيْ فِي طُرُقِهَا وَالصَّوَابُ فِي فِجَاجِ مَكَّةَ كَمَا فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ وَلَا يُقَالُ إنَّ فَرْضَهَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَمَكَّةُ حِينَئِذٍ دَارُ حَرْبٍ فَكَيْفَ يَتَأَتَّى فِيهَا النِّدَاءُ بِمَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ بَعْثُ الْمُنَادِي يَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَنَةَ فَتْحِهَا، وَهُوَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَنَةَ حَجِّ أَبِي بَكْرٍ بِالنَّاسِ، وَهُوَ سَنَةَ تِسْعٍ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَنَةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِيَ سَنَةُ عَشْرٍ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ أَنْ يَكُونَ بَعْثُ الْمُنَادِي عَقِبَ الْقَرْضِ وَلِذَا لَمْ يَقُلْ التِّرْمِذِيُّ بَعَثَ حِينَ فُرِضَتْ وَكَوْنُ الْبَعْثِ عَامَ الْفَتْحِ هُوَ الْأَظْهَرُ؛
لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمُبَادَرَةُ بِإِظْهَارِ الشَّعَائِرِ فِي الْبَلَدِ بِمُجَرَّدِ فَتْحِهَا وَلَا مُوجَبَ لِلتَّأْخِيرِ بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ
(قَوْلُهُ وَقَدْ حُرِّرَ الصَّاعُ) أَيْ الَّذِي هُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ وَقَوْلُهُ فَوُجِدَ أَرْبَعَ حَفَنَاتٍ إلَخْ مُرَادُهُ بِالْحَفْنَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ مِلْءُ الْيَدَيْنِ الْمُتَوَسِّطَتَيْنِ لَا مَقْبُوضَتَيْنِ وَلَا مَبْسُوطَتَيْنِ وَلَيْسَ مُرَادُهُ بِالْحَفْنَةِ مِلْءُ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ.
(قَوْلُهُ وَذَلِكَ قَدَحٌ وَثُلُثٌ إلَخْ) فَعَلَى هَذَا الرُّبْعُ الْمِصْرِيُّ يُجْزِئُ عَنْ ثَلَاثَةٍ
(قَوْلُهُ أَوْ فِي عَبْدٍ إلَخْ) مَا حُمِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ أَوْ جُزْؤُهُ مِنْ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ هُوَ مُخْتَارُ ح وَحَمَلَهُ الشَّارِحَانِ عَلَى الثَّالِثَةِ فَقَطْ وَحَمَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ
[فَصَلِّ زَكَاةُ الْفِطْرِ] ص (فَصْلٌ يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ) ش لَمَّا فَرَغَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ الْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْأَمْوَالِ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْأَبْدَانِ، وَهِيَ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِوُجُوبِهَا بِسَبَبِ الْفِطْرِ وَيُقَالُ لَهَا صَدَقَةٌ الْفِطْرِ وَبِهِ عَبَّرَ ابْنُ الْحَاجِبِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: كَأَنَّهَا مِنْ الْفِطْرَةِ بِمَعْنَى الْخِلْقَةِ وَكَأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْأَبْدَانِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ بِكَوْنِهَا تَجِبُ بِالْفِطْرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِهَا فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ لِحَدِيثِ الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ» ،
وَقِيلَ: سُنَّةٌ، وَحُمِلَ قَوْلُهُ فَرْضٌ عَلَى التَّقْدِيرِ أَيْ قُدِّرَ وَهُوَ بَعِيدٌ لَا سِيَّمَا، وَقَدْ خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنَادِيًا يُنَادِي فِي فِجَاجِ مَكَّةَ أَلَا إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ بِوُجُوبِهَا فَاخْتُلِفَ فِي دَلِيلِ الْوُجُوبِ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ بِالسُّنَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ،
وَقِيلَ بِالْقُرْآنِ وَعَلَى وُجُوبِهَا بِالْقُرْآنِ، فَقِيلَ بِعُمُومِ آيَةِ الزَّكَاةِ،
وَقِيلَ بِآيَةٍ تَخُصُّهَا وَهِيَ قَوْلُهُ {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} أَيْ أَخْرَجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} أَيْ صَلَاةَ الْعِيدِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَزَكَّى فِي الْآيَةِ أَيْ تَزَكَّى بِالْإِسْلَامِ وَصَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ لِقَوْلِهِ " تَزَكَّى " وَإِنَّمَا يُقَالُ لِمَنْ أَدَّى الزَّكَاةَ: زَكَّى، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ أَمْرٌ، وَإِنَّمَا تَضَمَّنَتْ مَدْحَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ،
وَيَصِحُّ الْمَدْحُ بِالْمَنْدُوبِ، وَإِلَى تَشْهِيرِ الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا وَالْقَوْلِ بِأَنَّ دَلِيلَ الْوُجُوبِ السُّنَّةُ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ " يَجِبُ بِالسُّنَّةِ ".
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ: لَا يُقَاتَلُ أَهْلُ الْبَلَدِ عَلَى مَنْعِ زَكَاةِ الْفِطْرِ، انْتَهَى. وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا الرِّفْقُ بِالْفُقَرَاءِ فِي إغْنَائِهِمْ عَنْ السُّؤَالِ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ: الْمُخْرَجُ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَالْمُخْرِجُ بِكَسْرِهَا، وَالْوَقْتُ الْمُخْرَجُ فِيهِ،
وَمَنْ تُدْفَعُ إلَيْهِ، وَتَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى جَمِيعِهَا فَبَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى الرُّكْنِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمُخْرَجُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَيَتَعَلَّقُ بِالْكَلَامِ بِاعْتِبَارِ قَدْرِهِ وَجِنْسِهِ وَنَوْعِهِ فَبَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى قَدْرِهِ، فَقَالَ: إنَّهُ صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ، يَعْنِي: أَنَّ الْوَاجِبَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ قَدْرُهُ صَاعٌ بِصَاعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ جُزْءُ صَاعٍ،
وَلَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ،
أَمَّا الصَّاعُ فَفِي حَقِّ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ الْقَادِرِ عَلَيْهِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ الْآتِيَةِ،
وَأَمَّا جُزْءُ الصَّاعِ فَفِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ كَمَا سَيَأْتِي وَفِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَجِد إلَّا جُزْءَ صَاعٍ،
قَالَهُ فِي الطِّرَازِ: وَمَنْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الزَّكَاةِ خَرَّجَهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ، انْتَهَى. وَحَمَلَ الشَّارِحُ وَالْبِسَاطِيُّ وَالْأَقْفَهْسِيُّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا الْأَخِيرِ،
وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: حَمْلُهُ عَلَى الْوَاجِبِ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُبَعَّضِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَا قَالَهُ سَنَدٌ،
وَلَوْ أَرَادَهُ الْمُصَنِّفُ لَقَالَ " أَوْ بَعْضُهُ "
قُلْت: وَحَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى فَيَكُونُ مُرَادُهُ بَيَانَ قَدْرِ الْوَاجِبِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ.
[تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ قَدَرَ عَلَى إخْرَاجِ صَاعٍ عَنْ نَفْسِهِ وَبَعْضِ صَاعٍ عَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ] (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) لَوْ قَدَرَ عَلَى إخْرَاجِ صَاعٍ عَنْ نَفْسِهِ وَعَلَى إخْرَاجِ بَعْضِ صَاعٍ عَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى مَا قَالَهُ سَنَدٌ.
[الثَّانِي تَعَدَّدَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا صَاعًا وَاحِدًا أَوْ بَعْضَ صَاعٍ] (الثَّانِي) إذَا تَعَدَّدَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَلَمْ يَجِدْ إلَّا صَاعًا وَاحِدًا أَوْ بَعْضَ صَاعٍ، فَهَلْ يُخْرِجُهُ عَنْ الْجَمِيعِ أَوْ يُقَدِّمُ بَعْضَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ عَلَى بَعْضٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ النَّفَقَاتِ أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى نَفَقَةِ الْوَلَدِ وَالْوَالِدَيْنِ، وَاخْتُلِفَ، هَلْ تُقَدَّمُ نَفَقَةُ الِابْنِ عَلَى نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ وَهُمَا سَوَاءٌ عَلَى قَوْلَيْنِ؟ لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصًّا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلسُّنَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الثَّالِث قَدْرُ الصَّاعِ] (الثَّالِثُ) قَدْرُ الصَّاعِ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُدَّ وَزْنُ رِطْلٍ وَثُلُثٍ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ الرِّطْلِ فِي زَكَاةِ الْحُبُوبِ،
وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الزَّكَاةِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: بَحَثْنَا عَنْ مُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ نَقَعْ عَلَى حَقِيقَتِهِ - يَعْنِي حَقِيقَةَ قَدْرِهِ - وَأَحْسَنُ مَا أَخَذْنَاهُ عَنْ الْمَشَايِخِ أَنَّ قَدْرَ مُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ وَلَا يُعْدَمُ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ بِحَفْنَةِ الرَّجُلِ الْوَسَطِ لَا بِالطَّوِيلِ جِدًّا وَلَا بِالْقَصِيرِ جِدًّا لَيْسَتْ بِالْمَبْسُوطَةِ الْأَصَابِعِ جِدًّا، وَلَا بِمَقْبُوضَتِهَا جِدًّا؛
لِأَنَّهَا إنْ بُسِطَتْ فَلَا تَحْمِلُ إلَّا قَلِيلًا،
وَإِنْ قُبِضَتْ فَكَذَلِكَ، قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: وَقَدْ عَارَضْنَا ذَلِكَ بِمَا يُوجَدُ الْيَوْمَ بِأَيْدِي النَّاسِ مِمَّا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ مُدُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدْنَاهُ صَحِيحًا لَا شَكَّ فِيهِ، وَكَانَ عِنْدَ سَيِّدِنَا وَقُدْوَتِنَا شَيْخِ الطَّرِيقَةِ وَإِمَامِ الْحَقِيقَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ صَالِحٍ الدَّكَّالِيِّ مُدٌّ عُيِّرَ بِمُدِّ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مَكْتُوبٍ عِنْدَهُ فَعَايَرْنَاهُ عَلَى هَذَا التَّعْبِيرِ فَكَانَ مِلْؤُهُ ذَلِكَ الْقَدْرَ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: الصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ كُلُّ مُدٍّ رِطْلٌ وَثُلُثٌ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: مِعْيَارُهُ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ بِكَفِّ الرَّجُلِ الَّذِي لَيْسَ بِعَظِيمِ الْكَفَّيْنِ وَلَا صَغِيرِهِمَا إذْ لَيْسَ كُلُّ مَكَان يُوجَدُ فِيهِ صَاعُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، انْتَهَى. وَجَرَّبْت ذَلِكَ فَوَجَدْتُهُ صَحِيحًا، انْتَهَى.
كَلَامُ الْقَامُوسِ (الرَّابِعُ) تَقْدِيرُهَا بِالصَّاعِ فِي جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ الْعُمُومُ،
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: تُؤَدَّى مِنْ الْبُرِّ نِصْفَ صَاعٍ وَبِهِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ.
(الْخَامِسُ) قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَيُقَالُ لِلْمُخْرَجِ بِفَتْحِ الرَّاءِ فِطْرَةٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ لَا غَيْرُ، وَهِيَ لَفْظَةٌ مُوَلَّدَةٌ لَا عَرَبِيَّةَ وَلَا مُعَرَّبَةَ بَلْ اصْطِلَاحِيَّةٌ لِلْفُقَهَاءِ، وَمَعْنَى الْمُعَرَّبَةِ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ عَجَمِيَّةً فَسَاقَتْهَا الْعَرَبُ عَلَى مِنْهَاجِهَا وَكَأَنَّهَا مِنْ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ الْخِلْقَةُ أَيْ زَكَاةُ الْخِلْقَةِ، انْتَهَى. وَنَحْوُهُ لِلدَّمِيرِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، قَالَ: وَوَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ضَمُّهُمَا، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: زَكَاةُ الْفِطْرِ مَصْدَرُ إعْطَاءِ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ لِقُوتِ يَوْمِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ غَالِبِ الْقُوتِ أَوْ جُزْئِهِ الْمُسَمَّى لِلْجُزْءِ وَالْمَقْصُورِ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْقُصُ بِإِعْطَاءِ صَاعٍ ثَانٍ؛ لِأَنَّهُ زَكَاةٌ كَالْأُضْحِيَّةِ ثَانِيَةٌ وَإِلَّا زِيدَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَاسْمَا صَاعٍ إلَى آخِرِهِ يُعْطَى مُسَلَّمًا إلَى آخِرِهِ
فَصْلٌ فِي زَكَاةُ الْفِطْرِ] فَصْلٌ قَالَ ابْنُ شَاسٍ: النَّوْعُ السَّادِسُ زَكَاةُ الْفِطْرِ (يَجِبُ بِالسُّنَّةِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي حُكْمِ زَكَاةِ الْفِطْرِ طُرُقٌ الْبَاجِيُّ وَاللَّخْمِيُّ وَاجِبَةٌ. أَبُو عُمَرَ: قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ سُنَّةٌ ضَعِيفٌ. وَقَوْلُ الشَّيْخِ سُنَّةٌ فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمْرِيضٌ لَا شَيْءٌ (صَاعٌ) . ابْنُ رُشْدٍ: مَكِيلَةُ زَكَاةِ الْفِطْرِ صَاعٌ مِنْ كُلِّ مَا يُؤَدَّى مِنْهُ. الْقَبَّابُ: وَهَذَا الصَّاعُ هُوَ كَيْلُ مَدِينَةِ فَاسَ فِي وَقْتِنَا. بَعْضُ شُيُوخِ غَرْنَاطَةَ: هُوَ مُدٌّ مَمْسُوحٌ مِنْ أَمْدَادِ غَرْنَاطَةَ أَوْ يَغْرِفُ الْإِنْسَانُ أَرْبَعَ حَفَنَاتٍ بِكِلْتَا يَدَيْهِ.
ابْنُ حَبِيبٍ: مُدُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَفْنَةٌ بِالْيَدَيْنِ جَمِيعًا مِنْ رَجُلٍ وَسَطٍ، وَالصَّاعُ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ كَذَلِكَ بِكَفِّ الرَّجُلِ الَّذِي لَيْسَ بِعَظِيمِ الْكَفَّيْنِ (أَوْ جُزْؤُهُ) سَنَدٌ: مَنْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الزَّكَاةِ أَخْرَجَهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ (عَنْهُ) التَّلْقِينُ: زَكَاةُ الْفِطْرِ تَلْزَمُ الرَّجُلَ عَنْ نَفْسِهِ.
Adds nothing on this mas’ala.
(ص) أَوْ جُزْؤُهُ (ش) إنْ حَمَلَ عَلَى مَسْأَلَةِ سَنَدٍ فَاتَهُ الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ الرَّقِيقِ،
وَإِنْ حَمَلَ عَلَى مَسْأَلَةِ الرَّقِيقِ فَاتَهُ الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ سَنَدٍ، وَالْأَوْلَى كَلَامُ الْحَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ حَمَلَ الْكَلَامَ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ، وَلَفْظُهُ يَعْنِي أَنَّ الْوَاجِبَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ قَدْرُ صَاعٍ بِصَاعِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْ جُزْءُ صَاعٍ،
وَلَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ
أَمَّا الصَّاعُ فَفِي حَقِّ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ الْقَادِرِ عَلَيْهِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ كُلِّ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ الْآتِيَةِ،
وَأَمَّا جُزْءُ الصَّاعِ فَفِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ، وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ وَفِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا جُزْءَ صَاعٍ، وَعَلَى حَمْلِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ الرَّقِيقِ لَا يَتَكَرَّرُ قَوْلُهُ فِيمَا سَيَأْتِي، وَالْمُشْتَرَكُ وَالْمُبَعَّضُ بِقَدْرِ الْمِلْكِ مَعَهُ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ هُنَا فِي الْوُجُوبِ، وَفِيمَا سَيَأْتِي فِي الْقَدْرِ الْمُخْرَجِ أَيْ: هَلْ هُوَ عَلَى الرُّءُوسِ أَوْ عَلَى الْحِصَصِ فَبَيَّنَ أَنَّهُ عَلَى الْحِصَصِ، وَعَلَى حَمْلِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ سَنَدٍ يَكُونُ قَوْلُهُ: فِيمَا يَأْتِي وَالْمُشْتَرَكُ وَالْمُبَعَّضُ بِقَدْرِ الْمِلْكِ فِي بَيَانِ الْوُجُوبِ أَيْ: يَجِبُ الْإِخْرَاجُ بِقَدْرِ الْمِلْكِ. (ص) عَنْهُ فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ (ش) الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: عَنْهُ يَرْجِعُ لِلْحُرِّ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ الْمَفْهُومِ مِنْ السِّيَاقِ كَمَا قَرَّرْنَا، إذْ لَا بُدَّ لِلْوُجُوبِ مِنْ مُكَلَّفٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ وَقَوْلُهُ: فَضَلَ صِفَةُ صَاعٍ وَمَعْطُوفِهِ أَيْ: أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ فَضَلَ عِنْدَهُ مَا ذَكَرَ مِنْ الصَّاعِ، أَوْ جُزْئِهِ عَنْ قُوتِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ،
وَلَوْ خَشِيَ الْجُوعَ فِيمَا بَعْدَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَوْ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ اللَّازِمِ لَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ وَحْدَهُ.
(قَوْلُهُ: إنْ حُمِلَ عَلَى مَسْأَلَةِ سَنَدٍ) هِيَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى كُلِّ الصَّاعِ بَلْ عَلَى جُزْئِهِ قَالَ سَنَدٌ فِي الطِّرَازِ مَنْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الزَّكَاةِ أَخْرَجَهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»
(قَوْلُهُ: فِي بَيَانِ الْوُجُوبِ) فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ فِي بَيَانِ الْوُجُوبِ مَعَ بَيَانِ كَوْنِهِ بِقَدْرِ الْحِصَصِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ خَشِيَ الْجُوعَ فِيمَا بَعْدَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ) ، وَمُقَابِلُهُ مَا قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ يُخْرِجُهَا إذَا كَانَ لَا يَلْحَقُهُ فِي إخْرَاجِهَا مَضَرَّةٌ مِنْ فَسَادِ مَعَاشِهِ، أَوْ جُوعِهِ، أَوْ جُوعِ عِيَالِهِ يُرِيدُ وَلَوْ فَضَلَ عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ صَاعٍ إذَا خَشِيَ مِنْ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُ
Adds nothing on this mas’ala.
فَصْلٌ فِي زَكَاة الْفِطْر] (فَصْلٌ) فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ (يَجِبُ) وُجُوبًا ثَبَاتًا (بِالسُّنَّةِ) بِضَمِّ السِّينِ أَيْ: الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَةَ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ» ، وَحَمْلُ الْفَرْضِ عَلَى التَّقْدِيرِ بَعِيدٌ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مُنَادِيًا يُنَادِي فِي فِجَاجِ الْمَدِينَةِ أَلَا إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَاعٌ» .
وَأَمَّا آيَاتُ الزَّكَاةِ الْعَامَّةُ فَسَابِقَةٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا فَهِيَ غَيْرُ مُرَادَةٍ مِنْهَا وَفَاعِلُ يَجِبُ (صَاعٌ) أَيْ: مِلْءُ الْيَدَيْنِ الْمُتَوَسِّطَتَيْنِ لَا مَبْسُوطَتَيْنِ وَلَا مَقْبُوضَتَيْنِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ (أَوْ جُزْؤُهُ) أَيْ الصَّاعِ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، وَصِلَةُ يَجِبُ (عَنْهُ) أَيْ الْمُخْرِجِ الْمَفْهُومِ مِنْ فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ وَإِنْ بِتَسَلُّفٍ.
، وَهَلْ بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ أَوْ بِفَجْرِهِ خِلَافٌ.
مِنْ أَغْلَبِ الْقُوتِ مِنْ مُعَشَّرٍ، أَوْ أَقِطٍ، غَيْرَ عَلَسٍ، [منح الجليل] السِّيَاقِ إذْ صَاعٌ بِتَقْدِيرِ إخْرَاجٍ؛ لِأَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ اخْتِيَارِيٍّ وَالْإِخْرَاجُ يَسْتَلْزِمُ مُخْرِجًا وَالْمُخَاطَبَ بِالْوُجُوبِ اللَّازِمِ لِيَجِبَ وَنَعَتَ صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ بِجُمْلَةٍ
بقوله: يجب بالسنة صاع؛ يعني أن زكاة الفطر واجبة على المشهور، ومقدارها صاع، ووجوبها بالسنة أي بالحديث لا بالقرآن على المشهور، والدليل على وجوبها ما في الموطإ عن ابن عمر: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر من رمضان) ، ومقابل المشهور في الوجوب قول أشهب: إنها سنة أَوَّل قوله في الخبر: (فرض) ؛ بمعنى قدر، وهو بعيد لما في الترمذي: (بعث النبي صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي في فجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم) ،
ولِمَا قاله ابن دقيق العيد أنه وإن كان أصل فرض في اللغة قدر، لكن نقل في عرف الشرع إلى الوجوب، فالحمل عليه أولى، وقوله: في فجاج مكة، هو الصواب، كما ذكره غير واحد، وهو الواقع في سنن الترمذي. وَوهِمَ بعضهم من أن فرضها في السنة الثانية ومكة حرب، فجعلها المدينة زاعما أن بعث المنادي إنما يكون عقب الفرض،
قال: ولو قلنا إن البعث بعد فلم خصها مع أنه فرض في الثانية أمورا كثيرة كزكاة المال والصوم. انتهى. وهذا توهيم للرواية بمجرد توهم العارضة، وهو معيب عند المحدثين،
وأما ما زعم أنه إنما يكون عقب الفرض فغير لازم؛ إذ لم يقل بعث حين فرضت،
وكذا لا يشكل عدم بعث المنادي في غيرها للفرق بين الصلاة والصوم لعلم حكمهما من القرآن دونها، وبعث النادي يحتمل سنة الفتح أو سنة حج أبي بكر بالناس، أو سنة حجة الوداع والأول أظهر، وقد تقرر أن الدليل إذا عارضه غيره وجب تأويله، فيجب تأويل قوله: في فجاج، بأحد ما قلنا ولا تُوهَّمُ الرواية على أنه لا يلزم بعث المنادي في كل حكم، وما سأل عنه هذا البعض يسأل عنه على ما قاله من المدينة.
وقوله: "صاع" ، فاعل "يجب" ، وما ذكره المصنف من أن زكاة الفطر واجبة بالسنة هو المشهور كما مر؛ لأن آية الزكاة العامة سابقة عليها، فعلم أنها غير مرادة بها أو غير صريحة في وجوبها. قاله الأمير.
وقيل: واجبة بالكتاب، فقيل: من عموم آيات الزكاة،
وقيل: بدليل خاص؛ وهو قوله تعالى: {قد أفلح من تزكى} ؛ أي أخرج زكاة الفطر، {وذكر اسم ربه فصلى} ؛ أي صلاة العيد،
والمشهور كما قال اللخمي أن: معنى تزكى: تطهر، وإنما يقال فيمن يزكي زكى أي أدى الزكاة، ومعنى {صلى} ، أتى بالصلوات الخمس على أنه ليس في الآية أمر، وإنما تضمنت مدح من فعل ذلك،
ويصح المدح على المندوب، والأعم لا دلالة له على الأخص، ولعل وجه استدلال الغير بذلك مع ظهور ما للخمي أن المدح يقتضي الطلب، والأصل فيه الوجوب حتى يثبت دونه. وقوله: "صاع" ؛ أي إخراج صاع، والصاع أربعة أمداد، كل مد ملء اليدين المتوسطتين. لا مقبوضين ولا مبسوطتين قاله عبد الباقي.
وقال الخرشي والشبراخيتي: الصاع أربعة أمداد، كل مد رطل وثلث بالبغدادي، وتقدم أن الرطل البغدادي مائة وثمانية وعشرون درهما مكيا. انتهى. وتقدم أن الدرهم المكي خمسون وخمسا حبة من مطلق الشعير، وقد حُزِرَ الصاع فَوُجِدَ أربع حفنات بكف الرجل الذي ليس بعظيم الكفين ولا صغيرهما، هذا هو قدره الذي لا يختلف، فليس كل مكان فيه مد النبي صلى الله عليه وسلم. ونقل الرجراجي عن أبي محمد أنه قال: بحثنا عن مد النبي صلى الله عليه وسلم فلم نقع على حقيقته؛
يعني حقيقة قدره، وأحسن ما أخذناه عن المشايخ أن قدر مد النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يختلف أو لا يعدم في سائر الأمصار أربع حفنات بحفنة الرجل الوسط، لا بالطويل جدا ولا بالقصير جدا، ليست بمبسوطة الأصابع جدا ولا بمقبوضتها جدا؛ لأنها إن بسطت فلا تحمل إلا قليلا،
وإن قبضت فكذلك. قال الرجراجي: وقد عارضته بما يزعم الناس أنه مده صلى الله عليه وسلم، فوجدناه صحيحا لا شك فيه. وكان عند شيخ الطريقة وإمام الحقيقة أبي محمد صالح مُدُّ عُبِّرَ يمُدِّ زيد بن ثابت رضي الله عنه، مكتوب عنده بسند صحيح، فعبرناه على هذا التعبير فكان مده ذلك القدر. وقوله: "صاع" ؛ أي يجب إخراج صاع كامل في حق المسلم الحر القادر عليه عن نفسه وعن كل مسلم تلزمه نفقته بسبب من الأسباب الآتية.
واعلم أن أركان الفطرة أربعة: المخرج بفتح الراء، والمخرج عنه، والوقت المخرج فيه،
ومن تدفع إليه، وتكلم المصنف على جميعها، فبدأ بالكلام على الركن الأول، وهو المخرج بفتح الراء، وَيُتَكَلَّمَ عليه باعتبار قدره ونوعه، فبدأ بالكلام على قدره، فقال: إنه صاع. أو جزؤه؛ يعني أن الواجب في زكاة الفطر قدره صاع في حق المسلم القادر عليه الحر عن نفسه وعن كل مسلم تلزمه نفقته على ما يأتي، أو جزء صاع في عبد مشترك ومعتق بعضه كما يأتي،
وفي حق من لم يجد غيره فيخرجه الشخص عن نفسه أو عمن تلزمه نفقته، لقول سند: من قدر على بعض الزكاة أخرجه على ظاهر المذهب، لخبر: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه بما استطعتم (١) ): وكلام سند ودليله شامل للمخرج عن نفسه وعمن تلزمه نفقته. قاله الشيخ سالم. فالمصنف أشار لمسألته ومسألة الرقيق الشاملة لصورتين، فالصور ثلاث، ولا يرد على تعميمه في المسألتين تكرار العبد المشترك أو المبعض مع ما سيذكره لأن ما هنا في بيان الوجوب، وما يأتي في بيان القدر كما هو مدلول قوله: بقدر الملك،
وأشار إلى الركن الثاني وهو على قسمين: مخرج عن نفسه، ومخرج عن غيره. وبدأ بالأول فقال: عند؛ يعني أنه يجب إخراج ما ذكر من الصاع أو جزئه عنه؛ أي عن الشخص الحر المسلم القادر على ذلك، والوجوب يتعلق بالمكلف وبالولي، فيجب عليه إخراجها من مال الصبي والمجنون، والظاهر أن حرف الجر الذي هو عن على معناه الحقيقي وهو المجاوزة، وأنه متعلق بإخراج المقدر قبل صاع؛ أي يذهب بالصاع عنه إلى غيره، قاله جامعه عفا الله عنه.
وقال الشيخ إبراهيم: إنه متعلق بيجب، وأنه بمعنى على؛ لأن عن معناها المجاوزة، فيصير المعنى يجب وجوبا مجاوزا له وهو فاسد،
ولو عبر بعلى لأعادها مع المعطوف أيضا، فكان يقول: وعلى كل مسلم لخ، فيوهم أن الزكاة واجبة على القرابة والزوجية والرق بطريق الأصالة وليس كذلك. انتهى.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.