ولا يتعدد بولوغ كلب أو كلاب.
Its commentaries
(وَلَا يَتَعَدَّدُ) نَدْبُ الْغَسْلِ (بِوُلُوغِ كَلْبٍ) مَرَّاتٍ (أَوْ كِلَابٍ) لِإِنَاءٍ وَاحِدٍ قَبْلَ الْغَسْلِ لِتَدَاخُلِ الْأَسْبَابِ كَالْأَحْدَاثِ
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى حُكْمِ طَهَارَةِ الْخَبَثِ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَهِيَ مَائِيَّةٌ وَتُرَابِيَّةٌ صُغْرَى وَكُبْرَى وَبَدَأَ بِالْمَائِيَّةِ الصُّغْرَى فَقَالَ
Adds nothing on this mas’ala.
(قَوْلُهُ: لِتَدَاخُلِ الْأَسْبَابِ) أَيْ مُوجَبَاتِ الْأَسْبَابِ وَقَوْلُهُ كَالْأَحْدَاثِ أَيْ كَتَدَاخُلِ مُوجَبَاتِ الْأَحْدَاثِ بِفَتْحِ الْجِيمِ.
[فَصْلٌ أَحْكَامُ الْوُضُوءِ] [شُرُوط الْوُضُوء]
(قَوْلُهُ: طَهَارَةُ الْحَدَثِ) أَرَادَ بِالطَّهَارَةِ هُنَا التَّطْهِيرَ أَيْ رَفْعَ مَانِعِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ كَمَا تُطْلَقُ عَلَى الصِّفَةِ الْحُكْمِيَّةِ تُطْلَقُ عَلَى التَّطْهِيرِ كَمَا مَرَّ
(قَوْلُهُ: صُغْرَى إلَخْ) أَيْ وَكُلٌّ مِنْهُمَا
إمَّا صُغْرَى أَيْ مُتَعَلِّقَةٌ بِبَعْضِ الْأَعْضَاءِ
وَإِمَّا كُبْرَى أَيْ مُتَعَلِّقَةٌ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ
(قَوْلُهُ: وَبَدَأَ بِالْمَائِيَّةِ الصُّغْرَى) أَيْ الْمُتَعَلِّقَةِ بِبَعْضِ الْبَدَنِ (فَصْلٌ يُذْكَرُ فِيهِ أَحْكَامُ الْوُضُوءِ)
ص (وَلَا يَتَعَدَّدُ بِوُلُوغِ كَلْبٍ أَوْ كِلَابٍ) ش: أَيْ لَا يَتَعَدَّدُ الْغَسْلُ الْمَذْكُورُ بِتَعَدُّدِ وُلُوغِ الْكَلْبِ فِي الْإِنَاءِ، وَلَا بِتَعَدُّدِ الْكِلَابِ
فَلَوْ وَلَغَ كَلْبٌ فِي إنَاءٍ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، أَوْ وَلَغَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْكِلَابِ فِي إنَاءٍ كَفَى فِي ذَلِكَ سَبْعُ غَسَلَاتٍ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ إذَا تَسَاوَتْ مُوجِبَاتُهَا اُكْتُفِيَ بِأَحَدِهَا كَتَعَدُّدِ النَّوَاقِضِ فِي الطَّهَارَةِ وَالسَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ وَمُوجِبَاتِ الْحُدُودِ،
وَقِيلَ يَتَعَدَّدُ حَكَى الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ،
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا نَصَّ فِيهِ
وَالْأَظْهَرُ فِيهِ عَدَمُ التَّكَرُّرِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا خِلَافُ حِكَايَةِ ابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ شَاسٍ فِيهِ قَوْلَيْنِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا يَتَعَدَّدُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَذَكَرَ سَنَدٌ أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ وَجَعَلَهُ الْمَذْهَبَ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا إلَّا عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ،
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: عَدَمُ التَّعَدُّدِ يُنَاسِبُ الْقَوْلَ بِالنَّجَاسَةِ وَالِاسْتِقْذَارِ، وَالتَّعَدُّدُ يُنَاسِبُ مَنْ قَالَ بِالتَّعَبُّدِ،
وَالْمَشْهُورُ خِلَافُ مَا قَالَ، وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ: وَسَبَبُ الْخِلَافِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْكَلْبِ هَلْ هِيَ لِلْمَاهِيَّةِ، أَوْ لِلْجِنْسِ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَتَكَرَّرُ وَعَلَى الثَّانِي لَا يَتَكَرَّرُ،
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي الصَّوَابُ قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِعَدَمِ التَّعَدُّدِ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ وَبِالتَّعَدُّدِ فِي وُلُوغِ الْكِلَابِ، فَلِلشَّافِعِيَّةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فَرَائِضَ الْوُضُوءِ وَسُنَنَهُ وَفَضَائِلَهُ] ص (فَصْلٌ: فَرَائِضُ الْوُضُوءِ غَسْلُ مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ، وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ، وَالذَّقَنِ وَظَاهِرِ اللِّحْيَةِ) ش أَيْ هَذَا فَصْلٌ أَذْكُرُ فِيهِ فَرَائِضَ الْوُضُوءِ وَسُنَنَهُ وَفَضَائِلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا انْقَضَى كَلَامُهُ عَلَى وَسَائِلِ الطَّهَارَةِ الثَّلَاثِ الَّتِي هِيَ بَيَانُ الْمَاءِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ، وَبَيَانُ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ وَالنَّجِسَةِ، وَبَيَانُ حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَكَيْفِيَّةِ إزَالَتِهَا وَمَا يُعْفَى عَنْهُ مِنْهَا أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى مَقَاصِدِ الطَّهَارَةِ وَهِيَ الْوُضُوءُ، وَنَوَاقِضُهُ، وَالْغُسْلُ، وَنَوَاقِضُهُ وَمَا هُوَ بَدَلٌ عَنْهُمَا وَهُوَ التَّيَمُّمُ أَوْ عَنْ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ وَهُوَ مَسْحُ الْخُفِّ وَالْجَبِيرَةِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تِلْكَ الْفُصُولُ الثَّلَاثَةُ وَسَائِلَ؛
لِأَنَّ بِمَعْرِفَتِهَا يُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ صِحَّةِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، وَوَسِيلَةُ الشَّيْءِ مَا يُوصِلُ إلَيْهِ وَبَدَأَ مِنْ الْمَقَاصِدِ بِالْوُضُوءِ لِتَكَرُّرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ
إمَّا وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا.
وَالْفَرَائِضُ جَمْعُ فَرِيضَةٍ وَهِيَ الْأَمْرُ الَّذِي يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيَتَرَتَّبُ الْعِقَابُ عَلَى تَرْكِهِ، وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا: فَرْضٌ وَيُجْمَعُ عَلَى فُرُوضٍ، وَيُطْلَقُ الْفَرْضُ شَرْعًا عَلَى مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ وَجَوَازُ الْإِتْيَانِ بِهَا كَوُضُوءِ النَّافِلَةِ، وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ، وَيُشَارِكُهُ الْأَوَّلُ فِي أَنَّهُ يَأْثَمُ بِفِعْلِ الْعِبَادَةِ بِدُونِهِ، وَيَنْفَرِدُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ مَعَ تَرْكِ الْعِبَادَةِ الْمُتَوَقِّفَةِ عَلَيْهِ.
وَالْوُضُوءُ بِضَمِّ الْوَاوِ اسْمٌ لِلْفِعْلِ، وَبِفَتْحِهَا اسْمٌ لِلْمَاءِ، وَحُكِيَ عَنْ الْخَلِيلِ الْفَتْحُ فِيهِمَا وَعَنْ غَيْرِهِ الضَّمُّ فِيهِمَا وَهَذَا ضَعِيفٌ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ. حَكَى اللُّغَاتِ الثَّلَاثَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَضَاءَةِ بِالْمَدِّ وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ النَّظَافَةُ وَالْحُسْنُ، وَيُطْلَقُ الْوُضُوءُ فِي اللُّغَةِ عَلَى غَسْلِ عُضْوٍ فَمَا فَوْقَهُ وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ «بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ» وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ غَسْلُ الْيَدِ وَمَحْمَلُهُ عِنْدَنَا مَا إذَا أَصَابَهَا أَذًى مِنْ عَرَقٍ وَنَحْوِهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْوُضُوءُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ وَبَعْدَهُ يَنْفِي اللَّمَمَ وَيُصَحِّحُ الْبَصَرَ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ وَذَكَرَهُ فِي الْإِحْيَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ: وَيُصَحِّحُ الْبَصَرَ.
وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَهُوَ غَسْلُ أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ. فَوَائِدُ:(الْأُولَى) اُخْتُلِفَ مَتَى فُرِضَتْ الطَّهَارَةُ لِلصَّلَاةِ؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ حِينَ فُرِضَتْ الصَّلَاةُ وَأَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ فَهَمَزَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَقِبِهِ فَتَوَضَّأَ وَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ وَقَالَ ابْنُ الْجَهْمِ: كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ سُنَّةً ثُمَّ فُرِضَتْ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ. نَقَلَهُ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَكَلَامُ الْقَاضِي أَتَمُّ فَلْيُنْظَرْ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوُضُوءِ: جَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّ الْوُضُوءَ لَمْ يُشَرَّعْ إلَّا بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ رُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
(الثَّانِيَةُ) ذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ فِي غَزْوَةِ السَّوِيقِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ نَذَرَ أَنْ لَا يَمَسَّ رَأْسَهُ مَاءٌ مِنْ جَنَابَةٍ حَتَّى يَغْزُوَ مُحَمَّدًا مَا نَصُّهُ فِيهِ أَنَّ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ كَانَ مَعْمُولًا بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ بَقَايَا دِينِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَمَا بَقِيَ فِيهِمْ الْحَجُّ وَالنِّكَاحُ، وَلِذَلِكَ سَمَّوْهَا جَنَابَةً، وَقَالُوا: رَجُلٌ جُنُبٌ لِمُجَانَبَتِهِمْ الْبَيْتَ الْحَرَامَ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَلِذَلِكَ عَرَفُوا مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي الْقُرْآنِ أَعْنِي قَوْلَهُ {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} وَلَمْ يَحْتَاجُوا إلَى تَفْسِيرِهِ
بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ: مَنْ كَانَ مُحْدِثًا فَلْيَتَوَضَّأْ، بَلْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} الْآيَةَ فَبَيَّنَ الْوُضُوءَ وَأَعْضَاءَهُ وَكَيْفِيَّتَهُ وَسَبَبَهُ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ فِي الْجَنَابَةِ انْتَهَى.
(الثَّالِثَةُ) قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّ الْغُرَّةَ وَالتَّحْجِيلَ مِمَّا اخْتَصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنْ الْأُمَمِ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ» يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ الْأَصِيلِيُّ وَغَيْرُهُ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِمَّا اخْتَصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ، وَعَارَضَهُ غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي» وَالْأُمَّةُ مُخْتَصَّةٌ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ لَا بِالْوُضُوءِ (وَأُجِيبَ) بِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَوْ أَنَّهُ اخْتَصَّتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ دُونَ أُمَمِهَا إلَّا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى. وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ حَجَرٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ.
(قُلْتُ) : وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ فِي كِتَابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ فِي حَدِيثِ جُرَيْجٍ وَفِي الْبُخَارِيِّ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى فَيَتَّجِهُ حُجَّةً عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ كَانَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهَا وَتَصْحِيحٌ لِتَأْوِيلِ اخْتِصَاصِهَا بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى، فَتَحَصَّلَ مِنْهَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ، وَاخْتُلِفَ فِي اخْتِصَاصِهَا بِهِ
وَالصَّحِيحُ عَدَمُ اخْتِصَاصِهَا.
وَالسِّيمَا بِكَسْرِ السِّينِ وَالْمَدِّ وَالْقَصْرِ: الْعَلَامَةُ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي آخِرِ الْفَصْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ قَوْلَ الْأَصِيلِيِّ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الرَّابِعَةُ) الْوُضُوءُ فِي الشَّرْعِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ فَرْضٌ، وَمُسْتَحَبٌّ، وَمُبَاحٌ، وَمَمْنُوعٌ. (فَالْوُضُوءُ الْفَرْضُ) لِكُلِّ عِبَادَةٍ لَا يَصِحُّ فِعْلُهَا إلَّا بِطَهَارَةٍ كَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ فَرْضُهُمَا وَنَفْلُهُمَا وَلَمْسُ الْمُصْحَفِ،
وَقِيلَ: إنَّ الْوُضُوءَ لِلنَّفْلِ مِنْهُمَا وَمَسَّ الْمُصْحَفِ سُنَّةٌ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ، وَرُدَّ ذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ تَعَمُّدَ فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ دُونَ طَهَارَةٍ مَعْصِيَةٌ وَأَنَّهُ لَا تَنْعَقِدُ تِلْكَ النَّافِلَةُ وَلَا يَلْزَمُ قَضَاؤُهَا بَلْ عَدَّ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ فِيمَا يَكْفُرُ بِهِ فِعْلَ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ، (وَالْمُسْتَحَبُّ) الْوُضُوءُ الْمُجَدَّدُ لِكُلِّ صَلَاةٍ إذَا كَانَ قَدْ فُعِلَتْ بِهِ عِبَادَةٌ،
وَقِيلَ: إنَّهُ سُنَّةٌ وَوُضُوءُ الْإِمَامِ لِخُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ،
وَقِيلَ: فَرِيضَةٌ وَالْوُضُوءُ لِلْأَذَانِ وَالْإِقَامَةُ وَلِلنَّوْمِ وَلَوْ كَانَ جُنُبًا،
وَقِيلَ: إنَّ وُضُوءَ الْجُنُبِ لِلنَّوْمِ سُنَّةٌ وَلِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ظَاهِرًا، وَلِقِرَاءَةِ الْحَدِيثِ وَلِاسْتِمَاعِهِمَا، وَلِلدُّعَاءِ، وَالْمُنَاجَاةِ، وَلِلذِّكْرِ، وَلِصَاحِبِ السَّلَسِ، وَمِنْهُ الْمُسْتَحَاضَةُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ إذَا كَانَ إتْيَانُ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ انْقِطَاعِهِ أَوْ تَسَاوَيَا كَمَا سَيَأْتِي، وَلِأَعْمَالِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كُلِّهَا مَا عَدَا الطَّوَافَ وَالصَّلَاةَ فَيَجِبُ لِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَلَا يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ لِلْجُنُبِ إلَّا عِنْدَ الْأَكْلِ خِلَافًا لِلْقَاضِي عِيَاضٍ قَالَ الْبَاجِيُّ وَالْمَازِرِيُّ: وَمَحْمَلُ الْحَدِيثِ فِي أَمْرِ الْجُنُبِ بِالْوُضُوءِ لِلْأَكْلِ عِنْدَنَا عَلَى غَسْلِ الْيَدِ وَهَلْ ذَلِكَ لِأَذًى أَصَابَهَا؟ (وَالْمُبَاحُ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ: هُوَ الْوُضُوءُ لِلدُّخُولِ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَلِرُكُوبِ الْبَحْرِ وَشِبْهِهِ مِنْ الْمَخَاوِفِ، وَلِيَكُونَ الشَّخْصُ عَلَى طَهَارَةٍ وَلَا يُرِيدُ بِهِ صَلَاةً يَعْنِي اسْتِبَاحَةَ صَلَاةٍ يُرِيدُ أَوْ غَيْرَهَا مِمَّا يَمْنَعُهُ الْحَدَثُ. ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يُقَالُ فِي هَذَا كُلِّهِ: إنَّهُ مِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ.
(قُلْتُ) وَجَزَمَ ابْنُ جُزَيٍّ فِي قَوَانِينِهِ بِاسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ لِذَلِكَ وَزَادَ وَلِقِرَاءَةِ الْعِلْمِ.
قَالَ: وَالْمُبَاحُ الْوُضُوءُ لِلتَّنْظِيفِ وَالتَّبَرُّدِ وَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ بِاسْتِحْبَابِهِ لِتَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ: مِنْ الْمُبَاحِ الْوُضُوءُ لِتَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمِهِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَالظَّاهِرُ فِي هَذَا كُلِّهِ الِاسْتِحْبَابُ مَا عَدَا التَّنْظِيفَ وَالتَّبَرُّدَ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّ التَّنْظِيفَ وَإِنْ كَانَ مَطْلُوبًا شَرْعًا لَمْ يُطْلَبْ غَسْلُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِخُصُوصِهَا لَهُ.
وَحَدِيثُ «بُنِيَ الدِّينُ عَلَى النَّظَافَةِ» ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ: لَمْ أَجِدْهُ هَكَذَا وَفِي الضُّعَفَاءِ لِابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «تَنَظَّفُوا فَإِنَّ الْإِسْلَامَ نَظِيفٌ» وَلِلطَّبَرَانِيِّ سَنَدٌ ضَعِيفٌ جِدًّا «النَّظَافَةُ تَدْعُو إلَى الْإِيمَانِ» انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَانِ مِنْ سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ» الْحَدِيثَ.
وَقَالَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَفِيهِ خَالِدُ بْنُ إيَاسٍ وَهُوَ مُضَعَّفٌ (وَالْوُضُوءُ الْمَمْنُوعُ) هُوَ الْمُحَدَّدُ قَبْلَ أَنْ تُفْعَلَ بِهِ عِبَادَةٌ، وَالْوُضُوءُ لِغَيْرِ مَا شُرِّعَ لَهُ الْوُضُوءُ أَوْ أُبِيحَ. وَجَعَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَابْنُ جُزَيٍّ وَالشَّبِيبِيُّ الْوُضُوءَ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ وَزَادُوا الْوُضُوءَ الْمَسْنُونَ وَعَدُّوا فِيهِ وُضُوءَ الْجُنُبِ لِلنَّوْمِ، وَزَادَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِيهِ تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَوُضُوءَ النَّافِلَةِ وَمَسَّ الْمُصْحَفِ
وَالْمَشْهُورُ فِي الْأَوَّلَيْنِ الِاسْتِحْبَابُ، وَفِي وُضُوءِ النَّافِلَةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ الْفَرِيضَةُ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْتُهُ فَلِذَلِكَ تَرَكْتُ هَذَا الْقِسْمَ.
وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ: الْوُضُوءُ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ فَرِيضَةٌ بِلَا خِلَافٍ
وَأَمَّا الْوُضُوءُ لِغَيْرِ الْفَرْضِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ كَحُكْمِ مَا يُفْعَلُ بِهِ مِنْ فَرِيضَةٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ نَافِلَةٍ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ فَرْضٌ لِكُلِّ عِبَادَةٍ لَا تُسْتَبَاحُ إلَّا بِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَزَمَ عَلَى فِعْلِهَا فَالْمَجِيءُ بِهَا بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مَعْصِيَةٌ وَاسْتِخْفَافٌ بِالْعِبَادَةِ، فَيَلْزَمُ الْمَجِيءُ بِشُرُوطِهَا فَرْضًا، كَمَا أَنَّهُ إذَا دَخَلَ فِي نَافِلَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إتْمَامُهَا. قَالَ الْقَبَّابُ: وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ يُونُسَ وَابْنُ رُشْدٍ إلَّا الْقَوْلَ الثَّانِيَ، قَالَ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الْقَوْلَيْنِ لَمْ يَخْتَلِفَا فِي حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ؛
لِأَنَّ الْكُلَّ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مَمْنُوعَةٌ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا، وَالْكُلُّ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لِلنَّافِلَةِ لَيْسَ بِمَفْرُوضٍ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ فَعَادَ الْخِلَافُ إلَى عِبَادَةٍ،
فَمَنْ لَاحَظَ كَوْنَ النَّافِلَةِ لَوْ تَرَكَهَا لَمْ يَأْثَمْ
وَكَذَلِكَ طُهْرُهَا قَالَ: إنَّهُ سُنَّةٌ وَمَنْ لَاحَظَ كَوْنَهُ إذَا تَلَبَّسَ بِهَا بِغَيْرِ طَهَارَةٍ أَثِمَ قَالَ: إنَّهُ فَرْضٌ.
(قُلْتُ) وَمُلَخَّصُهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى التَّفْسِيرَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ لِلْفَرْضِ فَمَنْ نَفَاهُ أَرَادَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ،
وَمَنْ أَثْبَتَهُ أَرَادَ الْمَعْنَى الثَّانِيَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى حُرْمَةِ الصَّلَاةِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَمَا حُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَالطَّبَرِيِّ مِنْ تَجْوِيزِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ بَاطِلٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الْخَامِسَةُ) لِلْوُضُوءِ شُرُوطٌ، وَفُرُوضٌ، وَسُنَنٌ، وَفَضَائِلُ، وَمَكْرُوهَاتٌ، وَمُبْطِلَاتٌ، وَهِيَ نَوَاقِضُهُ. وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْفَصْلِ فَرَائِضَهُ، وَسُنَنَهُ، وَفَضَائِلَهُ، وَيَذْكُرُ نَوَاقِضَهُ فِي فَصْلٍ بَعْدَ هَذَا، وَلَمْ يَذْكُرْ شُرُوطَهُ، وَلَا مَكْرُوهَاتِهِ فَنَذْكُرُ الشُّرُوطَ هُنَا لِتَقَدُّمِ الشَّرْطِ عَلَى الْمَشْرُوطِ وَنَذْكُرُ الْمَكْرُوهَاتِ فِي آخِرِ الْفَصْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَنَقُولُ: شُرُوطُ الْوُضُوءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مِنْهَا: مَا هُوَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهِ وَصِحَّتِهِ مَعًا، وَمِنْهَا: مَا هُوَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهِ فَقَطْ، وَمِنْهَا: مَا هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ فَقَطْ.
فَالْأَوَّلُ خَمْسَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ بُلُوغُ دَعْوَةِ النَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْعَقْلُ، وَانْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ، وَانْقِطَاعُ دَمِ النِّفَاسِ، وَوُجُودُ مَا يَكْفِيهِ مِنْ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ.
وَالثَّانِي سِتَّةٌ: دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ، وَتَذَكُّرُ الْفَائِتَةِ، وَالْبُلُوغُ، وَعَدَمُ الْإِكْرَاهِ عَلَى تَرْكِهِ، وَعَدَمُ السَّهْوِ وَالنَّوْمِ عَنْ الْعِبَادَةِ الْمَطْلُوبِ لَهَا الْوُضُوءُ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَثُبُوتُ حُكْمِ الْحَدَثِ الْمُوجِبِ لِذَلِكَ أَوْ الشَّكُّ فِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا سَيَأْتِي.
(وَالثَّالِثُ) هُوَ الْإِسْلَامُ فَقَطْ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ يَكُونُ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ، وَشُرُوطُ وُجُوبِ الْغُسْلِ وَشُرُوطُ صِحَّتِهِ كَالْوُضُوءِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَمَّا فَرَائِضِ الْوُضُوءِ فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِي عَدَدِهَا فَعَدَّهَا ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا سِتَّةً: الْأَعْضَاءُ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ، وَالنِّيَّةُ، وَالْمُوَالَاةُ. وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْفَوْرِ وَجَعَلُوا الدَّلْكَ رَاجِعًا لِلْغُسْلِ، وَعَدَّهَا ابْنُ يُونُسَ وَابْنُ بَشِيرٍ وَغَيْرُهُمَا سَبْعَةً: السِّتَّةُ الْمَذْكُورَةُ، وَالْمَاءُ الْمُطْلَقُ. وَعَدَّهَا ابْن رُشْدٍ ثَمَانِيَةً: السَّبْعَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَالتَّرْتِيبُ. وَعَدَّهَا غَيْرُهُ ثَمَانِيَةً أَيْضًا لَكِنَّهُ جَعَلَ بَدَلَ التَّرْتِيبِ الْجَسَدَ الطَّاهِرَ،
وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَلَى عَدِّ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ قَالَ: وَأَمَّا النِّيَّةُ فَنَعْتُهَا بِالشَّرْطِيَّةِ أَظْهَرُ مِنْ نَعْتِهَا بِالْفَرْضِيَّةِ. وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الدَّلْكَ وَالْمُوَالَاةَ يَرْجِعَانِ إلَى صِفَةِ الْغُسْلِ، وَعَدَّهَا الْمُصَنِّفُ سَبْعَةً: الْأَعْضَاءُ الْأَرْبَعَةُ، وَالنِّيَّةُ وَالدَّلْكُ، وَالْمُوَالَاةُ. إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهَا قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ، وَلَمْ يَعُدَّ التَّرْتِيبَ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ فِيهِ أَنَّهُ سُنَّةٌ عَلَى تَفْصِيلٍ سَيَأْتِي، وَلَمْ يَعُدَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ؛ لِأَنَّهُ شَرْطُ وُجُوبٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَمْ يُعِدَّ الْجَسَدَ الطَّاهِرَ كَمَا عَدَّهُ الْأَبْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي ارْتَضَاهُ فِي تَوْضِيحِهِ فِي بَابِ الْغُسْلِ وَابْنُ عَرَفَةَ هُنَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ طَهَارَةُ الْمَحَلِّ قَبْلَ وُرُودِ الْمَاءِ لِغَسْلِ الْوُضُوءِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَظَاهِرُ قَوْلِ عَبْدِ الْحَقِّ وَبَعْضِ شُيُوخِهِ فِي انْغِمَاسِ الْجُنُبِ وَالْمَازِرِيِّ فِي نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَسَمَاعِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِوُضُوئِهِ بِطَهُورٍ يَنْقُلُهُ لِأَعْضَائِهِ وَبِهَا مَاءٌ نَجِسٌ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا فِي مَاءٍ تَوَضَّأَ بِهِ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ تَوَضَّأَ بِهِ وَلَا يُنَجِّسُ ثَوْبًا أَصَابَهُ إنْ كَانَ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ أَوَّلًا طَاهِرًا.
عَدَمُ شَرْطِ طَهَارَةِ الْمَحَلِّ قَبْلَ وُرُودِ الْمَاءِ لِغَسْلِ الْوُضُوءِ خِلَافًا لِلْجَلَّابِ وَأَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْلَمَةَ فِي اشْتِبَاهِ الْآنِيَةِ وَيَغْسِلُ أَعْضَاءَهُ فَمَا قَبْلَهُ يُرَدُّ بِكَوْنِهِ لِاحْتِمَالِ قُصُورِ وُضُوئِهِ الثَّانِي عَنْ مَحَلِّ الْأَوَّلِ، وَأَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الْبَاجِيِّ: رَأَيْت لِابْنِ مَسْلَمَةَ مَنْ كَانَ بِذِرَاعِهِ نَجَاسَةٌ فَتَوَضَّأَ وَلَمْ يُنَقِّهَا أَعَادَ أَبَدًا يُرَدُّ بِأَنَّ نَصَّهَا فِي النَّوَادِرِ بِزِيَادَةٍ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْ مَحَلَّهَا وَلَوْ كَانَتْ بِرَأْسِهِ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ بَعْضِهِ لَا شَيْءَ فِيهِ، فَهَذَا بَيِّنٌ فِي أَنَّ إعَادَتَهُ لِتَرْكِ مَحَلِّهَا إذَا كَانَتْ فِي الرَّأْسِ فِي الْوَقْتِ؛
لِأَنَّهَا فِيهِ كَصَلَاتِهِ بِنَجَاسَةٍ انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي شَرْحِ حَدِيث مَيْمُونَةَ فِي الْغُسْلِ: وَإِنْ شَاءَ نَوَى الْجَنَابَةَ عِنْدَ غَسْلِ الْأَذَى وَلَا يُعِيدُ غَسْلَ مَحَلِّهِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي أَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تُرَدَّ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَهِيَ طَاهِرَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ: شَرْطُهَا ذَلِكَ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَأْتِي فِي بَابِ الْغُسْلِ مَعَ كَلَامِ الْجُزُولِيّ وَصَاحِبِ الطِّرَازِ وَغَيْرِهِمَا وَأَنَّهُ إذَا غَسَلَ مَوْضِعَ الْأَذَى بِنِيَّةِ الْجَنَابَةِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ أَجْزَأَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ هُوَ قَوْلُهُ فِيمَنْ نَزَلَ فِي حَوْضٍ نَجِسٍ ثُمَّ خَرَجَ وَغَسَلَ يَدَيْهِ وَغَرَفَ بِهِمَا مِنْ الْمَاءِ الطَّهُورِ وَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَفِيهِ الْمَاءُ النَّجِسُ ثُمَّ رَدَّهُمَا وَغَرَفَ بِهِمَا وَغَسَلَ بَقِيَّةَ أَعْضَائِهِ،
وَقَالَ: لَيْسَ بِهَذَا بَأْسٌ وَأَرَاهُ سَهْلًا، وَقَدْ قَالَ: هَذَا مِمَّا أَجَازَهُ النَّاسُ وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ
قَالَ: وَلَوْ نَجَسَ طَهُورُهُ بِرَدِّ يَدَيْهِ فِيهِ بَعْدَ أَنْ مَسَّ بِهِمَا جِسْمَهُ فِي نَقْلِ الْمَاءِ إلَيْهِ وَغَسْلِهِ لَوَجَبَ أَنْ يَنْجَسَ الْمَاءُ الَّذِي نَقَلَهُ إلَيْهِ بِمُلَاقَاتِهِ إيَّاهُ فَلَا يَطْهُرُ أَبَدًا،
وَفِي الْإِجْمَاعِ عَلَى فَسَادِ هَذَا مَا يَقْضِي بِفَسَادِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ طُهْرَهُ يَنْجَسُ بِذَلِكَ وَإِنَّ الْغُسْلَ لَا يُجْزِي وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يُنَجِّسُ ثَوْبًا أَصَابَهُ إنْ كَانَ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ أَوَّلًا طَاهِرَ الْأَعْضَاءِ قَالَ الْمَغْرِبِيُّ: يَقُومُ مِنْهَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي أَعْضَاءِ الْمُتَوَضِّئِ أَنْ تَكُونَ طَاهِرَةً؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ الطَّهَارَةَ فِي حَقِّ الْمُتَوَضِّئِ الثَّانِي،
وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ صَحِيحٌ بِالْإِطْلَاقِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ خِلَافًا لِابْنِ الْجَلَّابِ قَالَ ابْنُ نَاجِي: مَا ذَكَرَهُ صَحِيحٌ، ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُ ابْنِ الْجَلَّابِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ فِي الْمَاءِ الْيَسِيرِ: تَحِلُّهُ النَّجَاسَةُ أَنَّهُ لَا يَنْجَسُ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَعِبَارَةُ الْجَلَّابِ لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِيمَا يَنْسُبُونَهُ إلَيْهَا وَنَصُّهَا: وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ عَنْ الثَّوْبِ وَالْجَسَدِ وَالْمَكَانِ مَسْنُونَةٌ غَيْرُ مَفْرُوضَةٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَتَجِبُ إزَالَتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَطْهِيرُ الْأَعْضَاءِ مَعَ وُجُودِهَا فِيهَا، فَوَجَبَ إزَالَتُهَا لِذَلِكَ لَا لِنَفْسِهَا فَتَأَمَّلْهُ.
(فَرْعٌ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْحِنَّاءِ: وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَحَدٌ طَهَارَةَ الْأَعْضَاءِ مِنْ الدَّنَسِ. وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا إذَا انْضَافَ الْمَاءُ بَعْدَ وُصُولِهِ لِلْعُضْوِ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ وَعَلَى الدَّلْكِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَقَوْلُ الشَّيْخِ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْقُرْطُبِيَّةِ: إنَّهُ يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ تَحِلُّهُ نَجَاسَةٌ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْضَافُ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَى الْعُضْوِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنَّ فَرَائِضَ الْوُضُوءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَهِيَ الْأَعْضَاءُ الْأَرْبَعَةُ، وَقِسْمٌ اُتُّفِقَ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ النِّيَّةُ وَالْمَاءُ الْمُطْلَقُ، وَقِسْمٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ الْفَوْرُ وَالتَّرْتِيبِ.
(قُلْتُ) وَمَا حَكَاهُ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ فَرْضٌ حَكَاهُ ابْنُ حَارِثٍ وَحَكَى الْمَازِرِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ فِيهَا الْخِلَافَ وَسَيَأْتِي، وَيُزَادُ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ الدَّلْكُ وَالْجَسَدُ الطَّاهِرُ فَتَتِمُّ الْجُمْلَةُ عَشْرَةً، وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ الْكَلَامَ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا وَعَلَى تَرْتِيبِهَا فِي الْآيَةِ فَبَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ حَدِّهِ عَرْضًا وَطُولًا فَقَالَ: فَرَائِضُ الْوُضُوءِ غَسْلُ مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ، يَعْنِي أَنَّ فَرَائِضَ الْوُضُوءِ سَبْعٌ (الْفَرِيضَةُ) الْأُولَى غَسْلُ الْوَجْهِ وَفَرْضِيَّتُهَا ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَحَدُّهُ عَرْضًا مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِهِمْ: مِنْ الْأُذُنِ إلَى الْأُذُنِ لِلْخِلَافِ فِي الْغَايَةِ هَلْ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْمُغَيَّا أَمْ لَا؟
وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ: مِنْ الْعِذَارِ إلَى الْعِذَارِ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ
وَقِيلَ: إنْ كَانَ نَقِيَّ الْخَدِّ فَكَالْأَوَّلِ وَإِلَّا فَكَالثَّانِي. حَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَانْفَرَدَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بِأَنَّ غَسْلَ مَا بَيْنِ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ سُنَّةٌ وَضَعَّفَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ الْوَجْهِ وَجَبَ وَإِلَّا سَقَطَ وَلَا يَثْبُتُ كَوْنُهُ سُنَّةً إلَّا بِدَلِيلٍ وَلَمْ يَثْبُتْ فَتَحْصُلُ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ وَأَنَّ مَا بَيْنَ الْعِذَارَيْنِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُوَاجَهَةَ تَقَعُ بِالْجَمِيعِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الْوَجْهِ الثَّانِي، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَا تَقَعُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ غَالِبًا.
وَوَجْهُ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ ظَاهِرٌ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ التَّنَازُعُ فِي الْمُوَاجَهَةِ هَلْ تَتَنَاوَلُ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ أَمْ لَا؟ وَالْعِذَارُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الْعَارِضِ وَالْعَارِضُ صَفْحَةُ الْخَدِّ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) ذَكَرَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّهُ قَالَ: وَانْظُرْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَغْسِلُ مِنْ الْعِذَارِ إلَى الْعِذَارِ، هَلْ يَدْخُلُ الْعِذَارُ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ دُخُولُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: قُلْتُ: الْأَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ عَدَمُهُ.
(قُلْتُ) الظَّاهِرُ مَا قَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ.
(الثَّانِي) قَالَ اللَّخْمِيُّ خَفِيفُ الْعِذَارِ كَمَنْ لَيْسَ لَهُ عِذَارٌ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
(الثَّالِثُ) عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ: إنَّ غَسْلَ مَا بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ سُنَّةٌ فَيَغْسِلُهُ مَعَ الْوَجْهِ وَلَا يُفْرِدُهُ بِالْغَسْلِ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ. قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْحِ الْأُذُنِ حَيْثُ طَلَبَ لَهَا تَجْدِيدَ الْمَاءِ أَنَّ إفْرَادَهُ بِالْغَسْلِ يُؤَدِّي إلَى التَّكْرَارِ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدَّ الْوَجْهِ طُولًا فَقَالَ: وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ وَالذَّقَنِ وَظَاهِرِ اللِّحْيَةِ. يَعْنِي أَنَّ حَدَّ الْوَجْهِ طُولًا مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ إلَى مُنْتَهَى الذَّقَنِ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ لِحْيَةٌ
وَأَمَّا مَنْ لَهُ لِحْيَةٌ فَيَغْسِلُ ظَاهِرَهَا وَلَوْ طَالَتْ. وَالذَّقَنُ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْحَاءِ تَثْنِيَةُ لَحْيٍ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْحَاء أَيْضًا، وَحُكِيَ كَسْرُ اللَّامِ فِي الْمُفْرَدِ وَالْمُثَنَّى وَاللَّحْيُ الْعَظْمُ الَّذِي تَنْبُتُ فِيهِ اللِّحْيَةُ. هَكَذَا فَسَّرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَالْفَاكِهَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْعَظْمُ الَّذِي تَنْبُتُ فِيهِ الْأَسْنَانُ السُّفْلَى وَتَنْبُتُ اللِّحْيَةُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَمَا أَدْرِي لِمَ قَيَّدُوهُ بِالْأَسْنَانِ السُّفْلَى وَقَدْ قَالُوا فِي بَابِ الْجِرَاحِ: اللَّحْيُ الْأَعْلَى وَاللَّحْيُ الْأَسْفَلُ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فِي أَحْكَامِ الْجِرَاحِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ تَفْسِيرَ اللَّحْيِ الَّذِي هُوَ مُفْرَدُ اللَّحْيَيْنِ اللَّذَانِ أُخِذَا فِي تَفْسِيرِ الذَّقَنِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَكَسْرُ اللَّامِ فِي اللِّحْيَةِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا، وَتَسْمِيَةُ اللِّحْيَةِ دَقْنًا بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ كَمَا تَقُولُهُ الْعَامَّةُ لَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى أَصْلٍ فِي اللُّغَةِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَوْلُهُ: وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ وَالذَّقَنِ إنْ جَعَلْنَاهُ مَعْطُوفًا عَلَى الْأُذُنَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى وَمَا بَيْنَ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ وَالذَّقَنِ اقْتَضَى كَلَامُهُ خُرُوجَ الذَّقَنِ مِنْ حَدِّ الْوَجْهِ، وَقَدْ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ لَا خِلَافَ أَنَّ الذَّقَنَ دَاخِلٌ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا فِي الْمِرْفَقِ مِنْ الْخِلَافِ،
وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مَعْطُوفًا عَلَى " مَا " مِنْ قَوْلِهِ: غَسْلَ عَلَى مَا قَالَ الْبِسَاطِيُّ لَزِمَ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَفْحَشُ مِنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ غَسْلَهُمَا فَقَطْ.
(قُلْتُ) قَدْ يُقَالُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الثَّانِي: إنَّ غَسْلَ مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ مَعَ غَسْلِ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ وَالذَّقَنِ يَسْتَكْمِلُ غَسْلَ جَمِيعِ الْوَجْهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَنَابِتَ شَعْرِ الرَّأْسِ مِنْ الْوَجْهِ وَلَيْسَتْ مِنْهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ: وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ مَعْطُوفٌ عَلَى الْأُذُنَيْنِ، وَقَوْلُهُ: وَالذَّقَنِ وَظَاهِرِ اللِّحْيَةِ مَعْطُوفَانِ عَلَى مَا، وَالْمَعْنَى أَنَّ حَدَّ الْوَجْهِ هُوَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَعْنِي الْأُذُنَيْنِ وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ فَيَغْسِلُ ذَلِكَ مَعَ الذَّقَنِ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ لِحْيَةٌ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ لِحْيَةٌ فَيَغْسِلُ ذَلِكَ مَعَ غَسْلِ ظَاهِرِهَا.
(الثَّانِي) قَوْلُهُ: مَنَابِتُ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ يَعْنِي الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا فِي الْعَادَةِ أَنْ يَنْبُتَ فِيهَا شَعْرُ الرَّأْسِ وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ مِنْ الْغَمَمِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَمِيمَيْنِ وَهُوَ نَبَاتُ الشَّعْرِ عَلَى الْجَبْهَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ مَوْضِعِ ذَلِكَ، يُقَالُ: رَجُلٌ غَمٌّ وَامْرَأَةٌ غَمَّاءُ وَالْعَرَبُ تَذِمُّ بِهِ وَتَمْدَحُ بِالنَّزْعِ؛
لِأَنَّ الْغَمَمَ يَدُلُّ عَلَى الْبَلَادَةِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالنَّزْعُ بِضِدِّ ذَلِكَ قَالَ:
فَلَا تَنْكِحِي إنْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَنَا ... أَغَمَّ الْقَفَا وَالْوَجْهِ لَيْسَ بِأَنْزَعَا قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ وَالْجَبْهَةُ مَا أَصَابَ الْأَرْضَ فِي حَالِ السُّجُودِ وَالْجَبِينَانِ مَا أَحَاطَ بِهَا مِنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ وَالْعَارِضَانِ وَالْعَنْفَقَةُ وَأَهْدَابُ الْعَيْنِ وَالشَّارِبِ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْوَجْهِ فَمَا كَانَ كَثِيفَ الشَّعْرِ غُسِلَ ظَاهِرُهُ وَلَمْ يَجِبْ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ،
وَقِيلَ: يَجِبُ، وَمَا كَانَ خَفِيفًا وَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ انْتَهَى.
وَفِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ.
(قُلْتُ) لَهُ وَمَا حَدُّ الْوَجْهِ الَّذِي إذَا قَصُرَ عَنْهُ الْمُتَوَضِّئُ أَعَادَ فَقَالَ لِي: دَوْرُ الْوَجْهِ.
(قُلْتُ) فَاللَّحْيُ الْأَسْفَلُ مِنْ ذَلِكَ وَالذَّقَنُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّحْيَ الْأَسْفَلَ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَيْسَ فِيهِ مُوضِحَةٌ، فَقَالَ: أَخْطَأَ مَنْ يَقُولُ هَذَا قَدْ قَالَ مَالِكٌ: إنَّ الْأَنْفَ لَا مُوضِحَةَ فِيهِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ. وَاللَّحْيُ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ فِي الْوُضُوءِ سَوَاءٌ
وَكَذَلِكَ الذَّقَنُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ مَا تَحْتَهُ وَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَفِي النَّوَادِرِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُ مَا تَحْتَ ذَقَنِهِ وَمَا تَحْتَ اللَّحْيِ الْأَسْفَلِ
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَلَا يَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَ الذَّقَنِ اتِّفَاقًا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَنَحْوُهُ فِي شَرْحِهِ لِلرِّسَالَةِ وَزَادَ فِيهِ: وَلَقَدْ رَأَيْت شَيْخَ الْمَالِكِيَّةِ نُورَ الدِّينِ السَّنْهُورِيَّ يَغْسِلُهُ وَهُوَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ فَلَا أَدْرِي لِوَرَعٍ أَوْ غَيْرِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: وَاللَّحْيُ الْأَسْفَلُ مِنْ الْوَجْهِ. قَالَهُ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَقَالَ التُّونُسِيُّ: لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ انْتَهَى. وَاحْتُرِزَ بِهِ أَيْضًا مِنْ الصَّلَعِ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ خُلُوُّ النَّاصِيَةِ مِنْ الشَّعْرِ، وَالنَّاصِيَةُ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ فَلَا تَدْخُلُ فِي حَدِّ الْوَجْهِ
وَكَذَلِكَ النَّزَعَتَانِ كَمَا قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا وَالنَّزَعَتَانِ بِفَتْحِ الزَّايِ وَالْعَيْنِ تَثْنِيَةُ نَزَعَةٍ بِفَتْحِهِمَا أَيْضًا وَهُمَا بَيَاضَانِ يَكْتَنِفَانِ النَّاصِيَةَ.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: هُمَا الْخَالِيَتَانِ مِنْ الشَّعْرِ عَلَى جَنْبَيْ الْجَبِينِ الذَّاهِبَتَيْنِ عَلَى جَنْبَيْ الْيَافُوخِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُمَا بَيَاضَانِ يَكْتَنِفَانِ النَّاصِيَةَ فَهُمَا مِنْ الرَّأْسِ وَيُقَالُ لَهُمَا الْجَلَحَتَانِ مِنْ الْجَلَحِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَاللَّامِ،
وَفِي الصِّحَاحِ رَجُلٌ أَنْزَعُ بَيْنَ النَّزَعِ وَهُوَ الَّذِي انْحَسَرَ عَنْ جَانِبَيْ جَبْهَتِهِ وَمَوْضِعُهُ النَّزَعَةُ وَهُمَا النَّزَعَتَانِ قَالَهُ فِي بَابِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ،
وَقَالَ فِي فَصْلِ الْجِيمِ مِنْ بَابِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْجَلَحُ فَوْقَ النَّزَعِ وَهُوَ انْحِسَارُ الشَّعْرِ عَنْ جَانِبَيْ الرَّأْسِ، أَوَّلُهُ النَّزَعُ ثُمَّ الْجَلَحُ ثُمَّ الصَّلَعُ وَقَدْ جَلِحَ بِالْكَسْرِ فَهُوَ أَجْلَحُ بَيِّنُ الْجَلَحِ وَاسْمُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الْجَلَحَةُ،
وَقَالَ سَنَدٌ: النَّزَعَتَانِ مِنْ الرَّأْسِ وَهُمَا الْجَلَحَتَانِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي سَمْتِ النَّاصِيَةِ وَمَا يَلِي الْجَلَحَتَيْنِ إلَى الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ انْتَهَى فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الشَّعْرَ الَّذِي فِي الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ لَا مِنْ الْوَجْهِ.
قَالَ فِي الْمُنْتَقَى: وَقَدْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّ شَعْرَ الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ يَدْخُلُ فِي الْمَسْحِ وَمَعْنَاهُ عِنْدِي مِنْ فَوْقِ الْعَظْمِ مِنْ حَيْثُ يَعْرِضُ الصُّدْغُ مِنْ جِهَةِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ يَحْلِقُهُ الْمُحْرِمُ
وَأَمَّا مَا دُون ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ الرَّأْسِ. وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إذَا كَانَ شَعْرُ الْعَارِضَيْنِ مِنْ الْخِفَّةِ بِحَيْثُ لَا يَسْتُرُ الْبَشَرَةَ لَزِمَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْعَارِضَيْنِ مِنْ الْوَجْهِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي مِنْ مَوْضِعِ الْعَظْمِ وَحَيْثُ يَبْتَدِئُ نَبَاتُ الشَّعْرِ مِنْ جِهَةِ الْوَجْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: النَّزَعَتَانِ مِنْ الرَّأْسِ يُمْسَحَانِ وَلَا يُغْسَلَانِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ وَشَعْرُ الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ مَا لَمْ يَكُنْ دَاخِلٌ مِنْهُ فِي دَوْرِ الْوَجْهِ فَإِنَّهُ يُغْسَلُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ اهـ وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: الْمَوْضِعُ الثَّانِي مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مَوْضِعُ التَّحْذِيفِ وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي بَيْنَ ابْتِدَاءِ الْعِذَارِ وَالنَّزَعَةِ وَهُوَ الدَّاخِلُ إلَى الْجَبِينِ مِنْ جَانِبَيْ الْوَجْهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الرَّأْسِ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَحُكِيَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ؛
لِأَنَّ الْعَادَةَ فِيهِ التَّحْذِيفُ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ شَعْرٌ مُتَّصِلٌ بِشَعْرِ الرَّأْسِ وَلَا اعْتِبَارَ بِالْعَادَةِ إذْ لَمْ يَجْعَلْهُ أَهْلُ اللُّغَةِ مِنْ الْوَجْهِ انْتَهَى. وَيُرِيدُ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الْجَبِينِ جِدًّا وَيُجَاوِزُ الْحَدَّ الْمُعْتَادَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ السَّابِقُ وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ فِي تَفْسِيرِ مَوْضِعِ التَّحْذِيفِ: هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مَا يَنْبُتُ عَلَيْهِ الشَّعْرُ الْخَفِيفُ مُتَّصِلًا بِالصُّدْغِ وَضَابِطُهُ أَنْ يَضَعَ طَرَفَ خَيْطٍ عَلَى طَرَفِ الْأُذُنِ، وَالطَّرَفَ الثَّانِيَ عَلَى أَعْلَى الْجَبْهَةِ فَمَا نَزَلَ عَنْهُ إلَى جَانِبِ الْوَجْهِ فَهُوَ مَوْضِعُ التَّحْذِيفِ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ؛
لِأَنَّ النِّسَاءَ وَالْأَشْرَافَ يَحْذِفُونَ الشَّعْرَ عَنْهُ لِيَتَّسِعَ الْوَجْهُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ: صَحَّحَ الْجُمْهُورُ أَنَّ مَوْضِعَ التَّحْذِيفِ مِنْ الرَّأْسِ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الشَّعْرَ الَّذِي فِي الصُّدْغَيْنِ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ إلَّا مَا كَانَ دَاخِلًا مِنْ ذَلِكَ فِي دَوْرِ الْوَجْهِ كَالْأَغَمِّ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ. إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَمَا اسْتَشْكَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا إشْكَالَ فِيهِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَمْ يُبَيِّنُوا فِي الْمَذْهَبِ حَدَّ الْوَجْهِ مِنْ جِهَةِ الْأُذُنِ إلَى طَرَفِ الْجَبْهَةِ سِوَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ وَفِي تِلْكَ الْجِهَةِ يَنْبُتُ الشَّعْرُ عَادَةً لِغَيْرِ الْأَغَمِّ،
فَإِنْ نَظَرْنَا إلَى مَا حَدَّدُوهُ فِي الطُّولِ لَمْ يَدْخُلْ وَإِنْ نَظَرْنَا إلَى مَا حُدُودُهُ فِي الْعَرْضِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَحِدُّهُ مِنْ الْأُذُنِ إلَى الْأُذُنِ دَخَلَ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِيهِ اضْطِرَابٌ، وَالنَّفْسُ أَمْيَلُ إلَى دُخُولِهِ انْتَهَى. وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ لَكِنْ قَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِغَسْلِهِ
إمَّا عَلَى أَنَّ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَطْلُوبٌ لِنَفْسِهِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ حَدَّ الْوَجْهِ طُولًا مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ سَوَاءٌ فِي الْجَبْهَةِ أَوْ فِي الصُّدْغِ إلَى آخِرِ الذَّقَنِ وَعَرْضًا مِنْ الْأُذُنِ إلَى الْأُذُنِ، وَلَيْسَ وَتَدَا الْأُذُنِ مِنْهُ، وَمِنْهُ الْبَيَاضُ الَّذِي بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ، وَطَرَفُ اللَّحْيِ الْأَسْفَلُ الْخَارِجُ مِنْ تَحْتِ الْأُذُنِ فِي سَمْتِ الْأُذُنِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الطِّرَازِ، وَأَخْرَجَ مِنْهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْبَيَاضَ الَّذِي بَيْنَ الصُّدْغِ وَالْأُذُنِ وَاللَّحْيَيْنِ الْخَارِجَيْنِ مِنْ تَحْتِ الْأُذُنِ فِي سَمْتِ الْأُذُنِ فَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الْوَجْهِ وَأَنَّ الْقَاضِيَ أَخْرَجَهُ مِنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْبَيَانِ أَنَّ اللَّحْيَ الْأَسْفَلَ مِنْ الْوَجْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الصُّدْغَ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ غَيْنٌ مُعْجَمَةٌ هُوَ مَا بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ كَذَا فَسَّرَهُ فِي الصِّحَاحِ، وَبِهِ فَسَّرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ،
فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا كَانَ مِنْهُ دُونَ الْعَظْمِ النَّاتِئِ فَهُوَ مِنْ الْوَجْهِ وَمَا كَانَ فَوْقَهُ فَهُوَ مِنْ الرَّأْسِ، وَقَوْلُهُمْ: يَجِبُ غَسْلُ الْبَيَاضِ الَّذِي بَيْنَ الصُّدْغِ وَالْأُذُنِ يَعْنُونَ بِهِ مَا كَانَ تَحْتَ الْعَظْمِ النَّاتِئِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَوْلُهُ: وَظَاهِرِ اللِّحْيَةِ يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ ظَاهِرِ اللِّحْيَةِ وَلَوْ طَالَتْ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ: وَهَذَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا،
وَقِيلَ: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ مِنْ لِحْيَتِهِ إلَّا مَا اتَّصَلَ مِنْهَا بِوَجْهِهِ لَا مَا طَالَ مِنْهَا وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي سَمَاع مُوسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ انْتَهَى. وَنَقَلَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ وَجَزَمَ بِنِسْبَةِ الثَّانِي لِسَمَاعِ مُوسَى قَالَ: وَقَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَلَهُ نَحْوُ ذَلِكَ فِي مَسْحِ مَا طَالَ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا مَا حَاذَى الْمَمْسُوحَ مِنْ الرَّأْسِ. قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَخَرَّجَ بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ عَلَى قَاعِدَةٍ وَهِيَ هَلْ يُعْتَبَرُ الْأَصْلُ فَيَجِبُ أَوْ يُعْتَبَرُ الْمُحَاذَى وَهُوَ الصَّدْرُ فَلَا يَجِبُ؟
وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ: وَاعْتِبَارُ الْأَصْلِ أَوْلَى، وَالْمُرَادُ بِغَسْلِ ظَاهِرِ اللِّحْيَةِ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَيْهَا مَعَ الْمَاءِ وَتَحْرِيكُهَا.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُحَرِّكُ اللِّحْيَةَ فِي الْوُضُوءِ وَيُمِرُّ يَدَهُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَخْلِيلٍ قَالَ ابْنُ نَاجِي: لَا خِلَافَ أَنَّ التَّحْرِيكَ لَا بُدَّ مِنْهُ.
وَقَالَ سَنَدٌ: إذَا قُلْنَا: لَا يَجِبُ تَخْلِيلُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ إمْرَارِ الْمَاءِ عَلَيْهَا مَعَ الْيَدِ وَيُحَرِّكُ يَدَهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ يَنْبُو بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ فَيَمْنَعُ بَعْضُهُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى بَعْضٍ فَإِذَا حَرَّكَ ذَلِكَ حَصَلَ اسْتِيعَابُ جَمِيعِ ظَاهِرِهِ انْتَهَى. وَهَذَا التَّحْرِيكُ غَيْرُ التَّخْلِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي التَّخْلِيلِ،
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَصِفَةُ التَّحْرِيكِ هُوَ أَنْ يُدَافِعَ مَا انْصَبَّ مِنْ الْمَاءِ عَلَيْهَا حَتَّى يُدَاخِلَهَا مِنْ غَيْرِ تَخْلِيلٍ بِالْأَصَابِعِ: وَلَفْظُ النَّوَادِرِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مَعْنَى تَحْرِيكِهَا تَحْرِيكُ الْيَدِ عَلَيْهَا عِنْدَ مُرُورِ الْيَدِ عَلَيْهَا لِيُدَاخِلَهَا الْمَاءُ؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ يَنْبُو عَنْهُ الْمَاءُ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: يَنْبُو أَيْ يَنْدَفِعُ وَيَتَبَاعَدُ.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ سَحْنُونٌ: وَمَنْ لَمْ يُمِرَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ أَعَادَ وَلَمْ تُجْزِهِ صَلَاتُهُ انْتَهَى. (الثَّانِي) إذَا كَانَ عَلَى الشَّعْرِ حَائِلٌ يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ وَجَبَ إزَالَتُهُ فَإِنْ لَمْ يُزِلْهُ ثُمَّ قَصَّ الشَّعْرَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الْحَائِلُ هَلْ يَكْفِي ذَلِكَ أَمْ لَا؟ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ.
(الثَّالِثُ) قَالَ الْجُزُولِيُّ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يَجِبُ غَسْلُ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ لِيُسْتَكْمَلَ غَسْلُ الْوَجْهِ، كَمَا يَجِبُ مَسْحُ بَعْضِ الْوَجْهِ إذَا مَسَحَ رَأْسَهُ لِيَسْتَكْمِلَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَهُمَا مِنْ بَابِ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ انْتَهَى بِالْمَعْنَى. وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَلَمْ يَعْزُهُ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيُحَرِّكُ اللِّحْيَةَ فِي الْوُضُوءِ وَيُمِرُّ يَدَهُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَخْلِيلٍ: اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ هَلْ يَغْسِلُ شَيْئًا مِنْ رَأْسِهِ لِيَتَحَقَّقَ تَعْمِيمُ الْوَجْهِ أَمْ لَا؟
قَالَ شَيْخُنَا: وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ الْوَجْهِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ اتِّفَاقًا إذَا أَخَذَ شَيْئًا مِنْ رَأْسِهِ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ.
وَأَجَبْتُهُ بِأَنَّهُ يُخْتَلَفُ فِيهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْوَجْهُ إلَّا بَعْدَ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ. وَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْحِ الْجَبِيرَةِ: إذَا بَرِئَتْ وَنَسِيَ غَسْلَهَا انْتَهَى. وَيَعْنِي بِشَيْخِهِ الْبُرْزُلِيِّ
وَقَالَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ مَنَابِتَ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ وَهُوَ أَحَدُ نَقْلَيْ شُيُوخِنَا وَهُمَا جَارِيَانِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأُصُولِيِّينَ فِيمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ، فَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لَا؟
وَكَذَا اُخْتُلِفَ هَلْ يَجِبُ إمْسَاكُ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّوْمِ؟
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَأَصْلُهُ لِابْنِ هَارُونَ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ " وَمَبْدَؤُهُ مِنْ مَبْدَأِ الْوَجْهِ ": هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ لِاسْتِيعَابِ الْوَجْهِ كَمَا لَا يَجِبُ مَسْحُ جُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ لِاسْتِيعَابِ الرَّأْسِ، فَأَوْجَبَهُ بَعْضُهُمْ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ دُونَ مَسْحِ الرَّأْسِ، وَهُوَ بَعِيدٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(قُلْتُ) وَالظَّاهِرُ الْوُجُوبُ (الرَّابِعُ) قَالَ فِي الرِّسَالَةِ فِي صِفَةِ غَسْلِ الْوَجْهِ غَاسِلًا لَهُ مِنْ أَعْلَى جَبْهَتِهِ: قَالَ شَارِحُهَا الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنِ شَعْبَانَ: السُّنَّةُ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ أَوَّلِهَا،
فَإِنْ بَدَأَ مِنْ أَسْفَلِهَا أَجْزَأَهُ، وَبِئْسَ مَا صَنَعَ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا لِيمَ،
وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا عُلِّمَ، وَعَدَّ صَاحِبُ الطِّرَازِ فِي فَضَائِلِ الْوُضُوءِ تَرْتِيبَ أَعْلَى الْعُضْوِ عَلَى أَسْفَلِهِ وَسَيَأْتِي فِي غَسْلِ الْيَدِ نَحْوُهُ عَنْ الذَّخِيرَةِ، وَعَدَّ فِي اللُّمَعِ فِي فَضَائِلِ الْوُضُوءِ أَنْ يَبْدَأَ فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَوَّلِهِ وَنَحْوُهُ فِي التَّلْقِينِ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّرْتِيبِ. (الْخَامِسُ) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق وَفِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ لِلْعَامَّةِ فِي الْوُضُوءِ أُمُورٌ مِنْهَا صَبُّ الْمَاءِ مِنْ دُونِ الْجَبْهَةِ وَهُوَ مُبْطَلٌ، وَنَفْضُ الْيَدِ قَبْلَ إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ «إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَلَا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنَّهَا مَرَاوِحُ لِلشَّيْطَانِ» قَالَ الدَّمِيرِيُّ: لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ وَلَطْمُ الْوَجْهِ بِالْمَاءِ وَهُوَ جَهْلٌ لَا يَضُرُّ.
وَالتَّكْبِيرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَأَنْكَرَهُ فِي مَرَاقِي الزَّلَفِ، وَالتَّشَهُّدُ وَأَنْكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: لَمْ يَقُلْ بِهِ إلَّا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ قَالَ: وَالْأَذْكَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْأَعْضَاءِ لَا أَصْلَ لَهَا وَأَنْكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنْ يَكُونَ فِي الْوُضُوءِ ذِكْرٌ غَيْرُ التَّسْمِيَةِ أَوَّلَهُ وَالتَّشَهُّدُ آخِرَهُ، نَعَمْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «قَالَ عَلَى وُضُوئِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي وَبَارِكْ لِي فِي رِزْقِي فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: وَهَلْ تَرَكَ مِنْ خَيْرٍ؟»
فَتَرْجَمَ النَّسَائِيُّ لِذَلِكَ فَقَالَ: بَابُ مَا يَقُولُ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَابْنُ السِّينِيِّ بَابُ مَا يَقُولُ بَيْنَ ظَهْرَانِي وُضُوئِهِ وَذَكَرَهُمَا النَّوَوِيُّ فِي حِلْيَةِ الْأَبْرَارِ انْتَهَى.
وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ: وَلَا يَنْفُضُ يَدَيْهِ قَبْلَ وُصُولِهِمَا إلَى وَجْهِهِ فَلَا يَصِحُّ وُضُوءُهُ بِاتِّفَاقٍ وَلَا يَرُشُّهُ رَشًّا وَلَا يَلْطِمُهُ لَطْمًا وَلَا يَكُبُّ وَجْهَهُ فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ، بَلْ يُفَرِّغُهُ تَفْرِيغًا حَالَ كَوْنِهِ غَاسِلًا لَهُ بِيَدَيْهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُدَلِّكُهُ بِهِمَا مَعَ الْمَاءِ أَوْ أَثَرِهِ مُتَّصِلًا بِهِ دَلْكًا وَسَطًا إذْ لَا يَلْزَمُهُ إزَالَةُ الْوَسَخِ الْخَفِيِّ بَلْ مَا ظَهَرَ وَحَالَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْعُضْوِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ.
(وَلَا يَتَعَدَّدُ بِوُلُوغِ كَلْبٍ أَوْ كِلَابٍ) الْمَازِرِيُّ: لَا نَصَّ فِي تَكْرَارِ الْغَسْلِ بِتَعَدُّدِ الْكِلَابِ وَالْأَظْهَرُ عَدَمُهُ.
[مَقَاصِد الطَّهَارَة][بَاب فِي الْوُضُوء][فَصَلِّ فِي فَرَائِض الْوُضُوء وَسُنَنه وَفَضَائِله] فَصْلٌ ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا قِسْمُ الْمَقَاصِدِ فَفِيهِ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ الْأَوَّلُ فِي فُرُوضِ الْوُضُوءِ وَسُنَنِهِ وَفَضَائِلِهِ
(وَلَا يَتَعَدَّدُ) الْغَسْلُ سَبْعًا (بِ) سَبَبِ (وُلُوغِ كَلْبٍ) وَاحِدٍ مَرَّاتٍ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ. (أَوْ) وُلُوغِ (كِلَابٍ) فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ قَبْلَ غَسْلِهِ لِتَدَاخُلِ مُسَبَّبَاتِ الْأَسْبَابِ الْمُتَّفِقَةِ فِي الْمُسَبَّبِ كَنَوَاقِضِ الْوُضُوءِ وَمُوجِبَاتِ الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ.
وَلَمَّا أَتَمَّ الْكَلَامَ عَلَى أَحْكَامِ طَهَارَةِ الْخَبَثِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ الْمَائِيَّةِ الصُّغْرَى
Adds nothing on this mas’ala.
ولا يتعدد بولوغ كلب يعني أن الكلب إذا ولغ في إناء مرات متعددة فإنه لا يتعدد غسل الإناء بسبب ذلك، بل يكفي أن يغسل سبع مرات لا أزيد من ذلك فلا يغسل سبعا ثم سبعا بعده ما ولغ أو كلاب؛ يعني أنه إذا ولغ جماعة من الكلاب في إناء كفى في ذلك سبع غسلات هذا هو المشهور.
وقيل يتعدد بولوغ كلب أو كلاب. تنبيهات. الأول: ذكر المصنف حكم غسل الإناء بالولوغ بأثر الكلام على النجاسة وذلك حسن؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الإناء من ولوغه، وتردد العلماء في ذلك هل هو واجب أو مستحب؟ وهل هو للنجاسة أو تعبد؟ فناسب من أجل ذلك ذكره بأثر الكلام على النجاسة. والله أعلم. والحديث هو: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات) ، هذا هو لفظ الموطإ، ولفظ البخاري (سبعا) ،
وفي صحيح مسلم: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات) ، واختلف هل الأمر على الوجوب أو الندب؟ وقوله: "لا طعام" هو المشهور كما مرت الإشارة إليه: وروى ابن وهب: يغسل إناء الطعام أيضا. ابن عرفة: وعلى غسل إناء الطعام في طرحه ثالثها إن قل لابن رشد عن روايتي ابن وهب وابن القاسم والمازري مع اللخمي عن مطرف، وابن الماجشون لا يطرح،
ولو عجن بمائه طرح؛ لأنها نجاسة أدخلها. سند: وعلى غسل إناء الطعام لو كان الطعام جامدا فلحس منه الكلب هل يغسل اعتبارا بالمائع؟ أو لا يغسل؟ كما لو خطف سهم لحم من الجفنة، أو طائر أو وقع في إناء، والظاهر أنه يغسله لعموم الحديث فإن ذلك يعد ولوغا
بخلاف ما خطفه، وعند الشافعي: يغسل جميع ذلك، والخلاف في إناء الطعام كما عرفت،
وأما الحوض فلم أو فيه خلافا قاله الحطاب،
وقيل سؤر المأذون فيه طاهر، وسؤر غيره نجس،
وقيل يفرق بين البدوي فيحمل على الطهارة. والحضري فيحمل على النجاسة. الثاني: قال صاحب الجمع: وهل يشرب ذلك الماء ويؤكل ما عجن به؟ إن قلنا إن الغسل تعبد أو لتشديد النهي جاز،
وإن قلنا للنجاسة أو للقذارات أو مخافة الكَلْبِ الكَلِبِ منع،
وفي المقدمات: وعلى القول بأنه يغسل سبعا تعبدا يجوز شربه ولا ينبغي الوضوء به إذا وجد غيره للخلاف في نجاسته، وعلى أنه للنجاسة لا يجوز شربه. وقد مر القولان بأنه معلل، فقيل لنجاسته،
وقيل لقذارته، واختار ابن رشد كون المنع مخافة أن يكون الكلب كلبا فيكون قد داخل من لعابه الماء ما يشبه السم، قال: ويدل على صحة هذا التأويل تحديده بالسبع، لأن السبع من العدد المستحب فيما كان طريقه التداوي لا سيما فيما يتوقى منه السم، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- في مرضه: (هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن (١) )،
وقال (من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضرة ذلك اليوم سم ولا سحر (٢) ). الثالث: قال سند: إذا لعق الكلب يد أحدكم فلا يغسلها، ويستعمل الولوغ في الكلاب والسباع ولا يستعمل في الآدمي، ويستعمل الشرب في الجميع وليس شيء من الطير يلغ إلا الذباب، ويقال ولغ يلغ بفتح اللام فيهما ولوغا بضم الواو،
فإذا شرب كثيرا فهو بفتح الواو، وقد مر القول بأن الخنزير كالكلب،
قال ابن رشد: وإذا لحق به الخنزير فيلحق به سائر السباع لاستعمالها النجاسة واندراجها في الاسم، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- لعتبة بن أبي لهب: (اللهم سلط عليه كلبا من كلابك (٣) ) فعدا عليه الأسد فقتله قاله الحطاب. وقوله: "بلا نية" فإن استعمله في الماء من غير غسل، فهل يغسله بعد ذلك سبعا؟ أو يحسب الاء الذي ألقاه فيه واستعمله مرة [فهذا ] ينبني على اشتراط النية،
وإذا استعمله قبل غسله لا يسقط الغسل، ولا يؤمر بغسل ما أصابه ذلك الماء كما فهم من كلام صاحب الطراز وهو ظاهر؛ لأن المذهب طهارته والله أعلم قاله الحطاب.
ولما أنهى الكلام على وسائل الطهارة وهي ثلاث: بيان الماء المطهر به، وبيان الأشياء الطاهرة والنجسة، وبيان حكم إزالة النجاسة وكيفيتها، وما يعفى عنه منها، أتبعه بالكلام على مقاصد الطهارة وهي: الوضوء ونواقضه، والغسل ونواقضه، وما هو بدل منهما وهو التيمم، أو عن بعض الأعضاء وهو مسح الخف والجبيرة، وبدأ بالكلام على الوضوء لتكرره ولأنه مطلوب لكل صلاة
إما وجوبا وإما ندبا فقال: فصل: ذكر فيه فرائض الوضوء، وسننه، وفضائله،
والصحيح أن المختص بهذه الأمة الغرة والتحجيل فقط لخبر (لكم سيما ليست لأحد من الأمم تردون عليَّ محجلين (١) ) لا الوضوءُ لآثار وردت بالاشتراك في أصل الوضوء،
وفي البخاري ومسلم عنه -صلى الله عليه وسلم-: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل (٢) )،
وظاهره أن هذا المعنى إنما يكون لمن توضأ في الدنيا لقوله: من آثار الوضوء، وفيه رد على الزناتي المالكي في شرح الرسالة عن العلماء أن هذا الحكم ثابت لهذه الأمة يوم القيامة، من توضأ منهم،
ومن لم يتوضأ. كما يقال لا نكفر أحدا بذنب من أهل القبلة من أمة محمد سواء صلى أو لم يصل، وتعقب هذا الرد بأن التيمم يقوم مقام الوضوء. والله سبحانه أعلم. وقوله: في الحديث سيما بكسر السين يمد ويقصر؛ أي علامة ليست لأحد من الأمم، وقوله: غرا بضم الغين المعجمة وتشديد الراء جمع أغر؛ أي ذو غرة، والغرة بياض بجبهة الفرس فوق الدرهم شبه به ما يكون لهم من النور يوم القيامة، والتحجيل أصله من الحجلة بكسر الحاء الخلخال بياض في قوائم الفرس الأربع أو في ثلاث منها أو في غيرها.
والمراد النور الذي يكون لهم في أطرافهم، وقوله: يدعون أي إلى موقف الحساب: أو إلى الميزان، أو إلى الصراط، أو إلى الحوض أو غير ذلك. واعلم أن شرائط الوضوء ثلاثة أقسام: شروط وجوب وصحة، وشروط وجوب فقط، وشروط صحة فقط، فالأول خمسة: عقل، وبلوغ الدعوة، وانقطاع الحيض، وانقطاع النفاس، ووجود مطلق كاف.
والثاني ستة: دخول وقت حاضرة، أو تذكر فائتة، وبلوغ، وعدم إكراه على تركه، وعدم نوم وسهو عن العبادة المطلوب لها الوضوء، وقدرد على استعماله، وثبوت الموجب من حدث أو مشكوك. فيه والثالث ثلاثة: الإسلام ولو حكما كوضوء من أجمع على الإسلام ثم أسلم، وعدم كانك وناقض حال فعله وهذا في حق المكلف،
وأما الصبي فكل من هذه الأقسام الثلاثة شرط في الصحة واستحباب ذلك له. ومثل الوضوء في الأقسام المتقدمة كلها الغسل.
وكذا التيمم إلا في وجود مطلق فالصعيد بدله أي المطلق، وإلا في دخول الوقت فشرط وجوب وصحة، ومكروهاته ست: سرف في الماء، واقتصار على الواحدة لغير العالم، وتخليل للحية كثيفة، وكشف عورة، وكلام في أثنائه بغير ذكر الله تعالى، وزيادة في المغسول أو الممسوح على ما حدده الشارع، وهو ثلاث في المغسول واثنتان في الرأس، واعلم أن المشهور أن الاقتصار على الواحدة خلاف الأولى للعالم، وغيره لا مكروه ولا جائز مستوي الطرفين قاله الشيخ عبد الباقي، والوضوء لغة النظافة، وشرعا طهارة مائية تتعلق بأعضاء مخصوصة على وجه مخصوص، وهو غير معقول المعنى عند الكثير من المحققين،
وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: شرع الاستنجاء لوطء الحور العين، وغسل اليدين إلى الكوعين للأكل من موائد الجنة، والمضمضة لكلام رب العالمين، والاستنشاق لرائحة الجنة، وغسل الوجه للنظر إلى وجه الله الكريم، وغسل اليدين إلى المرفقين للسوار، ومسح الرأس للتاج والإكليل، ومسح الأذنين لسماع كلام رب العالمين، وغسل الرجلين للمشي في الجنة. انتهى قاله الشبراخيتي. وخصت به أطراف البدن دون سائره؛ لأنها المباشرة للخطايا غالبا وللمشقة في تطهير سائره بالتكرر وكأنه بالإحاطة طهر جميعه، وإنما اختص الرأس بالمسح لستره غالبا فاكتفِي فيه بأدنى طهارة.
واعلم أن الجمهور على أن الطهارة فرضت من أول الأمر أي حين فرضت الصلاة،
وأن جبريل نزل صبيحة الإسراء فهمز النبي -صلى الله عليه وسلم- بعقبه فتوضأ وعلمه الوضوء،
وقال ابن الجهم: كانت في أول الإسلام ثم فرضت في آية الوضوء، وجزم ابن حزم بأن الوضوء لم يشرع إلا بالمدينة، ورد ذلك عليه. نقله الحطاب. وبين الله عز وجل الوضوء بقوله: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} ، لأنه لم يكن معروفا في الجاهلية
بخلاف الغسل من الجنابة فقال {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} ولأنهم فهموا معناه من قوله: {فَاطَّهَّرُوا} ؛ لأنه بقي فيهم من دين إبراهيم كما بقي فيهم من دينه الحج والنكاح، ولذا نذر أبو سفيان أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزوَ محمدا وأصحابه، وقالوا: رجل جنب لمجانبتهم البيت في تلك الحال. واعلم أن الوضوء ينقسم إلى خمسة: واجب وهو الذي يفعل لعبادة لا يصح فعلها إلا بطهارة من صلاة وغيرها وليس بتجديد كانت الصلاة فرض عين كالصلوات الخمس أو كفاية كالجنازة أو نفلا كوتر وفجر، كطواف ومس مصحف: ففعل شيء من ذلك بغير طهارة مؤثم إجماعا مانع من انعقادد ولا يلزم قضاؤه.
ومستحب: كالوضوء المجدد ونحوه، وقيل وضوء التجديد سنة،
ومن الوضوء المندوب: الوضوء للدخول على الأمراء ولركوب البحر وشبهه من المخاوف، وليكون الشخص على طهارة ولا يريد به استباحة الصلاة مثلا، ولتعليم العلم. ومباح: كالوضوء لتبرد أو تدف أو تنظف، ومكروه كالوضوء المجدد قبل أن تفعل به عبادة على أحد القولين. وممنوع: كالوضوء لغير ما أبيح له الوضوء. النووي: واختلفوا فيمن صلى بغير وضوء متعمدا أو مع ثوب نجس أو إلى غير القبلة، ومذهبنا ومذهب الجمهور لا يكفر إلا إن استحلَّ.
واعلم أن الحضور في الصلاة بقدر الحضور في الوضوء قاله بعض العلماء، قال الشيخ زروق: وقد جرب ذلك فصح. وإدمان الوضوء موجب لسعة الخُلُق، وسعة الرزق، ومحبة الحفظة أي، الملائكة الحافظين: ودوام الحفظ من المعاصي ومن المهلكات فقد جاء: (الوضوء سلاح المؤمن) ،
وأشار المصنف إلى بيان فرائض الوضوء بقوله: فرائض الوضوء بضم الواو اسم للفعل، وبفتحها اسم للماء. وحكي الفتح فيهما، والضم فيهما، والأول هو المعروف في اللغة، ومعنى كلام المصنف أن فرائض الوضوء سبع، أربع مجمع عليها، وثلاث مختلف فيها أولها. غسل ما بين الأذنين أي الوجه، والغسل هو إفاضة الماء على العضو مع إمرار اليد بالماء مصاحبا أو تابعا على المشهور، والوجه اسم لما تقع به المواجهة، وهذا حده عرضا، فيغسل ما بين شعري الصدغين
بخلاف شعري الصدغين فإنهما ممسوحان على المعتمد خلافا لما شهره بعض، وما بين الوتد إلى الوتد فيدخل في ذلك العذاران، وما بين العارض والأذن ولا فرق بين الملتحي وغيره على المشهور فيشمل ذلك البياض الذي تحت الوتد.
ابن عرفة: وفي كون البياض بينه أي العذار وبين الأذن داخلا، ثالثها في غير الملتحي، قال الشيخ محمد بن الحسن: الذي تدل عليه عبارة الحطاب وهو الحق أن محل الأقوال في البياض الذي تحت الوتد لا فوقه لأن ما فوق الوتد ممسوح انتهى ومنابت شعر الرأس المعتاد قوله: "منابت" عطف على الأذنين، يعني أنه يجب على المتوضئ أن يغسل ما بين منابت شعر رأسه المعتاد، فيغسل الأغم الشعر النابت على الجبهة، ولا يغسل الأصلع الناصية الخالية من الشعر؛
لأنها من الرأس، ولا الأنزع النزعتين بفتحتين وهما بياضان يكتنفان الناصية،
ويجب غسل ومسح ما لا يتم الواجب إلا به،
وقيل: يجب الغسل لا المسح؛ لأنه مبني على التخفيف، وظاهر الرسالة، وابن الحاجب عدم الوجوب، والغمم بفتح الغين المعجمة وميمين نبات الشعر على الجبهة، يقال: رجل أغم وامرأة غماء، والعرب تذم به وتمدح بالنزع؛ لأن الغمم يدل على البلادة والجبن والبخل، والنزع بضد ذلك قال: فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا … أغم القفا والوجه ليدى بأنزعا والذقن يعني أنه يجب على المتوضئ غسل الذقن بفتح الذال المعجمة والقاف ويكسر الذال، العظم الذي تنبت فيه الأسنان السفلى وتنبت اللحية على ظاهره، وهو معطوف على ما، وهذا في حق من لا لحية له أو له لحية خفيفة أي، تظهر البشرة من تحتها، وكما يغسل الذقن يغسل طرفي اللحيين اللذين تحت شحمتي الأذنين عند سند خلافا لعبد الوهاب، قاله العلامة بناني
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.