وَبِشَكٍّ فِي حَدَثٍ بَعْدَ طُهْرٍ عُلِمَ
Its commentaries
(وَ) نُقِضَ (بِشَكٍّ) أَيْ تَرَدُّدٍ مُسْتَوٍ فَأَوْلَى بِظَنٍّ
بِخِلَافِ الْوَهْمِ (فِي) حُصُولِ (حَدَثٍ) أَيْ نَاقِضٍ فَيَشْمَلُ السَّبَبَ مَا عَدَا الشَّكَّ فِي الرِّدَّةِ فَلَا أَثَرَ لَهُ لَا فِي وُضُوءٍ وَلَا غَيْرِهِ (بَعْدَ طُهْرٍ عُلِمَ إلَّا) الشَّكَّ
(قَوْلُهُ: وَنُقِضَ بِشَكٍّ فِي حَدَثٍ بَعْدَ طُهْرٍ عُلِمَ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ
وَقِيلَ: لَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِذَلِكَ غَايَةَ الْأَمْرِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ فَقَطْ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِهِ وَالْأَوَّلُ نَظَرَ إلَى أَنَّ الذِّمَّةَ عَامِرَةٌ فَلَا تَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ وَالثَّانِي نَظَرَ إلَى اسْتِصْحَابِ مَا كَانَ فَلَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِيَقِينٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَنْ تَأَمَّلَ عَلِمَ أَنَّ الشَّكَّ فِي الْحَدَثِ شَكٌّ فِي الْمَانِعِ لَا فِيمَا هُوَ شَرْطٌ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَشْكُوكَ فِيهِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ الْحَدَثُ لَا الْوُضُوءُ وَالْمَعْرُوفُ إلْغَاءُ الشَّكِّ فِي الْمَانِعِ فَكَانَ الْوَاجِبُ طَرْحَ ذَلِكَ الشَّكِّ وَإِلْغَاءَهُ اهـ وَإِنَّمَا كَانَ الشَّكُّ فِي الْمَانِعِ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ؛
لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى حَالِهِ وَعَدَمُ طُرُوُّ الْمَانِعِ وَكَانَ الشَّكُّ فِي الشَّرْطِ يُؤَثِّرُ الْبُطْلَانَ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ عَامِرَةٌ لَا تَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: الْمَشْكُوكُ فِيهِ الْحَدَثُ لَا الْوُضُوءُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْآخَرِ فَمَنْ شَكَّ فِي وُجُودِ زَيْدٍ فِي الدَّارِ فَقَدْ شَكَّ فِي عَدَمِ كَوْنِهِ فِيهَا وَمَنْ شَكَّ فِي وُجُودِ الْحَدَثِ فَقَدْ شَكَّ فِي وُجُودِ الطَّهَارَةِ حِينَ شَكِّهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَحِينَئِذٍ فَالشَّكُّ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ شَكٌّ فِي الشَّرْطِ وَهُوَ مُؤَثِّرٌ نَقَلَهُ بْن عَنْ شَيْخِهِ سَيِّدِي أَحْمَدَ بْنِ مُبَارَكٍ وَقَدْ يُقَالُ الْحَقُّ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ أَنَّ الشَّكَّ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ إنَّمَا هُوَ الْمَانِعُ.
وَأَمَّا الشَّكُّ فِي الشَّرْطِ فَلَا يَظْهَرُ إلَّا إذَا تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الْوُضُوءِ وَالْكَلَامُ هُنَا فِي عَكْسِ ذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ اللُّزُومَ فَكُلُّ شَكٍّ فِي الْمَانِعِ يَسْتَلْزِمُ الشَّكَّ فِي الشَّرْطِ.
إنْ قُلْت حَيْثُ كَانَ التَّحْقِيقُ: إنَّ الشَّكَّ فِي الْحَدَثِ شَكٌّ فِي الْمَانِعِ فَلِمَ اُعْتُبِرَ وَجُعِلَ نَاقِضًا عَلَى الْمَذْهَبِ مَعَ أَنَّ الشَّكَّ فِي الْمَانِعِ يُلْغَى كَالشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ وَحُصُولِ الرَّضَاعِ قُلْتُ كَأَنَّهُمْ رَاعَوْا سُهُولَةَ الْوُضُوءِ وَكَثْرَةَ نَوَاقِضِهِ فَاحْتَاطُوا لِأَجْلِ الصَّلَاةِ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا هَذَا وَذَكَرَ ح عَنْ سَنَدٍ أَنَّ الشَّكَّ فِي الْحَدَثِ لَهُ صُورَتَانِ الْأُولَى مَنْ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ أَمْ لَا بَعْدَ وُضُوئِهِ
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَالثَّانِيَةُ أَنْ يُتَخَيَّلَ لَهُ أَنَّ شَيْئًا حَاصِلًا مِنْهُ بِالْفِعْلِ لَا يَدْرِي هَلْ هُوَ حَدَثٌ أَوْ غَيْرُهُ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْوَهْمِ فَلِذَا أُلْغِيَ
(قَوْلُهُ: إلَّا الْمُسْتَنْكِحَ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ
ص (وَبِشَكٍّ فِي حَدَثٍ بَعْدَ طُهْرٍ عُلِمَ) ش: هَذَا إذَا شَكَّ قَبْلَ الصَّلَاةِ
وَأَمَّا إذَا صَلَّى ثُمَّ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ أَمْ لَا فَفِيهِ قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى فِي مَسْأَلَةِ مَنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا لَا يَدْرِي مَتَى وَقَعَ مِنْهُ وَقَالَ سَنَدٌ الشَّكُّ فِي الْحَدَثِ لَهُ صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يَتَخَيَّلَ لَهُ الشَّيْءُ فَلَا يَدْرِي مَا حَقِيقَتُهُ أَهُوَ حَدَثٌ أَمْ لَا؟ وَالْأُخْرَى أَنْ يَشُكَّ هَلْ بَالَ أَوْ تَغَوَّطَ وَشِبْهُهُ؟ وَهَذَا ظَاهِرُ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ لِقَوْلِهِ: لَا يَدْرِي أَحْدَثَ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَمْ لَا؟ وَالصُّورَتَانِ مُخْتَلَفٌ فِيهِمَا
أَمَّا مَنْ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ بَعْدَ وُضُوئِهِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَهَلْ ذَلِكَ وَاجِبٌ أَمْ لَا؟ ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَوَضَّأَ ثُمَّ
قَالَ: وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ أَنْ يَتَخَيَّلَ لَهُ الشَّيْءُ لَا يَدْرِي هَلْ هُوَ حَدَثٌ أَوْ غَيْرُهُ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِيمَنْ وَجَدَ بَلَلًا وَشَكَّ فِيهِ فَلَمْ يَدْرِ مِنْ الْمَاءِ هُوَ أَوْ مِنْ الْبَوْلِ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَمَا سَمِعْت مَنْ أَعَادَ الْوُضُوءَ مِنْ مِثْلِ هَذَا وَإِذَا فَعَلَ هَذَا تَمَادَى بِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ تَأْخُذُهُ الْوَسْوَسَةُ. قَالَ اللَّخْمِيُّ وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ؛
لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ شَكٌّ ثُمَّ ذَكَرَ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْجَوَاهِرِ فِي الْكَلَامِ عَلَى النِّيَّةِ وَلَوْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ وَقُلْنَا: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ بِالشَّكِّ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَوْ كَانَ شَكُّهُ غَيْرَ مُقْتَضٍ لِلْوُضُوءِ كَالتَّرَدُّدِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إلَى سَبَبٍ مَعَ تَقَدُّمِ يَقِينِ الطَّهَارَةِ فَتَوَضَّأَ احْتِيَاطًا ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ يَقِينُ الْحَدَثِ فَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ قَوْلَانِ لِلتَّرَدُّدِ فِي النِّيَّةِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) فَرَّعَ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ لِلشَّكِّ لَوْ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْبَاجِيّ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَاللَّخْمِيِّ أَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ ذِكْرِهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجِهَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْفَرْعَ قَرِيبًا.
(وَبِشَكٍّ فِي حَدَثِهِ بَعْدَ طُهْرٍ عُلِمَ) ابْنُ يُونُسَ: مَنْ شَكَّ فِي بَعْضِ وُضُوئِهِ فَلْيَغْسِلْ مَا شَكَّ فِيهِ وَلَوْ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ ثُمَّ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ، أَحْدَثَ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَمْ لَا فَلْيُعِدْ وُضُوءَهُ،
إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَنْكِحًا فَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ شَيْءٍ مِنْ وُضُوءٍ وَلَا صَلَاةٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِذَا خُيِّلَ إلَيْهِ أَنَّ رِيحًا خَرَجَ مِنْهُ فَلَا يَتَوَضَّأُ إلَّا أَنْ يُوقِنَ بِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ دَخَلَهُ الشَّكُّ بِالْحِسِّ وَأَتَى بِالْحَدِيثِ،
ثُمَّ قَالَ: أَمَّا إنْ شَكَّ هَلْ بَالَ أَوْ أَحْدَثَ أَمْ لَا؟ فَهَذَا يُعِيدُ الْوُضُوءَ انْتَهَى اُنْظُرْ هَذَا الْمَسَاقَ لِلْحَدِيثِ مَعَ مَسَاقِ ابْنِ رُشْدٍ لَهُ فَإِنَّهُ
قَالَ فِي رَسْمِ بِعْ: مَنْ شَكَّ أَثْنَاءَ صَلَاتِهِ هَلْ هُوَ عَلَى وُضُوءٍ أَمْ لَا، فَيَتَمَادَى عَلَى صَلَاتِهِ وَهُوَ عَلَى شَكِّهِ ذَلِكَ.
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ قَالَ: صَلَاتُهُ مُجْزِئَةٌ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَاهَا نَافِلَةً حِينَ شَكَّ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا قَالَ إنَّ صَلَاتَهُ تَامَّةٌ وَإِنْ تَمَادَى عَلَى شَكِّهِ، لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِطَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الشَّكُّ الطَّارِئُ عَلَيْهِ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي صَلَاتِهِ لِحَدِيثِ «إنَّ الشَّيْطَانَ يُفْشِي بَيْنَ أَلْيَتَيْ أَحَدِكُمْ فَلَا يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاتِهِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» وَلَيْسَ هَذَا
بِخِلَافٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
مَنْ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ كَأَنَّ الشَّكَّ طَرَأَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْهَا إلَّا بِيَقِينٍ كَمَا فِي الْحَدِيثِ وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ طَرَأَ عَلَيْهِ الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِيهَا إلَّا بِطَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، وَهُوَ فَرْقٌ بَيِّنٌ وَأَظْهَرُ مِمَّا رَوَى سَحْنُونَ عَنْ أَشْهَبَ انْتَهَى.
وَيَظْهَرُ مِنْ الْإِكْمَالِ أَنَّ طَرِيقَةَ ابْنِ حَبِيبٍ غَيْرُ طَرِيقَةِ غَيْرِهِ اُنْظُرْ فِي الْإِكْمَالِ قَبْلَ بَابِ التَّيَمُّمِ، وَانْظُرْ ذَلِكَ كُلَّهُ مَعَ مَا يَقْتَضِيهِ تَقْرِيرُ ابْنِ يُونُسَ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ فِي الْحَدِيثِ:«مَنْ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ أَثْلَاثًا صَلَّى»
قَالَ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَصْلٌ عَظِيمٌ يَطَّرِدُ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ وَهُوَ أَنَّ الْيَقِينَ لَا يُزِيلُهُ شَكٌّ،
وَأَنَّ الشَّيْءَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِهِ الْمَعْرُوفِ حَتَّى تُزِيلَهُ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ مَعَهُ.
وَالْأَصْلُ فِي الظُّهْرِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فَلَا يُبْرِئُهُ إلَّا يَقِينٌ مِثْلُهُ وَقَدْ غَلِطَ بَعْضُهُمْ فَظَنَّ أَنَّ الشَّكَّ أَوْجَبَ الْإِتْيَانَ بِالرَّكْعَةِ وَهَذَا غَلَطٌ، بَلْ الْيَقِينُ أَنَّهَا أَرْبَعٌ أَوْجَبَ عَلَيْهِ إتْمَامَهَا يُرَجِّحُهُ حَدِيثُ «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» فَلَمْ يَنْقُلْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَصْلِ طَهَارَتِهِ الْمُتَيَقَّنَةِ بِشَكٍّ عَرَضَ لَهُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ الْحَدَثَ وَإِلَّا فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: مَنْ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَى هَذَا غَيْرُهُ وَخَالَفَهُ ابْنُ نَافِعٍ وَقَالَ: لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَالطَّبَرِيِّ، وَأَنَّهُ عَلَى الْأَصْلِ، حَدَثًا كَانَ أَوْ طَهَارَةً.
وَأَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ أَيْقَنَ بِالْحَدَثِ وَشَكَّ فِي الْوُضُوءِ أَنَّ شَكَّهُ لَا يُفِيدُ
فَائِدَةً وَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَحَكَى ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ أَنْ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ أَيْضًا وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ: الْوُضُوءُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ اسْتِحْبَابٌ وَاحْتِيَاطٌ
وَقَالَ فِي مُوَطَّئِهِ فِيمَنْ وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا وَقَدْ بَاتَ فِيهِ لَيَالِيَ وَأَيَّامًا: أَنَّهُ لَا يُعِيدُ صَلَاةً وَلَا يَغْتَسِلُ إلَّا مِنْ آخِرِ نَوْمٍ نَامَهُ أَبُو عُمَرَ: وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَهُ فِيمَنْ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ انْتَهَى وَعِبَارَةُ الْبَاجِيِّ: مَا صَلَّى قَبْلَ تِلْكَ النَّوْمَةِ هُوَ فِيهَا شَاكٌّ، وَهَذَا الشَّكُّ إنَّمَا طَرَأَ بَعْدَ إكْمَالِ الصَّلَاةِ وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْهَا فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيهَا كَمَا لَوْ سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ، ثُمَّ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ بَعْدَ طَهَارَتِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ شَكٌّ طَرَأَ بَعْدَ تَيَقُّنِ سَلَامَةِ الْعِبَادَةِ وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّكَّ يُؤَثِّرُ فَيُعِيدُ مِنْ أَوَّلِ نَوْمِهِ.
وَفِي التَّمْهِيدِ: نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ إطْرَاحًا لِأَعْمَالِ الشَّكِّ وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ الْفِقْهِ أَنْ لَا يَدَعَ الْإِنْسَانُ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَالِ الْمُتَيَقَّنَةِ إلَّا بِيَقِينٍ فِي انْتِقَالِهَا، وَلِشِهَابِ الدِّينِ: فِي الْفَرْقِ الرَّابِعِ وَالْأَرْبَعِينَ بَيْنَ الشَّكِّ فِي السَّبَبِ وَالشَّكِّ فِي الشَّرْطِ وَقَدْ أَشْكَلَ عَلَى جَمْعٍ مِنْ الْفُضَلَاءِ قَالَ: شَرَعَ الشَّارِعُ الْأَحْكَامَ وَشَرَعَ لَهَا أَسْبَابًا وَجَعَلَ مِنْ جُمْلَةِ مَا شَرَعَهُ مِنْ الْأَسْبَابِ الشَّكَّ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ: مُجْمَعٌ عَلَى اعْتِبَارِهِ كَمِنْ شَكَّ فِي الشَّاةِ الْمُذَكَّاةِ وَالْمَيِّتَةِ، وَكَمَنْ شَكَّ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ وَأُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَمُجْمَعٌ عَلَى إلْغَائِهِ كَمَنْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا.
وَهَلْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ أَمْ لَا، فَالشَّكُّ هُنَا لَغْوٌ وَقِسْمٌ ثَالِثٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نَصْبِهِ سَبَبًا كَمَنْ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ أَمْ لَا، اعْتَبَرَهُ مَالِكٌ دُونَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ حَلَفَ يَمِينًا وَشَكَّ مَا هِيَ،
وَمَنْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا
وَقَالَ فِي الْفَرْقِ الْعَاشِرِ بَيْنَ الشَّكِّ فِي السَّبَبِ وَالشَّكِّ فِي الشَّرْطِ: فَرْقٌ الشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ شَكٌّ فِي شَرْطٍ، وَالشَّكُّ فِي الطَّلَاقِ شَكٌّ فِي سَبَبٍ، إذْ الطَّلَاقُ سَبَبُ زَوَالِ الْعِصْمَةِ، وَالْقَاعِدَةُ: كُلُّ مَشْكُوكٍ اجْعَلْهُ كَالْعَدَمِ، يَبْقَى فِي الْبَحْثِ فِيمَنْ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ
(ص) وَبِشَكٍّ فِي حَدَثٍ بَعْدَ طُهْرٍ عُلِمَ إلَّا الْمُسْتَنْكِحَ (ش) يَعْنِي أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي طَرَيَانِ الْحَدَثِ لَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِطُهْرٍ سَابِقٍ،
فَإِنَّ وُضُوءَهُ يُنْتَقَضُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَنْكِحًا بِأَنْ يَشُمَّ فِي كُلِّ وُضُوءٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ يَطْرَأَ لَهُ فِي الْيَوْمِ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ فَلَا أَثَرَ لِشَكِّهِ الطَّارِئِ بَعْدَ عِلْمِ الطُّهْرِ وَلَا يَبْنِي عَلَى أَوَّلِ خَاطِرٍ بِهِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِأَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَا يَنْضَبِطُ لَهُ الْخَاطِرُ الْأَوَّلُ مِنْ غَيْرِهِ وَالْوُجُودُ يَشْهَدُ لِذَلِكَ،
وَإِنْ كَانَ ابْنُ عَرَفَةَ اقْتَصَرَ عَلَى بِنَائِهِ عَلَى ذَلِكَ وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ فِيمَنْ حَصَلَ لَهُ الشَّكُّ فِي طُرُوِّ الْحَدَثِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ
بِخِلَافِ مَنْ شَكَّ فِي طُرُوِّ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَلَا يُعِيدُهَا إلَّا بِيَقِينٍ لِأَنَّهُ شَكٌّ طَرَأَ بَعْدَ تَيَقُّنِ سَلَامَةِ الْعِبَادَةِ وَقَوْلُهُ: وَبِشَكٍّ أَيْ وَأَوْلَى لَوْ تَرَجَّحَ احْتِمَالُ الْحَدَثِ وَهُوَ الظَّنُّ وَمَعَ رُجْحَانِ بَقَاءِ الطَّهَارَةِ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ بَلْ يُسْتَحَبُّ،
وَأَمَّا عَكْسُ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ الشَّكُّ فِي الطُّهْرِ بَعْدَ حَدَثٍ عُلِمَ كَمَنْ اعْتَقَدَ حَدَثَ نَفْسِهِ ثُمَّ شَكَّ فِي رَفْعِهِ أَوْ اعْتَقَدَ عَدَمَ غَسْلِ عُضْوٍ ثُمَّ شَكَّ فِي غَسْلِهِ فَلَا يَفْتَرِقُ فِيهِ مُسْتَنْكِحٌ مِنْ غَيْرِهِ بَلْ يُطَالَبُ بِالْيَقِينِ وَيُلْغَى شَكُّهُ اتِّفَاقًا وَيَغْسِلُهُ اتِّفَاقًا قَالَهُ التُّونُسِيُّ وَعَبْدُ الْحَقِّ وَغَيْرُهُ.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي طَرَيَانِ الْحَدَثِ) أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ السَّبَبَ
وَأَمَّا لِشَكٍّ فِي الرِّدَّةِ فَلَا يَبْطُلُ الْوُضُوءُ
(قَوْلُهُ: بِأَنْ شَكَّ فِي كُلِّ وُضُوءٍ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الشَّكَّ فِي الْوُضُوءِ يُضَمُّ لِلشَّكِّ فِي الصَّلَاةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الشَّكُّ فِي الْوَسَائِلِ لَا يُضَمُّ لِلشَّكِّ فِي الْمَقَاصِدِ فَالشَّكُّ فِي الْوُضُوءِ يُضَمُّ لِلشَّكِّ فِي الْغُسْلِ وَلَا يُضَمُّ لِلشَّكِّ فِي الصَّلَاةِ
(قَوْلُهُ: أَوْ يَطْرَأُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ) وَيُتَصَوَّرُ عِلْمُهُ ذَلِكَ بِحُصُولِ ذَلِكَ لِمُوَافِقٍ لَهُ فِي مِزَاجِهِ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ إلَى أَنْ مَاتَ وَرُدَّ ذَلِكَ بِعَدَمِ انْضِبَاطِ الْمِزَاجِ غَالِبًا (أَقُولُ) وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مَتَى عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ عَادَةً فَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي كَمَا فِي شَرْحِ عب أَنْ يَجْرِيَ فِي الشَّكِّ هُنَا مَا جَرَى فِي السَّلَسِ،
فَإِنْ زَادَ مِنْ إتْيَانِهِ عَلَى زَمَنِ انْقِطَاعِهِ أَوْ تَسَاوَيَا فَمُسْتَنْكِحٌ،
وَإِنْ قَلَّ فَلَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِزَمَنِ إتْيَانِهِ الْوَقْتَ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ بَلْ جَمِيعُ الْيَوْمِ الَّذِي يَحْصُلُ فِي بَعْضِ أَوْقَاتِهِ
وَكَذَا يُقَالُ فِي زَمَنِ انْقِطَاعِهِ أَيْ فَإِذَا أَتَاهُ يَوْمًا وَانْقَطَعَ يَوْمًا كَانَ مُغْتَفَرًا بِمَنْزِلَةِ إتْيَانِ السَّلَسِ نِصْفَ الزَّمَنِ وَإِذَا أَتَاهُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمَيْنِ فَلَا
(قَوْلُهُ: وَكَلَامُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَقُولُ: إنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَبِشَكٍّ فِي حَدَثٍ يُعَدُّ نَاقِضًا إذَا كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ،
وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي الْأَثْنَاءِ أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَلَا يُعَدُّ نَاقِضًا؛ لِأَنَّهُ شَكٌّ طَرَأَ بَعْدَ سَلَامَةِ الْعِبَادَةِ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا إذَا كَانَ فِيهَا أَيْ وَهُوَ عَلَى صَلَاةٍ صَحِيحَةٍ وَلَوْ اسْتَمَرَّ عَلَى شَكِّهِ وَلَا يُعِيدُهَا إذَا كَانَ بَعْدَهَا لِمَا تَقَدَّمَ وَيُوَافِقُ الطَّرَفُ الثَّانِي قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِيمَا يَأْتِي وَأَعَادَ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي الطَّرَفِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ فِي الْأَثْنَاءِ يُنَافِي قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِيمَا يَأْتِي وَلَوْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ إلَّا أَنَّهُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ وَمَا يَأْتِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَيُعْلَمُ هَذَا الْقَوْلُ الضَّعِيفُ مِنْ مُحَشِّي تت وَهُنَاكَ قَوْلٌ ثَالِثٌ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ وَلَا يَتَمَادَى حَكَاهُ الشَّارِحُ فِيمَا يَأْتِي فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَهَذَا الْحَلُّ مِنْ الشَّارِحِ يُوجِبُ الْمُنَافَاةَ لِمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَلَوْ شَكَّ إلَخْ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ هُنَا وَبِشَكٍّ عَلَى مَا إذَا كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ فِي الْأَثْنَاءِ لَا بَعْدَ الْفَرَاغِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَأَعَادَ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ وَيَكُونُ حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ الشَّكُّ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ فِي الْأَثْنَاءِ فَالْوُضُوءُ يُنْتَقَضُ إلَّا أَنَّنَا أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ التَّمَادِيَ فِي الثَّانِيَةِ لِتَرْجِيحِ جَانِبِ الْعِبَادَةِ بِالدُّخُولِ فِيهَا وَيَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ النَّقْضَ مَوْجُودٌ أَنَّهُ لَوْ اسْتَمَرَّ عَلَى شَكِّهِ يُطَالَبُ بِالْإِعَادَةِ وَلِذَلِكَ الْحَطَّابُ حَمَلَ الْمَتْنَ عَلَى مَا عَدَا بَعْدَ الْفَرَاغِ الشَّامِلِ لِقَبْلِ الدُّخُولِ وَفِي الْأَثْنَاءِ هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ وَقَوْلُهُ: فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ فِي الصَّلَاةِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يُعِيدُهَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ أَوْ بَعْدَهَا وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ شَكٌّ طَرَأَ بَعْدَ إلَخْ ظَاهِرٌ بِاعْتِبَارِ الثَّانِيَةِ
وَكَذَا بِاعْتِبَارِ الْأُولَى وَيُرَادُ بِسَلَامَةِ الْعِبَادَةِ
إمَّا كُلُّهَا بِالنَّظَرِ لِلثَّانِيَةِ أَوْ أَوَّلُهَا بِالنَّظَرِ لِلْأُولَى
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَلَا يُطَالَبُ بِالْإِعَادَةِ إلَّا إذَا تَيَقَّنَ الْحَدَثَ
لَا إنْ بَقِيَ عَلَى شَكِّهِ أَوْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ
(قَوْلُهُ: وَيُلْغَى شَكُّهُ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ يُطَالَبُ بِالْيَقِينِ وَقَوْلِهِ وَيَغْسِلُهُ أَيْ وَيَغْسِلُ الْمَتْرُوكَ
إمَّا الْعُضْوَ أَوْ كُلَّ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَانْطَبَقَ عَلَى الصُّورَتَيْنِ الْمُشَارِ لَهُمَا بِقَوْلِهِ ثُمَّ شَكَّ فِي رَفْعِهِ أَوْ اعْتَقَدَ.
(وَ) نُقِضَ (بِشَكٍّ) أَيْ تَرَدُّدٍ مُسْتَوٍ وَأَوْلَى الظَّنُّ لَا الْوَهْمُ (فِي) حُصُولِ (حَدَثٍ) أَيْ نَاقِضٍ غَيْرَ رِدَّةٍ فَشَمِلَ السَّبَبَ أَيْضًا فَالشَّكُّ فِي الرِّدَّةِ لَا أَثَرَ لَهُ لَا فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي غَيْرِهِ وَصِلَةُ شَكٍّ (بَعْدَ طُهْرٍ) وَنَعَتَ " طُهْرٍ " بِجُمْلَةِ (عُلِمَ) أَوْ ظُنَّ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ مُحَقَّقٍ أَوْ مَظْنُونٍ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَالشَّاذُّ نَدْبُ الْوُضُوءِ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ مَنْ تَأَمَّلَ عَرَفَ أَنَّ الشَّكَّ فِي الْحَدَثِ شَكَّ فِي الْمَانِعِ لَا فِي الشَّرْطِ لِتَحَقُّقِ الْوُضُوءِ وَالشَّكُّ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَدَثِ وَالْمَعْرُوفُ إلْغَاءُ الشَّكِّ فِي الْمَانِعِ فَالْوَاجِبُ طَرْحُ ذَلِكَ الشَّكِّ وَإِلْغَاؤُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى حَالِهِ وَعَدَمُ طَرْقِ الْمَانِعِ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْعَدَمِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ شَيْءٌ وَيُؤَثِّرُ الشَّكُّ فِي الشَّرْطِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ عَدَمَ مَشْرُوطِهِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَرُدَّ بِأَنَّ الشَّكَّ فِي أَمْرٍ شَكٌّ فِي مُقَابِلِهِ وَمُقَابِلُ الْحَدَثِ الْوُضُوءُ فَالشَّكُّ فِي الْحَدَثِ شَكٌّ فِي الْوُضُوءِ أَيْضًا فَلِذَا اُعْتُبِرَ وَلَمْ يُلْغَ وَرُدَّ بِأَنَّ الشَّكَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هُوَ شَكٌّ فِي الْمَانِعِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ.
وَأَمَّا الشَّرْطُ فَمُحَقَّقٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا يَظْهَرُ الشَّكُّ فِيهِ إلَّا إذَا تَحَقَّقَ الْحَدَثُ وَشَكَّ فِي إلَّا الْمُسْتَنْكِحَ. وَبِشَكٍّ فِي سَابِقِهِمَا.
لَا بِمَسِّ دُبُرٍ أَوْ أُنْثَيَيْنِ أَوْ فَرْجِ صَغِيرَةٍ، [منح الجليل] التَّوَضُّؤِ وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي عَكْسِ هَذَا مِنْ تَحَقُّقِ الْوُضُوءِ وَالشَّكُّ فِي الْحَدَثِ إنْ أَرَادَ الشَّكَّ فِي الْحَدَثِ شَكَّ فِي الشَّرْطِ لُزُومًا لَزِمَهُ أَنَّ كُلَّ شَكٍّ فِي مَانِعٍ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ اعْتِبَارُهُ دَائِمًا وَالْمُقَرَّرُ الْمَعْرُوفُ إلْغَاؤُهُ لِمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ قِيلَ حَيْثُ كَانَ الْحَقُّ إنَّ الشَّكَّ فِي الْحَدَثِ بَعْدَ الطُّهْرِ الْمَعْلُومِ شَكٌّ فِي الْمَانِعِ وَهُوَ مُلْغًى فَلِمَا اُعْتُبِرَ هُنَا عَلَى خِلَافِ الْقَاعِدَةِ؟ قُلْت اُعْتُبِرَ هُنَا احْتِيَاطًا لِأَعْظَمِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ سُهُولَةُ الْوُضُوءِ وَكَثْرَةُ نَوَاقِضِهِ وَغَلَبَةُ وُقُوعِهَا سَنَدٌ لِلشَّكِّ صُورَتَانِ الْأُولَى شَكُّهُ هَلْ أَحْدَثَ أَوْ لَا بَعْدَ وُضُوئِهِ
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ وُجُوبًا وَالثَّانِيَةُ أَنْ يُحْتَمَلَ لَهُ حُصُولُ شَيْءٍ بِالْفِعْلِ لَا يُدْرَى هَلْ هُوَ حَدَثٌ أَوْ غَيْرُهُ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ إلْغَاؤُهُ لِأَنَّهُ وَهْمٌ إلَّا أَنْ يَشَمَّ رِيحًا أَوْ يَسْمَعَ صَوْتًا كَمَا فِي الْحَدِيثِ. وَاسْتَثْنَى مِنْ الشَّكِّ فِي الْحَدَثِ فَقَالَ
في حدث يعني أن من أيقن بالوضوء وشك في الحدث يجب عليه الوضوء،
وكذا لو أيقن بالوضوء وشك في سبب من أسباب الحدث، فإنه ينتقض وضوؤه
بخلاف الشك في الردة فلا يبطل الوضوء كما ذكر أحمد عن بعض شيوخه
وقيل ينتقض وضوؤه، والأول هو الموافق لا لعياض، وغيره من أن من أتى بلفظ يحتمل الكفر من وجوه كثيرة ويحتمل الإسلام من وجه واحد فإنه لا تُجرى عليه أحكام المرتد. بل أولى من ذلك. ومعنى ما للشيخ أحمد أنه وقع منه في نفسه الشك، وما لعياض علم الناس أنه أتى بلفظ محتمل. بعد طهر علم الظرف يتعلق بشك، يعني أن شكه في الحدث إنما وقع بعد أن حصلت الطهارة يقينا؛
أي توضأ ثم بعد أن توضأ يقينا شك هل حصل منه حدث بعد ذلك الوضوء المحقق أو لم يحصل منه حدث بعده، بل هو باق على وضوئه،
فإن وضوءه يبطل فهو مبين لمعنى قول المدونة: من أيقن بالوضوء وشك في الحدث ابتدأ الوضوء، فالواو في قولها: وشك في الحدث، بمعنى ثم، أو بمعنى الفاء. ومعنى الشك هنا التردد على حد سواء، وأولى لو ترجح احتمال الحدث فلا عبرة بالوهم كما نص عليه غير واحد، بل يستحب الوضوء حينئذ كما نص عليه الشبراخيتي. وروى ابن وهب عن مالك: يندب الوضوء بحصول شك في حدث بعد طهر علم. ورد المص روايته بقوله: "بعد طهر علم" .
ابن بشير: إن تيقن الحدث وشك في الوضوء توضأ إجماعًا،
وفي مقابله قولان: الوجوب، والندب.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.