فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ
Its commentaries
(فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةِ) أَيْ ذِمَّةِ الْمَدِينِ (فِي مُؤَخَّرٍ) قَبَضَهُ عَنْ وَقْتِ الْفَسْخِ حَلَّ الدَّيْنُ أَمْ
لَا إنْ كَانَ الْمُؤَخَّرُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ جِنْسِهِ بِأَكْثَرَ مِنْهُ
(قَوْلُهُ: فَسْخِ مَا فِي الذِّمَّةِ) هُوَ بِالْجَرِّ بَدَلٌ وَعَطْفُ بَيَانٍ أَوْ بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ لِمَحْذُوفٍ أَوْ بِالرَّفْعِ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ
(قَوْلُهُ: فِي مُؤَخَّرِ) أَيْ فِي شَيْءٍ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ
(قَوْلُهُ: حَلَّ الدَّيْنُ) أَيْ الْمَفْسُوخُ قَوْلُهُ: إنْ كَانَ الْمُؤَخَّرُ) أَيْ الَّذِي فُسِخَ فِيهِ
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ كَمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَيْنًا فَفَسَخَهُ فِي طَعَامٍ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ كَانَ الدَّيْنُ دَرَاهِمَ فَفَسَخَهَا فِي دَنَانِيرَ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهَا
(قَوْلُهُ: أَوْ مِنْ جِنْسِهِ بِأَكْثَرَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الدَّيْنِ كَمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَفَسَخَهَا فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهَا،
وَأَمَّا تَأْخِيرُ الدَّيْنِ أَجْلًا ثَانِيًا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ أَوْ مَعَ حَطِيطَةِ بَعْضِهِ فَهُوَ جَائِزٌ،
وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ طَعَامًا مِنْ بَيْعٍ أَوْ كَانَ نَقْدًا مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ خِلَافًا لعبق إذْ لَيْسَ هَذَا مِنْ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ بَلْ هُوَ سَلَفٌ أَوْ مَعَ حَطِيطَةٍ وَلَا يَدْخُلُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ مَا فِي الذِّمَّةِ أَوْ بَعْضَهُ لَيْسَ فَسْخًا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْفَسْخِ الِانْتِقَالُ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ إلَى غَيْرِهِ كَمَا قَالَهُ عج
ثُمَّ إنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةِ أَيْ وَلَوْ اتِّهَامًا فَدَخَلَ فِيهِ حِينَئِذٍ مَا إذَا أَخَذَ مِنْهُ فِي الدَّيْنِ شَيْئًا ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ بِشَيْءٍ مُؤَخَّرٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ أَوْ مِنْ جِنْسِهِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ الْيَدِ وَعَادَ إلَيْهَا يُعَدُّ لَغْوًا وَدَخَلَ أَيْضًا مَا لَوْ قَضَاك دَيْنَك ثُمَّ رَدَدْتُهُ لَهُ سَلَمًا وَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ يَقَعَانِ بِمِصْرَ كَثِيرًا لِلتَّحَيُّلِ عَلَى التَّأْخِيرِ بِزِيَادَةٍ
Says nothing on this mas’ala.
(فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَقْرَضْته حِنْطَةً إلَى أَجَلٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ بِعْته تِلْكَ الْحِنْطَةَ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ لَمْ يَجُزْ وَهُوَ فَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ.
وَفِي الرِّسَالَةِ: فَلَا يَجُوزُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ أَنْ يَكُونَ لَك شَيْءٌ فِي ذِمَّتِهِ فَتَفْسَخُهُ فِي شَيْءٍ آخَرَ لَا تَتَعَجَّلُهُ
فَقَالَ: (ص) : فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ وَلَوْ مُعَيَّنًا يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ (ش) يَعْنِي أَنَّ فَسْخَ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ هُوَ أَنْ يَفْسَخَ مَا فِي ذِمَّةِ مَدِينِهِ فِي أَكْثَرَ مِنْ جِنْسِهِ إلَى أَجَلٍ، أَوْ يَفْسَخَ مَا فِي ذِمَّتِهِ فِي غَيْرِ جِنْسِهِ إلَى أَجَلٍ كَعَشْرَةٍ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ مُؤَخَّرَةٍ، أَوْ فِي عَرْضٍ مُؤَخَّرٍ
أَمَّا لَوْ أَخَّرَ الْعَشَرَةَ، أَوْ حَطَّ مِنْهَا دِرْهَمًا وَأَخَّرَهُ بِالتِّسْعَةِ فَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ بَلْ هُوَ سَلَفٌ، أَوْ مَعَ حَطِيطَةٍ وَلَا يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ فُسِخَ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ مَا فِي الذِّمَّةِ، أَوْ بَعْضِهِ لَيْسَ فَسْخًا إنَّمَا حَقِيقَةُ الْفَسْخِ الِانْتِقَالُ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَقَوْلُهُ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ صِفَةٌ لِمُعَيَّنٍ وَهُوَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ فِي مُؤَخَّرٍ وَقَوْلُهُ قَبْضُهُ أَيْ: ضَمَانُهُ
(قَوْلُهُ: أَيْ: ضَمَانُهُ) أَيْ: وَإِنْ حَصَلَ الْقَبْضُ بِالْفِعْلِ
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ قَبْضُهُ الْقَبْضَ بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَتُهُ بَلْ الضَّمَانُ وَلَوْ حَصَلَ قَبْضٌ بِالْفِعْلِ كَالسِّلْعَةِ الَّتِي فِيهَا خِيَارٌ.
(فَسْخُ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ تَرْكُ وَإِسْقَاطُ (مَا) أَيْ دَيْنٍ أَوْ الدَّيْنِ الَّذِي (فِي الذِّمَّةِ) بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الْمِيمِ أَيْ الصِّفَةِ الْقَائِمَةِ بِالْمَدِينِ الَّتِي يَقْبَلُ بِسَبَبِهَا الْإِلْزَامَ وَالِالْتِزَامَ وَصِلَةُ (فَسْخُ) (فِي) مُقَابِلَةِ شَيْءٍ (مُؤَخَّرٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَمْزِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ قَبْضُهُ عَنْ وَقْتِ الْفَسْخِ يَلْتَزِمُهُ الْمَدِينُ فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ الْمَفْسُوخِ كَفَسْخِ دِينَارٍ فِي دِينَارَيْنِ.
وَأَمَّا تَأْخِيرُ الدَّيْنِ الْحَالِّ أَوْ الْمُؤَجَّلِ بِأَجَلٍ قَرِيبٍ إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ وَأَخْذُ مُسَاوِيهِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ فَلَيْسَ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، بَلْ مُجَرَّدُ تَسْلِيفٍ أَوْ تَسْلِيفٍ مَعَ إسْقَاطِ الْبَعْضِ فَهُوَ مِنْ الْمَعْرُوفِ الْمُرَغَّبِ فِيهِ،
وَمِنْ الْفَسْخِ الْمَمْنُوعِ أَخْذُ شَيْءٍ حَالٍّ فِي الدَّيْنِ ثُمَّ رَدُّهُ لِلْمَدِينِ فِي مُؤَخَّرٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ لِإِلْغَاءِ مَا خَرَجَ عَلَى يَدِ الْمَدِينِ ثُمَّ رَجَعَ لَهَا وَقَضَاءُ الدَّيْنِ ثُمَّ رَدُّهُ لِلْمَدِينِ رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ، وَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ كَثُرَ وُقُوعُهُمَا بَيْنَ النَّاسِ تَحَيُّلًا عَلَى الرِّبَا. الْمُتَيْطِيُّ مَنْ لَهُ دَيْنٌ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَنْهُ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِهِ أَوْ بَعْدَهُ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً يَتَأَخَّرُ قَبْضُهَا سَاعَةً إلَّا بِقَدْرِ وُلُوجِ الْبَيْتِ.
وَإِنْ كَانَ طَعَامًا فَبِقَدْرِ مَا يَأْتِي بِحَمَّالٍ أَوْ مِكْيَالٍ،
فَإِنْ كَثُرَ وَغَابَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ اسْتَوْفَاهُ مِنْ الْغَدِ. أَشْهَبُ وَلَوْ تَمَادَى ذَلِكَ شَهْرًا لِكَثْرَتِهِ إذَا اتَّصَلَ أَخَذَهُ،
فَإِنْ انْفَصَلَ وَطَالَ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يَرُدُّ مَا أَخَذَ وَيَرْجِعُ إلَى دَنَانِيرِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ التُّهْمَةُ عَلَى فَسْخِ الدَّيْنِ مُعْتَبَرَةٌ، فَفِي صَرْفِهَا إنْ قَبَضْت مِنْ غَرِيمِك دَيْنًا فَلَا تُعِدْهُ إلَيْهِ مَكَانَك سَلَمًا فِي شَيْءٍ وَلَوْ أَسْلَمْت إلَيْهِ دَنَانِيرَ ثُمَّ وَلَوْ مُعَيَّنًا يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ: كَغَائِبٍ.
وَمُوَاضَعَةٍ؛ أَوْ مَنَافِعَ عَيْنٍ،.
[منح الجليل] قَضَاكَهَا بِحِدْثَانِ مِنْ دَيْنٍ لَك عَلَيْهِ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَلَا يَجُوزُ إنْ كَانَ الْمَفْسُوخُ فِيهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ. بَلْ
يقال: كلأ الشيء أي تأخر وحقيقته محتوية على ثلاثة أقسام أشار لأولها بقوله: فسخ ما في الذمة في مؤخر؛ يعني أن من بيع الكالئ بالكالئ فسخ ما في الذمة في مؤخر؛ أي فسخ ما في ذمة المدين في شيء مؤخر قبضه عن وقت الفسخ حل الأجل أم لا، وهذا هو أشد الأقسام الثلاثة لأنه ربا الجاهلية، فلذلك بدأ به،
وكان ربا الجاهلية أن يقول رب الدين لمدينه: إما أن تقضيني ديني
وإما أن تربي لي فيه، وقوله: فسخ ما في الذمة في مؤخر، قد علمت أنه سواء حل الأجل أم لا، ومحل المنع إذا كان المؤخر من غير جنس الدين أو كان من جنسه حيث كان أكثر،
فإن كان مساويا أو أقل جاز، وسواء في ذلك الطعام والنقد وغيرهما، كما لو كان له عليه عشرة دراهم فأخره بها أو حط منها درهما وأخره بالتسعة فذلك جائز، وليس من فسخ ما في الذمة في مؤخر الممنوع بل سلف فقط أو مع حطيطة، ولا محذور فيه. ونظم ذلك بعضهم فقال: وشرط فسخ الدين أن يفسخ في … جنس مخالف أو أكثر يفي وفي إطلاق الفسخ على المؤخر من جنسه وهو مثله تجَوُّزٌ لأنه لم يدخل في قوله: فسخ؛
إذ حقيقة الفسخ الانتقال عما في الذمة إلى غيره: فانتقاله إلى مثله ليس بفسخ،
وكذا انتقاله لما دونه إذ هو حطيطة. قاله عبد الباقي.
وقال: دخل في كلام المص ما إذا أخذ منه في الدين شيئا ثم رده له بشيء مؤخر من غير جنس الدين أو من جنسه وهو أكثر؛ لأن ما خرج من اليد وعاد إليها يعد لغوا، وسيأتي نحوه في بيوع الآجال، وقوله: فسخ أي ولو اتهاما كما لو قضاك في دينك ثم رددته له سلما، وهاتان الصورتان يقعان كثيرا بمصر للتحيل على التأخير بزيادة. انتهى.
وقال بناني: قال ابن عرفة: والتهمة على فسخ الدين في الدين معتبرة، في صرفها: إن قبضت من غريمك دينا فلا تعده إليه مكانك سلما في شيء،
ولو أسلمت إليه دنانير ثم قضاكها بحدثان ذلك من دين لك عليه بغير شرط لم يجز. انتهى.
وقال المواق في الحديث من غير الكتب المشهورة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الكالئ بالكالئ. ابن عرفة: تلقي الأئمة هذا الحديث بالقبول يغني عن طلب الإسناد فيه، كما قالوا في لا وصية لوارث، لو معينا بتأخر قبصه؛ يعني أنه لا يجوز فسخ ما في الذمة في مؤخر، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المؤخر في الذمة وبين أن يكون معينا يتأخر قبضه. من المدونة قال مالك: من لك عليه دين حال أو إلى أجل فلا تكتري منه داره أو أرضه التي رويت أو عبده شهرا أو تستعمله هو به عملا يتأخر، ولا تبتاع به منه ثمرة حاضرة في رؤوس النخل قد أزهت أو أرطبت أو زرعا قد أفرك لاستيخارها،
ولو استجذت الثمرة أو استحصد الزرع ولا تأخير لهما جاز، ولا تبتع به منه سلعة بخيار أو أمة تتواضع، أو سلعة غانبة على صفة. ابن يونس: وسواء كانت الدار على صفة أو على رؤية متقدمة، فإنه لا يجوز لأنه لا يقدر على قبضها حينئذ لغيبتها، وأجاز ذلك أشهب لأنها معينة، ألا ترى أنه يجوز شراء ذلك بدين اتفاقا وهو أقيس.
وقال اللخمي: لا يجوز أن يفسخ ما حل من دينه أو لم يحل في منافع عبد أو دابة إذا كان ذلك مضمونا، واختلف إذا كان العبد أو الدار أو الدابة معينا، فمنع ذلك مالك وابن القاسم، حل الأجل أو لم يحل، وأجازه أشهب، وروى محمد: لا خير في استعمال رجل بدين عليه قبل حلوله لخوف مرضه أو غيبته فيتأخر لأجل آخر فيصير دينا في دين؛
ثم قال اللخمي: أما إذا حل الأجل فالمنع أصوب لأن ما يتأخر قبضه يؤخذ بأقل من ثمن ما يقبض جميعه بالحضرة، فيدخله تقضي أو تربي،
وأما إذا لم يحل الأجل وكان انقضاء هذه ينقضي عند الأجل الأول أو قبله فلا يدخله دين في دين لأنها معينة، ولا تقضي أو تربي لأنه لم يستحق القضاء في ذلك الوقت، فيجوز ها هنا وإن كثر الأجل وكان لا يجاوز الأجل الأول، ولا يدخل ما كره مالك من مرض الرجل لأنه ها هنا إذا مرض انفسخ من الإجارة بقدر ما بقي من ذلك الأمد، وهو في ذلك
بخلاف أن يقاطعه على خياطة الأثواب أو ما أشبهها فلا يستأجره في ذلك إلا فيما قل؛ لأن الخياطة في المقاطعة لا تتعلق بوقت، ويدخله ما خشي مالك من أنه إن مرض قضى في وقت آخر، وسلم ابن عرفة هذا كله.
ولابن يونس: قيل لمالك: فإذا لم يجز لي أن أكري منه داره بدين لي عليه أو أكري منه عبده فهل أستعمله به عملا؟
قال مالك: أما العمل اليسير والدين لم يحل فجائز،
وإن حل فلا يجوز في يسير ولا كثير، ولا تبتع منه بدينك سلعة غائبة أو سلعة بخيار.
ومن المدونة: من واجر نفسه أو عبده في الخياطة شهرا لم يجز أن يفسخ ذلك في قصارة أو غيرها؛ لأنه دين بدين إلا أن تكون الإجارة يوما ونحوه فلم يجعل في المدونة اليوم واليومين أجلا. قال: فيجوز فسخ الدين في خدمة معين اليوم ونحوه، ولا إشكال في هذا على قول أشهب، وقد رشحه ابن يونس؛
فإذا كان لإنسان قِبَل آخر دينٌ فقال له: احرث معي غدا وأقتطع لك من دينك كذا أو اخدم معي غدا فهذا جائز على قول أشهب ورشحه ابن يونس، وهو أيضا يتمشى على قول مالك في اليوم ونحوه: إنه ليس بأجل،
وإن كان الدين الأول لم يحل فيكون ذلك جائزا على ما للخمي وسلمه ابن عرفة. ومثل للمعين الذي يتأخر قبضه بقوله: كغائب، يعنى أنه لا يجوز قضاء الدين بمعين غائب عقارا أو غيره، كان العقار مذراعة أو جزافا.
فإن قلتَ: العقار المبيع جزافا يدخل في ضمان المشتري فليس فيه بيع معين يتأخر قبضه،
قلتُ: تأخر القبض الحسي هو المعتبر هنا كما يفيده ابن يونس واللخمي معللا المنع بأن ثمنها حاضرةً أكثر منه غائبة، فما بينهما ترك لمكان التأخير؛ أي ففيه سلف جر نفعا، وهذه العلة تجري في أخذ الغائب في الدين ولو غير عقار. فقَوْلُ الش وتبعه الشيخ سالم: إن ما في المدونة من منع أخذ الدار الغائبة في الدين محمول على ما إذا بيعت مذارعة لأن فيها حق توفية فإن بيعت على غير ذلك جاز لأنها كالمقبوضة بنفس العقد لدخولها في ضمان مبتاعها بالعقد.
انتهى. مُخالفٌ لما يفيده ابن يونس واللخمي، ويرد عليه أن كلامه يقتضي جواز بيع الدار الغائبة بالصفة غير مذارعة، وقد تقدم أن ذلك لا يجوز على اللزوم. قاله عبد الباقي. قوله عن الشارح والشيخ سالم: إن ما في المدونة من منع أخذ الدار لخ، هذا التأويل هو الذي نقله عياض عن فضل وابن أبي زمنين والأندلسيين وأبي إسحاق التونسي قائلا: إنما لا يجوز أن يأخذ فيها عقارا غائبا إذا أخذه على صفة أو تذريع إذ لا يكون في ضمانه إلا بعد القبض ووجودها على الصفة،
فأما إن كان على رؤية ومعرفة ولم يشترها على التذريع فهو قبض ناجز كالنقد وقد برئ منها وهي من المشتري، ونحوه لأشهب عن مالك في العتبية، وما شرح به الزرقاني من الإطلاق هو تأويل ابن يونس واللخمي وابن محرز خطئوا التأويل الأول وقالوا: لأن ما يسقط الضمان ها هنا لا يتنزل منزلة القبض، فلا يجوز له أن يأخذ في دينه عقارا غائبا وإن دخل في ضمانه بالعقد، وقد اقتصر في التوضيح على التأويل الأول وتبعه الشارح والسنهوري، والرَّدُّ عليهم بمخالفة ما لابن يونس ومن معه، كما فعل الزرقاني ومصطفى يَقْتَضِي ترجيحه، ولم يرجحه أبو الحسن ولا ابن غازي في تكميل التقييد، فانظر من رجحه.
والله أعلم. قاله بناني. وأتى الرهوني بما لا مزيد عليه مما يدل على أن الراجح المعروف من المذهب هو ما رجحه عبد الباقي عن ابن يونس واللخمي،
ومن جملة ما فيه أن مذهب المدونة المنع في التأخير اليسير، وقوله: ويرد عليه أن كلامه يقتضي لخ، فيه نظر لاحتمال أن يريد البيع بتقدم الرؤية على الصفة، ولأن منع بيع الدار بالصفة جزافا أصله لسماع القرويين. وقاله سحنون. لكن تقدم عن مصطفى أن كلام ابن عرفة وغيره يدل على أنه خلاف المشهور من الجواز مطلقا. انتهى.
قاله بناني وقال عن المتيطي: فمن كان له قِبَل رجل دين من بيع أو قرض فلا يجوز أن يأخذ عنه قبل محل أجله ولا بعده سلعة معينة يتأخر قبضها ساعة إلا بقدر ما يلج البيت،
فإن كان طعاما فقدر ما يأتي بحمال ومكيال،
فإن كان كثيرا وغابت الشمس قبل استيفائه استوفاه من الغد.
قال أشهب: ولو تمادى ذلك شهرا لكثرته لم يضره إذا اتصل أخذه،
فإن انفصل وطال ذلك فقال ابن المواز: يرد ما أخذ ويرجع إلى دنانيره انتهى. تنبيهات: الأول: قال أبو علي: قال المص في التوضيح: حقيقة فسخ الدين في الدين هو أن يبيع الدين ممن هو عليه بشيء مؤخر من غير جنسه أو من جنسه وهو أكثر. انتهى.
ثم قال: والحاصل لا فرق في الدين بين أن يكون من بيع أو قرض ولا فرق بين الحال والمؤجل، والمفسوخ فيه لا فرق بين أن يكون أزيد من الدين عددا أو صفة،
وأما إن كان له عشرة أمداد سمراء ففسخها في عشرة محمولة فكذلك أيضا. انتهى. الثاني: إذا صيرت الزوجة لزوجها دار سكناها وهي معه في دين له عليها فلا إشكال أن ذلك حوز، واختلف في العكس،
ففي اختصار المتيطية لابن هارون: وإذا كان للرجل على زوجته دين جاز أن تصير له دار سكناها لأن الإسكان عليه فقبضه للدار صحيح،
بخلاف إذا كانت الدار له وصيرها لها في دين فلا يصح لها فيه قبض إلا أن يخليها الزوج من نفسه ومتاعه، وهي بمثابة ما لو تصدق عليها بدار وكان يسكن معها فإن ذلك لا يجوز إلا أن يخليها من سكناه فيتم لها القبض. قاله أبو عمران الفاسي وغيره من الأندلسيين.
وقال أبو بكر وعبد الرحمن بن عتاب وابن القطان وابن مالك: التصيير جائز إذا لم يشترط السكنى في ذلك لأنها لو شاءت أخرجته، واختاره ابن سهل ونص ابن سهل، رءى فيها أن ذلك جائز نافذ وليس في القبض أقوى من سكناها في الدار. وفهم من كلامه أنه قائل بأنه لا بد من الحوز وأن الخلاف بين من ذكر هل ذلك حوزٌ أم لا؟. الثالث: قال الشيخ أبو علي: التصيير جائز وهو أن يعطيه ملكا له في دين له عليه ولا يجوز التصيير إلا بمعاينة البينة للقبض كالرهن والصدقة ولا يجوز تقارُّهما على القبض.
وقال بعضهم: ذلك جائز كإقرارهما بالمناجزة في الصرف حتى يعرف خلافه.
وقال الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن والشيخ أبو عمران: القول قولهما في التقابض إذ القول قول مدعي الصحة ما لم يتبين خلافه: والتصيير بيع من البيوع إلا أنه يشترط فيه إنجاز القبض للمصيَّر حين الصفقة،
فإن تأخر عنها فسد ودخله الدين بالدين، فلا يجوز أن يصير له ملكا في اكتراء الغير، ولا جارية تتواضع، ولا ثمرة يتأخر جذاذها، ولا دارا غائبة، ولا عبدا وأمة وخشا على العهدة،
وإذا ثبت هذا فالتصيير يؤخذ من كلام المتن لأنه بيع من البيوع، فقوك المتن: فسخ ما في الذمة في مؤخر، مفهومه إذا كان غير مؤخر فهو جائز، وهذا يعينه هو التصيير الجائز والمتأخر هو الممنوع، وقول بعض الشراح هنا: هذا محل ذكر التصيير يقتضي أن المص لم يُلِمَّ بالتصيير، وكثير من المسائل يذكرها أهل الاختصار بدون تفاريعها لكونها تؤخذ من كلامهم، مع أنه لا شرط في الحقيقة إلا ما ذكر لمن تأمل كلام المتيطي وابن سلمون والتحفة وشرحها ومن تكلم على المسألة.
انتهى. الرابع: قد مر قول أبي عمران الفاسي وغيره من الأندلسيين: إن الزوج إذا صير دار سكناه لزوجته في دين لها عليه فإنه لا يصلح لها فيه قبض إلا أن يخليها من نفسه ومتاعه، فعلى قوله: إذا صير لها في الهر دار سكناه لزمه أن يرتحل عنها حتى تحوزها المرأة بالمعاينة كالصدقة، ثم لها بعد شهر أن تسكن الدار مع زوجها ولا يبطل ذلك قبضها،
بخلاف الصدقة والهبة التي يحتاج مع القبض فيها إلى حيازة العام أو العامين على الخلاف في ذلك. انتهى. قاله أبو علي. وما ذكره من التحديد بالشهر هو أكثر ما قيل فيه وبه الفتوى والعمل،
وقيل: الحيازة في التصيير عشرة أيام،
وقيل: عشرون يوما. قاله الرهوني.
وقال أبو عمران بعد كلامه في تصيير الزوج لزوجته دار سكناه في دين لها عليه ما نصه: كما لو صيرها للأجنبي في دين وبقي فيها فإن ذلك لا يصح،
وإذا كان للصغير على أبيه أو وصية دين فصير له فيه ملكا جاز إذا كان ذلك سدادا،
ولو استهلك الأب أو الموصي مالا جهل قدره وصير له فيه ملكا جاز وصح القبض على ما تقدم،
فإن لم يكن للصبي أب ولا وصي لم يصح التصيير له لتعذر القبض له فيدخله التأخير. انتهى. وقوله: على ما تقدم يشير به والله أعلم إلى أنه لا بد في التصيير من القبض المناجَز،
فإن تأخر فسد كدار غائبة أو سلعة على الخيار أو سكنى دار أو جارية تتواضع أو عبد أو أمة على العهدة، هذا هو المشهور من مذهب مالك وابن القاسم، وروى أشهب عن مالك أنه أجاز أن يأخذ عن دينه دارا غائبة أو عبدا بالخيار أو أمة تتواضع أو سكنى دار؛ لأن هذه الأشياء معينة فلا يدخلها الدين بالدين، قال بعض القرويين: وهو أقيس، ألا ترى أنه يجوز له شراء ذلك بالدين.
هذا هو الذي مر في كلام أبي علي وعلى أشهب رد المص بلو. ولابن عاصم: والشرط في التصيير أن يقدَّرا … دين والاِنجاز لما قد صيرا والعرضَ صيره بلا منازعه … والحيوانَ حيث لا مواضعه وجائز فيه مزيدُ العين … حيث يقل عنه قدر الدين والخلف في تصيير ما كسكنى … أو ثمر معين ليجنى وامتنع التصيير للصبي … إن لم يكن ذا أب او وصي والأب كالوصي في التصيير … تمخيا بالجهل للمحجور قد علمت أن التصيير هو إعطاء شخص ملكا له في دين عليه، ومعنى كلامه أنه يشترط في التصيير أن يعرف قدر الدين المصيَّر أي المجعول فيه هذا الشيء المعين بمعنى يقدر دين يعرف قدره؛
لأن التصيير بيع من البيوع،
ومن شرط العوضين في المبيع معرفة قدر كل منهما، وأنه يشترط فيه الإنجاز أي القبض لما قد صُيِّر أي جعل في مقابلة الدين، وقوله: والعرض صيره لخ؛ أي يجوز أن تصير العرض أي تعطيه في مقابلة الدين،
وكذلك الحيوان بشرط تعجيل القبض، فلا نقضيه فيه أمة تتواضع، وقوله: وجائز فيه مزيد العين لخ؛ يعني أنه يجوز في التصيير أن تعطيه أي رب الدين عرضا قيمته أكثر من الدين ويزيدك رب الدين أي يدفع لك عينا مثل أن يكون الدين مائة فيصيِّر له عرضا يساوي مائة وعشرين ويزيده رب الدين عشرين،
ويشترط أن تكون معجلة ولا يجوز تأخيرها، فضمير فيه للتصيير وضمير عنه للعرض الصير على حذف مضاف؛ أي عن قيمة العرض المصيَّر، وقدر الدين فاعل يقل.
قال في المتيطية: وإن كان المصير له زاد في الدار زيادة على الدين جاز ذلك ولم يكن فيه بد من تعجيل القبض، كان الدين معظم الثمن أو يسيرا منه لما يدخله في التأخير من الدين بالدين،
وهذه مسألة الناظم لأن معنى قول المتيطي: وإن كان المصير له زاد في الدار إلى آخره أن الذي صيرت له الدار في دينه قاصَّ ربَّها بالدين وزاده لكون قيمتها أكثر من الدين،
وكذلك عكس هذه المسألة. انتهى. نقله الشيخ ميارة.
وسلم هذا الشيخ أبو علي فإنه قال: قوله: ويشترط أن تكون معجلة ما نصه: إنما عجلت لأنها في مقابلة الدين،
فلو أخرت لكان ذلك من فسخ الدين في الدين. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: وهذا غير ظاهر، بل الظاهر الجواز عيَّنَ له مقدارَ مقابل الدين من العرض أم لا؛ لأنه إن لم يعينه فلا مانع من بيعه بالدين مع زيادة،
وكذا لو دفع له من العرض نصفه أو ثلثيه مثلا أو غير ذلك من الأجزاء المعلومة، فالذي يظهر أنهما شريكان ولا مانع حينئذ من أن يتأخر عوض الجزء الباقي له حيث رضي ببيعه له. والله سبحانه أعلم. ولنرجع إلى بيان باقي الأبيات، فقوله: والخلف في تصيير ما كسكنى لخ، معناه أنه إذا دفع له عن دينه سكنى دار معينة مثلا أو ثمرة معينة مزهية أو مرطبة مثلا يتأخر جذها، فإنه اختلف في جواز ذلك،
والمشهور المنع. وقوله: وامتنع التصيير للصبي لخ؛ يعني لا يدخل في ذلك من تأخير القبض فيؤدي إلى فسخ ما في الذمة في مؤخر وقوله: والأب كالوصي لخ؛ يعني أنه يجوز للأب والوصي أن يصير كل منهما لمن إلى نظره شيئا يكون ذلك المصير في مقابلة ما جهله لتبرأ ذمته من ما للمحجور قِبَله. فقوله: للمحجور متعلق بالتصيير، وتمخيا مفعول لأجله، والتمخِّي التبري. قال الجوهري: تمخيت من الشيء تبرأت منه، وتحرجت.
وباء بالجهل سببية متعلقة بتمخيا.
قال المتيطي: وإن كان الدين مجهولا قدره لا يعرفه الأب أو الموصي وإنما استهلك له مالا لم يقف عليه فتمضى منه بأن صير له في ذلك دارا أو ملكا جاز التصيير وصح القبض على ما ذكرناه ما لم يسكن المصيِّر فيه، ويسقط من نص الوثيقة معرفة السداد لأنه لا يعلم قدر المصير فيه الدار وهو صريح في أن الدين محقق، إلا أنه مجهول المقدار فيكون ذلك في معرض الاستثناء مما تقدم من اشتراط معرفة قدر الدين المصيَّر فيه،
فإذا تعذرت معرفته كهذا جاز التصيير فيه لبراءة الذمة، وذلك والله أعلم إذا لم يتحقق الدين، وإنما خاف أن يكون في ذمته من مال المحجور شيء وجهله لكونه كان يتصرف فيه بالقبض والدفع فيصيِّر له في ذلك شيئا لبراءة الذمة إلا أن هذا مستحب، والأول واجب. والله أعلم. قاله الشيخ ميارة. الخامس: قال الرهوني: ما تقدم من أن المشهور أنه يثبت الحوز في التصيير بالاعتراف محله في غير دار السكنى إلى آخر كلامه.
ومواضعة، هذا من أمثلة المعين الذي يتأخر قبله؛ يعني أنه لو أعطاه عن دينه أمة تتواضع فإن ذلك لا يصح لأنه فسخ دينه في شيء لا يتعجل قبضه. قال عبد الباقي مفسرا للمص: وأمة مواضعة، في حال مواضعتها فسخها في دينه مشتريها
وكذا بائعها لكونها في ضمانه ولمنعه كالمشتري من التصرف فيها حين المواضعة،
وإذا منع الفسخ في هذه فيمنع فيمن تتواضع قبل دخولها في المواضعة بالأوْلى. انتهى. ومنافع عين هذا أيضا من أمثلة المعين الذي
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.