وللولي رد تصرف مميز
Its commentaries
(وَلِلْوَلِيِّ) أَبٍ أَوْ غَيْرِهِ (رَدُّ تَصَرُّفِ) شَخْصٍ (مُمَيِّزٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بِمُعَاوَضَةٍ مِنْ غَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ
وَأَمَّا بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ كَهِبَةٍ وَعِتْقٍ فَيَتَعَيَّنُ رَدُّهُ وَمُرَادُهُ بِالْمُمَيِّزِ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ الصَّبِيَّ وَالْبَالِغَ السَّفِيهَ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ الْآتِي وَاسْتِلْحَاقِ نَسَبٍ وَنَفْيِهِ وَعِتْقِ مُسْتَوْلَدَتِهِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الْبَالِغِ وَجَازَ أَنْ يُرَادَ بِهِ خُصُوصُ الصَّبِيِّ، وَيُجْعَلُ قَوْلُهُ الْآتِي كَالسَّفِيهِ تَشْبِيهًا تَامًّا ثُمَّ إذَا رَدَّ الْوَلِيُّ بَيْعَهُ فَالثَّمَنُ الَّذِي أَخَذَهُ الْمُمَيِّزُ يُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَنْفَقَهُ فِي شَهَوَاتِهِ الَّتِي يَسْتَغْنِي عَنْهَا وَحُمِلَ عِنْدَ جَهْلِ الْحَالِ عَلَى أَنَّهُ أَنْفَقَهُ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اُتُّبِعَ بِهِ فِي ذِمَّتِهِ فَإِنْ أَنْفَقَهُ فِي شَهَوَاتِهِ الَّتِي يُسْتَغْنَى عَنْهَا فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُتَّبَعُ بِشَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ
(قَوْلُهُ: وَلِلْوَلِيِّ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُمَيِّزَ إذَا تَصَرَّفَ فِي مَالِهِ بِمُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ وَكَانَتْ تِلْكَ الْمُعَاوَضَةُ عَلَى وَجْهِ السَّدَادِ وَلِأَجْلِ إنْفَاقِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَاسْتَوَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي إجَازَتِهَا وَرَدِّهَا فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لِوَلِيِّهِ إذَا اطَّلَعَ عَلَيْهَا الْخِيَارُ بَيْنَ إجَازَتِهَا وَرَدِّهَا وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَبِيعِ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ غَيْرُهُ
قَالَ فِي الْبَيَانِ إذَا بَاعَ الْيَتِيمُ دُونَ إذْنِ وَصِيِّهِ أَوْ صَغِيرٌ بِدُونِ إذْنِ أَبِيهِ شَيْئًا مِنْ عَقَارِهِ أَوْ أُصُولِهِ بِوَجْهِ السَّدَادِ فِي نَفَقَتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا وَكَانَ لَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُ الَّذِي بَاعَ أَوْ كَانَ لَهُ غَيْرُهُ وَلَكِنَّ ذَلِكَ الْمَبِيعَ أَحَقُّ مَا يُبَاعُ مِنْ أُصُولِهِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْبَيْعَ يُرَدُّ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَا يُتْبَعُ بِشَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُشْتَرِيَ سَلَّطَهُ عَلَى إتْلَافِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ، الْقَوْلُ الثَّانِي يُرَدُّ الْبَيْعُ إنْ رَأَى الْوَلِيُّ أَنَّ الرَّدَّ هُوَ الْوَجْهُ وَالْمَصْلَحَةُ وَلَا يَبْطُلُ الثَّمَنُ عَنْ الْيَتِيمِ وَيُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ الَّذِي صَوْنُهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ فَإِنْ ذَهَبَ ذَلِكَ الْمَالُ الْمَوْجُودُ الْمَصُونُ وَتَجَدَّدَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَلَا يَتْبَعُ الثَّمَنَ فِيهِ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ، الْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّ الْبَيْعَ يَمْضِي وَلَا يُرَدُّ فَإِنْ كَانَ قَدْ بَاعَ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ بَاعَ مَا غَيْرُهُ أَحَقُّ بِالْبَيْعِ مِنْهُ فِي نَفَقَتِهِ فَلَا يُخْتَلَفُ فِي أَنَّ الْبَيْعَ يُرَدُّ وَلَا يَبْطُلُ الثَّمَنُ عَنْ الْيَتِيمِ لِإِدْخَالِهِ إيَّاهُ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرُهُ) أَيْ وَهُوَ وَصِيُّهُ وَالْحَاكِمُ وَمُقَدِّمُهُ
(قَوْلُهُ رَدُّ تَصَرُّفِ مُمَيِّزٍ) أَيْ وَلَوْ فِي عَقَارِهِ وَلَوْ كَانَ لَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلِلْوَلِيِّ رَدُّ إلَخْ أَيْ وَلَهُ إجَازَتُهُ فَاللَّامُ لِلتَّخْيِيرِ وَهَذَا إذَا اسْتَوَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي الْإِجَازَةِ وَالرَّدِّ فَإِنْ تَعَيَّنَتْ فِي أَحَدِهِمَا تَعَيَّنَ
وَيَصِحُّ جَعْلُ اللَّامِ لِلِاخْتِصَاصِ وَالْمَعْنَى وَلِلْمَوْلَى لَا لِغَيْرِهِ رَدُّ تَصَرُّفِ مُمَيِّزٍ وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ الرَّدَّ مُتَعَيَّنٌ إذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِيهِ وَأَنَّ الْإِجَازَةَ كَذَلِكَ تَتَعَيَّنُ إذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِيهَا.
(قَوْلُهُ: بِمُعَاوَضَةٍ) أَيْ عَلَى وَجْهِ السَّدَادِ بِأَنْ كَانَ الْبَيْعُ بِالْقِيمَةِ
أَمَّا لَوْ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ تَحَتَّمَ الرَّدُّ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ لِأَجْلِ إنْفَاقِهِ فِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَإِلَّا تَحَتَّمَ الرَّدُّ وَلَا يَتْبَعُ بِالثَّمَنِ اتِّفَاقًا.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ كَانَ أَنْفَقَهُ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ
(قَوْلُهُ وَحُمِلَ عِنْدَ جَهْلِ الْحَالِ عَلَى أَنَّهُ أَنْفَقَهُ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ) فِيهِ نَظَرٌ بَلْ يُحْمَلُ عِنْدَ جَهْلِ الْحَالِ إنْفَاقُهُ عَلَى التَّبْذِيرِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ عَلَى الْمَحَاجِيرِ كَمَا فِي نَقْلِ ح وَابْنِ عَرَفَةَ.
(قَوْلُهُ: اُتُّبِعَ بِهِ فِي ذِمَّتِهِ) صَوَابُهُ لَمْ يُتْبَعْ فِي ذِمَّتِهِ اُنْظُرْ بْن.
ص (وَلِلْوَلِيِّ رَدُّ تَصَرُّفِ مُمَيِّزٍ وَلَهُ إنْ رَشَدَ، وَلَوْ حَنِثَ بَعْدَ بُلُوغِهِ، أَوْ وَقَعَ الْمَوْقِعَ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْوَلِيَّ سَوَاءٌ كَانَ وَصِيًّا أَوْ وَصِيَّ وَصِيٍّ، أَوْ مُقَدَّمَ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يَرُدُّ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ الْمُمَيِّزُ مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ وَيُرِيدُ الْمُصَنِّفُ الْمُمَيِّزَ الْمَحْجُورَ وَسَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا، أَوْ بَالِغًا سَفِيهًا وَلَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: وَتَصَرُّفِ مُمَيِّزٍ مَحْجُورٍ لَكَانَ أَبْيَنَ، وَهَذِهِ اللَّامُ يَظْهَرُ فِيهَا أَنَّهَا لَامُ الْإِبَاحَةِ،
وَأَنَّ لَهُ الرَّدَّ، وَلَهُ الْإِمْضَاءُ، وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ بِحَسَبِ مَا يَرَى فِيهِ الْمَصْلَحَةَ لَا بِحَسَبِ شَهْوَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الْجَوَاهِرِ وَلَا يَتَصَرَّفُ الْوَلِيُّ إلَّا بِمَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ، فَهُوَ مَعْزُولٌ بِظَاهِرِ النَّصِّ عَنْ غَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ لَهُ الْإِجَازَةُ وَالرَّدُّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ الْإِجَازَةُ وَالرَّدُّ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ الَّتِي خَرَجَتْ عَنْ عِوَضٍ،
وَأَمَّا التَّبَرُّعَاتُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ رَدُّهَا. وَلْنَذْكُرْ بَعْضَ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ لِيَتَّضِحَ الْمَقْصُودُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي بَابِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ مِنْ الرِّجَالِ، وَالْمَحِيضَ مِنْ النِّسَاءِ لَا يَجُوزُ لَهُ فِي مَالِهِ مَعْرُوفٌ مِنْ هِبَةٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلَا عَطِيَّةٍ وَلَا عِتْقٍ،
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْأَبُ، أَوْ الْوَصِيُّ إنْ كَانَ ذَا أَبٍ، أَوْ وَصِيٍّ فَإِنْ بَاعَ، أَوْ اشْتَرَى، أَوْ فَعَلَ مَا يُشْبِهُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ مِمَّا يَخْرُجُ عَنْ عِوَضٍ وَلَا يَقْصِدُ فِيهِ إلَى مَعْرُوفٍ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى نَظَرِ وَلِيِّهِ فَإِنْ رَآهُ سَدَادًا أَوْ غِبْطَةً أَجَازَهُ وَأَنْفَذَهُ.
وَإِنْ رَآهُ بِخِلَافِهِ رَدَّهُ وَأَبْطَلَهُ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلِيٌّ قُدِّمَ لَهُ وَلِيٌّ نَظَرَ بِوَجْهِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ،
وَإِنْ غَفَلَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى وَلِيِّ أَمْرِهِ كَانَ النَّظَرُ إلَيْهِ فِي إجَازَةِ إنْفَاذِ ذَلِكَ أَوْ رَدِّهِ وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ فِعْلُهُ سَدَادًا نَظَرًا مِمَّا كَانَ يَلْزَمُ الْوَلِيَّ أَنْ يَفْعَلَهُ هَلْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَنْقُضَهُ إنْ آلَ الْأَمْرُ إلَى خِلَافِ ذَلِكَ بِحَوَالَةٍ، أَوْ نَمَاءٍ فِيمَا بَاعَهُ أَوْ نُقْصَانٍ فِيمَا ابْتَاعَهُ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ الْمَعْلُومُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ
وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ وَيَلْزَمُهُ مَا أَفْسَدَ أَوْ كَسَرَ مِمَّا لَمْ يُؤْتَمَنْ عَلَيْهِ وَاخْتُلِفَ فِيمَا إذَا أَفْسَدَ وَكَسَرَ مِمَّا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَرُشْدِهِ عِتْقُ مَا حَلَفَ بِحُرِّيَّتِهِ، وَحَنِثَ بِهِ فِي حَالِ صِغَرِهِ وَاخْتُلِفَ فِيمَا حَلَفَ بِهِ فِي حَالِ صِغَرِهِ وَحَنِثَ بِهِ فِي حَالِ رُشْدِهِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ،
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: يَلْزَمُهُ وَلَا تَلْزَمُهُ يَمِينٌ فِيمَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ وَاخْتُلِفَ هَلْ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ؟ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ وَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ وَلَا يَمِينَ عَلَى الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ،
وَإِنْ حَلَفَ بَرَزَ إلَى الْبُلُوغِ فَإِذَا بَلَغَ الصَّغِيرُ حَلَفَ وَأَخَذَ حَقَّهُ فَإِنْ نَكَلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ وَلَا يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينٌ ثَانِيَةٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ: أَنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ مِنْ الْحُقُوقِ وَالْأَحْكَامِ «لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» فَذَكَرَ مِنْهُمْ الصَّبِيَّ حَتَّى يَحْتَلِمَ اهـ.
ثُمَّ قَالَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْمِدْيَانِ قَدْ أَتَيْنَا بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى مَا شَرَطْنَا مِنْ بَيَانِ الْحُدُودِ الْمُمَيِّزَةِ بَيْنَ مَنْ يَجُوزُ وَبَيْنَ مَنْ لَا يَجُوزُ فِي الْأَبْكَارِ وَغَيْرِهِنَّ فَنَرْجِعُ الْآنَ إلَى ذِكْرِ الْقَوْلِ فِي أَحْكَامِ مَنْ لَا تَجُوزُ أَفْعَالُهُ مِنْ السُّفَهَاءِ الْبَالِغِينَ إذْ قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ أَفْعَالِ الصِّبْيَانِ فَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَمْكَنَ عَلَى شَرْطِ الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ: اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ السَّفِيهَ الْبَالِغَ تَلْزَمُهُ جَمِيعُ حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ فِي بَدَنِهِ وَمَالِهِ وَيَلْزَمُهُ مَا وَجَبَ فِي بَدَنِهِ مِنْ حَدٍّ، أَوْ قِصَاصٍ وَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ كَانَ بِيَمِينٍ حَنِثَ فِيهَا، أَوْ بِغَيْرِ يَمِينٍ،
وَكَذَلِكَ الظِّهَارُ وَيَنْظُرُ لَهُ وَلِيُّهُ فِيهِ بِوَجْهِ النَّظَرِ فَإِنْ رَأَى أَنْ يُعْتِقَ عَنْهُ، وَيُمْسِكَ عَلَيْهِ زَوْجَتَهُ فَعَلَ.
وَإِنْ رَأَى أَنْ لَا يُعْتِقَ عَلَيْهِ،
وَإِنْ آلَ ذَلِكَ إلَى الْفِرَاقِ بَيْنَهُمَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَلَا يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ وَلَا الْإِطْعَامُ إذَا كَانَ لَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَحْمِلُ الْعِتْقَ،
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا لَمْ يَرَ لَهُ وَلِيُّهُ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ بِالْعِتْقِ فَلَهُ هُوَ أَنْ يَصُومَ فَلَا يُطَلِّقَ عَلَيْهِ فِي مَذْهَبِ ابْنِ الْمَوَّازِ؛ لِأَنَّ بَعْدَ ضَرْبِ أَجَلِ الْإِيلَاءِ إنْ طَلَبَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ كَانَ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالصِّيَامِ.
وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ تَطْلُقُ عَلَيْهِ مِنْ ضَرْبِ أَجَلٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ،
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: لَا يُعْتِقُ عَلَيْهِ وَلِيُّهُ إلَّا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ فَإِنْ عَادَ إلَى الظِّهَارِ لَمْ يُعْتِقْ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ تَأْتِي عَلَى الْحَلِيمِ وَالسَّفِيهِ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ،
وَأَمَّا الْإِيلَاءُ فَإِنْ كَانَ دَخَلَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ يَمِينٍ بِالطَّلَاقِ هُوَ فِيهَا عَلَى حِنْثٍ، أَوْ بِسَبَبِ امْتِنَاعِ يَمِينِهِ عَلَى أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ فِي الظِّهَارِ لَزِمَهُ،
وَأَمَّا إنْ كَانَ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فَيُنْظَرُ إلَى يَمِينِهِ فَإِنْ كَانَتْ بِعِتْقٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ، وَيَحْجُرُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَلِيُّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ بِهِ إيلَاءٌ،
وَإِنْ كَانَتْ بِاَللَّهِ لَزِمَهُ الْإِيلَاءُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ،
وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِصِيَامٍ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَلْزَمُهُ لَزِمَهُ بِهِ الْإِيلَاءُ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَلْزَمُهُ الْإِيلَاءُ بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ،.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَلَا يَلْزَمُهُ هِبَةٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا عَطِيَّةٌ وَلَا عِتْقٌ وَلَا شَيْءٌ مِنْ الْمَعْرُوفِ فِي مَالِهِ إلَّا أَنْ يُعْتِقَ أُمَّ وَلَدِهِ فَيَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهَا كَالزَّوْجَةِ لَيْسَ فِيهَا إلَّا الِاسْتِمْتَاعُ بِالْوَطْءِ، وَاخْتُلِفَ فِي مَالِهَا هَلْ يَتْبَعُهَا أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ يَتْبَعُهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ،
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَتْبَعُهَا، وَهُوَ رِوَايَةُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ،
وَالثَّالِثُ: التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَأَرَاهُ قَوْلَ أَصْبَغَ،
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ وَابْنُ نَافِعٍ لَا يَلْزَمُهُ عِتْقُهَا وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهَا
بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِهِ فِي مَرَضِهِ فَيَكُونُ فِي ثُلُثِهِ قَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ وَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ أَصْبَغُ مَا لَمْ يُكْثِرْ جِدًّا،
وَإِنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ، وَأَمَّا بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَنِكَاحُهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَجْرِي عَلَى عِوَضٍ، وَلَا يَقْصِدُ بِهِ قَصْدَ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى نَظَرِ وَلِيِّهِ إنْ كَانَ لَهُ وَلِيٌّ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ قَدَّمَ لَهُ الْقَاضِي نَاظِرًا لَهُ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ نَظَرَ الْوَصِيِّ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَلَكَ أَمْرَهُ كَانَ هُوَ مُخَيَّرًا فِي رَدِّ ذَلِكَ وَإِجَازَتِهِ اهـ. وَلَا تَظُنُّ أَنَّ هَذَا مُعَارِضٌ لِمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَتَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِجَازَةِ عِنْدَ مَالِكٍ. لَا ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ هُنَا إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ حُكِمَ لَهُ بِأَنَّ فِعْلَهُ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ الْإِجَازَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَهَذَا الْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ حُكِمَ لَهُ بِأَنَّ فِعْلَهُ لَا يَجُوزُ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ كَلَامَ صَاحِبِ الْمُقَدِّمَاتِ بِلَفْظٍ لَا يَخْتَلِفُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَبْلَ الْبُلُوغِ مَحْمُولٌ عَلَى السَّفَهِ،
وَإِنْ ظَهَرَ رُشْدُهُ، وَأَنَّ تَصَرُّفَاتِهِ مِنْ الصَّدَقَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَعْرُوفِ مَرْدُودَةٌ،
وَإِنْ أَذِنَ فِيهَا الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ وَتَصَرُّفُ الْمُعَاوَضَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ إنْ رَآهُ مَصْلَحَةً وَإِلَّا رَدَّهُ اهـ.
قَالَ فِي اللُّبَابِ وَقِسْمٌ مِنْ أَفْعَالِهِ لَا يَمْضِي،
وَإِنْ أَجَازَهُ الْوَلِيُّ، وَهُوَ الْعِتْقُ وَالصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ اهـ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: " مُمَيِّزٍ " احْتَرَزَ بِهِ مِنْ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ وَلَوْ بِالْمُعَاوَضَةِ كَمَا
قَالَ فِي الْبَيْعِ: شَرْطُ عَاقِدِهِ تَمْيِيزٌ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ نَبَّهَ بِالْمُمَيِّزِ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ أَحْرَى بِالرَّدِّ غَيْرُ بَيِّنٍ فِي أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ رَدُّ تَصَرُّفِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُمَيِّزِ السَّفِيهِ صَغِيرًا كَانَ، أَوْ بَالِغًا كُلَّمَا كَانَ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَإِنَّهُ مَرْدُودٌ وَمَا كَانَ بِعِوَضٍ فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ وَلِيِّهِ (الثَّالِثُ) قَوْلُهُ: " وَإِنْ رَشَدَ " عَائِدٌ إلَى السَّفِيهِ الْمُمَيِّزِ بَالِغًا كَانَ، أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ فَلَهُ الرَّدُّ إذَا رَشَدَ وَقَوْلُهُ:" أَوْ وَقَعَ الْمَوْقِعَ " ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَرُشْدِهِ وَلَوْ كَانَ وَقَعَ الْمَوْقِعَ يَوْمَ عَقَدَهُ،
وَصَرَّحَ بِهِ فِي الشَّامِلِ فَقَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ، أَوْ كَانَ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِتَصَرُّفِهِ حَتَّى رَشَدَ فَالنَّظَرُ لَهُ فِيهِ دُونَ الْوَلِيِّ وَلَوْ كَانَ سَدَادًا اهـ.
(الرَّابِعُ) قَوْلُهُ: " وَلَوْ حَنِثَ بَعْدَ بُلُوغِهِ " لَوْ قَالَ بَعْدَ رُشْدِهِ لَكَانَ أَبَيْنَ وَأَوْضَحَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ ذَلِكَ عَامٌّ فِي الصِّغَرِ وَالسَّفَهِ.
(الْخَامِسُ) قَالَ فِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ عِتْقٌ وَلَا هِبَةٌ، وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا بَيْعٌ وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَرُشْدِهِ إلَّا أَنْ يُجْبِرَهُ الْآنَ وَأَنَا أَسْتَحِبُّ إمْضَاءَهُ وَلَا أُجْبِرُهُ عَلَيْهِ اهـ. عِيَاضٌ لَهُ رَاجِعٌ لِلْعِتْقِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ لِغَيْرِ ثَوَابٍ وَعَلَى الْجَمِيعِ اخْتَصَرَهُ الْمُخْتَصِرُونَ، وَأَنَا أَسْتَحِبُّ لَهُ إمْضَاءَ جَمِيعِ مَا فَعَلَ وَفِيهِ نَظَرٌ
وَالصَّحِيحُ سِوَاهُ، وَلَا أَسْتَحِبُّ لَهُ أَنْ يُمْضِيَ إلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ فِيهِ قُرْبَةٌ،
وَأَمَّا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِبَادِ مِمَّا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْقُرْبَةَ فَأَيُّ اسْتِحْبَابٍ فِي هَذَا وَهَكَذَا جَاءَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ عَلَى مَا تَأَوَّلْنَاهُ. الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ قُرْبَةٌ بِإِسْعَافِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ بِإِمْضَاءِ عُقْدَتِهِ لِغِبْطَةٍ بِهَا كَمَا يَكُونُ قُرْبَةً فِي الْإِقَالَةِ وَالتَّوْلِيَةِ اهـ. مِنْ أَبِي الْحَسَنِ وَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامِ الْمُقَدِّمَاتِ: أَنَّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُهُ مَا حَلَفَ بِهِ فِي حَالِ سَفَهِهِ وَلَوْ لَمْ يَرُدَّهُ مَنْ وُلِّيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَشَدَ، وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي آخِرِ أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ،
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هُوَ الْأَظْهَرُ خِلَافُ مَا وَقَعَ فِي سَمَاعِ الْمُحَرَّمِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ النُّذُورِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يَرُدَّ الْوَلِيُّ عَلَى الْمُوَلِّي حَتَّى مَلَكَ أَمْرَهُ، وَكَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ هُنَا وَكَلَامُ الْمُقَدِّمَاتِ يُرَجِّحُ مَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ الْأَظْهَرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ بَعْدَ قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي السَّفَهِ: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَلَكَ أَمْرَهُ كَانَ هُوَ مُخَيَّرًا فِي إجَارَةِ ذَلِكَ، أَوْ رَدِّهِ فَإِنْ رَدَّ بَيْعَهُ، أَوْ ابْتِيَاعَهُ وَكَانَ قَدْ أَتْلَفَ الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَ بِهِ، أَوْ السِّلْعَةَ الَّتِي ابْتَاعَهَا لَمْ يُتْبَعْ مَالُهُ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ اهـ.
(السَّابِعُ) : قَالَ فِيهَا أَيْضًا وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَتْ أَمَةً فَأَوْلَدَهَا فَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ فَوْتٌ وَلَا يُرَدُّ
وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِفَوْتٍ كَالْعِتْقِ وَيُرَدُّ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ شَيْءٌ اهـ.
(الثَّامِنُ) قَالَ فِيهَا أَيْضًا وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ أَنْفَقَ الثَّمَنَ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِمَّا يَلْزَمُهُ إقَامَتُهُ هَلْ يُتْبَعُ مَالُهُ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ: قُلْت الَّذِي فِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ لِلْأَخَوَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَلِابْنِ فَتُّوحٍ اتِّبَاعُهُ اهـ. فَتَرَجَّحَ الْقَوْلُ بِالِاتِّبَاعِ إذَا كَانَتْ النَّفَقَةُ فِي مَصَالِحِهِ،
وَقَالَ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ فِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَالتَّفْلِيسِ: يَتَحَصَّلُ فِيمَا بَاعَ الْيَتِيمُ دُونَ إذْنِ وَصِيِّهِ، أَوْ الصَّغِيرُ مِنْ عَقَارِهِ وَأُصُولِهِ بِوَجْهِ السَّدَادِ فِي نَفَقَتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا إذَا كَانَ لَا شَيْءَ لَهُ غَيْرَ الَّذِي بَاعَ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ مَا بَاعَهُ مِنْ أُصُولِهِ، ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ (أَحَدُهَا) أَنَّ الْبَيْعَ يُرَدُّ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَا يُتْبَعُ بِالثَّمَنِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَضْعَفُ الْأَقْوَالِ.
(وَالثَّانِي) : أَنَّ الْبَيْعَ يُرَدُّ إنْ رَأَى ذَلِكَ الْوَصِيُّ وَلَا يَبْطُلُ الثَّمَنُ عَنْ الْيَتِيمِ وَيُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ.
(وَالثَّالِثُ) أَنَّ الْبَيْعَ يَمْضِي وَلَا يُرَدُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَاعَ بِأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ، أَوْ بَاعَ مَا غَيْرَهُ أَحَقُّ بِالْبَيْعِ فِي نَفَقَتِهِ فَلَا يُخْتَلَفُ أَنَّ الْبَيْعَ يُرَدُّ،
وَإِنْ لَمْ يَبْطُلْ الثَّمَنُ عَنْ الْيَتِيمِ لِإِدْخَالِهِ إيَّاهُ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ،
وَأَمَّا إذَا بَلَغَ الْيَتِيمُ وَأَنْفَقَ فِي شَهَوَاتِهِ الَّتِي يُسْتَغْنَى عَنْهَا فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهُ يُرَدُّ الْبَيْعُ وَلَا يُتْبَعُ بِشَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ كَانَ الَّذِي بَاعَ مِنْ مَالِهِ كَثِيرًا، أَوْ يَسِيرًا أَصْلًا، أَوْ عَرَضًا اهـ.
وَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَحْصُلَ الْأَقْوَالَ: إنَّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ أَعْنِي قَوْلَ أَصْبَغَ هُوَ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ وَاخْتَارَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ قَالَ: وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَنْبَغِي غَيْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَيَكُونُ الْقَوْلُ بِالِاتِّبَاعِ هُوَ الرَّاجِحُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ صُرِّحَ بِأَنَّهُ أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ،
وَالثَّالِثُ لَمْ يَعُزْهُ، وَضَعْفُهُ ظَاهِرٌ، وَتَرَجَّحَ أَيْضًا بِتَصْدِيرِ ابْنِ رُشْدٍ بِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَتَرْجِيحِ ابْنِ عَرَفَةَ لَهُ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِمَا وَصَرَّحَ الْمُتَيْطِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبَيْعِ: بِأَنَّ الْمَحْجُورَ إذَا أَفَاتَ الثَّمَنَ، وَقَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَنْفَقَهُ فِي مَصَالِحِهِ، فَالْمَشْهُورُ أَخْذُهُ مِنْ مَالِهِ، وَنَصُّهُ: " وَلَوْ أَفَاتَهُ وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَنْفَقَهُ فِي مَصَالِحِهِ فَفِي أَخْذِهِ مِنْ مَالِهِ لِلْمَشْهُورِ وَنَقَلَ يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ اهـ.
وَقَالَ عَنْهُ أَيْضًا فِيمَا إذَا لَمْ يُفَوِّتْهُ: فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ وَكَانَ يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ أَخَذَهُ،
وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ بِعَيْنِهِ فَيَشْتَرِكُ عَدَمُ مُفَارَقَةِ الْبَيِّنَةِ لَهُ قَالَ: وَإِقْرَارُ السَّفِيهِ بِتَعْيِينِهِ لَغْوٌ اهـ. وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ أَوَّلَ الْكَلَامِ: الْيَتِيمُ، أَوْ الصَّغِيرُ يُرِيدُ
وَكَذَلِكَ الْبَالِغُ السَّفِيهُ، وَفَرَضَ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي ذَكَرَ ذَلِكَ فِي شَرْحِهَا فِي الْبِكْرِ السَّفِيهَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(التَّاسِعُ) قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ فِي كِتَابِ الْمَأْذُونِ: وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُتْبَعُ بِالثَّمَنِ فِي ذِمَّتِهِ اهـ.
(الْعَاشِرُ) قَالَ فِيهَا أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ الْمُشْتَرِي أَمَةً فَأَوْلَدَهَا، أَوْ أَعْتَقَهَا، أَوْ غَنَمًا فَتَنَاسَلَتْ، أَوْ بُقْعَةً فَبَنَاهَا، أَوْ شَيْئًا لَهُ غَلَّةٌ فَاغْتَلَّهُ كَانَ حُكْمُهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ حُكْمَ مَنْ اشْتَرَى مِنْ مَالِكٍ فِيمَا يَرَى فَاسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ مَا اشْتَرَى بَعْدَ أَنْ أَحْدَثَ فِيهَا مَا ذَكَرْت، يَرُدُّ إلَى الْمُوَلَّى عَلَيْهِ الْأَمَةَ الَّتِي أُعْتِقَتْ، وَيُنْتَقَضُ الْعِتْقُ فِيهَا، وَتَأْخُذُ الْأَمَةُ الَّتِي وَلَدَتْ مِنْهُ، وَقِيمَةُ الْوَلَدِ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَعْلُومِ فِي ذَلِكَ،
وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْ غَيْرِهِ بِتَزْوِيجِ أَحَدِهِمْ مَعَ الْأُمِّ،
وَكَذَلِكَ يَأْخُذُ الْغَنَمَ وَنَسْلَهَا وَكَانَ لَهُ فِيمَا بَنَاهُ قِيمَةُ بِنَائِهِ قَائِمًا وَكَانَتْ الْغَلَّةُ الَّتِي اغْتَلَّ لَهُ بِالضَّمَانِ هَذَا كُلُّهُ إنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهُ مُوَلًّى عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ،
وَأَمَّا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مُوَلًّى عَلَيْهِ مُتَعَدٍّ فِي الْبَيْعِ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ لِسَفَهٍ يَقْصِدُهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْغَاصِبِ يَرُدُّ الْغَلَّةَ وَكَانَ لَهُ قِيمَةُ بِنَائِهِ مَقْلُوعًا اهـ. فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ بَيْعَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ حُكْمُهُ مَا تَقَدَّمَ،
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْحَادِيَ عَشَرَ) قَالَ فِي الْبَيَانِ إثْرَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ فِيمَا بَاعَ وَقَبَضَ مِنْ الثَّمَنِ أَنَّهُ إنْ أَنْفَقَهُ فِيمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ حَتَّى يُثْبِتَ أَنَّهُ أَنْفَقَهُ فِيمَا لَيْسَ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ اهـ.
(الثَّانِي عَشَرَ) قَالَ فِي التَّلْقِينِ مَنْ اسْتَدَانَ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ دَيْنًا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ، ثُمَّ فُكَّ حَجْرُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ فِيمَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِحَقِّ نَفْسِهِ كَالسَّفِيهِ وَالصَّغِيرِ وَلَزِمَ فِيمَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِحَقِّ غَيْرِهِ كَالْعَبْدِ يُعْتَقُ إلَّا أَنْ يَفْسَخَهُ عَنْهُ السَّيِّدُ قَبْلَ عِتْقِهِ اهـ.
وَقَالَ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ: إذَا أَوْلَدَ السَّفِيهُ جَارِيَةً ابْتَاعَهَا بِثَمَنٍ اسْتَسْلَفَهُ، أَوْ بِثَمَنِ سِلْعَةٍ ابْتَاعَهَا فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلَّذِي أَسْلَفَهُ، أَوْ بَاعَهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا،
وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَمْوَالِهِمَا فَلَيْسَتْ عَيْنَ أَمْوَالِهِمَا،
وَأَمَّا إذَا أَوْلَدَ الْأَمَةَ الَّتِي اشْتَرَاهَا فَقِيلَ: إنَّهُ فَوْتٌ لَا سَبِيلَ لِلَّذِي بَاعَهُ إيَّاهَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَلَّطَهُ عَلَيْهَا وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الْقِيَاسُ انْتَهَى.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ أَرَى أَنْ تُرَدَّ الْأَمَةُ إلَى بَائِعِهَا وَيَرُدُّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ كُلَّهُ عَلَى السَّفِيهِ، وَيَكُونُ الْوَلَدُ وَلَدَهُ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ قِيمَتِهَا شَيْءٌ انْتَهَى. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْقَوْلَيْنِ: إنَّ هَذَا الْقَوْلَ بَيِّنٌ (الثَّالِثَ عَشَرَ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ: إذَا كَانَ الْمَحْجُورُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي وَيَأْخُذُ وَيُعْطِي بِرِضَا حَاجِرِهِ وَسُكُوتِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي فَعَلَ بِذَلِكَ أَفْتَى شَيْخُنَا الْإِمَامُ، وَوَقَعَ الْحُكْمُ بِذَلِكَ بِتُونُسَ انْتَهَى.
وَذَكَرَهَا فِي مَسَائِلِ الْمَحْجُورِ.
(الرَّابِعَ عَشَرَ)
قَالَ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارِ: وَإِنْ اشْتَرَى عَبْدٌ، أَوْ يَتِيمٌ سِلْعَةً، أَوْ بَاعَهَا فَأَرَادَ السَّيِّدُ أَوْ الْوَصِيُّ فَسْخَ ذَلِكَ فَذَلِكَ لَهُمَا،
فَإِنْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي مِنْهُمَا أَوْ الْبَائِعُ أَنْ يَخْلُفَ السَّيِّدَ أَوْ الْوَصِيَّ مَا أَذِنَا لَهُ فِي ذَلِكَ؛ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ انْتَهَى. وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي فَصْلِ الدَّعَاوَى الَّتِي لَا تُوجِبُ الْيَمِينَ.
(الْخَامِسَ عَشَرَ) إذَا أَفْسَدَ الصَّبِيُّ مَالًا لِغَيْرِهِ لَمْ يُؤْتَمَنْ عَلَيْهِ وَجَبَ عَلَى وَلِيِّهِ إخْرَاجُ الْجَابِرِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ، وَلَمْ تَكُنْ الْقِيمَةُ أُخِذَتْ مِنْ مَالِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إخْرَاجُهَا مِنْ مَالِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ فِي وَثَائِقِ الْجَزِيرِيِّ فِي مَسْأَلَةِ نِكَاحِ الصَّبِيِّ وَالسَّفِيهِ وَالْعَبْدِ،
وَإِنْ كَانَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ وَالسَّيِّدُ اُنْظُرْ ابْنَ سَلْمُونٍ فِي فَصْلِ نِكَاحِ الْمَحْجُورِ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي ذَلِكَ خِلَافًا عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ الْأَبْهَرِيِّ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الطُّرَرِ فِي تَرْجَمَةِ فَسْخِ الْوَلِيِّ نِكَاحَ يَتِيمِهِ مِنْ الْجُزْءِ الثَّانِي فِي تَرْجَمَةِ تَسْجِيلِ الْقَاضِي بِوِلَايَةٍ عَلَى مَنْ ثَبَتَ سَفَهُهُ مِنْ الْجُزْءِ التَّاسِعِ وَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ حُكْمُ الدَّعْوَى عَلَى الْمَحْجُورِ هَلْ تُسْمَعُ أَمْ لَا؟
وَفِي بَابِ الْعِتْقِ شَيْءٌ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(لِلْوَلِيِّ رَدُّ تَصَرُّفِ مُمَيِّزٍ) ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ بَيْنَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ لَا يَجُوزُ لَهُ فِي مَالِهِ مَعْرُوفٌ مِنْ هِبَةٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلَا عِتْقٍ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ،
فَإِنْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى أَوْ مَا يُشْبِهُ الْبَيْعَ وَالِاشْتِرَاءَ مِمَّا يَخْرُجُ عَلَى عِوَضٍ وَلَا يُقْصَدُ فِيهِ إلَى فِعْلِ مَعْرُوفٍ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى نَظَرِ وَلِيِّهِ إنْ كَانَ لَهُ وَلِيٌّ،
فَإِنْ رَآهُ سَدَادًا وَغَبَطَهُ أَجَازَهُ وَأَنْفَذَهُ وَإِلَّا أَبْطَلَهُ وَرَدَّهُ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ قُدِّمَ لَهُ وَلِيٌّ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ بِوَجْهِ الِاجْتِهَادِ
(ص) وَلِلْوَلِيِّ رَدُّ تَصَرُّفِ مُمَيِّزٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمُمَيِّزَ إذَا تَصَرَّفَ بِمُعَاوَضَةٍ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ فَذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلَى نَظَرِ وَلِيِّهِ مِنْ إجَازَةٍ، أَوْ رَدٍّ كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا، أَوْ غَيْرَهُ حَيْثُ اسْتَوَتْ مَصْلَحَةُ الرَّدِّ، وَالْإِجَازَةِ،
وَأَمَّا تَصَرُّفُهُ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ كَهِبَةٍ وَعِتْقٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْوَلِيِّ رَدُّهُ وَظَهَرَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ وَلِلْوَلِيِّ لِلتَّخْيِيرِ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ إذَا كَانَتْ فِي الرَّدِّ، أَوْ الْإِجَازَةِ تَعَيَّنَ فِعْلُ مَا هِيَ فِيهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى جَعْلِهَا لِلِاخْتِصَاصِ وَيَرُدُّهُ أَيْضًا قَوْلُهُ وَلَهُ إنْ رَشَدَ فَالرَّدُّ لَيْسَ خَاصًّا بِالْوَلِيِّ وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ وَلِلْوَلِيِّ إلَخْ مَا إذَا أُسِرَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ وَأَرَادَ الْفِدَاءَ وَامْتَنَعَ وَلِيُّهُ فَلَا كَلَامَ لِوَلِيِّهِ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ أَيْضًا مَا إذَا كَانَتْ الزَّوْجَةُ عِنْدَ زَوْجٍ مُوسِرٍ وَامْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَطَلَبَتْ مِنْ الْوَلِيِّ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ ذَلِكَ؛
لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ لَوَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ ذَلِكَ مَعَ مَا فِي هَذَا مِنْ دَوَامِ الْعِصْمَةِ وَأَيْضًا لَوْ أَرَادَتْ عَدَمَ الزَّوَاجِ فَإِنَّهَا لَا تُجْبَرُ عَلَيْهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُجْبَرُ الْوَلِيُّ عَلَى ذَلِكَ إلَّا إذَا أَرَادَ الزَّوْجُ فِرَاقَهَا إنْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا الْوَلِيُّ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا إذَا كَانَ تَصَرُّفُهُ فِي هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ شَرَطَ الْوَاهِبُ عَدَمَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فِيهَا وَفِي دَعْوَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْأَوَّلَيْنِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ تَعَيَّنَتْ فِيهِمَا فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ خَلَاصَهُ مِنْ الْأَسْرِ وَدَوَامَ الزَّوْجَةِ عِنْدَ زَوْجِهَا مِنْ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ إذَا كَانَتْ فِي الرَّدِّ، أَوْ الْإِجَازَةِ تَعَيَّنَ) ، أَيْ: فَذَلِكَ أَمْرُهُ ظَاهِرٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاخْتِصَاصِ الشَّامِلِ لِذَلِكَ (أَقُولُ) ، وَالتَّخْيِيرُ أَمْرُهُ ظَاهِرٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى جَعْلِهَا لِلتَّخْيِيرِ فَلَا فَرْقَ.
(قَوْلُهُ: وَيَرُدُّهُ أَيْضًا) ، أَيْ: يَرُدُّ جَعْلَهَا لِلِاخْتِصَاصِ (أَقُولُ) قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا مُوجِبَ لِرَدِّ الِاخْتِصَاصِ
(قَوْلُهُ: فَالرَّدُّ خَاصًّا بِالْوَلِيِّ) يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ اخْتِصَاصٌ نِسْبِيٌّ، أَيْ: مَا دَامَ صَبِيًّا مُمَيِّزًا، ثُمَّ بَعْدَ كَتْبِي هَذَا وَجَدْت فِي شَرْحِ عب مَا يُفِيدُهُ
(قَوْلُهُ: وَيُسْتَثْنَى إلَخْ) هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُمَيِّزِ الْمَحْجُورُ بَلَغَ أَمْ لَا وَيَكُونُ قَوْلُهُ: بَعْدُ كَالسَّفِيهِ تَشْبِيهٌ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي هِيَ قَوْلُهُ وَصَحَّتْ وَصِيَّتُهُ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ خُصُوصُ الصَّبِيِّ وَيَكُونُ قَوْلُهُ كَالسَّفِيهِ تَشْبِيهًا تَامًّا
(قَوْلُهُ: مَعَ مَا فِي هَذَا مِنْ دَوَامِ الْعِصْمَةِ) ، أَيْ: وَدَوَامُ الْعِصْمَةِ أَمْرٌ نَدَبَ لَهُ الشَّارِعُ
Adds nothing on this mas’ala.
(وَ) إنْ تَصَرَّفَ صَبِيٌّ مُمَيِّزٌ أَوْ سَفِيهٌ فِي الْمَالِ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ فَ (لِلْوَلِيِّ) عَلَيْهِ مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيِّهِ أَوْ مُقَدَّمِ الْقَاضِي أَوْ الْقَاضِي (رَدُّ تَصَرُّفِ مُمَيِّزٍ) بِمُعَاوَضَةٍ كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ فِي عَقَارٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَهُ إمْضَاؤُهُ، ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ سَدَادًا وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَصْبَغَ لِوُقُوعِهِ عَلَى وَجْهِ الْحَدْسِ وَالتَّخْمِينِ، وَأَشْعَرَ تَخْيِيرُهُ بِأَنَّهُ رَدُّ إبْطَالٍ وَهُوَ كَذَلِكَ. وَمَفْهُومُ " مُمَيِّزٍ " أَنَّ مَنْ لَا تَمْيِيزَ لَهُ أَحْرَى، وَقُيِّدَ الرَّدُّ بِمَا فِي الْمُتَيْطِيَّةِ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى يَتِيمٍ مُوَلًّى عَلَيْهِ، وَاشْتَرَطَ عَدَمَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فِيهِ لِوَصِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ فَلَهُ شَرْطُهُ.
ابْنُ فَرْحُونٍ وَبِهِ الْفَتْوَى وَفِيهِ خِلَافٌ أَفَادَهُ تت. الْبُنَانِيُّ ذَكَرَ " ح " هَذَا الْفَرْعَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي، وَلِغَيْرِهِ مَنْ أُذِنَ لَهُ الْقَبُولُ إلَخْ، وَجَعْلُ الْعَمَلِ بِالشَّرْطِ هُوَ الْمَشْهُورُ. ثُمَّ قَالَ: وَاعْتُرِضَ هَذَا وَضُعِّفَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ}
وَقَالَ فِي الْتِزَامَاتِهِ عَقِبَ هَذَا الْفَرْعِ قُلْت فِي هَذَا نَظَرٌ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ إضَاعَةَ الْمَالِ لَا تَجُوزُ، وَإِطْلَاقَ يَدِ السَّفِيهِ عَلَى الْمَالِ إضَاعَةٌ لَهُ فَالصَّوَابُ بُطْلَانُ الشَّرْطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَهُ إنْ رَشَدَ،
وَلَوْ حَنِثَ بَعْدَ بُلُوغِهِ، أَوْ وَقَعَ الْمَوْقِعَ [منح الجليل] الْحَطّ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالْمُمَيِّزِ الْمَحْجُورَ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ بَالِغًا سَفِيهًا وَلَوْ صَرَّحَ بِهَذَا فَقَالَ: رَدُّ تَصَرُّفِ مُمَيِّزٍ مَحْجُورٍ لَكَانَ أَبَيْنَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ اللَّامَ لِلْإِبَاحَةِ وَأَنَّ لَهُ الرَّدَّ وَالْإِمْضَاءَ، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ بِحَسَبِ مَا يَرَى فِيهِ الْمَصْلَحَةَ لَا بِحَسَبِ شَهْوَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ، فَفِي الْجَوَاهِرِ لَا يَتَصَرَّفُ الْوَلِيُّ إلَّا بِمَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} فَهُوَ مَعْزُولٌ بِظَاهِرِ النَّصِّ عَنْ غَيْرِ الْأَحْسَنِ اهـ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ لَهُ الْإِجَازَةَ وَالرَّدَّ فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا هُمَا فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ بِعِوَضٍ.
وَأَمَّا التَّبَرُّعَاتُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ رَدُّهَا، فَفِي الْمُقَدِّمَاتِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ مِنْ الرِّجَالِ، وَالْمَحِيضَ مِنْ النِّسَاءِ لَا يَجُوزُ لَهُ فِي مَالِهِ مَعْرُوفٌ مِنْ هِبَةٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلَا عَطِيَّةٍ وَلَا عِتْقٍ،
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ فَإِنْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى أَوْ فَعَلَ مَا يُشْبِهُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ مِمَّا يَخْرُجُ عَلَى عِوَضٍ وَلَا يَقْصِدُ فِيهِ إلَى مَعْرُوفٍ وُقِفَ عَلَى نَظَرِ وَلِيِّهِ،
فَإِنْ رَآهُ سَدَادًا أَوْ غِبْطَةً أَجَازَهُ،
وَإِنْ رَآهُ بِخِلَافِهِ رَدَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ قُدِّمَ لَهُ وَلِيٌّ يَنْظُرُ لَهُ بِالِاجْتِهَادِ،
وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ حَتَّى وَلِيَ أَمْرَهُ فَلَهُ إجَازَةُ ذَلِكَ أَوْرَدَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ،
وَإِنْ كَانَ سَدَادًا إذَا آلَ الْأَمْرُ إلَى خِلَافِهِ بِحَوَالَةِ سُوقٍ أَوْ نَمَاءٍ فِيمَا بَاعَهُ أَوْ نُقْصَانٍ فِيمَا ابْتَاعَهُ.
وللولي رد تصرف مميز يعني أن الولي سواء كان أبا أو وصيا أو وصي وصي أو مقدم قاض له أن يرد ما تصرف فيه المميز المحجور بغير إذنه من بيع أو غيره، سواء كان صغيرا أو بالغا سفيها، وإنما له الرد والإجازة في المعاوضات بشرط أن تستوي المصلحة في الرد والإجازة فإن كانت المصلحة في الرد تَعيَّن أو في الاجازة تعينت،
وأما تصرفه بالتبرعات فيتعين ردها. قال عبد الباقي مفسرا للمص: وللولي أب أو غيره لا لغيره رد تصرف مميز بعوض بغير إذن وليه، فاللام للاختصاص لأن تصرفه إن كانت المصلحة في رده تعين أو إجازته تعينت أو استوت خير، لقول ابن رشد: إن باع شيئًا من متاع نفسه في نفقته التي لابد له منها بمثل الثمن أي القيمة ولا شيء له غير البيع أو له والبيع أولى فلوليه إمضاؤه ورده أي لإمكان أن يتسلف له، ويؤخر المبيع لوقت آخر.
انتهى. وقال البناني: ونص البيان في رسم البيوع من كتاب المديان والتفليس: فَتحصَّل فيما باع اليتيم دون إذن وصيه أو الصغير من عقاره وأصوله بوجه السداد في نفقته التي لابد له منها إذا كان لا شيء له غير الذي باع أو كان ذلك أحق ما يباع من أصوله أنَّهُ اختلف فيه على ثلاثة أقوال: أَحَدُها أن البيع يرد على كلّ حال ولا يتبع بشيء من الثمن وهو قول ابن القاسم وأضعف الأقوال.
الثَّانِي: أن البيع يرد إذا رأى ذلك الوصي ولا يبطل الثمن عن اليتيم ويؤخذ من ماله وهو قول أصبغ. الثَّالِثُ: أن البيع يمضي ولا يرد إلا أن يكون باع بأقل من الثمن أو باع ما غيرُه أحق بالبيع في نفسه فلا يختلف في أن البيع يرد وإن لم يبطل الثمن عن اليتيم لإدخاله إياه فيما لابد منه.
وأما لو باع اليتيم من ماله شيئًا وأدخله في شهواته التي يستغنى عنها فلا خلاف في أنه يرد ولا يتبع بشيء من الثمن كان الذي باعه من ماله يسيرا أو كثيرا وهو محمول فيما باع وقبض من الثمن على أنه أنفقه فيما له منه بد حتى يثبت أنه أنفقه فيما ليس له منه بد. انتهى. وبهذا اللفظ بعينه نقله الحطاب عنه،
وكذا ابن سلمون في ترجمة بيع الأب والوصي عن ابن رشد،
وكذا ابن هلال في نوازله والفشتالي في وثائقه،
ومثله لابن عرفة في باب البيع لما تكلم على بيع المحجور،
ونصه عن المتيطى: ولو أفاته أي أفات المحجور ثمن ما باعه وشهدت بينة أنه أنفقه في مصالحه، ففي أخذه من ماله المشهور ونقل يحيى بن إسحاق عن ابن القاسم، ثم قال: وما باعه وأنفق ثمنه في شهواته المستغني عنها رد ولم يتبع بشيء اتفاقا، والثمن محمول على أنه أنفقه فيما له منه بد حتى يثبت غيره،
ونص ابن عرفة في باب الوديعة: ومن ابتاع منه أي من صبي سلعة ودفع إليه ثمنها فأتلفه ضمن المبتاع السلعة ولا شيء له من ثمنها لأنه الذي سلط الصبي على ذلك وأتلف ماله وكذلك الوديعة.
اللخمي والصقلي وغيرهما: وكذا السفيه لأن أصحاب ذلك سلطوا يده على إتلافه. اللخمي: ولا تباعة عليهما إلا أن يثبت أنهما أنفقا ذلك فيما لا غنى لهما عنه فيتبعان في المال الذي صوناه،
فإن ذهب ذلك المال وأفاد غيره لم يتبعا فيه،
وكذا في باب الوديعة من التوضيح. انتهى. وَقَوْلُه "وللولي رد تصرف مميز" احترز به من غير المميز فإنه لا يصح تصرفه ولو بمعاوضة، وقول الشارح نبه بالمميز على أن غير المميز أحرى بالرد غير بين، فإنه يتعين رد تصرف غير المميز. واللَّه تعالى أعلم. قاله الحطاب.
وقال عبد الباقي: وكون اللام للاختصاص لا ينافي قوله الآتي: "وله إن رشد" لخ لأن الآتي بعد رشده واختصاص الولي قبله،
وأما تصرف المميز بغير عوض فيجب على الولي رده كما في الحطاب. قال أحمد: استعمل المميز هنا في الصغير والبالغ السفيه، وضميره الآتي في قوله: لاطلاقه في السفيه البالغ بقرينة الاستلحاق ونحوه مما ذكر. انتهى. ويستثنى من رد الولي تصرف المميز ثلاثةٌ: محْجُورٌ عليه أسر وأراد الفداء بماله وامتنع وليه فلا كلام له. قاله ابن فرحون. الثَّانِي: زوجة عند زوج موسر امتنع من الإنفاق عليها وأراد فراقها وطلبت من الولي الإنفاق عليها من مالها فيجب على الولي ذلك مع ما في هذا من دوام العصمة، وأيضا لو أرادت عدم الزواج لم تجبر عليه ولأنفق عليها من مالها،
وفي استثنائهما نظر لأن تخليصه من الأسر والإنفاق عليها من مالها في الحالة المذكورة كلاهما مصلحة، وتقدم أنه يجب على الولي فعلها. الثَّالثُ: إذا وهب ليتيم أو تصدق عليه بشيء شرط معطيه عدم الحجر عليه فليس لوليه رد تصرفه في ذلك كما في التتائي. ونقله عنه علي الأجهوري بغير لفظ يتيم، فيقتضي أن ذا الأب كذلك. ثم قال التتائي: قال ابن فرحون: وبه الفتوى وفيه خلاف. انتهى كلام عبد الباقي.
قوله: ويستثنى من كلام المص ثلاثة لخ بقي عليه رابع، وهو إذا قتل السفيه قتلا يوجب عليه القصاص فأراد أن يدفع عنه الدية لِرِضَى الأولياء بذلك وامتنع وليه كما في المواق. قاله الرهوني. وقوله: الثالث إذا وهب ليتيم أو تصدق عليه لخ ذكر الحطاب هذا الفرع فيما يأتي عند قوله: "ولغير من أذن له القبول" لخ، وجعل العمل بالشرط هو المشهور ثم قال: واعترض بعضهم هذا وضعفه بقوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} .
قاله ابن الفرس. انتهى. وذكره الزرقاني فيما يأتي أيضًا.
ولما ذكر الحطاب في التزاماته هذا الفرع عن المشدالي، قال عقبه: قلت في هذا نظر لأنه شرط لا يجوز؛ لأن إضاعة المال لا تجوز وإطلاق يد السفيه على المال إضاعة له. فتأمله. والصواب بطلان الشرط. واللَّه تعالى أعلم. انتهى. قال الرهوني: قول البناني عن الحطاب: واعترض بعضهم هذا وضعفه بقوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} لخ لا يخفى ما في الاستدلال بالآية على بطلان هذا الشرط بعد الوقوف على ما قاله المفسرون في معناها.
وقوله: أيضًا عن الحطاب فيه نظر لأنه لا يجوز لأن إضاعة المال لا تجوز لخ فيه نظر لأن إضاعة المال إنما تلزم القائلين بإعمال الشرط لو كانوا يقولون بأنه لا يحجر عليه في إتلافه، كإلقائه في البحر وحرقه ونحو ذلك وهم لا يقولون بهذا، بل منعه من هذا من باب تغيير المنكر ولذلك يمنع منه الرشيد إذا أراد فعله لغيظ ونحوه، وإنما المراد بإعمال الشرط أنه لا يحجر عليه في ذلك باعتبار البيع والشراء والهبة ونحوها من أنواع التبرعات.
ولا خفاء في أنه إذا باع ما يساوي عشرة بدرهم واشترى ما يساوي درهما بعشرة مثلا أو تبرع بما وهب له لا يقال في ذلك إضاعة مال؛ لأن إضاعته إنما تكون فيما إذا لم ينتفع به أحد، وهنا النفع حاصل للبائع والمشتري والموهوب له مثلا، وغاية هذا الشرط أن ذلك دائر بين أمرين،
إما أن ينتفع به المحجور كانتفاع الرشداء أو يدفعه لمن ينتفع به،
إما بغير عوض أصلا أو بعوض مع محاباة على أن اعتراف الحطاب وغيره بأنه المشهور كاف في العمل به،
ولو لم يظهر وجه لسقوط البحث فيه فكيف مع ظهوره غاية الظهور؟ انتهى. تنبيهات: الأوَّلُ: قال الحطاب: قال ابن رشد في المقدمات في باب المأذون له في التجارة: لا اختلاف بين مالك وأصحابه أن الصغير الذي لم يبلغ الحلم من الرجال والمحيض من النساء لا يجوز له في ماله معروف من هبة ولا صدقة ولا عطية ولا عتق:
وإن أذن له في ذلك الأب أو الوصي إن كان ذا أب أو وصي،
فإن باع أو اشترى أو فعل ما يشبه البيع والشراء مما يخرج على عوض ولا يقصد فيه إلى معروف كان موقوفًا على نظر وليه،
فإن رآه سدادا أو غبطة أجازه وأنفذه وإن رآه
بخلاف ذلك رده وأبطله، وإن لم يكن له ولي قدم له ولي ينظر له بوجه النظر والاجتهاد،
وإن غفل عن ذلك حتى وَليَ أبيره كان النظر إليه في إجازة ذلك أو رده. واختلف إن كان فعله سدادا نظرا لما كان يلزم الولي أن يفعله هل له أن يرده وينقضه إن آل الأمر إلى خلاف (ذلك) بحوالة سوق أو نماءٍ فيما باعه أو نقصانٍ فيما اشتراه وما أشبه ذلك؟ فالمشهور المعلوم في المذهب أن ذلك له،
وقيل إن ذلك ليس له ولا تلزمه يمين فيما ادعِيَ عليه به، واختلف هل يحلف مع شاهده؟ المشهور أنه لا يحلف ويحلف المدعى عليه،
فإن نكل غرم ولا يمين له على صبي إذا بلغ وإن حلف برئ إلى البلوغ،
فإذا بلغ الصغير حلف وأخذ حقه،
فإن نكل لم يكن له شيء ولا يلزم المدعى عليه يمين ثانية، وقد روي عن مالك والليث أنه يحلف مع شاهده ولا شيء عليه فيما بينه وبين اللَّه من الحقوق والأحكام، لقول رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاث فذكر منهم الصبي حتى يحتلم) . انتهى. الثاني: قال الحطاب: قال ابن رشد: اعلم وفقنا اللَّه وإياك أن السفيه البالغ تلزمه جميع حقوق اللَّه التي أوجبها على عباده في بدنه وماله، ويلزمه ما وجب في بدنه من حد وقصاص، ويلزمه الطلاق كان بيمين حنث فيها أو بغير يمين
وكذلك الظهار، وينظر له وليه فيه بوجه النظر،
فإن رأى أن يعتق عنه ويمسك عليه زوجته فعل،
وإن رأى (أن لا يعتق عنه وإن آل) ذلك إلى الفراق بينهما كان ذلك له، ولا يجزئه الصوم ولا الإطعام إذا كان له من المال ما يحمل العتق.
وقال ابن المواز: إذا لم ير له وليه أن يكفر عنه بالعتق فله هو أن يصوم ولا يطلق عليه إلا بعد ضرب أجل الإيلاء إن طلبت المرأة ذلك؛ لأن له أن يكفر بالصوم، وعلى القول الأول يطلق عليه من غير ضرب أجل وهو قول أصبغ.
وقال ابن كنانة: لا يعتق عنه وليه إلا في أول مرة،
فإن عاد إلى الظهار لم يعتق عنه، وإلى هذا ذهب محمد بن المواز
وأما الإيلاء فإن كان دخل عليه بسبب يمين بالطلاق هو فيها على حنث أو بسبب امتناع وليه من أن يكفر عنه في الظهار لزمه،
وأما إن كان حلف على ترك الوطء فينظر إلى يمينه،
فإن كانت بعتق أو صدقة أو ما أشبه ذلك مما لا يجوز له فعله ويحجر عليه في ذلك وليه لم يلزمه به الإيلاء، وعلى قول محمد يلزمه الإيلاء باليمين باللَّه،
وإن لم يكن له مال ولا يلزمه هبة ولا صدقة ولا عطية ولا عتق ولا شيء من المعروف في ماله إلا أن يعتق أم ولده فيلزمه لأنها كالزوجة ليس له فيها إلا الاستمتاع بالوطء. واختلف في مالها هل يتبعها؟ على ثلاثة أقوال: أَحَدُها أنه يتبعها وهو قول مالك في رواية أشهب.
والثَّانِي: أنه لا يتبعها وهي رواية يحيى عن ابن القاسم.
والثالثُ: التفرقة بين الكثير والقليل.
وقال المغيرة وابن نافع: لا يلزمه عتقها ولا يجوز عليه ولا يجوز إقراره بالدين إلا أن يقر به في مرضه فيكون في ثلثه. قاله ابن كنانة. واستحسن ذلك أصبغ ما لم يكثر جدا وإن حمله الثلث. انتهى. الثَّالثُ: قوله: "وللولي رد تصرف مميز" قد علمت أنه في الصبي والبالغ السفيه كما يأتي التصريح بذلك، ومحله فيهما إن تصرف بغير إذن وليه وبغير مرءى منه،
أما لو رآه يتصرف وسكت فليس له الرد،
قال المواق: وأما إن تصرف المحجور بمرءى من وصيه وطال تصرفه أفتى ابن الحاج وابن عتاب وابن رشد أن ما لحقه من دين فإنه يلزمه وتصرفه ماض، قال البرزلي في نوازله: وبهذا هو العمل،
وقال في موضع آخر من المدونة: إنه متى رآه وليه وسكت فإنه ماض ويحمل على أنه قصد ذلك وبه جرى العمل عندنا بتونس. ونقل من نوازل ابن حديد في ابن اشترى ملكا وثبت أنه في ولاية أبيه، فقام الأب يرد البيع مدعيا أنه حين البيع كان غائبا وادعى البائع أن الأب كان حاضرا، أجاب ابن ميسر: إن أثبت الغيبة المذكورة فلا يمين عليه وإلا حلف ورد البيع،
وقال ابن زرب: إن ثبت أن البائع لم يزل مطالبا للثمن بعد قدوم الأب ثبت البيع.
قال البرزلي: وكذا العرف عندنا أن كل ما فعله المحجور بعلم حاجره فهو ماض ولا رد له، وإنما يرد ما لا شعور له به انتهى المراد منه.
الرابع: قال الحطاب: قال في كتاب الدعوى والإنكار للرعيني: وإذا اشترى عبد أو يتيم سلعة أو باعها فأراد السيد أو الوصي فسخ ذلك فذلك لهما،
فإذا أراد المشتري منهما أو البائع أن يحلف السيد أو الوصي ما أذن لهما في ذلك فليس له ذلك. انتهى.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.