وإن سب نبيا أو ملكا أو عَرَّضَ أَوْ لَعَنَهُ أَوْ عَابَهُ أَوْ قَذَفَهُ أَوْ اسْتَخِفَّ بِحَقِّهِ أَوْ غَيَّرَ صِفَتَهُ أَوْ ألحق به نقصا وإن في بدنه أَوْ خَصْلَتِهِ أَوْ غَضَّ مِنْ مَرْتَبَتِهِ أَوْ وُفُورِ عِلْمِهِ أَوْ زُهْدِهِ أَوْ أَضَافَ لَهُ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَوْ نَسَبَ إلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ أَوْ قِيلَ لَهُ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ فَلَعَنَ وَقَالَ: أَرَدْت الْعَقْرَبَ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ حَدًّا
Its commentaries
(وَإِنْ) (سَبَّ) مُكَلَّفٌ (نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا) مُجْمَعًا عَلَى نُبُوَّتِهِ أَوْ مَلَكِيَّتِهِ (أَوْ عَرَّضَ) بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنْ قَالَ عِنْدَ ذِكْرِهِ
إمَّا أَنَا أَوْ فُلَانٌ فَلَسْت بِزَانٍ أَوْ سَاحِرٍ (أَوْ لَعَنَهُ أَوْ عَابَهُ) أَيْ نَسَبَهُ لِعَيْبٍ (أَوْ قَذَفَهُ أَوْ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ) كَأَنْ قَالَ: لَا أُبَالِي بِأَمْرِهِ وَلَا نَهْيِهِ أَوْ وَلَوْ جَاءَنِي مَا قَبِلْته (أَوْ غَيْرِ) صِفَتِهِ كَأَسْوَدَ أَوْ قَصِيرٍ (أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا، وَإِنْ فِي بَدَنِهِ) كَأَعْوَرَ أَوْ أَعْرَجَ (أَوْ خَصْلَتِهِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ شِيمَتِهِ وَطَبِيعَتِهِ كَبَخِيلٍ (أَوْ غَضَّ) أَيْ نَقَّصَ (مِنْ مَرْتَبَتِهِ) الْعَلِيَّةِ (أَوْ) مِنْ (وَفَوْرِ عِلْمِهِ أَوْ زُهْدِهِ أَوْ أَضَافَ لَهُ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ) كَعَدَمِ التَّبْلِيغِ (أَوْ نَسَبَ إلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ)
بِخِلَافِ تَرَبَّى يَتِيمًا لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ كَالدُّرَّةِ الْيَتِيمَةِ الْمُنْفَرِدَةِ عَنْ أَجْنَاسِهَا أَوْ رَعَى الْغَنَمَ لِيُعَلِّمَهُ اللَّهُ كَيْفَ يَسُوسُ النَّاسَ (أَوْ) (قِيلَ لَهُ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ) لَا تَفْعَلْ كَذَا أَوْ افْعَلْهُ (فَلَعَنَ وَقَالَ أَرَدْت) بِلَعْنِي (الْعَقْرَبَ) لِأَنَّهَا مُرْسَلَةٌ لِمَنْ تَلْدَغُهُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: (قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ) أَيْ بِلَا طَلَبٍ أَوْ بِلَا قَبُولِ تَوْبَةٍ مِنْهُ (حَدًّا) إنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ كُفْرًا وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ يُغْنِي بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ وَلَكِنْ مُرَادُهُ التَّنْصِيصُ عَلَى أَعْيَانِ الْمَسَائِلِ الَّتِي نَصُّوا عَلَيْهَا
(قَوْلُهُ: وَإِنْ سَبَّ إلَخْ) السَّبُّ هُوَ الشَّتْمُ وَهُوَ كُلُّ كَلَامٍ قَبِيحٍ وَحِينَئِذٍ فَالْقَذْفُ وَالِاسْتِخْفَافُ بِحَقِّهِ وَإِلْحَاقُ النَّقْصِ بِهِ كُلُّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي السَّبِّ وَمُكَرَّرٌ مَعَهُ قَالَهُ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ وَقَوْلُهُ: مُكَلَّفٌ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا وَاحْتُرِزَ بِالْمُكَلَّفِ عَنْ الْمَجْنُونِ وَعَنْ الصَّغِيرِ الْغَيْرِ الْمُمَيِّزِ فَلَا يُقْتَلَانِ بِسَبَبِ السَّبِّ
وَكَذَا إنْ كَانَ الصَّغِيرُ مُمَيِّزًا حَيْثُ تَابَ بَعْدَ بُلُوغِهِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَرَّضَ) أَيْ قَالَ قَوْلًا وَهُوَ يُرِيدُ خِلَافَهُ اعْتِمَادًا عَلَى قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ فِي الِانْتِقَالِ لِلْمُرَادِ
(قَوْلُهُ: بِأَنْ قَالَ عِنْدَ ذِكْرِهِ إلَخْ) أَيْ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ شَخْصٌ النَّبِيُّ أَمَرَ بِكَذَا فَقَالَ دَعْنِي مَا أَنَا بِسَاحِرٍ وَلَا كَاذِبٍ
(قَوْلُهُ: أَيْ نَسَبَهُ لِعَيْبٍ) الْعَيْبُ خِلَافُ الْمُسْتَحْسَنِ شَرْعًا أَوْ عُرْفًا أَوْ عَقْلًا، وَقَوْلُهُ: أَيْ نَسَبَهُ لِعَيْبٍ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي خَلْقِهِ بِأَنْ قَالَ إنَّهُ أَسْوَدُ أَوْ أَعْوَرُ أَوْ فِي خُلُقِهِ بِأَنْ قَالَ إنَّهُ أَحْمَقُ أَوْ جَبَانٌ أَوْ بَخِيلٌ أَوْ فِي دِينِهِ بِأَنْ قَالَ إنَّهُ قَلِيلُ الدِّينِ تَارِكُ الصَّلَاةِ مَانِعُ الزَّكَاةِ
(قَوْلُهُ: أَوْ قَذَفَهُ) أَيْ نَسَبَهُ لِلزِّنَا أَوْ نَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ بِأَنْ قَالَ إنَّهُ زَانٍ أَوْ ابْنُ زِنًا.
(قَوْلُهُ: كَأَنْ قَالَ) أَيْ لِمَنْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ أَمَرَك بِكَذَا أَوْ نَهَاك عَنْ كَذَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرِ صِفَتِهِ) الضَّمِيرُ لِمَنْ ذُكِرَ مِنْ نَبِيٍّ أَوْ مَلَكٍ.
(قَوْلُهُ: كَأَسْوَدَ إلَخْ) أَيْ كَأَنْ يَقُولَ النَّبِيُّ فُلَانٌ كَانَ أَسْوَدَ أَوْ كَانَ قَصِيرًا جِدًّا أَوْ جِبْرِيلُ كَانَ يَنْزِلُ عَلَى الْمُصْطَفَى فِي صِفَةِ عَبْدٍ أَسْوَدَ أَوْ فِي صِفَةِ شَخْصٍ قَصِيرٍ جِدًّا
(قَوْلُهُ: أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا) أَيْ هَذَا إذَا كَانَ النَّقْصُ الَّذِي أَلْحَقَ بِهِ فِي دِينِهِ كَتَارِكِ الصَّلَاةِ بَلْ وَإِنْ كَانَ فِي بَدَنِهِ
(قَوْلُهُ: أَوْ غَضَّ مِنْ مَرْتَبَتِهِ) أَيْ بِأَنْ قَالَ تَرَبَّى يَتِيمًا أَوْ مِسْكِينًا أَوْ كَانَ خَادِمًا عِنْدَ النَّاسِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ مِنْ وُفُورِ عِلْمِهِ) أَيْ بِأَنْ قَالَ لَمْ يَكُنْ عَلَى غَايَةٍ مِنْ الْعِلْمِ أَوْ الزُّهْدِ
(قَوْلُهُ: أَوْ أَضَافَ لَهُ) أَيْ نَسَبَ لَهُ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ وَعَبَّرَ أَوَّلًا بِأَضَافَ وَثَانِيًا بِنَسَبٍ تَفَنُّنًا وَلَوْ حَذَفَ قَوْلَهُ أَوْ نَسَبَ إلَيْهِ وَقَالَ أَوْ أَضَافَ إلَيْهِ مَا لَا يَجُوزُ أَوْ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ أَيْ كَالطَّمَعِ فِي الدُّنْيَا وَعَدَمِ الزُّهْدِ فِيهَا وَالطَّفَالَةِ وَشَرَاهَةِ النَّفْسِ كَانَ أَخْصَرَ
(قَوْلُهُ: عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ) رَجَّعَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ لِلْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ أَوْ غَضَّ مِنْ مَرْتَبَتِهِ أَوْ أَضَافَ لَهُ مَا لَا يَجُوزُ أَوْ نَسَبَ لَهُ مَا لَا يَلِيقُ وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ بَلْ
وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ بِأَنْ صَدَرَ مِنْهُ ذَلِكَ لِجَهْلٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ تَهَوُّرٍ فِي الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَعْتَبِرْ مَفْهُومَ غَيْرِ الشَّرْطِ وَيَدُلُّ لَهُ مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ،
وَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَمَّهُ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ تَرَبَّى إلَخْ) أَيْ
بِخِلَافِ قَوْلِهِ تَرَبَّى يَتِيمًا لِلْإِشَارَةِ إلَخْ،
وَأَمَّا لَوْ قَالَ تَرَبَّى يَتِيمًا فَقَطْ فَهَذَا يُقْتَلُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي تَرَبَّى يَتِيمًا الْإِشَارَةَ إلَى أَنَّهُ كَالدُّرَّةِ الْيَتِيمَةِ، فَقَدْ صَرَّحَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ الْبُلَيْدِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى عبق أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِي مِسْكِينٍ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْمُرَادِ فِي حَدِيثِ:«اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ» . وَالْمُرَادُ بِالْمَسَاكِينِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَوَاضِعُونَ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ:) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ أَرَدْتُ الْعَقْرَبَ وَإِنَّمَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ذَلِكَ لِظُهُورِ لُحُوقِ السَّبِّ بِذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِلَا قَبُولِ تَوْبَةٍ) أَيْ إذَا حَصَلَتْ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ بِأَنْ جَاءَ تَائِبًا قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ تَابَ) أَيْ وَأَنْكَرَ مَا شَهِدَتْ بِهِ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ.
ص (وَإِنْ سَبَّ نَبِيًّا إلَى قَوْلِهِ وَلَمْ يُسْتَتَبْ حُدَّ)
ش: قَالَ فِي الشِّفَاءِ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ سَوَاءٌ ظَهَرَ عَلَيْهِ أَوْ جَاءَ تَائِبًا وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ حُرًّا يَعْنِي بِهِ أَنَّ السَّبَّ لَيْسَ بِرِدَّةٍ
قَالَ فِي الشِّفَاءِ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ مَعَ إنْكَارِهِ لِمَا شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ أَوْ مَعَ إظْهَارِهِ التَّوْبَةَ وَالْإِقْلَاعَ عَنْهُ.
قَالَ: وَأَمَّا مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ سَبَّهُ مُسْتَحِلًّا لَهُ فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ سَبُّهُ فِي نَفْسِهِ كُفْرًا كَتَكْذِيبِهِ أَوْ تَكْفِيرِهِ
وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يُظْهِرْ التَّوْبَةَ وَاعْتَرَفَ بِمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ وَصَمَّمَ فَهَذَا كَافِرٌ بِقَوْلِهِ. وَبِاسْتِحْلَالِهِ هَتْكَ حُرْمَةِ اللَّهِ وَحُرْمَةِ نَبِيِّهِ قُتِلَ كُفْرًا بِلَا خِلَافٍ. انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ لَمَّا قُرِّرَ أَنَّ مِيرَاثَ السَّابِّ لِوَرَثَتِهِ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَنْ أَنْكَرَ مَا شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ أَوْ اعْتَرَفَ بِهِ وَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ قَالَ
وَأَمَّا لَوْ أَقَرَّ بِهِ وَتَمَادَى عَلَى السَّبِّ كَانَ كَافِرًا وَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُكَفَّنُ وَتُسْتَرُ عَوْرَتُهُ وَيُوَارَى كَمَا يُفْعَلُ بِالْكُفَّارِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ الْمَشَذَّالِيّ فِي آخِرِ النِّكَاحِ الثَّالِثِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَإِذَا ارْتَدَّ ثُمَّ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ وُضِعَ عَنْهُ كُلُّ حَقٍّ (سُئِلَ) ابْنُ عَرَفَةَ عَمَّنْ وَقَعَ فِي الْجَنَابِ الْعَلِيِّ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ فَلَمْ يُقْتَلْ حَتَّى ارْتَدَّ ثُمَّ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ هَلْ يَسْقُطُ قَتْلُهُ؟ فَقَالَ: الَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ يَسْقُطُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ إلَّا الْقَذْفَ وَلَوْ كَانَ ثَمَّ غَيْرُهُ لَذَكَرَهُ. قَالَ الْمَشَذَّالِيّ (قُلْتُ) قَالَ عِيَاضٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُتِلَ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ فَظَاهِرُ تَخْصِيصِهِ بِالْكَافِرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَسْقُطُ وَذَكَرَ بَعْدَهُ هَلْ الْحَقُّ لِلَّهِ أَوْ لِلْآدَمِيِّ؟
فَهَذَا مَنَاطُ الْحُكْمِ انْتَهَى.
[مَسْأَلَة سَبَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا] (مَسْأَلَةٌ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ احْتِرَامِ الصَّحَابَةِ وَتَحْرِيمِ سَبِّهِمْ وَلَا يُخْتَلَفُ فِي أَنَّ مَنْ قَالَ كَانُوا عَلَى كُفْرٍ وَضَلَالٍ كَافِرٌ يُقْتَلُ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ مَعْلُومًا مِنْ الشَّرْعِ فَقَدْ كَذَّبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَنْ كَفَّرَ أَحَدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَوْ ضَلَّلَهُمْ.
وَهَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ فَيُسْتَتَابُ؟ أَوْ الزِّنْدِيقِ فَلَا يُسْتَتَابُ وَيُقْتَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؟ هَذَا مِمَّا يُخْتَلَفُ فِيهِ
فَأَمَّا مَنْ سَبَّهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ سَبًّا يُوجِبُ حَدًّا كَالْقَذْفِ حُدَّ حَدَّهُ ثُمَّ يُنَكَّلُ التَّنْكِيلَ الشَّدِيدَ مِنْ الْحَبْسِ وَالتَّخْلِيدِ فِيهِ وَالْإِهَانَةِ مَا خَلَا عَائِشَةَ فَإِنَّ قَاذِفَهَا يُقْتَلُ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ بَرَاءَتِهَا. قَالَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقِيلَ يُقْتَلُ قَاذِفُهَا لِأَنَّ ذَلِكَ أَذًى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَقِيلَ يُحَدُّ وَيُنَكَّلُ عَلَى قَوْلَيْنِ
وَأَمَّا مَنْ سَبَّهُمْ بِغَيْرِ الْقَذْفِ فَإِنَّهُ يُجْلَدُ الْجَلْدَ الْمُوجِعَ وَيُنَكَّلُ التَّنْكِيلَ الشَّدِيدَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَيُخَلَّدُ فِي السِّجْنِ إلَى أَنْ يَمُوتَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ سَبَّ عَائِشَةَ أَنَّهُ يُقْتَلُ مُطْلَقًا وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى السَّبِّ بِالْقَذْفِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ
وَأَمَّا الْيَوْمُ فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي عَائِشَةَ قُتِلَ لِتَكْذِيبِ الْقُرْآنِ وَكُفْرِهِ بِذَلِكَ
وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُحَدُّ لِمَا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ وَيُعَاقَبُ لِغَيْرِهِ وَحَكَى ابْنُ شَعْبَانَ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ يُقْتَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَكَأَنَّ هَذَا الْتَفَتَ إلَى أَذَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيًّا وَمَيِّتًا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ أَيْضًا: وَسَبُّ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَنَقُّصُهُمْ أَوْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الْكَبَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ.
وَقَدْ [لَعَنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاعِلَ ذَلِكَ] وَذَكَرَ أَنَّ مَنْ آذَاهُ وَآذَى اللَّهَ تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَعَبْدُ الْمَلِكِ.
وَمَشْهُورُ مَذْهَبِهِ إنَّمَا فِيهِ الِاجْتِهَادُ بِقَدْرِ قَوْلِهِ وَالْمَقُولُ فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْفَيْءِ حَقٌّ
وَأَمَّا مَنْ قَالَ فِيهِمْ إنَّهُمْ كَانُوا عَلَى ضَلَالَةٍ وَكُفْرٍ فَيُقْتَلُ وَحُكِيَ عَنْ سَحْنُونٍ مِثْلُ هَذَا فِيمَنْ قَالَهُ فِي الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ قَالَ وَيُنَكَّلُ فِي غَيْرِهِمْ وَحُكِيَ عَنْهُ يُقْتَلُ فِي الْجَمِيعِ كَقَوْلِ مَالِكٍ انْتَهَى. فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ
قَالَ فِي أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَكُفْرٍ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَانْظُرْ الشِّفَاءَ وَقَدْ حُكِيَ فِيهِ الْخِلَافُ حَتَّى فِيمَنْ كَفَّرَ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيُّ فِي أَمَالِيهِ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ.
[مَسْأَلَة رَجُلٍ قَالَ إنَّ أَبَا النَّبِيّ فِي النَّارِ] مَسْأَلَةٌ. قَالَ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيّ فِي مَسَالِكِ الْحُنَفَا فِي وَالِدَيْ الْمُصْطَفَى قَالَ نَقَلْت مِنْ مَجْمُوعٍ بِخَطِّ الشَّيْخِ كَمَالِ الدِّينِ الشِّيمِيِّ وَالِدِ شَيْخِنَا الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ مَا نَصُّهُ سُئِلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ رَجُلٍ قَالَ إنَّ أَبَا النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّارِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ مَلْعُونٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} قَالَ وَلَا أَذَى أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُقَالَ فِي أَبِيهِ أَنَّهُ فِي النَّارِ انْتَهَى بِلَفْظِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(غَرِيبَةٌ) ذَكَرَهَا صَاحِبُ كَنْزِ الرَّاغِبِينَ الْعُفَاةِ فِي الرَّمْزِ إلَى الْمَوْلِدِ وَالْوَفَاةِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْمُصَنِّفِ قَالَ: ذَكَرَ صَاحِبُنَا الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ الْمُلَقَّبُ بِالرَّائِقِ خَطِيبُ مَدِينَةِ بَيْرُوتَ وَإِمَامُهَا عَنْ السَّيِّدِ عُمَرَ الْحَضْرَمِيِّ مِنْ أَهْلِ بَيْرُوتَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِرَافِضٍ مِنْ أَهْلِ جَبَلِ عَامِلَةَ فَقَالَ لَهُ الرَّافِضِيُّ: نَحْنُ نَبْغَضُ أَبَا بَكْرٍ لِتَقَدُّمِهِ فِي الْخِلَافَةِ عَلَى عَلِيٍّ وَنَبْغَضُ جِبْرِيلَ لِأَنَّهُ نَزَلَ بِالرِّسَالَةِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَى عَلِيٍّ وَنَبْغَضُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ قَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ فِي النِّيَابَةِ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يُقَدِّمْ عَلِيًّا وَنَبْغَضُ عَلِيًّا لِسُكُوتِهِ عَنْ طَلَبِ حَقِّهِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، وَنَبْغَضُ اللَّهَ لِأَنَّهُ أَرْسَلَ مُحَمَّدًا وَلَمْ يُرْسِلْ عَلِيًّا.
وَهَذَا أَقْبَحُ مَا يَكُونُ مِنْ الْكُفْرِ الَّذِي مَا سُمِعَ بِمِثْلِهِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ. قَالَ: وَذَكَرَ ابْنُ بَشْكُوَالٍ بِسَنَدِهِ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ يُونُسَ قَالَ كُنْتُ بِصَنْعَاءَ فَرَأَيْت رَجُلًا وَالنَّاسُ حَوْلَهُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ فَقُلْت مَا هَذَا قَالُوا هَذَا رَجُلٌ كَانَ يَؤُمُّ بِنَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ فَلَمَّا بَلَغَ {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} قَالَ إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى عَلِيِّ النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
فَخَرِصَ وَجَذِمَ وَبَرِصَ وَعَمِيَ وَأُقْعِدَ مَكَانَهُ انْتَهَى.
(وَإِنْ سَبَّ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا أَوْ عَرَّضَ أَوْ لَعَنَهُ أَوْ عَابَهُ أَوْ قَذَفَهُ أَوْ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ أَوْ غَيَّرَ صِفَتَهُ أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا وَإِنْ فِي بَدَنِهِ أَوْ خَصْلَتِهِ أَوْ غَضَّ مِنْ رُتْبَتِهِ أَوْ وَفَوْرِ عِلْمِهِ أَوْ زُهْدِهِ أَوْ أَضَافَ إلَيْهِ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَوْ نَسَبَ إلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ أَوْ قِيلَ لَهُ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَعَنَ وَقَالَ: أَرَدْت الْعَقْرَبَ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ حَدًّا) عِيَاضٌ.
مَنْ أَضَافَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكَذِبَ فِيمَا بَلَغَهُ أَوْ أُخْبِرَ بِهِ أَوْ سَبَّهُ أَوْ اسْتَخَفَّ بِهِ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ أَزَرَى عَلَيْهِمْ أَوْ أَذَاهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعٍ،
وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ مَنْ اعْتَرَفَ بِنُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنْ قَالَ: مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِيَ أَوْ لَيْسَ الَّذِي كَانَ بِمَكَّةَ وَالْحِجَازِ، أَوْ لَيْسَ الَّذِي كَانَ مِنْ قُرَيْشٍ لِأَنَّ وَصْفَهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ الْمَعْلُومَةِ نَفْيٌ لَهُ وَتَكْذِيبٌ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ: وَحُكْمُ مَنْ سَبَّ سَائِرَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ أَوْ اسْتَخَفَّ بِهِمْ أَوْ أَكْذَبَهُمْ أَوْ أَنْكَرَهُمْ حُكْمُ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَسَاقِ مَا قَدَّمْنَاهُ.
وَقَالَ الْقَابِسِيُّ فِي الَّذِي قَالَ لِآخَرَ كَأَنَّهُ وَجْهُ مَلَكٍ غَضْبَانَ: إنْ عُرِفَ أَنَّهُ قَصَدَ ذَمَّ الْمَلَكِ قُتِلَ. عِيَاضٌ: وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ حُقِّقَتْ كَوْنُهُمْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ كَجِبْرِيلَ وَمَلَكِ الْمَوْتِ وَالزَّبَانِيَةِ وَرِضْوَانَ وَمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ.
فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُثْبِتْ الْإِخْبَارَ بِنَفْسِهِ وَلَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى كَوْنِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ الْأَنْبِيَاءِ كَهَارُوتَ وَمَارُوتَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَلُقْمَانَ وَذِي الْقَرْنَيْنِ وَمَرْيَمَ وَآسِيَةَ وَخَالِدِ بْنِ سِنَانٍ الَّذِي قِيلَ: إنَّهُ نَبِيُّ أَهْلِ الرَّسِّ وزرادشت الَّذِي ادَّعَتْ الْمَجُوسُ نُبُوَّتَهُ، فَلَيْسَ الْحُكْمُ فِيهِمْ مَا ذَكَرْنَا إذْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ تِلْكَ الْحُرْمَةُ لَكِنْ يُؤَدَّبُ مَنْ تَنْقُصُهُمْ.
وَأَمَّا إنْكَارُ كَوْنِهِمْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ النَّبِيِّينَ فَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَا حَرَجَ،
وَإِنْ كَانَ مِنْ عَوَامِّ النَّاسِ زُجِرَ عَنْ الْخَوْضِ فِي مِثْلِ هَذَا. وَقَدْ كَرِهَ السَّلَفُ الْكَلَامَ فِي مِثْلِ هَذَا مِمَّا لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ صَاحِبُ سَحْنُونٍ فِي رَجُلٍ قِيلَ لَهُ وَحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: فَعَلَ اللَّهُ بِرَسُولِ اللَّهِ وَذَكَرَ كَلَامًا قِيلَ: مَا تَقُولُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ؟ قَالَ: إنَّمَا أَرَدْت بِرَسُولِ اللَّهِ الْعَقْرَبَ. فَقَالَ لِلَّذِي سَأَلَهُ: أَشْهِدْ عَلَيْهِ وَأَنَا شَرِيكُك فِي قَتْلِهِ وَثَوَابِ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي الرَّبِيعِ: لِأَنَّ ادِّعَاءَهُ لِلتَّأْوِيلِ فِي لَفْظٍ صُرَاحٍ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّهُ امْتِهَانٌ وَهُوَ غَيْرُ مَعْزُوٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا مُوَقِّرٌ لَهُ. وَأَفْتَى فُقَهَاءُ الْأَنْدَلُسِ بِقَتْلِ ابْنِ حَاتِمٍ وَصَلْبِهِ بِمَا شُهِدَ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِخْفَافِهِ بِحَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ زُهْدَهُ لَمْ يَكُنْ قَصْدًا. عِيَاضٌ: مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ عَابَهُ أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا فِي نَفْسِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ نَسَبِهِ أَوْ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِهِ أَوْ عَرَّضَ بِهِ أَوْ شَبَّهَهُ بِشَيْءٍ عَلَى طَرِيقِ السَّبِّ لَهُ وَالْإِزْرَاءِ عَلَيْهِ أَوْ التَّصْغِيرِ لِشَأْنِهِ أَوْ الْغَضِّ مِنْهُ أَوْ الْعَيْبِ لَهُ، فَهُوَ سَابٌّ لَهُ وَالْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ السَّابِّ يُقْتَلُ كَمَا نُبَيِّنُهُ، وَلَا نَسْتَثْنِي فَصْلًا مِنْ فُصُولِ هَذَا الْبَابِ عَلَى هَذَا الْمَقْصِدِ وَلَا نَمْتَرِي فِيهِ تَصْرِيحًا كَانَ أَوْ تَلْوِيحًا،
وَكَذَلِكَ مَنْ نَسَبَ إلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ.
وَمَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا لَا كُفْرًا لِهَذَا لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَلَا تَنْفَعُهُ اسْتِقَالَتُهُ وَفَيْئَتُهُ
(ص) وَإِنْ سَبَّ نَبِيًّا، أَوْ مَلَكًا وَإِنْ عَرَّضَ، أَوْ لَعَنَهُ، أَوْ عَابَهُ، أَوْ قَذَفَهُ، أَوْ اسْتَخِفَّ بِحَقِّهِ، أَوْ غَيَّرَ صِفَتَهُ، أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا، وَإِنْ فِي دِينِهِ، أَوْ خَصْلَتِهِ، أَوْ غَضَّ مِنْ مَرْتَبَتِهِ، أَوْ وُفُورِ عِلْمِهِ، أَوْ زُهْدِهِ، أَوْ أَضَافَ لَهُ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، أَوْ نَسَبَ إلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ، أَوْ قِيلَ: لَهُ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ فَلَعَنَ، وَقَالَ: أَرَدْت الْعَقْرَبَ قُتِلَ، وَلَمْ يُسْتَتَبْ حَدًّا إلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ مَنْ سَبَّ أَيْ: شَتَمَ نَبِيًّا مُجْمَعًا عَلَى نُبُوَّتِهِ بِقُرْآنٍ، أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ، أَوْ سَبَّ مَلَكًا كَذَلِكَ، أَوْ ذَكَرَ لَفْظَةً مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ، وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ؛ لِأَنَّ كُفْرَهُ حِينَئِذٍ يُشْبِهُ كُفْرَ الزِّنْدِيقِ، وَيُقْتَلُ حَدًّا لَا كُفْرًا إنْ قُتِلَ بَعْدَ تَوْبَتِهِ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ حِينَئِذٍ لِأَجْلِ ازْدِرَائِهِ لَا لِأَجْلِ كُفْرِهِ، وَلَا فَرْقَ فِيمَا يُوجِبُ الْقَتْلَ بَيْنَ الصَّرِيحِ وَالتَّعْرِيضِ بِأَنْ يَقُولَ قَوْلًا فِي شَخْصٍ وَهُوَ يُرِيدُ خِلَافَهُ إيجَابًا،
أَوْ سَلْبًا كَقَوْلِهِ فِي الْقَذْفِ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي مَعْرُوفٌ، أَوْ لَسْت بِزَانٍ، وَالتَّلْوِيحُ الْإِشَارَةُ الْبَعِيدَةُ فِي الْكَلَامِ كَكَثِيرِ الرَّمَادِ الْمُنْتَقِلِ مِنْهُ لِكَثْرَةِ الطَّبْخِ، ثُمَّ لِكَثْرَةِ الضُّيُوفِ، وَمِنْهُ لِلْكَرْمِ وَالرَّمْزُ الْإِشَارَةُ لِلشَّيْءِ بِخَفَاءٍ كَعَرِيضِ الْقَفَا إشَارَةً لِلْبَلَادَةِ،
وَكَذَلِكَ يُقْتَلُ مَنْ لَعَنَ نَبِيًّا، أَوْ مَلَكًا بِصِيغَةِ الْفِعْلِ، أَوْ غَيْرِهَا، أَوْ تَمَنَّى مَضَرَّتَهُ، أَوْ عَابَهُ أَيْ: نَسَبَهُ لِلْعَيْبِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُسْتَحْسَنِ عَقْلًا، أَوْ شَرْعًا، أَوْ عُرْفًا فِي خُلُقٍ، أَوْ دِينٍ، أَوْ قَذَفَهُ بِأَنْ نَسَبَهُ لِلزِّنَا، أَوْ نَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ، أَوْ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ بِأَنْ قَالَ لِمَنْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ نَهَى عَنْ الظُّلْمِ: لَا أُبَالِي بِنَهْيِهِ، وَنَحْوَهُ، أَوْ غَيَّرَ صِفَتَهُ كَأَسْوَدَ، أَوْ قَصِيرٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ
وَكَذَلِكَ يُقْتَلُ مَنْ أَلْحَقَ بِنَبِيٍّ، أَوْ مَلَكٍ نَقْصًا بِأَنْ ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى نَقْصِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَدَنِهِ بِأَنْ كَانَ فِي دِينِهِ، بَلْ وَإِنْ فِي بَدَنِهِ، أَوْ خَصْلَتِهِ أَيْ: شِيمَتِهِ وَطَبِيعَتِهِ الَّتِي طُبِعَ عَلَيْهَا، أَوْ غَضَّ أَيْ: نَقَصَ مِنْ مَرْتَبَتِهِ. أَوْ مِنْ وُفُورِ عِلْمِهِ، أَوْ زُهْدِهِ، أَوْ أَضَافَ لَهُ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ كَعَدَمِ التَّبْلِيغِ، أَوْ نَسَبَ إلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ كَمَا إذَا نَفَى عَنْهُ الزُّهْدَ، أَوْ قَالَ: لَيْسَ بِمَكِّيٍّ، أَوْ لَيْسَ بِحِجَازِيٍّ؛
لِأَنَّ وَصْفَهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ الْمَعْلُومَةِ نَفْيٌ لَهُ، وَتَكْذِيبٌ بِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ إجْمَاعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ وَالْفَتْوَى مِنْ لَدُنْ الصَّحَابَةِ وَإِلَى هَلُمَّ،
وَكَذَلِكَ يُقْتَلُ مَنْ قِيلَ لَهُ: بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ فَلَعَنَ وَقَالَ: أَرَدْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ الْعَقْرَبَ؛ لِأَنَّهَا مُرْسَلَةٌ إلَى مَنْ تَلْدَغُهُ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ التَّأْوِيلُ،
فَقَوْلُهُ: قُتِلَ إلَخْ جَوَابُ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ سَبَّ إلَخْ، وَلَا فَرْقَ فِيمَا يُوجِبُ الْقَتْلَ بَيْنَ أَنْ يَصْدُرَ مِنْ مُسْلِمٍ، أَوْ كَافِرٍ حَيْثُ سَبَّهُ بِغَيْرِ مَا كَفَرَ بِهِ كَلَيْسَ بِنَبِيٍّ إلَّا أَنَّ الْكَافِرَ يُقْتَلُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ،
فَإِنْ أَسْلَمَ فَلَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ «الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَوْبَةِ الْكَافِرِ أَنَّهَا تُقْبَلُ، وَتَوْبَةُ الْمُؤْمِنِ لَا تُقْبَلُ، إنْ قَتَلَ الْمُسْلِمُ حُدَّ، وَهُوَ زِنْدِيقٌ لَا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ، وَالْكَافِرُ كَانَ عَلَى كُفْرِهِ، فَيُعْتَبَرُ إسْلَامُهُ، وَلَا يُجْعَلُ سَبُّهُ مِنْ جُمْلَةِ كُفْرِهِ؛ لِأَنَّا لَمْ نُعْطِهِمْ الْعَهْدَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا عَلَى قَتْلِنَا، وَأَخْذِ أَمْوَالِنَا وَلَوْ قَتَلَ أَحَدَنَا قَتَلْنَاهُ بِهِ،
وَإِنْ كَانَ مِنْ دِينِهِ اسْتِحْلَالُهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ سَبَّ نَبِيًّا إلَخْ) سَيَأْتِي أَنَّ السَّبَّ مَعْنَاهُ الشَّتْمُ، وَالشَّتْمُ كُلُّ كَلَامٍ قَبِيحٍ كَمَا قَالُوا فَإِذَنْ الْقَذْفُ، أَوْ الِاسْتِخْفَافُ بِالْحَقِّ، أَوْ إلْحَاقُ النَّقْصِ إلَخْ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي دَاخِلٌ فِي السَّبِّ فَفِي كَلَامِهِ تَكْرَارٌ.
(قَوْلُهُ: أَوْ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ) أَيْ: كَأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ لَا تَجِبُ نُصْرَتُهُ وَتَوْقِيرُهُ، أَوْ سَمِعَ مَنْ يُنْقِصُهُ، وَلَمْ يُغَيِّرْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ فِي دِينِهِ) أَيْ: هَذَا إذَا كَانَ فِي بَدَنِهِ كَعَرَجٍ، أَوْ عَمًى بَلْ،
وَإِنْ فِي دِينِهِ هَذَا مَعْنَاهُ وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ أَوْلَى مِمَّا بَعْدَهَا، فَالْأَحْسَنُ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ،
وَإِنْ فِي بَدَنِهِ، أَوْ إنْ فِي ثَوْبِهِ لِمَا فِي النَّوَادِرِ عَنْ مَالِكٍ مَنْ قَالَ: إنَّ رِدَاءَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَسِخٌ، وَأَرَادَ بِهِ عَيْبَهُ قُتِلَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ: خَصْلَتِهِ) أَيْ: كَأَنْ لَمْ يَكُنْ كَرِيمًا، أَوْ شُجَاعًا وَهَذَا مِنْ السَّبِّ، وَلَك أَنْ تَقُولَ مِنْ تَغْيِيرِ الصِّفَةِ، أَوْ مِنْ الْعَيْبِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ غَضَّ مِنْ مَرْتَبَتِهِ لَا يَخْفَى أَنَّ كُلَّ شَتْمٍ فَهُوَ نَقْصٌ فِي مَرْتَبَتِهِ فَظَهَرَ مَا قُلْنَا مِنْ التَّكْرَارِ كَمَا ذَكَرْنَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ وُفُورِ عِلْمِهِ) أَيْ: زِيَادَةِ عِلْمِهِ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى غَايَةٍ مِنْ الْعِلْمِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ مِنْ وُفُورِ زُهْدِهِ أَيْ: زِيَادَةِ زُهْدِهِ كَأَنْ يَقُولَ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى غَايَةٍ مِنْ الزُّهْدِ بَلْ أَفْتَى الْأَنْدَلُسِيُّونَ فِي عَلِيِّ بْنِ حَاتِمٍ بِالْقَتْلِ فِي نَفْيِهِ أَصْلَ الزُّهْدِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلُهُ: أَوْ أَضَافَ إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي السَّبِّ.
(قَوْلُهُ: أَوْ نَسَبَ لَهُ مَا لَا يَلِيقُ إلَخْ) كَمُدَاهَنَتِهِ فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَوْ فِي حُكْمٍ بَيْنَ النَّاسِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ إلَخْ) رَاجِعٌ لِلْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَوَّلُهَا قَوْلُهُ: أَوْ غَضَّ مِنْ مَرْتَبَتِهِ إلَخْ وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ: أَوْ أَضَافَ لَهُ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ،
وَثَالِثُهَا قَوْلُهُ: أَوْ نَسَبَ لَهُ إلَخْ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَمَّهُ إلَخْ،
وَالْمُعْتَمَدُ مَا يَأْتِي.
وَقَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ يَحْتَمِلُ رُجُوعُهُ لِلثَّلَاثَةِ، وَلِلْأَخِيرَةِ فَقَطْ، وَلَا عَمَلَ عَلَى مَفْهُومِهِ، بَلْ لَوْ قَصَدَ بِهِ الْمَدْحَ لَا يُعْذَرُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: بَعْدُ فِي الْإِغْيَاءِ،
وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَمَّهُ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ: أَرَدْتُ الْعَقْرَبَ إلَخْ) إنَّمَا قُتِلَ لِأَنَّ دَعْوَاهُ خِلَافُ مُقْتَضَى لَفْظِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يُسْتَتَبْ) لَيْسَ الْمُرَادُ لَمْ تُطْلَبْ مِنْهُ تَوْبَةٌ، بَلْ الْمُرَادُ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ، وَقَوْلُهُ: حَدًّا، مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا تَابَ، أَوْ أَنْكَرَ مَا شَهِدَتْ بِهِ عَلَيْهِ، وَيَمُوتُ مُسْلِمًا، وَيُغَسَّلُ، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ غَيْرُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ، وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَالُهُ لِوَرَثَتِهِ،
وَأَمَّا لَوْ أَقَرَّ بِالسَّبِّ، وَلَمْ يَتُبْ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ كُفْرًا وَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُكَفَّنُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ، بَلْ تُسْتَرُ عَوْرَتُهُ، وَيُوَارَى كَمَا يُفْعَلُ بِالْكُفَّارِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ) لِخَبَرِ «الْإِسْلَامِ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» وَلَا يُقَالُ: لَهُ أَسْلِمْ وَلَا لَا تُسْلِمْ لَكِنْ إنْ أَسْلَمَ فَذَلِكَ لَهُ تَوْبَةٌ.
(قَوْلُهُ: مِمَّا فِي مَعْنَاهُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الَّذِي فِي مَعْنَاهُ هُوَ الْحَدِيثُ الْمُتَوَاتِرُ لَا غَيْرُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ كَانَ صَحِيحًا أَوْ حَسَنًا،
وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ كَافِرٌ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ يُرِيدُ خِلَافَهُ) أَيْ: يُرِيدُ خِلَافَ مَدْلُولِهِ أَيْ: فَاسْتَعْمَلَ اللَّفْظَ فِي مَدْلُولِهِ وَلَكِنَّ قَصْدَهُ خِلَافُهُ،
وَقَوْلُهُ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي مَعْرُوفٌ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: إيجَابًا، وَقَوْلُهُ: أَوْ لَسْت بِزَانٍ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: أَوْ سَلْبًا.
(قَوْلُهُ: وَالتَّلْوِيحُ) الْإِشَارَةُ الْبَعِيدَةُ فِي الْكَلَامِ لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْكِنَايَةِ الَّتِي هِيَ اسْتِعْمَالُ اسْمِ الْمَلْزُومِ فِي اللَّازِمِ، أَوْ اسْمُ اللَّازِمِ فِي الْمَلْزُومِ عَلَى الْخِلَافِ.
(قَوْلُهُ: الْمُنْتَقِلُ مِنْهُ لِكَثْرَةِ الطَّبْخِ) فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ، وَالْأَصْلُ الْمُنْتَقِلُ مِنْهُ لِكَثْرَةِ الْإِحْرَاقِ، ثُمَّ لِكَثْرَةِ الطَّبْخِ، وَقَوْلُهُ: وَمِنْهُ لِلْكَرَمِ أَيْ: فَقَوْلُهُ: كَثِيرُ الرَّمَادِ مَعْنَاهُ كَثِيرُ الْكَرَمِ فَقَدْ اُسْتُعْمِلَ اسْمُ الْمَلْزُومِ، وَذَلِكَ الْمَلْزُومُ الذَّاتُ الثَّابِتُ لَهَا كَثْرَةُ الرَّمَادِ فِي اللَّازِمِ، وَهُوَ الذَّاتُ الْمُتَّصِفَةُ بِكَثْرَةِ الْكَرَمِ إلَّا أَنَّهُ بِوَسَائِطَ كَمَا تَبَيَّنَ.
(قَوْلُهُ: كَعَرِيضِ الْقَفَا) أَيْ: فَقَدْ اُسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ فِي مَعْنَاهُ،
وَأَشَارَ إلَى لَازِمِهِ، وَهُوَ الْبَلَادَةُ أَيْ: عَدَمُ الْفَهْمِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ خِلَافُ الْمُسْتَحْسَنِ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا أَوْ عُرْفًا) ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهَا يَنْفَرِدُ عَنْ الْآخَرِ، فَيَكُونُ مُسْتَحْسَنًا عَقْلًا وَلَا يَكُونُ مُسْتَحْسَنًا شَرْعًا، وَعَادَةً، فَالْعَادَاتُ قَدْ تَخْتَلِفُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَتَى اسْتَحْسَنَتْ الْعُقُولُ شَيْئًا لَا تَكُونُ الْعَادَةُ بِخِلَافِهِ وَانْظُرْهُ.
(قَوْلُهُ: فِي خُلُقٍ) إنْ قُرِئَ بِضَمِّ الْخَاءِ وَهُوَ الْوَصْفُ الْبَاطِنِيُّ فَاتَهُ الْخَلْقُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَهُوَ الْوَصْفُ الظَّاهِرِيُّ فَيُقْرَأُ بِأَحَدِهِمَا وَيُقَدَّرُ الثَّانِي مَعَ عَاطِفِهِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ غَيَّرَ صِفَتَهُ إلَخْ) وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَصْفُ يُشْعِرُ بِنَقْصٍ
لَا أَنَّ مُجَرَّدَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ مِنْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ كُفْرٌ يُوجِبُ الْقَتْلَ اُنْظُرْ شَرْحَ عج فِي شَرْحِ السِّيرَةِ فِي ذِكْرِ أَوْصَافِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(قَوْلُهُ: وَطَبِيعَتِهِ) عَطْفُ الطَّبِيعَةِ عَلَى الشِّيمَةِ تَفْسِيرٌ.
(قَوْلُهُ: لَا تُعْرَفُ لَهُ تَوْبَةٌ) أَيْ: مِنْ حَيْثُ إنَّ ظَاهِرَهُ الْإِسْلَامُ، وَمَا فِي الْقَلْبِ مَغِيبٌ.
(قَوْلُهُ: وَالْكَافِرُ كَانَ عَلَى كُفْرِهِ) الظَّاهِرُ وَقَوْلُهُ: فَيُعْتَبَرُ إسْلَامُهُ أَيْ: إسْلَامُهُ الظَّاهِرُ أَيْ: فَيَنْتَفِي مَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ الْكُفْرِ الظَّاهِرِ.
(وَإِنْ سَبَّ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ شَتَمَ الْمُكَلَّفُ (نَبِيًّا) أَيْ إنْسَانًا ذَكَرًا أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ أَمْ لَا مُجْمَعًا عَلَى نُبُوَّتِهِ وَالرَّسُولُ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْمَأْمُورِ بِالتَّبْلِيغِ فَالنَّبِيُّ عَامٌّ وَالرَّسُولُ خَاصٌّ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ (أَوْ) سَبَّ (مَلَكًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ كَذَلِكَ (أَوْ عَرَّضَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا مُعْجَمِ الضَّادِ يَسُبُّ مَنْ ذَكَرَ (أَوْ لَعَنَهُ) أَيْ الْمَذْكُورَ أَوْ دَعَا عَلَيْهِ أَوْ تَمَنَّى ضَرَرَهُ (أَوْ عَابَهُ) أَيْ نَسَبَهُ لِلْعَيْبِ وَهُوَ خِلَافُ أَوْ قَذَفَهُ، أَوْ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ، أَوْ غَيَّرَ صِفَتَهُ، أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا،
وَإِنْ فِي بَدَنِهِ، أَوْ خَصْلَتِهِ، أَوْ غَضَّ مِنْ مَرْتَبَتِهِ، أَوْ وُفُورِ عِلْمِهِ، أَوْ زُهْدِهِ، أَوْ أَضَافَ لَهُ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، أَوْ نَسَبَ إلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ أَوْ قِيلَ لَهُ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ فَلَعَنَ؛
وَقَالَ أَرَدْت الْعَقْرَبَ، [منح الجليل] الْمُسْتَحْسَنِ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا أَوْ عُرْفًا فِي خَلْقٍ أَوْ خُلُقٍ أَوْ دِينٍ (أَوْ قَذَفَهُ) بِنَفْيِ نَسَبِهِ أَوْ بِزِنَا (أَوْ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ) بِإِتْيَانِهِ بِمَا لَا يَقْتَضِي تَعْظِيمَهُ تَصْرِيحًا أَوْ تَلْوِيحًا (أَوْ غَيَّرَ) بِفَتْحِ الْغِينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَنَّاةِ تَحْتَ مُثَقَّلًا (صِفَتَهُ) بِأَنْ قَالَ أَسْوَدَ أَوْ قَصِيرًا أَوْ مَاتَ بِلَا لِحْيَةٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ قُرَشِيًّا لِأَنَّ وَصْفَهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ الْمَعْلُومَةِ نَفْيٌ لَهُ وَتَكْذِيبٌ بِهِ قَالَهُ عِيَاضٌ. (أَوْ أَلْحَقَ) بِقَطْعِ الْهَمْزِ (بِهِ) أَيْ الْمَذْكُورَ (نَقْصًا) فِي دِينِهِ أَوْ عِرْضِهِ، بَلْ (وَإِنْ فِي بَدَنِهِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ،
وَفِي نُسْخَةٍ دِينُهُ وَمِثْلُهُ فِي الشِّفَاءِ (أَوْ) فِي (خَصْلَتِهِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، أَوْ عَادَتِهِ (أَوْ غَضَّ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ مُثَقَّلًا، أَيْ نَقَصَ (مِنْ مَرْتَبَتِهِ أَوْ) مِنْ (وُفُورِ) بِضَمِّ الْوَاوِ وَالْفَاءِ أَيْ كَمَالِ (عِلْمِهِ أَوْ) مِنْ وُفُورِ (زُهْدِهِ) أَيْ إعْرَاضِهِ عَنْ الدُّنْيَا (أَوْ أَضَافَ) أَيْ نَسَبَ (لَهُ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ) مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي غَيْرِ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ. رَبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ الْقَرَوِيُّ مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مَنْ قَالَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا فِيهِ نَقْصٌ يُقْتَلْ بِغَيْرِ اسْتِتَابَةٍ، وَجَعَلَ مِنْ أَمْثِلَتِهِ مَيْلَهُ لِبَعْضِ نِسَائِهِ (أَوْ نَسَبَ إلَيْهِ) أَيْ الْمَذْكُورَ (مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ مَقَامِهِ (الشَّرِيفِ) كَمُدَاهَنَةٍ فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَوْ فِي حُكْمٍ بَيْنَ النَّاسِ (عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ) لَهُ وَإِضَافَتِهِ لِلْبَيَانِ. (أَوْ قِيلَ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَلَعَنَ) هـ أَوْ شَتَمَهُ أَوْ دَعَا عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ مَا تَقُولُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ فَقَالَ أَشَدُّ مِنْ الْأَوَّلِ (وَقَالَ أَرَدْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ) الَّذِي لَعَنْتُهُ (الْعَقْرَبَ) مَثَلًا قُتِلَ، وَلَمْ يُسْتَتَبْ حَدًّا إلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ [منح الجليل] وَجَوَابُ إنْ سَبَّ إلَخْ (قُتِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (وَلَمْ) الْأَوْلَى وَلَا (يُسْتَتَبْ) قَتْلًا (حَدًّا) طفي عِبَارَةُ عِيَاضٍ فِي الشِّفَاءِ حُكْمُهُ حُكْمُ الزِّنْدِيقِ، وَهِيَ أَشَدُّ، وَمَحَلُّ كَوْنِ قَتْلِهِ حَدًّا لَا كُفْرًا إذَا تَابَ أَوْ أَنْكَرَ مَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ سَبُّهُ كُفْرًا، وَإِلَّا فَهُوَ كَافِرٌ كَذَا لِعِيَاضٍ فِي الشِّفَاءِ وَتَنْفَعُهُ تَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى،
وَإِنْ كَانَتْ لَا تُسْقِطُ عَنْهُ الْحَدُّ كَسَائِرِ الْحُدُودِ، وَفَائِدَةُ كَوْنِ قَتْلِهِ حَدًّا وَتَغْسِيلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهِ فِي مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَإِرْثِهِ قَالَهُ عِيَاضٌ. الْبُنَانِيُّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ سَبَّ إلَى آخِرِ الْبَابِ زِيَادَةً عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ لَخَّصَهُ مِنْ الشِّفَاءِ،
وَلَوْ اخْتَصَرَهُ جُمْلَةً لَكَفَاهُ قَوْلُهُ وَإِنْ تَنَقَّصَ مَعْصُومًا وَإِنْ بِتَعْرِيضٍ أَوْ بِاسْتِخْفَافٍ بِحَقِّهِ قُتِلَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ قُتِلَ فِي كُلِّ حَالٍ فَقَالَ
وإن سب نبيا يعني أن من سب نبيا من الأنبياء صلوات اللَّه عليهم أي شتمه يقتل، ولا تقبل توبته لأنه حق آدمي فقتله حَدٌّ، ولذا لا يستتاب ولا تقبل توبته بالنسبة لترك القتل، وهذا -أي كونه يقتل حدا- هو المشهور. قال المواق: قال عياض: من أضاف إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم الكذب فيما بلغه أو أخبر به أو سبه أو استخف به أو بأحد من الأنبياء أو أزرى عليهم أو آذاهم فهو كافر بإجماع.
انتهى. وقوله: "نبيا" أي مجمعا على نبوءته،
وقال القلشاني في شرح الرسالة عند قول الشيخ أبي محمد: ومن سب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قتل ولا تقبل توبته. انتهى: تَعْظِيمُ سَيِّدِ الأولِينَ والآخِرِينَ وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ، الشَّفِيعِ المُشَفَّعِ فِي الْعُصَاةِ وَالمُذْنِبينَ، وَرَسُولِ رَبِّ العَالَمِينَ وَخَاتِمِ النَّبيئِينَ: مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ، وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ، وَتَوقِيرُه والاِنْقِيَادُ لشَرْعِهِ الكَريم واتِّبَاعُ صِرَاطِهِ المُسْتَقِيمِ نَجَاةٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وضِدُّ ذلك -والعياذ باللَّه تعالى- حسرةٌ وندامةٌ وذلة وصغار في الدنيا ويوم القيامة، وضرر ذلك إنما هو على العاصي -حفظنا اللَّه من موجبات سخطه- فمن وقع -والعياذ باللَّه تعالى- في المهواة التي لا انجبار لها بسَبِّ من شرفه اللَّه واصطفاه، قتل من غير استتابة إن كان مسلما، وإنما لم تقبل توبته لأنا لا نصل إلى العلم بذلك لأن لسانه لم ينطق بذلك إلا وهو معتقد له؛
إذ لا يتساهل في هذا أحد، فلهذا قال: ولا تقبل توبته كالزنديق، وقد انعقد الإجماع على أن سابَّ النبي صلى اللَّه عليه وسلم المنقص له كافر،
قالوا: ومن شك في كفره وعذابه كفر، قال بعض الأئمة: لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في قتله إذا كان مسلما، وسواء سبه أو عابه أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرَّض به أو أزرى عليه أو صغر شأنه أو دعا عليه أو نسب إليه على طريق الذم أو عَيَّرَه بشيء مما جرى عليه في ذات اللَّه تعالى، وهذا كله الإجماع فيه من العلماء.
انتهى. وفي ابن سلمون: الاستخفاف بالرسل من الأمور المتفق على التكفير بها نقله عن ابن رشد.
وقال عياض: قال أبو بكر بن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقتل، وممن قال ذلك مالك ابن أنس والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي. قال القاضي أبو الفضل: وهو مقتضى قول أبي بكر الصديق رضي اللَّه عنه: ولا تقبل توبته عند هؤلاء، وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأهل الكوفة والأوزاعي في المسلم، ولكنهم قالوا: هي ردة وروى مثله الوليد بن مسلم عن مالك، وحكى الطبري عن أبي حنيفة وأصحابه مثله فيمن تنقصه صلى اللَّه عليه وسلم أو برئ منه أو كذبه.
وقال سحنون فيمن سبه: ذلك ردة، وعلى هذا وقع الخلاف في استتابته وتكفيره، وهل قتله حد أو كفر؟ ولا نعلم خلافا في استباحة دمه بين علماء الأمصار وسلف الأمة، وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره.
وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي صلى اللَّه عليه وسلم المتنقص له كافر وحكمه عند الأمة القتل،
ومن شك في كفره وعذابه فقد كفر. انتهى. ثم قال عياض: اعلم أن مشهور مذهب مالك رحمه اللَّه وأصحابه وقول السلف وجمهور العلماء قتله حدا لا كفرا إن أظهر التوبة منه، ولهذا لا تقبل عندهم توبته ولا تنفعه استقالته ولا فيئته، وسواء كانت توبته على هذا بعد القدرة عليه والشهادة عليه أو جاء تائبا من قبل نفسه؛ لأنه حد وجب عليه ولا تسقطه التوبة. قال الشيخ أبو الحسن القابسي رحمه اللَّه: إذا أقر بالسب وتاب منه وأظهر التوبة قتل بالسيف إذ هو حده،
وقال أبو محمد بن أبي زيد مثله،
وأما فيما بينه وبين اللَّه فتوبته تنفعه. انتهى.
وقال عياض أيضا: من لم يره ردة فهو يوجب القتل فيه حدا، وإنما يقول ذلك مع إنكار ما شهد به عليه أو إظهاره الإقلاع والتوبة عنه، فيقتل حدا لثبات كلمة الكفر عليه في حق النبي صلى اللَّه عليه وسلم وتحقيره ما عظم اللَّه من حقه، وأجرينا حكمه في ميراثه وغير ذلك حكم الزنديق إذا ظهر عليه وأنكر أو تاب. انتهى المراد منه.
وقال الشبراخيتي: وإن سب -أي شتم لأن السب لغة الشتم، والشتم كل قول قبيح- نبيا أجمع على نبوءته الثابتة بقرآن أو ما في معناه لخ،
وقال عبد الباقي: نبيا مجمعا على نبوءته بدليل ذكره فيما يأتي من لم يجمع على نبوءته. انتهى.
وقوله: "وإن سب" أي مكلف. أو ملكا يعني أن المكلف إذا سب ملكا بفتح اللام مجمعا على ملكيته فإنه يقتل ولا تقبل توبته بالنسبة للقتل،
فإن تاب أو أنكر ما شهد به عليه قتل حدا وإلا قتل للردة.
قال عبد الباقي: وإن سب مكلف نبيا أو ملكا مجمعا على نبوءته أو ملكيته بقرآن ونحوه بدليل ذكره بعد ذلك سب من لم يجمع على نبوءته أو ملكيته. انتهى.
وقال في التبصرة: ومن سب ملكا من الملائكة عليهم السلام قتل. قاله سحنون. وسعيد بن سليمان قاضي قرطبة ومن قال: إن جبريل أخطأ بالوحي وإنما النبيُّ عليٌّ استتيب،
فإن تاب وإلا قتل. أو عرض يعني أن المكلف إذا عرض بالنبي صلى اللَّه عليه وسلم في السب أو بغيره من الأنبياء أو بملك بأن لم يصرح بسب من ذكر لكنه لوح به فإنه يقتل ولا تقبل توبته بالنسبة للقتل وتنفعه فيما بينه وبين اللَّه تعالى، وقد مر أن هذا من الأمور المجتمع على أنها موجبة لقتل صاحبها، وقد مر عن ابن رشد الاتفاق على تكفير المستخف بالنبي. وقوله: "عَرَّضَ" كقوله: رداء النبي صلى اللَّه عليه وسلم وَسِخٌ يريد بذلك عينه.
ذكره عياض. وقال التتائي: أو عرض بذلك بأن يقول قولا في شخص وهو يريد خلافه إيجابا أو سلبا،
كقوله في القذف: أما أنا فإني معروف أو لست بزان، أو لَوَّحَ وهو الإشارة البعيدة في الكلام ككثير الرماد المنتقل منه لكثرة الطبخ ثم لكثرة الضيوف ومنه للكرم،
وكذا الرمز وهو الإشارة إلى الشيء بخفاء كعريض القفا إشارة للبلادة. انتهى.
وقال المواق: قال عياض: من أضاف إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم الكذب فيما بلَّغه أو أخبر به أو سبه إلى آخر ما قدمته قريبا، ثم قال: وحكم من سب سائر أنبياء اللَّه وملائكته أو استخَفَّ بهم أو أكذبهم أو أنكرهم حكم نبينا صلى اللَّه عليه وسلم على مساق ما قدَّمناه،
وقال القابسي في الذي قال لآخر كأنه وجه مالك الغضبان: إن عرف أنه قصد ذم الملك قتل. عياض: وهذا كله فيمن حققت كونه من الملائكة والنبيئين، كجبريل ومالك والزبانية ورضوان ومنكر ونكير،
فأما من لم يثبت الإخبار بتعيينه ولا وقع الإجماع على كونه من الملائكة أو الأنبياء، كهاروت وماروت من الملائكة ولقمان وذي القرنين ومريم وآسية وخالد بن سنان الذي قيل إنه بنى أهل الرَّسِّ، وزرادست الذي ادعت المجوس نبوءته فليس الحكم فيهم ما ذكرنا؛ إذ لم تثبت لهم تلك الحرمة لكن يؤدب من تنقصهم،
وأما إنكار كونهم من الملائكة والنبيئين،
فإن كان المتكلم من أهل العلم فلا حرج وإن كان من عوام الناس زجر عن الخوض في مثل هذا. انتهى. أو لعنه يعني أن من لعن من المكلفين نبيا مجمعا على نبوءته أو ملكا مجمعا على ملكيته يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله: "أو لعنه" سواء كان بصيغة الفعل أو غيرها كملعون أو لعين ونحوه كالدعاء عليه أو تمنى مضرته، واللعن لغة: البعد والطرد.
قال في القاموس: لعنه كجعله طرده وأبعده فهو لعين وملعون جمعه ملاعين، والُّلعْنَة بالضم من تلعنه الناس وكهُمَزَة الكثير اللعن لهم، جمعه لُعَن كَصُرد وامرأة لعين،
فإذا لم تذكر الموصوفة فبالهاء، واللعين من يلعنه كل أحد والشيطان والممسوخ والمشتوم. انتهى المراد منه. أو عابه يعني أن من عاب من المكلفين نبيا مجمعا على نبوءته أو ملكا مجمعا على ملكيته يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله: "أو عابه" أي نسبه للعيب وهو خلاف المستحسن. قاله غير واحد. وقد مر أن السب هو الشتم، والشتم كل قول قبيح فأحدهما يغني عن الآخر،
وإذا كان السب يطلق على كل قول قبيح أغنى عن اللعن لكن تَبيينُ تفاريع الصيغ هنا حسنٌ،
وإن كان في ذكر بعضها ما يغني عن ذكر بعض،
ولهذا قال البناني عند قوله: "وإن سب نبيا أو ملكا" ما نصه: اعلم أن ما ذكر المصنف من هنا إلى آخر الباب زيادة على ابن الحاجب لخصه من الشفا،
ولو اختصره جملة لكان يكفيه أن يقول وإن تنقص معصوما وإن بتعريض أو باستخفافه بحقه قتل. واللَّه أعلم. انتهى. وقوله: "أو عابه" أي نسبه للعيب وهو خلاف المستحسن كما عرفت أي خلاف المستحسن في خَلق أو خلق أو دين. أو قذفه يعني أن من قذف من المكلفين نبيا من الأنبياء المجمع على نبوءتهم يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، ومعنى قذفه نسبه للزنى أو نفاه عن أبيه. أو استخَفَّ بحقه يعني أن من استخف بحق نبي من الأنبياء أو ملك يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله: "أو استخفَّ بحقه" ، قال الشبراخيتي: كأن يعتقد أنه لا تجب نصرته وتوقيره أو سمع من ينقصه ولم يغير مع القدرة عليه.
البساطي: كما لو ظلم شخصا فقيل له النبي نهى عن الظلم، فقال: لا أبالي بنهيه أو إن لم يكن إلا نهيه فأنا طيب، أو نهيه أمر سهل أو نحو ذلك. انتهى.
وقال عبد الباقي: أو استخفَّ بحقه بأن قال لمن قال له النبي نهى عن الظلم لا أبالي بنهيه ونحوه. انتهى.
وقال التتائي: أو استخفَّ بحقه فأتى بما لم يقتض تعظيمه تصريحا أو تلويحا. البساطي: كما لو ظلم شخصا فقيل له النبي نهى عن الظلم، فقال: لا أبالي بنهيه إلى آخر ما مر. وقوله: "أو استخفَّ بحقه" ،
وكذا من يستهزئ به وكذا من عبث في جهته العزيزة بسَخَفٍ من القول أو عيَّره بشيء مما جرى عليه من البلاء والْمِحْنَة أو غمصه ببعض عوارض البشر الجائزة عليه، وقد أفتى الأندلسيون بقتل ابن حاتم وصلبه لما شهد عليه به من استخفافه بحق النبي صلى اللَّه عليه وسلم وتسميته إياه باليتيم وختن حيدرة لأن حقه عليه الصلاة والسلام أن يضاف إليه ولا يضاف. أو غير صفته يعني أن من غير صفة نبي يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله: "أو غير صفته" قال الشبراخيتي: كأسود أو قصير القامة ونحو ذلك.
انتهى. وقال عبد الباقي: أو غير صفته كأسود أو قصير والضمير لمن ذكر من نبي أو ملك، كقوله: جبريل ينزل على المصطفى عليه الصلاة والسلام في صفة عبد أسود. انتهى.
تنبيه: وجدت في طرة ما نصه: وليس معنا صفات متواترة لأحد من الأنبياء إلا بعض صفات نبينا صلى اللَّه عليه وسلم. انتهى. وقوله: "أو غير صفته" ظاهره بنقص أو لا، وقد أفتى ابن أبي زيد فيمن شبهه صلى اللَّه عليه وسلم برجل قبيح الوجه واللحية أنه لا تقبل توبته.
وقال حبيب بن الربيع: تبديل صفته ومواضعه كفر والمظهر له يستتاب والمسر زنديق،
ولو قال: مات قبل أن يلتحي أو أنه لم يكن بتهامة قتل؛ لأن هذا نفي له. ذكر هذا عياض. انتهى. أو ألحق به نقصا يعني أن من ألحق بنبي أو ملك نقصا يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، ومعنى ألحق به نقصا ذكر ما يدل على نقص ونسب ذلك إليه في دينه، بل وإن في بدنه أو في خصلته أي شيمته التي طبع عليها،
قال الخرشي: وكذلك من ألحق بنبيء أو ملك نقصا بأن ذكر ما يدل على نقصه في دينه بل في بدنه أو في خصلته أي شيمته وطبيعته التي طبع عليها. انتهى.
وقال التتائي: وقوله: "أو ألحق به نقصا" مثله في الشفا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله،
وقوله: "وإن في بدنه" كعرج أو عمى، وقوله: "أو خصلته" كشجاعته أو كرمه أو حلمه.
وفي الشبراخيتي: "أو خصلته" كلم يكن كريما أو شجاعا وهذا من تغيير صفته. انتهى. أو غض من مرتبته يعني أن من غض من مرتبة نبي أو ملك يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، ومعنى غض من مرتبته وضع من قدره، كقوله هو غير عالي المرتبة. نسأل اللَّه السلامة. ولا يخفى حسن تعداد هذه الصيغ وإن ادعى مدع أنه يستغنى ببعضها عن بعض. أو وفور علمه يعني أن من غض من وفور أي كمال علم نبي أو ملك يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله: "أو وفور علمه" كقوله: ليس بوافر العلم أو لم يكن على غاية من العلم.
نسأل اللَّه السلامة. أو زهده يعني أن من غض من وفور زهد نبي أو ملك يقتل حَدًّا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله: "أو زهده" كقوله لم يكن كامل الزهد أو لم يكن على غاية من الزهد، قال الشبراخيتي: "أو زهده " معطوف على "علمه" ، وقد أفتى الأندلسيون في عَلِي بن حاتم بالقتل في نفيه الزهد عنه صلى اللَّه عليه وسلم. انتهى. ونحوه للتتائي، وقوله: "أو زهده" هو كقول ابن حاتم: إن زهده لم يكن قصدا ولو قدر على الطيبات لأكلها ولذا أفتوا بقتله وصلبه.
انتهى. أو أضاف له ما لا يجوز عليه يعني أن من أضاف إلى نبي أو ملك ما لا يجوز عليه، كسحر وكذب وخيانة وعدم تبليغ يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، قال الشبراخيتي: أو أضاف له أي لمن لا يجوز سبِّه من نبي أو ملك ما لا يجوز عليه من سحر وكذب وخيانة وكتمان شيء مما أمر بتبليغه. انتهى.
وقال التتائي: أو أضاف له ما لا يجوز عليه من سحر ونحوه، قال حبيب بن الربيع القروي: مذهب مالك وأصحابه من قال فيه ما فيه نقص يقتل من غير استتابة. انتهى.
وفي التتائي أن من أمثلة ذلك ميله لبعض نسائه. انتهى.
وقال عبد الباقي: أو أضاف له ما لا يجوز عليه كعدم التبليغ. انتهى. أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه يعني أن من نسب إلى نبي أو ملك ما لا يليق بمنصبه الشريف كمداهنة في تبليغ الرسالة أو في حكم بين الناس يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، قال عبد الباقي: كما إذا نفى عنه الزهد، أو قال ليس بمكي أو حجازي لأن وصفه بغير صفته المعلومة نفي له وتكذيب به، ولا يغني بعض هذه الأمور عن بعض لأن قصد المصنف تعداد الألفاظ التي يكفر بكل منها كما تقدم له نظائره في الإقرار والطلاق.
انتهى. وقد مر عن حبيب بن الربيع أن تبديل صفته ومواضعه كفر والمظهر له يستتاب والمسر له زنديق.
وقال الخرشي: كما إذا نفى عنه الزهد أو قال ليس بمكي أو ليس بحجازي لأن وصفه بغير صفته المعلومة نفي له وتكذيب به، وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الدين والفتوى من لدن الصحابة إلى هَلُمَّ. انتهى. على طريق الذم راجع للمسائل الثلاث أوَّلُهَا قوله: "أو غض من مرتبته" لخ. ثانيها قوله: "أو أضاف له ما لا يجوز عليه" . ثالثها قوله: "أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه" وهو مخالف
لقوله بعد: "وإن ظهر أنه لم يرد ذمه" لخ،
وفي التتائي عند قوله: "وإن في بدنه" ما نصه: عمدا أو سهوا أو نسيانا أو جهلا. انتهى.
وقال التتائي: البساطي: هذا قيد في هذه الأحوال وهي من مهيع واحد. انتهى. أو قيل له بحق رسول اللَّه فلعن وقال أردت العقرب يعني أنه إذا قيل لشخص بحق رسول اللَّه، فلعن وقال أردت برسول اللَّه العقرب لأنها مرسلة لمن تلدغه فإنه يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، قوله: "أو قيل له بحق رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فلعن" ،
قال في الشفا عن أحمد بن أبي سليمان فيمن قيل له بحق رسول اللَّه، فقال: فعل اللَّه برسول اللَّه كذا وذكر كلاما قبيحا، فقيل له: ما تقول يا عدوَّ اللَّه؟ فقال أشد من الأول،
وقال لما أنكر عليه ذلك أردت برسول اللَّه العقرب لأن العقرب مرسلة إلى من تلدغه اشهد عليه وأنا شريكك في قتله وثواب ذلك. انتهى. وعلم مما قررت أن قوله: قتل جواب الشرط فهو راجع للمسائل الاثنتى عشرة مسألة، أعني
قوله: "وإن سب" إلى آخر المسائل. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "قتل" أي المسلم المكلف، ولم يستتب يعني أنه يقتل ولا تطلب منه توبة بل ولا تقبل منه من غير طلب،
وظاهره ولو جاء تائبا قبل الاطلاع عليه لازدرائه فهو حق آدمي مبني على المشاحة،
بخلاف الزنديق كما قدمه. قاله عبد الباقي. ولذا قال: حدا يعني أنه يقتل في هذه المسائل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا. وقوله: "حدا" رد به القول بأنه يقتل لردته، وعليه فإن تاب لم يقتل بل ينكل، قال الإمام الحطاب: صرح في الشفا بأن من سب النبي صلى اللَّه عليه وسلم إذا قلنا إن ذلك ردة فإنه يستتاب،
فإن تاب نكل. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله "حدا" ما نصه: مقيد بما إذا تاب أو أنكر ما شهد به عليه ويموت مسلما ويغسل ويصلي عليه غيرُ أهل الفضل والصلاح ويدفن في مقابر المسلمين وماله لورثته،
وأما لو أقر بالسب ولم يتب فإنه يقتل كفرا ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين وماله لبيت المال، بل تستر عورته ويوارى كما يفعل بالكفار. انتهى.
وقال عبد الباقي: حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا ولم يُسْتَتَبْ لأنه حينئذ مرتد وزيادة.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.