إذا دخل وقت فريضة أو أبيحت نافلة وعدم الماء أو زاد على ثمنه كثيرا أو بثمن يعجزه أو خاف باستعماله أو طلبه ضرر بدنه أو رفيقه أو حرمته أو ماله بعطش أو مرض أو هلاك ونحوه شرع التيمم.
Its commentaries
أحدهما: دخول الوقت وقد ذكر بقوله: (إذا دخل وقت فريضة) أو منذورة بوقت معين أو عيد أو وجد كسوف أو اجتمع الناس لاستسقاء أو غسل الميت أو يمم لعذر أو ذكر فائتة وأراد فعلها، (أو أبيحت نافلة) بأن لا يكون وقت نهي عن فعلها.
الشرط الثاني: تعذر الماء وهو ما أشار إليه بقوله: (وعدم الماء) حضرا كان أو سفرا قصيرا كان أو طويلا مباحا كان أو غيره،
فمن خرج لحرث أو احتطاب ونحوهما ولا يمكنه حمل الماء معه ولا الرجوع للوضوء إلا بتفويت حاجته فله التيمم ولا إعادة عليه، (أو زاد) الماء (على ثمنه) أي ثمن مثله في مكانه بأن لم يبذل إلا بزائد (كثيرا) عادة (أو) بـ (ثمن يعجزه) أو يحتاجه له أو لمن نفقته عليه، (أو خاف باستعماله) أي باستعمال الماء ضررا (أو) خاف (بطلبه ضرر بدنه أو) ضرر (رفيقه أو) ضرر (حرمته) أي زوجته أو امرأة من أقاربه، (أو) ضرر (ماله بعطش أو مرض أو هلاك ونحوه) كخوفه باستعماله تأخر البرء أو بقاء أثر شين في جسده (شرع التيمم) أي وجب لما وجب الوضوء أو الغسل له وسن لما يسن له ذلك.
وهو جواب إذا من قوله: إذا دخل وقت فريضة،
ويلزم شراء ماء وحبل ودلو بثمن مثل أو زائد يسيرا، فاضل عن حاجته
ويلزم استعارة الحبل والدلو وقبول الماء قرضا وهبة وقبول ثمنه قرضا، إذا كان له وفاء
ويجب بذله لعطشان ولو نجسا.
يمم لعذر . أو ذكر فائتة وأراد فعلها صح عند إرادة فعلها، لصحة فعلها كل وقت.
نافلة) بأن لا يكون وقت نهي عن فعلها فلا يصح وإلا صح لأن ذلك وقتها وهذا قول مالك والشافعي،
وعنه يصح قبل الوقت، قال ابن رزين وغيره: هي أصح. وهو قول أبي حنيفة،
وفي المبدع: والقياس أن التيمم بمنزلة الطهارة حتى يجد الماء أو يحدث، فعلى هذا يجوز قبله كالماء، ويشهد له عموم قوله صلى الله عليه وسلم «الصعيد الطيب طهور المسلم» ولأنه بدل، فيساوى بمبدله، واختاره الشيخ،
وقال ابن رشد: التوقيت في العبادة لا يكون إلا بدليل سمعي اهـ، ولأنها طهارة مشروطة للصلاة فأبيح تقديمها على الوقت، كسائر الطهارة، فيتيمم لفرض معين قبل وقته، ولنفل غير معين وقت النهي،
وقال الشيخ: يتيمم قبل الوقت كما يتوضأ قبل الوقت، وهو قول كثير من أهل العلم،
وقال أحمد: هو القياس وهذا القول هو الصحيح، وعليه يدل الكتاب والسنة والآثار، والتيمم قبل الوقت مستحب، كما أن الوضوء قبل الوقت مستحب، وقولهم: طهارة ضرورية فيتقدر بقدر الحاجة، قيل: نعم؟ والإنسان محتاج أن يزال على طهارة، فيتطهر قبل الوقت، فإنه محتاج إلى زيادة الثواب اهـ، والنافلة ما عدا الفريضة من التطوعات، سميت بذلك لأنها زائدة على الفريضة ويزيد بها الثواب.
كان أو سفرا . قصيرا كان أو طويلا وهذا من الأحكام التي يستوي فيها الطويل من السفر والقصير،
والثاني أكل الميتة، والثالث التطوع على الراحلة، وبقية الرخص تختص بالطويل على القول به.
قصيرا كان أو طويلا مباحا كان أو غيره أي أو غير مباح يعني السفر تيمم، لأنه عزيمة كمسح الجبيرة فلا يجوز تركه،
ولو كان سفر معصية.
بزائد (كثيرا) عادة . (أو) بـ (ثمن يعجزه) تيمم لأن العجز عن الثمن يبيح الانتقال إلى البدل، كالعجز عن الرقبة في الكفارة،
وكذا لو حمله وفقده، أو لم يحمله لغير عذر كما لو كانت حاجته في قرية أخرى،
ولو كانت قريبا تيمم، لأنه لا فرق بين بعيد السفر وقريبه، لعموم {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} .
. (أو) بـ (ثمن يعجزه) أو يحتاج له
إما لنفقة أو كسوة، أو قضاء دين لله أو لآدمي، حال أو مؤجل، يحل قبل وصوله، إلى وطنه أو بعده، ولا مال له هناك، تيمم وإلا وجب الشراء ولم يصح التيمم. كأن يكون بينه وبين الماء سبع أو حريق أو لص ونحوه، خوفا محققا لا جبنا أو كان خوفه بسبب ظنه، فتبين عدمه، كسواد رآه ليلا فظنه عدوا فتبين عدمه بعد أن تيمم، غير جبان يخاف بلا سبب يخاف منه، أو خافت امرأة فساقا تيمم وصلى وفاقا، ولم يعد وقال الشيخ وغيره في المرأة إن خافت فساقا، يحرم خروجها إليه،
وقال: وتصلي المرأة بالتيمم عن الجنابة إذا كان يشق عليها تكرار النزول إلى الحمام، ولا تقدر على الاغتسال في البيت،
وفي الإنصاف: لو خاف فوت رفقته ساغ له التيمم،
وقيل ولو لفوت الإلف والإنس. أي أو خاف باستعماله ضرر رفيقه المحترم، من عطش ونحوه، شرع له التيمم وفاقا، لأن حرمة الآدمي تقدم على الصلاة، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على جواز تيمم من يحتاج الماء للعطش، وأنه كالعادم يتيمم مع وجود الماء.
أو هلاك ونحوه) . كخوفه باستعماله تأخر البرء أي تأخر الشفاء، شرع له التيمم وفاقا، وهل يعتبر في ذلك قول طبيب عارف أو بمجرد خوفه على نفسه؟
قال في الغاية: ويتجه: أو يعلم ذلك من نفسه.
تأخر البرء أو بقاء أثر شين في جسده أو تطاول المرض بسبب استعماله الماء،
تيمم وفاقا لقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} الآية ولو كان باطنا، إن أخبره به طبيب مسلم ثقة، أو علمه هو بنفسه والمرض على ثلاثة أضرب: أحدها يسير لا يخاف من استعمال الماء معه تلفا ولا مرضا، ولا إبطاء برء، ولا زيادة ألم كصداع ووجع ضرس، وحمى لا يضر معها، وشبه ذلك، فهذا لا يجوز له التيمم بلا نزاع، الثاني مرض يخاف معه من استعمال الماء تلف النفس أو عضو، أو حدوث مرض يخاف منه تلف النفس، أو عضو أو فوات منفعة عضو، فهذا يجوز له التيمم إجماعا، الثالث: أن يخاف بطء البرء أو زيادة المرض، وهي كثرة الألم،
وإن لم تطل مدته، أو شدة الضناء
وقيل النحاف والضعف، أو خاف حصول شيء، أو بقاء أثر شيء على عضو ظاهر جاز وفاقا للثلاثة، وهو قول جمهور العلماء سلفا وخلفا، لظاهر الآية، وعموم البلوى، حكاه غير واحد،
وفي الإقناع وشرحه: يصح التيمم لعجز مريض عن الحركة وعمن يوضئه إذا خاف فوت الوقت، إن انتظر من يوضئه وعجزه عن الاغتراف ولو بفمه، ولأنه كالعادم للماء،
فإن قدر على الاغتراف بفمه، أو غمس أعضائه في الماء الكثير لزمه ذلك، لقدرته على استعمال الماء.
وحبل ودلو، بثمن مثل . أو زائد يسيرا بالنصب صفة لمحذوف، وشرط الزيادة اليسيرة أن لا تجحف بماله على الأصح، أو عرفا وهو الأولى،
وقال النووي: وبأكثر من ثمن المثل لا يلزمه بلا خلاف، لكن الأفضل أن يشتريه، وهو قول جماهير السلف والخلف.
مثل . أو زائد يسيرا فاضل عن حاجته كقضاء دينه، ونفقة ومؤونة سفر له ولعياله، فلا يلزمه الشراء بما يحتاج إليه، ولا بثمن في ذمته،
ولو وجده يباع بنسيئة، وقدر عليه في بلده، لكنه أفضل.
«إذا دخلَ وقتُ فريضةٍ أو أُبيحَت نافلةٌ»، «إذا» أداة شرط، وفعل الشَّرط «دخل» وما عُطف عليه، وجوابه قوله بعد ذلك:«شُرع التَّيمُّم».
أي: يُشترط للتَّيمُّم دخول الوقت، أو إِباحة النَّافلة، وهذا هو الشَّرط الأول لِصِحَّة التَّيمُّم، وهذا مبنيٌّ على القول بأنه مبيح لا رافع وهو المذهب، فيقتصر فيه على الضَّرورة، وذلك بأن يكون في وقت الصَّلاة.
وقوله:«أو أبيحَت نافلةٌ». أي: صار فِعْلها مباحاً، وذلك بأن تكون في غير وقت النَّهي،
فإِذا كان في وقت نَهْيٍ، فلا يتيمَّم لصلاة نَفْل لا تجوز في هذا الوقت.
وقولنا:«لا تجوز في هذا الوقت»، احترازاً مما يجوز في هذا الوقت من النَّوافل كَذَوات الأسباب ـ على القول الرَّاجح ـ وهذا مبنيٌّ على القول بأنَّه مبيح لا رافع.
والصَّواب أنه رافع، فمتى تيمَّم في أيِّ وقتٍ صحَّ، وقد سبق بيانه .
وعَدِمَ الماء أو زادَ على ثَمَنه كثيراً، أو ثَمَنٍ يُعْجِزُهُ، أَوْ خَافَ باسْتِعْمَالِهِ أو طَلَبِهِ ضَرَرَ بَدَنِهِ ........ «وعدم الماء»، هذا الشَّرط الثَّاني لِصِحَّة التَّيمُّم: أن يكون غيرَ واجِدٍ للماء لا في بيته، ولا في رَحْلِه، إن كان مسافراً، ولا ما قَرُبَ منه. «أو زاد على ثَمَنه كثيراً»، أي: إِذا وجد الماء بثمن زائد على ثمنه كثيراً عَدَل إِلى التَّيمُّم،
ولو كان معه آلاف الدَّراهم. وعلَّلوا: أن هذه الزِّيادة تجعله في حُكْم المعدوم.
والصَّواب: أنه إِذا كان واجداً لثمنه قادراً عليه وَجَبَ عليه أن يشتريه بأيِّ ثمن، والدَّليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ، فاشترط الله تعالى للتَّيمُّم عَدَم الماء، والماء هنا موجود، ولا ضرر عليه في شِرائه لِقُدْرَته عليه،
وأمَّا كون ثمنه زائداً فهذا يرجع إلى العَرْض والطَّلب، أو أن بعض النَّاس ينتَهِز حاجَةَ الآخرين فيرفع الثَّمن ......... بَدَنُه باستعماله الماءَ صار مريضاً،
فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية .
كما لو كان في أعضاء وُضُوئه قُروح، أو في بَدَنِه كُلِّه عند الغُسْل قُروح وخاف ضَرَر بَدَنِه فله أن يتيمَّم.
وكذا لو خاف البرْد، فإِنه يُسخِّن الماء،
فإِن لم يَجِد ما يسخِّن به تيمَّم؛ لأنَّه خَشِيَ على بَدَنِه من الضَّرر، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ . واستدلَّ عمرو بن العاص رضي الله عنه بهذه الآية على جواز التَّيمُّم عند البَرْد إِذا كان عليه غُسْل .
وقوله:«أو طلبِه ضرَرَ بدنِهِ»، أي: خاف ضَرَرَ بَدَنِه بطلَبِ الماء، لبُعْدِه بعض الشيء، أو لِشدَّة برودة الجَوِّ، فيتيمم.
والدَّليل على هذا قوله سبحانه وتعالى : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ، وقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، وخَوْفُ الضَّرر حَرَجٌ، وقوله ﷺ :«لا ضَرَرَ، ولا ضِرَار». أو رفيقه، أو حرمته، أو مالِه بعطش، أَوْ مَرَضٍ، أو هلاكٍ، ونَحْوه ........ «أو رفيقه»، أي: خاف باستعمال الماء أو طَلَبِه ضَرَرَ رفيقه.
مثال ذلك: أن يكون معه ماء قليل ورُفْقَة،
فإِن استعمل الماء عطِشَ الرُّفْقَة وتضرَّروا، فنقول له: تيمَّم، ودَع الماء للرُّفْقَة .....
وظاهر قوله:«أو رفيقه» أنه يشْمل الكافر والمسلم، لكن بِشَرط أن يكون الكافر معصوماً، وهو الذِّمِّي، والمُعَاهد، والمُسْتَأْمِن. «أو حرمته»، أي: خاف باستعمال الماء أو طلبِه ضرر امرأته، أو من له ولاية عليها من النِّساء. «أو مالِه»، أي: خاف باستعمال الماء أو طلبه تضرُّر ماله، كما لو كان معه حيوان،
وإِذا استعمل الماء تضرَّر، أو هَلَكَ. «بِعَطَشٍ»، متعلِّق بـ «ضَرر»، أي: ضرر هؤلاء بعطش. «أو مَرَضٍ»، مثاله: أن يكون في جِلْدِه جروح تتضرَّر باستعمال الماء. «أو هَلاكٍ»، كما لو خاف أن يموت من العَطَشِ. «ونَحْوه»، أي: من أنواع الضَّرر.
فالضَّابط أن يُقال: الشَّرط الثاني: تعذُّر استعمال الماء،
إِما لِفَقْده، أو للتَّضرُّر باستعماله أو طَلَبِه، وهذا أعمُّ وأوضَحُ من عبارة المؤلِّفِ. شُرعَ التَّيمُّمُ،
ومَنْ وَجَدَ مَاءً يَكْفي بعضَ طُهرِه تيمَّم بعد اسْتِعمالِه، .......... «شُرع التَّيمُّمُ»، «شُرع»: جواب «إذا» في قوله: «إِذا دخل»،
وإِذا تأخَّر الجواب، وطال الشَّرْط بالمعطوفات عليه، فعِنْد البَلاغيين ينبغي إِعادة العامِل ليتَّضِح المعنى، لكنَّه لو أعاد الشَّرطَ هنا لعَادَ الأمْرُ كما هو؛ لأنَّ هذه الأمور كلها تابعة للشَّرط.
وقوله:«شُرع»، أي: وجب لما تجب له الطَّهارة بالماء كالصَّلاة، واستُحبَّ لما تستحبُّ له الطَّهارة بالماء؛ كقراءة القرآن دون مَسِّ المصحَف.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.