ويكون المؤذن صيتا أمينا عالما بالوقت
Its commentaries
(و) سن أن (يكون المؤذن صيتا) أي رفيع الصوت؛ لأنه أبلغ في الإعلام،
زاد في " المغني " وغيره: وأن يكون حسن الصوت؛ لأنه أرق لسامعه (أمينا) أي عدلا مؤتمن يرجع إليه في الصلاة وغيرها (عالما بالوقت) ليتحراه فيؤذن في أوله.
سن أن (يكون المؤذن صيتا) أي رفيع الصوت والصوت مصدر من صات يصوت، وهو في العرف جرس الكلام، وجمعه أصوات، ويقال لقوي الصوت: صيت، بتشديد الياء وكسرها.
وغيرها . (عالما بالوقت) ليتحراه فيؤذن في أوله لأنه إذا لم يكن عارفا به لا يؤمن من الخطأ،
وإن كان أعمى وله من يعلمه بالوقت لم يكره نص عليه، لفعل ابن أم مكتوم، وحديث مالك بن الحويرث يدل على أنه لا يشترط في المؤذن غير الإسلام لقوله: أحدكم.
فيؤذن في أوله (فإن تشاح فيه اثنان) فأكثر أي من اثنين في الأذان من الشح وهو البخل مع الحرص، كل واحد منهما يريد أن لا يفوته أو يريد أن يستأثر به.
«ويكون المُؤَذِّنُ صَيِّتاً أميناً عَالماً بالوَقْتِ»، كلمة «يكون» تحتمل الوجوب؛ وتحتمل الاستحباب، فيحتمل أنَّ المعنى يُستحب، ويحتمل أن المعنى يجب. ويمكن أن ننظر ما تقتضيه الأدلَّةُ من هذه الصِّفَات، فما دلَّت على وجوبه قلنا بوجوبه، وما دَلَّت على استحبابه قلنا باستحبابه.
فقوله:«صَيِّتاً» هذا مستحبٌ، وليس واجباً، فالواجب أن يُسْمِعَ من يُؤَذِّنُ لهم فقط، وما زاد على ذلك فغير واجب.
وقوله:«صَيِّتاً» يحتمل أن يكون المعنى قويَّ الصَّوتِ، ويحتمل أن يكون حسنَ الصَّوت، ويحتمل أن يكون حسنَ الأداء، ولكن الاحتمال الأخير ليس واضحاً من العبارة.
فهنا ثلاثةُ أوصاف تعود على التلفُّظ بالأذان:
١ - قوَّة الصَّوت.
٢ - حُسْن الصَّوتِ.
٣ - حُسْن الأدَاءِ.
فهذا كُلُّه مطلوب.
ونستنبط من قوله:«صَيِّتاً» أن مكبِّرات الصَّوت من نعمة الله؛ لأنَّها تزيد صوت المؤذِّن قوَّة وحُسناً، ولا محذور فيها شرعاً،
فإذا كان كذلك وكانت وسيلة لأمر مطلوب شرعي، فللوسائل أحكام المقاصد. ولهذا أمرَ النبيُّ ﷺ العبَّاس بن عبد المطلب أن ينادي يوم حنين:«أين أصحابُ السَّمُرَة»، لقوَّةِ صَوته.
فدلَّ على أنَّ ما يُطلبُ فيه قوَّةُ الصَّوت ينبغي أن يُختار فيه ما يكون أبلغ في تأديَة الصَّوت. ولكن ما يُتَّخذُ من تفخيم الصوت بما يسمُّونه «الصَّدَى» فليس بمشروع، بل قد يكون منهيًّا عنه إذا لزم منه تكرار الحرف الأخير لما فيه من الزِّيادة.
وقوله:«أميناً»، الظَّاهر من المذهب: أن كونه أميناً سُنَّة .
والصَّحيح أنَّه واجب؛ لأنَّ الأمانة أحد الرُّكنين المقصودين في كلِّ شيء،
والثاني القوَّة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ .
وقال العِفْريت الذي أراد أن يأتي بعرش «بلقيس» إلى سليمان: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ .
وعدم السَّداد في العمل يأتي من اختلال أحد الوصفين: القوَّة والأمانة.
وإذا وُجِدَ ضعيفٌ أمينٌ؛ وقويٌّ غيرُ أمين؛ أيُّهما يقدم؟
فالجواب: أنَّ الصَّحيح حسب ما يقتضيه العمل، فبعض الأعمال تكون مراعاة الأمانة فيه أَولى، وبعضها تكون مراعاة القوَّة أولى، فمثلاً القوَّة في الإمارة قد تكون أولى بالمراعاة، والأمانة في القضاء قد تكون أولى بالمراعاة.
وقوله:«أميناً»، أي: على الوقت، وعلى عورات النَّاس خصوصاً فيما سبق؛ حيث كان النَّاس يؤذِّنون فوق المنارة.
وقوله:«عالماً بالوقت»، هذا ليس بشرط إن أراد أن يكون عالماً به بنفسه؛ لأن ابنَ أمِّ مكتوم كان رجلاً أعمى لا يؤذِّن حتى يُقال له:«أصبحتَ أصبحتَ»، لكن الأفضل أن يكون عالماً بالوقت بنفسه؛ لأنه قد يتعذَّر عليه من يُخبره بالوقت.
وقد يقال: المراد أن يكون عالماً بالوقت بنفسه أو بتقليد ثقة.
والعِلْمُ بالوقت يكون بالعلامات التي جعلها الشَّارع علامة، فالظُّهر بزوال الشَّمس، والعصر بصيرورة ظلِّ كُلِّ شيءٍ مثله بعد فيء الزَّوال، والمغرب بغروب الشَّمس، والعِشاء بمغيب الشَّفق الأحمر، والفجر بطلوع الفجر الثَّاني.
وهذه العلامات أصبحت في وقتنا علامات خفيَّة؛ لعدم الاعتناء بها عند كثير من النَّاس، وأصبح النَّاس يعتمدون على التقاويم والسَّاعات.
ولكن هذه التقاويم تختلف؛ فأحياناً يكون بين الواحد والآخر إلى ست دقائق، وهذه ليست هيِّنة ولا سيَّما في أذان الفجر وأذان المغرب؛ لأنَّهما يتعلَّق بهما الصِّيام، مع أن كلَّ الأوقات يجب فيها التَّحري،
فإذا اختلف تقويمان وكلٌّ منهما صادرٌ عن عارف بعلامات الوقت، فإننا نُقدِّم المتأخِر في كلِّ الأوقات؛ لأنَّ الأصل عدم دخول الوقت، مع أن كلًّا من التَّقويمين صادر عن أهلٍ، وقد نصَّ الفقهاء رحمهم الله على مثل هذا فقالوا: لو قال لرَجُلين ارْقُبَا لي الفجر، فقال أحدهما: طلع الفجرُ،
وقال الثاني: لم يطلع؛ فيأخذ بقول الثَّاني، فله أن يأكلَ ويشرب حتى يتَّفقا بأن يقول الثَّاني: طلع الفجر ،
أما إذا كان أحد التقويمين صادراً عن أعلم أو أوثق فإنَّه يقدَّم.
فَإِنْ تَشَاحَّ فيه اثْنَانِ قُدِّمَ أَفْضَلُهُمَا فيه، ثُمَّ أَفْضَلُهُمَا فِي دِيْنِهِ وعَقْلِهِ، ..........
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.