فَإِنْ مَرِضَ بَعْضُ مَحَارِمِهَا أَوْ مَاتَ اسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ إِلَيْهِ
Its commentaries
مسألة: (فَإن مَرِضَ بعضُ مَحارِمِها أو مات، اسْتُحِبَّ له أَن يَأْذَنَ لها في الخُرُوجِ إليه) لِما في ذلك مِن صِلَةِ الرَّحِمِ، وفى مَنْعِها منه قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، وحَمْلٌ لزَوْجَتِه على مُخالَفَتِه، وقد أمرَ اللَّهُ تعالى بالمُعاشَرَةِ بالمعْرُوفِ، وليس هذا مِن المُعاشَرَةِ بالمعْرُوفِ.
فإن كانت زَوْجَتُه ذِمِّيَّةً، فله مَنْعُها مِن الخُرُوجِ إلى الكَنِيسَةِ؛ لأَنَّ ذلك ليس بطاعةٍ ولا نَفْعٍ.
فإن كانت مُسْلِمَةً، فقال القاضى: له مَنْعُها مِن الخُروجِ إلى المساجدِ. وهو مذهبُ الشافعىِّ. وظاهرُ الحديثِ مَنْعُه مِن مَنْعِها، وهو قوْلُه عليه الصلاةُ والسلامُ:«لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَساجِدَ اللَّهِ». ورُوِىَ أنَّ الزُّبَيْر تزَوَّجَ عاتِكَةَ بنتَ زيدِ بنِ عمرِو بنِ نُفَيْلٍ، فكانت تخرجُ إلى المساجدِ، وكان غَيُورًا، فيقولُ لها: لو صَلَّيْتِ في بَيْتكِ. فتقولُ: لا أزالُ أخْرُجُ أو تَمنعَنى. فكَرِه مَنْعَها لهذا الخَبرِ.
وقال أحمدُ، في الرَّجُلِ تكونُ له المرأةُ أو الأمَةُ النَّصْرانِيَّةُ، يشْتَرِى لها زُنَّارًا؟ قال: لا، بل تخْرُجُ هى تَشْتَرِى لنَفْسِها. فقيل له: جاريتُه تعملُ الزَّنانِيرَ؟ قال: لا.
فصل: وليس على المرأةِ خِدْمَةُ زَوجِها، في العَجْنِ، والخَبْزِ، والطَّبْخِ، وأشْباهِه. نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال أبو بكرِ بنُ أبى شَيْبَةَ، وأبو إسْحاقَ الجُوزْجَانِىُّ: عليها ذلك. واحتجَّا بقِصةِ علىٍّ وفاطمةَ؛
فإنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى على ابْنَتِه فاطمةَ بخِدْمَةِ البيتِ، وعلى علىٍّ ما كان خارجًا مِن البيتِ مِن عَمَلٍ. روَاه الجُوزْجَانِىُّ [مِن طُرُقٍ .
وقال الجُوزجَانِىُّ] : وقد قال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لو كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أن يَسْجُدَ لأَحَدٍ، لأمَرْتُ المَرْأةَ أن تَسْجُدَ لزَوْجِها، ولو أنّ رَجُلًا أمَر امْرأتَه أن تَنْقُلَ مِن جَبَلٍ أَسْوَدَ إلى جَبَلٍ أَحْمَرَ، أو مِن جَبَلٍ أَحْمَرَ إلى جَبَلٍ أَسْوَدَ، كان نَوْلُها أن تَفْعَلَ». وراه بإسْنادِه . قال: فهذا طاعَتُه فيما لا منفعةَ فيه، فكيفَ بمُؤْنَةِ مَعاشِه؟ وقد كان النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يأْمُرُ [نِساءَه بخِدْمَتِه]، فقال:«يا عائِشَةُ اسْقِينا، يا عائِشُةُ أطعمينا»، «يا عائِشَةُ هَلُمِّى الشَّفْرَةَ ، وَاشْحَذِيها بحَجَرٍ» .
ورُوِىَ أنَّ فاطِمةَ أتَتْ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- تَشْكو إليه ما تَلْقَى مِن الرَّحَى، وسَألتْه خادِمًا يَكْفيها ذلك . ولَنا، أنَّ المعْقودَ عليه مِن جِهَتِها الاسْتمتاعُ، فلا يَلْزَمُها غيرُه، كسَقْى دَوابِّه وحَصادِ زَرْعِه.
فأمَّا قَسْمُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بينَ علىٍّ وفاطمةَ، فعلى ما تَلِيقُ به الأخْلاقُ المَرْضِيَّةُ، ومَجْرَى العادة، لا على سبيلِ الإِيجابِ، كما قد رُوِى عن أسْماءَ بنتِ أبى بكرٍ، أنَّهاَ كانت تقومُ بفَرَسِ الزُّبَيْرِ، وتَلْتَقِطُ له النَّوَى، وتحْمِلُه على رأسها . ولم يكُنْ ذلك واجبًا عليها.
وكذلك لا يجب على الزوجِ القِيام بمَصالِحِ خارجِ البيتِ، ولا الزِّيادةُ على ما يجبُ لها مِن النَّفقَةِ والكُسْوَةِ، ولكنَّ الأُوْلَى لها فعْلُ ما جَرتْ به العادةُ بقِيامِها به، لأنَّه العادةُ، ولا تصْلُحُ الحالُ إلَّا به، ولا تنْتظِمُ المعيشةُ بدُونِه.
٣٣٥١ -
(فَإِنْ مَرِضَ بَعْضُ مَحَارِمِهَا أَوْ مَاتَ اسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ إِلَيْهِ) ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ،
وَفِي مَنْعِهَا قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، وَحَمْلٌ لَهَا عَلَى مُخَالَفَتِهِ، وَأَوْجَبَهُ ابْنُ عَقِيلٍ لِلْعِيَادَةِ،
وَقِيلَ: أَوْ نَسِيبٍ، وَقِيلَ: لَهَا زِيَارَةُ أَبَوَيْهَا كَكَلَامِهِمَا، وَلَا يَمْلِكُ مَنْعَهُمَا مِنْ زِيَارَتِهَا فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَلْزَمُهَا طَاعَةُ أَبَوَيْهَا فِي فِرَاقٍ وَزِيَارَةٍ وَنَحْوِهِ، بَلْ طَاعَةُ زَوْجِهَا أَحَقُّ.
فَرْعٌ: لَيْسَ عَلَيْهَا طَحْنٌ وَعَجْنٌ وَخَبْزٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، خِلَافًا لِلْجُوزَجَانِيِّ، وَقَالَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «قَضَى عَلَى فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ بِخِدْمَةِ الْبَيْتِ، وَعَلَى عَلِيٍّ مَا كَانَ خَارِجَ الْبَيْتِ» رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ مِنْ طُرُقٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَتِهَا الِاسْتِمْتَاعُ، فَلَا يَلْزَمُهَا غَيْرُهُ كَسَقْيِ دَوَابِّهِ، وَأَوْجَبَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْمَعْرُوفُ مِثْلَهَا لِمِثْلِهِ،
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي " الْوَاضِحَةِ ": «إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَكَمَ عَلَى فَاطِمَةَ بِخِدْمَةِ الْبَيْتِ» ،
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: عَلَيْهَا أَنْ تَخْدِمَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
فإنْ مَرِضَ بعضُ مَحارِمِها أو ماتَ، اسْتُحِبَّ له أَنْ يَأذَنَ لها فى الخُرُوجِ إليه. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به أكثرُهم؛ منهم صاحِبُ «البُلْغَةِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الوَجيزِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يجِبُ عليه أَنْ يأْذَنَ لها لأجلِ العِيادَةِ.
تنبيهان؛ أحدُهما، دلَّ كلامُ المُصَنِّفِ، بطَريقِ التَّنْبِيهِ، على أنَّها لا تزُورُ أبوَيْها. وهو المذهبُ. قدَّمه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الفُروعِ».
وقيل: لها زِيارَتُهما، ككَلامِهما. الثَّانى،
مفْهومُ قولِه: فإنْ مَرِض بعضُ مَحارِمِها، أو ماتَ. أنه لو مَرِض أو ماتَ غيرُ مَحارِمِها مِن أقارِبِها، أنَّه لا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأذَنَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لها فى الخُروجِ إليه. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ. جزَم به فى «البُلْغَةِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقيل: يُسْتَحَبُّ له أن يَأْذَنَ لها أيضًا.
قلتُ: وهو حسَنٌ. وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ».
فوائد؛ الأُولَى، لا يَمْلِكُ الزَّوْجُ مَنْعَ أبويْها مِن زِيارَتِها. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن»: ولا يَمْلِكُ مَنْعُهما مِن زِيارَتِها فى الأصحِّ. وجزَم به فى «الحاوِى الصَّغِيرِ».
وقيل: له مَنْعُهما. قلتُ: الصَّوابُ فى ذلك، إنْ عرَف بقرَائِنِ الحالِ أنَّه يحْدُثُ، بزِيارَتِهما أو أحدِهما له ضرَرٌ، فله المَنْعُ، وإلَّا فلا. الثَّانيةُ، لا يلْزَمُها طاعةُ أبوَيْها فى فِراقِ زَوْجِها، ولا زِيارَةٍ ونحوِه، بل طاعةُ زوْجِها أحقُّ.
الثَّالثةُ، ليس عليها عَجْنٌ، ولا خَبْزٌ، ولا طَبْخٌ ونحوُ ذلك. على الصَّحيحِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن المذهبِ. نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال الجُوزْجَانِىُّ: عليها ذلك. وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللَّهُ: يجِبُ عليها المَعْروفُ مِن مِثْلِها لمِثْلِه.
قلتُ: الصَّوابُ أَنْ يُرْجعَ فى ذلك إلى عُرْفِ البَلَدِ. وخرَّج الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللَّهُ، الوُجوبَ، مِن نصِّه على نِكاحِ الأمَةِ لحاجَةِ الخِدْمَةِ. قال فى «الفُروعِ»: وفيه نظَر؛ لأنَّه ليس فيه وُجوبُ الخِدْمَةِ عليها. وَلَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ إِجَارَةَ نَفْسِهَا لِلرَّضَاعِ وَالْخِدْمَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا، الرَّابعةُ، قولُه: ولا تَمْلِكُ المَرْأةُ -ولا وَلِيُّها، أو سيِّدُها- إجارَةَ نَفْسِها للرَّضاعِ والخِدْمَةِ بغيْرِ إذْنِ زَوْجِها. بلا نِزاعٍ. لِكنَّه لو تزوَّجَها بعدَ أَنْ أجَرَتْ نفْسها للرضاعِ، لم يَمْلِكِ الفَسْخَ مُطْلَقًا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه فى «الفُروعِ».
وقيل: يَمْلِكُه إنْ جَهِلَه.
قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وإنْ تزَوَّجَتْ بآخر، فله مَنْعُها مِن رَضاعِ وَلَدِها مِنَ الأَوَّلِ، ما لم يضْطرَّ إليها.
قلتُ: أو يكونُ الأولُ اسْتَأجرَها للرضاعِ. انتهى. الخامسةُ، يجوزُ له وَطْؤها بعدَ إجارَتِها نفْسَها مُطْلَقًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه فى «الفُروعِ».
وقيل: ليس له ذلك وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا، إِلَّا أن يُضْطرَّ إِلَيْهَا وَتَخْشَى عَلَيْهِ.
إنْ أضَرَّ الوَطْءُ باللَّبَنِ. قال فى «الرِّعايَةِ الكبرى»: وللزَّوْجِ الثَّانى وَطْؤها ما لم يَفْسُدِ اللَّبَنُ،
فإنْ فسَد، فللمُسْتَأْجِرِ الفَسْخُ، والأَشْهَرُ تحْرِيمُ الوَطْءِ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.