وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَلَاعَنَا قِيَامًا بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ فِي الْأَوْقَاتِ، وَالْأَمَاكِنِ الْمُعَظَّمَةِ
Its commentaries
فصل: قال الشيخُ، رحمَه اللهُ: (والسُّنَّةُ أن يتَلَاعَنا قِيامًا بمَحْضَرِ جماعَةٍ في الأوْقاتِ والأماكنِ المُعَظَّمَةِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يُسَنُّ في اللِّعانِ أمورٌ؛ أحَدُها، أن يَتَلاعَنا قِيامًا، فيَبْدَأ الزَّوْجُ فيَلْتَعِنَ وهو قَائِمٌ،
فإذا فَرَغَ قامَتِ المرأةُ فالْتَعَنَتْ وهي قائِمَةٌ؛ فإنَّه رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لهِلالِ بن أُمَيَّةَ:«قُمْ فاشْهَدْ أرْبَعَ شَهَادَاتٍ». ولأنَّه إذا قام شاهَدَه الناسُ، فكان أبْلَغ في شُهْرَتِه.
[وفي حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ: فقامَ هِلَالٌ فشَهِدَ، ثم قامَتْ فشَهِدَتْ]. الثَّاني، أن يكونَ بمَحْضَرِ جماعَةٍ مِن المُسْلِمينَ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ، وابنَ عمرَ، وسَهْلَ بنَ سعدٍ، حَضَرُوا مع حَداثَةِ أسْنانِهم، فدَلَّ على أنَّه حَضَرَ جَمْعٌ كثِيرٌ؛ لأنَّ الصِّبْيانَ إنَّما يَحْضُرُون المجالسَ تَبَعًا للرِّجالِ، ولأنَّ اللِّعانَ بُنِيَ على التَّغْلِيظِ، مُبالغَةً في الرَّدْعِ به والزَّجْرِ، وفِعْلُه في الجماعةِ أبْلَغُ في ذلك.
ويُسْتَحَبُّ أن لا يَنْقُصُوا عن أرْبَعَةٍ؛ لأنَّ بَيِّنَةَ الزِّنَى التي شُرِعَ اللِّعانُ مِن أجْلِ الرَّمْي به أرْبَعَةٌ، وليس شيءٌ مِن هذا واجِبًا. وبهذا كلِّه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا. الثَّالثُ، أن يكونَ في الأوقاتِ والأماكنِ المعظَّمَةِ. وهذا قولُ أبي الخطّابِ، وهو مذهب الشافعيِّ، إلَّا أنَّ عندَه في التَّغْلِيظِ بالمَكانِ قَوْلَين؛ أحدُهما، أنَّ التَّغْلِيظَ به مُسْتَحَبٌّ كالزَّمانِ.
والثَّاني، أنَّه واجِبٌ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لاعَنَ بينَهما عندَ المِنْبَرِ، فكان فِعْلُه [بَيانًا لِلِّعانِ]. ومَعْنَى التَّغْلِيظِ بالمَكانِ بمَكَّةَ، بينَ الرُّكْنِ والمَقامِ، وبالمَدِينَةِ عندَ مِنْبَرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،
وفي بَيتِ المَقْدِسِ عندَ الصَّخْرَةِ،
وفي سائِرِ البُلْدانِ في جَوامِعِها.
وأمَّا الزَّمانُ فبَعْدَ العَصْرِ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى:{تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ}. أجْمَعَ المُفَسِّرُون على أن المُرادَ بالصَّلاةِ صلاةُ العَصْرِ.
وقال أبو الخطَّابِ في مَوْضِعٍ آخَرَ: بينَ الأذانَين؛ لأنَّ الدُّعاءَ بينَهما لا يُرَدُّ.
وقال القاضي: لا يُسْتَحَبُّ التَّغْلِيظُ في اللِّعانِ بمَكانٍ ولا زَمانٍ. وبهذا قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أطْلَقَ الأمْرَ بذلك، ولم يُقَيِّدْه بزَمانٍ ولا مَكانٍ،
ولا يجوزُ تَقْيِيدُه إلَّا بدَلِيلٍ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ الرجلَ بإحْضارِ امْرأَتِه، ولم يَخُصَّه بزمنٍ،
ولو خَصَّه بذلك لَنُقِلَ ولم يُهْمَلْ،
ولو اسْتُحِبَّ ما دْكَرُوه لَفَعَلَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -،
ولو فَعَلَه لَنُقِلَ، ولم يَسُغْ تَرْكُه وإهْمالُه، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما دَلَّ حدِيثُه في لِعانِ أوسٍ أنَّه إنَّما كان في صَدْرِ النَّهارِ؛ لِقَوْلِه في الحديثِ: فلم يَهِجْه حتى أصْبَحَ، ثم غَدَا على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. والغُدُوُّ في أَوَّلِ النَّهارِ. وهذا اخْتِيارُ شيخِنا .
وأمَّا قَوْلُهم: إنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَاعَنَ بينَهما عندَ المِنْبَرِ. فليس هذا في شيءٍ مِن الأحادِيثِ المَشْهُورةِ.
وإن ثَبَت هذا، فلَعَلَّه كان بحُكْمِ الاتِّفاقِ؛ لأنَّ مجْلِسَه كان عندَه، فلاعَنَ بينَهما في مجْلِسِه.
فإن كان اللِّعانُ بينَ كافِرَين، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في اللِّعانِ بينَ المُسْلِمَين. ويَحْتَمِلُ أن يُغلَّظَ بالمَكانِ؛
لقَوْلِه في الأيمانِ: وإن كان لهم مَواضِعُ يُعَظِّمُونَها، ويَتَّقُونَ أن يحْلِفُوا فيها كاذِبين، حُلِّفُوا فيها. فعلى هذا، يُلاعَنُ بَينَهم في مواضعِهم التي يُعَظِّمُونَها؛ اليَهُودِيُّ في البِيعةِ، والنَّصْرانِيُّ في الكَنِيسَةِ، والمَجُوسِيُّ في بيتِ النَّارِ.
وإن لم يَكُنْ لهم مَواضِعُ يُعَظِّمُونَها، حَلَّفَهُم الحاكِمُ في مَجْلِسِه؛ لتَعَذُّر التَّغْلِيظِ بالمكانِ.
وإن كانتِ المرأةُ المُسْلِمَةُ حائِضًا، وقُلْنا: إن اللِّعانَ بَينَهما يكونُ في المَسْجِدِ. وقَفَتْ على بَابِه، ولم تَدْخُلْه؛ لأنَّ ذلك أقْرَبُ المواضِعِ إليه.
٣٧٩٥ -
فَصْلُ السُّنَّةِ تُلَاعِنُ الزَّوْجَيْنِ قِيَامًا بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ] فَصْلٌ (وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَلَاعَنَا قِيَامًا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ:«قُمْ فَاشْهَدْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ» وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الرَّدْعِ فَيَبْدَأُ الزَّوْجُ فَيَلْتَعِنُ، وَهُوَ قَائِمٌ،
فَإِذَا فَرَغَ قَامَتِ الْمَرْأَةُ، فَالْتَعَنَتْ (بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ) ، لِحُضُورِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَعَ حَدَاثَةِ أَسْنَانِهِمْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَضَرَ جَمْعٌ كَثِيرٌ، لِأَنَّ الصِّبْيَانَ إِنَّمَا يَحْضُرُونَ تَبَعًا لِلرِّجَالِ إِذِ اللِّعَانُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيظِ لِلرَّدْعِ وَالزَّجْرِ. وَفِعْلُهُ فِي الْجَمَاعَةِ أَبْلَغُ فِي ذَلِكَ.
وَيُسْتَحَبُّ أَلَّا يَنْقُصُوا عَنْ أَرْبَعَةٍ ; لِأَنَّ بَيِّنَةَ الزِّنَا الَّتِي شُرِعَ اللِّعَانُ مِنْ أَجْلِ الرَّمْيِ بِهِ أَرْبَعَةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. (فِي الْأَوْقَاتِ، وَالْأَمَاكِنِ الْمُعَظَّمَةِ) هَذَا قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْمُحَرِّرِ " وَ " الْوَجِيزِ "، فَفِي الزَّمَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} . وَالْمُرَادُ صَلَاةُ الْعِشَاءِ فِي قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَبَيْنَ الْأَذَانَيْنِ ; لِأَنَّ الدُّعَاءَ بَيْنَهُمَا لَا يُرَدُّ.
وَفِي الْمَكَانِ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَالْمَقَامُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْحَطِيمِ.
وَلَوْ قِيلَ: بِالْحِجْرِ لَكَانَ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ مِنَ الْبَيْتِ. وَبِالْمَدِينَةِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مِمَّا يَلِي الْقَبْرَ الشَّرِيفَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» . وَبِبَيْتِ الْمَقْدِسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ،
وَفِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ فِي جَوَامِعِهَا، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَرْتَقِيَا عَلَى الْمَنَابِرِ أَوْ لَا؟
وَإِنْ كَانَ فِي النَّاسِ كَثْرَةٌ، فِيهِ احْتِمَالٌ، أَوْ وَجْهٌ، قَالَهُ فِي " الْوَاضِحِ ". وَحَائِضٌ وَنَحْوُهَا بِبَابِ الْمَسْجِدِ لِتَحْرِيمِ مُكْثِهَا فِيهِ،
فَلَوْ رَأَى الْإِمَامُ تَأْخِيرَهُ إِلَى انْقِطَاعِ الدَّمِ وَغَسْلِهَا لَمْ يَبْعُدْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُسْتَحَبُّ التَّغْلِيظُ مُطْلَقًا قَالَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ الْأَمْرَ بِهِ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ الرَّجُلَ بِإِحْضَارِ امْرَأَتِهِ، وَلَمْ يَخُصَّهُ بِزَمَنٍ،
وَلَوْ خَصَّهُ لَنُقِلَ. وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي " الْفُرُوعِ " وَخَصَّهُمَا فِي " التَّرْغِيبِ " بِالذِّمَّةِ.
وَظَاهِرُهُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَلَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ، فَعَلَى هَذَا يَحْضُرُهُمْ فِي أَوْقَاتِهِمُ الْمُعَظَّمَةِ وَبُيُوتِ عِبَادَتِهِمْ كَالْكَنَائِسِ لِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَبُيُوتِ النَّارِ لِلْمَجُوسِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُغْلِظَ بِالْمَكَانِ،
فَإِنْ كَانَتِ الْمُسْلِمَةُ حَائِضًا، وَقَفَتْ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ.
في الأَوْقاتِ والأماكِنِ المُعَظَّمَةِ. هذا المذهبُ. جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرى».
وقيل: لا يُسَنُّ تغْلِيظُه بمَكانٍ ولا زَمانٍ. اخْتارَه القاضي، والمُصَنِّفُ. وقدَّمه في «الكافي». وصحَّحَه في «المُغْنِي». وأطْلَقَهما في «الفُروعِ». وخصَّ في «التَّرْغِيبِ» هذين الوَجْهَين بأهْلِ الذِّمَّةِ. وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وَإِذَا بَلَغ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخَامِسَةَ، أَمَرَ الْحَاكِمُ رَجُلًا فَأَمْسَكَ يَدَهُ عَلَى فِي الرَّجُلِ، وَامْرَاةً تَضعُ يَدَهَا عَلَى في الْمَرْأَةِ،
فائدة: الزَّمان بعدَ العَصْرِ. وقال أبو الخَطَّابِ في مَوْضِعٍ آخَرَ: بينَ الأذانَين. والمَكانُ بمَكَّةَ بينَ الرُّكْنِ والمَقامِ، وبالمَدِينَةِ عندَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم،
وفي بَيتِ المَقْدِسِ عند الصَّخْرَةِ،
وفي سائرِ البُلْدانِ في جَوامِعِها. ويأْتِي لهذا مزيدُ بَيانٍ، في بَابِ اليمينِ في الدَّعاوَى. ثُمَّ يَعِظُهُ، فَيَقُولُ: اتَّقِ اللهَ، فَإنَّهَا الْمُوجِبَةُ، وَعَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ.
وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ.
Says nothing on this mas’ala.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.