الرَّابِعُ: اللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ، وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ إِنْ كُنَّ حَرَائِرَ
Its commentaries
فصل: وكلُّ فُرْقَةٍ بينَ زَوْجَين في الحياةِ بعدَ الدُّخُولِ، فَعِدَّةُ المرأةِ منها عِدَّةُ الطَّلاقِ، سواءٌ كانت بخُلْعٍ، أو لِعانٍ، أو رَضاعٍ، أو فَسْخٍ بعَيبٍ، أو إعْسارٍ، أو إعْتاقٍ، أو اخْتِلافِ دِينٍ، أو غيرِه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّ عِدَّةَ المُلاعِنَةِ تِسْعَةُ أشْهُرٍ. وأبي ذلك سائِرُ أهْلِ العلمِ، وقالوا: عِدَّتُها عدَّةُ الطَّلاقِ، لأنَّها مُفارِقَةٌ في الحياةِ، أشْبَهَتِ المُطَلَّقَةَ. وأكثرُ أهلِ العلمِ يقُولُون: عِدَّةُ المُخْتَلِعَةِ عدَّةُ المُطَلَّقةِ؛
منهم سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ، وسُليمانُ بنُ يَسارٍ، وعمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، والحسنُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادةُ، وخِلاسُ بنُ عمرٍو، وأبو عِيَاض، ومالكٌ، [واللَّيثُ]، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ. ورُوِيَ عن عُثمانَ بنِ عَفَّانَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاس، وأبانَ بنِ عثمانَ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ، أنَّ عِدَّةَ المُخْتَلِعَةِ حَيضَةٌ. ورواه ابنُ القاسمِ عن أحمدَ؛ لِمَا روَى ابنُ عباس، أنَّ امرأةَ ثابتِ بنِ قَيسٍ اخْتَلَعَتْ منه، فجَعَلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عِدَّتَها حَيضَةً.
روَاهُ النَّسَائِيُّ . وعن رُبَيِّع بنتِ مُعَوِّذٍ مثلُ ذلك، ولأنَّ عُثمانَ قَضَى به. رواه النَّسائِيُّ، وابنُ ماجَه . ولَنا، قولُ اللهِ تعالي:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ}. ولأنَّها فُرْقَةٌ بعدَ الدُّخولِ في الحياةِ، فكانت ثلاثةَ قُرُوءٍ، كغيرِ الخُلْعِ، وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «قَرْءُ الأمَةِ حَيضَتَانِ». عامٌّ، وحَدِيثُهم يَرْويه عِكْرِمَةُ مُرْسَلًا. قال أبو بكرٍ: هو ضَعِيفٌ مُرْسَلٌ. وقولُ عُثمانَ وابنِ عَباسٍ، قد خالفَه قولُ عمرَ وعليٍّ، فإنَّهما قالا: عِدَّتُها ثلاثُ حِيَض.
وقَوْلُهما أَوْلَى. وأمَّا ابنُ عمرَ، فقد روَى مالِكٌ ، عن نافعٍ، عنه، أنَّه قال: عِدَّةُ المُخْتَلِعَةِ عِدَّةُ المُطَلَّقَةِ. وهو أصَحُّ عنه.
فصل: (الرَّابعُ، اللَّائي يَئسْنَ مِن المَحِيضِ، واللَّائِي لم يَحِضْنَ، فعِدَّتُهُنَّ ثلاثةُ أشْهُر إن كُنَّ حَرائِرَ، وإن كُنَّ إماءً فَشَهْران. وعنه، ثلاثةٌ. وعنه، شَهْرٌ ونِصْفٌ) أجْمَعَ أهْلُ العلمِ على أنَّ عِدَّةَ الحُرَّة الآيِسَةِ والصَّغِيرَةِ التي لم تَحِضْ ثلاثُةُ أشْهُرٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى:{وَاللَّائِي يَئِسْنَ} مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} .
فإن كان الطَّلاقُ في أوَّلِ الشَّهْرِ، اعْتُبِرَ ثلاثةُ أشْهُر بالأهِلَّةِ؛ لقولِ الله تعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}.
وقال سبحانه:{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}. ولم يخْتلفِ الناسُ في أنَّ الأشْهُرَ الحُرُمَ مُعْتَبَرة بالأهِلَّةِ.
وإن وقَعَ الطَّلاقُ في أثْناءِ شَهْرٍ، اعْتَدَّتْ بقِيَّتَه، ثم اعْتَدَّتْ شهْرَين بالأهِلَّةِ، ثم. اعْتَدَّتْ مِن الشَّهْرِ الثالِثِ تَمامَ ثلاثِين يَوْمًا. وهذا مذهبُ مالكٍ، والشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَحْسِبُ بَقِيَّةَ الأوَّلِ، وتَعْتَدُّ مِن الرَّابعِ بقَدْرِ ما فَاتَها مِن الأوَّلِ، تامًّا كان أو ناقِصًا؛ لأنَّه لو كان مِن أوَّلِ الهِلالِ، كانت العِدَّةُ بالأهِلَّةِ،
فإذا كان مِن بعضِ الشَّهْر، وجَبَ فَضاءُ ما فاتَ منه: وخَرَّجَ أصْحابُنا وجْهًا ثانيًا، أنَّ جميعَ الشُّهورِ مَحْسُوبَة بالعَدَدِ. وهو قول ابنِ بنتِ الشافعيِّ؛ لأنَّه إذا حُسِبَ الأوَّلُ بالعَدَدِ، كان ابْتِداءُ الثاني مِن نِصْف الشَّهْرِ،
وكذلك الثالثُ. ولَنا، أنَّ الشَّهْرَ يقعُ على ما بينَ الهِلَالين وعلى الثَّلاثِين، ولذلك إذا غُمَّ الشَّهْرُ كُمِّلَ ثَلاثين، والأصْلُ الهِلالُ،
فإذا أمْكَنَ اعْتِبارُ الهِلَالِ اعْتُبِرَ،
وإذا تَعَذَّرَ رُجِعَ إلى العَدَدِ.
وفي هذا انْفِصالٌ عمَّا ذُكِرَ لأبي حنيفةَ.
وأمَّا التَّخْرِيجُ الذي ذُكِرَ لأصْحابِنَا، فإنه لا يَلْزَمُ إتْمامُ الشَّهْرِ الأوَّلِ مِن الثاني،
ويجوزُ أن يكونَ تَمامُه مِن الرَّابعِ.
فصل: وتُحْسَبُ العِدَّةُ مِن السَّاعةِ التي فارَقَها زَوْجُها فيها،
فلو فارَقَها نِصْفَ النَّهارِ، أو نِصْفَ اللَّيلِ، اعْتَدَّتْ مِن ذلك الوقتِ إلى مِثْلِه. في قولِ أكثرَ [أهلِ العلمِ].
وقال [أبو عبدِ الله] ابنُ حامدٍ: لا تَحْتَسبُ بالسَّاعاتِ، وإنَّما تَحْتَسِبُ بأوَّلِ اللَّيلِ والنَّهارِ،
فإذا طَلقَها نَهارًا، احْتَسَبَتْ مِن أوَّلِ اللَّيلِ الذي يليه،
وإن طَلَّقَها ليلًا، احْتَسَبَتْ مِن أوَّلِ النهارِ الذي يليه. وهذا قولُ مالكٍ؛ لأنَّ حِسابَ السَّاعاتِ يَشُقُّ، فسَقَطَ اعْتِبارُه. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى:{فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ}. فلا تجوزُ الزيادةُ عليها بغيرِ دَلِيلٍ، وحِسابُ السَّاعاتِ مُمْكِن،
إما يَقِينًا وإمَّا اسْتِظْهارًا، فلا وَجْهَ للزِّيادَةِ على ما أوْجَبَه اللهُ تعالى.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ في عِدَّةِ الأمَةِ، فأكثَرُ الرِّواياتِ عنه، أنَّها شَهْران، وهو الذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ. رواه عنه جماعةٌ مِن أصْحابِه، واحْتَجَّ فيه بقولِ عمرَ، رَضِيَ الله عنه: عِدَّةُ أُمِّ الوَلَدِ حَيضَتان،
ولو لم تَحِضْ كانت عِدَّتُها شَهْرَينِ. رواه الأثْرَمُ عنه بإسْنادِه . وهذا قولُ عَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، وإسْحاقَ، وأحَدُ أقْوالِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الأشْهُرَ بَدَلٌ مِن القُرُوءِ، وعِدَّةُ ذاتِ القروءِ قَرْءانِ، فبَدَلُهما شَهْران، ولأنَّها مُعْتَدَّة بالشُّهورِ مِن غيرِ الوَفاةِ، فكان عدَدُها كعَدَدِ القُروءِ، لو كانت ذاتَ قُرُوءٍ، كالحُرَّةِ. والرِّوايةُ الثانيةُ، أنَّ عِدَّتَها شَهْر ونِصْف. نقَلَها المَيمُونِيُّ، والأثْرَمُ، واخْتارَها أبو بكرٍ. وهذا قولُ عليٍّ، - رضي الله عنه -. ورُويَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وابنِ المُسَيَّبِ، وسالم، والشَّعْبِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْي.
وهو قولٌ ثانٍ للشافعيِّ؛ لأنَّ عِدَّةَ الأمَةِ نِصْفُ عِدَّةِ الحُرَّةِ، وعِدَّةُ الحُرَّةِ ثَلاثةُ أشْهُرٍ، فنِصْفُها شَهْرٌ ونِصْفٌ، وإنَّما كَمَّلْنا لذاتِ الحَيضِ حيضَتَين؛ لتَعَذُّرِ تَبْعِيضِ الحَيضَةِ،
فإذا صِرْنا إلى الشُّهورِ، أمْكَنَ التَّنصِيفُ، فوَجَبَ المَصِيرُ إليه، كما في عِدَّةِ الوَفاةِ، ويصيرُ هذا كالمُحْرِمِ، إذا وَجَبَ عليه في جَزاءِ الصَّيدِ نِصْفُ مُدٍّ، [أمْكَنَه إخْراجُه]،
فإن أراد الصِّيامَ مَكانَه، صامَ يَوْمًا كاملًا. ولأنَّها عِدَّةٌ أمْكَنَ تَنْصِيفُها، فكانت على النِّصْفِ مِن عِدَّةِ الحُرَّةِ، كعِدَّةِ الوَفاةِ. والثالثةُ، أنَّ عليها ثلاثةَ أشْهُرٍ. رُوِيَ ذلك عن الحسنِ، ومُجاهِدٍ، وعمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، ويَحْيى الأنْصَارِيِّ، ورَبِيعةَ، ومالكٍ. وهو القوْلُ الثالثُ للشافعيِّ؛ لِعُمُومِ قولِه تعالى:{فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ}. ولأنَّ اعْتِبارَ الشُّهُورِ ههُنا للعِلْمِ ببَرَاءَةِ رَحِمِها، ولا يَحْصُلُ هذا بدُونِ ثَلاثةِ أشْهُرٍ في الحُرَّةِ والأمَةِ جميعًا؛ لأنَّ الحَمْل يكونُ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يومًا، وعَلَقَةً أرْبَعِين يومًا، ثم يَصِيرُ مُضْغَةً، ثم يتَحَرَّكُ، ويَعْلُو بَطْنُ المرأةِ، فيَظْهَرُ الحَمْلُ، وهذا مَعْنى لا يخْتلِفُ بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ.
ومَن رَدَّ هذه الرِّوايةَ قال: هي مُخالِفةٌ لإجْماعِ الصَّحابةِ؛ لأنَّهم اخْتَلَفوا على القَوْلَين الأوَّلَينِ،
ومتى اخْتَلَفَ الصَّحابةُ على قَوْلَين، لم يَجُزْ إحْداثُ قولٍ ثالِثٍ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى تَخْطِئتِهِم، وخُرُوجِ الحَقِّ عن قولِ جَمِيعِهم،
ولا يجوزُ ذلك، ولأنَّها مُعْتَدَّةٌ بغيرِ الحَمْلِ، فكانت دونَ عِدَّةِ الحُرَّةِ، كذاتِ القُرُوءِ المُتَوَفَّى عنها زَوْجُها.
٣٨٥٦ -
(الرَّابِعُ: اللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ، وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ إِنْ كُنَّ حَرَائِرَ) إِجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ} فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ كَفَى ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ بِالْأَهِلَّةِ لِلنَّصِّ،
وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهِ اعْتَدَّتْ بَقِيَّتَهُ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ شَهْرَيْنِ بِالْأَهْلِيَّةِ، ثُمَّ مِنَ الثَّالِثِ تَمَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ الْهِلَالُ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَى الْعَدَدِ إِلَّا عِنْدَ التَّعَذُّرِ.
وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ الْجَمِيعُ بِالْعَدَدِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ إِذَا حَسَبَ الْأَوَّلَ بِالْعَدَدِ كَانَ ابْتِدَاءُ الثَّانِي مِنْ نِصْفِ الشَّهْرِ.
وَكَذَلِكَ الثَّالِثُ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُ إِتْمَامُ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ مِنَ الثَّانِي، بَلْ مِنَ الرَّابِعِ، وَيُحْتَسَبُ مِنَ السَّاعَةِ الَّتِي فَارَقَهَا فِيهَا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُحْتَسَبُ بِأَوَّلِ اللَّيْلِ، أَوِ النَّهَارِ ; لِأَنَّ حِسَابَ السَّاعَاتِ يَشُقُّ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ. وَجَوَابُهُ: قَوْله تَعَالَى: {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ} فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَحِسَابُ السَّاعَاتِ مُمْكِنٌ،
إِمَّا يَقِينًا وَإِمَّا اسْتِظْهَارًا.
Says nothing on this mas’ala.
Says nothing on this mas’ala.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.