وَلَوْ أَلْقَى عَلَى إِنْسَانٍ أَفْعَى أَوْ أَلْقَاهُ عَلَيْهَا فَقَتَلَتْهُ أَوْ طَلَبَ إِنْسَانًا بِسَيْفٍ مُجَرَّدٍ فَهَرَبَ مِنْهُ فَوَقَعَ فِي شَيْءٍ تَلِفَ بِهِ بَصِيرًا كَانَ أَوْ ضَرِيرًا أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي فِنَائِهِ أَوْ وَضَعَ حَجَرًا، أَوْ صَبَّ مَاءً فِي طَرِيقٍ أَوْ بَالَتْ فِيهَا دَابَّتُهُ وَيَدُهُ عَلَيْهَا أَوْ رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ فِيهَا فَتَلِفَ بِهِ إِنْسَانٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ
Its commentaries
مسألة: (ولو ألْقَى على إنْسَانٍ أَفْعًى، أو أَلْقاه عليها، فقَتَلَتْهُ، أو طلَب إنسانًا بسيْفٍ مُجَرَّدٍ، فَهَرَبَ، فَوَقَعَ في شَىْءٍ تَلِفَ به، بَصِيرًا كان أو ضَرِيرًا، أو حفرَ بِئْرًا في فنائِه، أو وضَع حَجَرًا، أو صَبَّ ماءً في طَرِيقٍ، أو بالَتْ فيها دَابَّتُهُ ويدُه عليها، أو رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ فيها فَتَلِفَ به إنْسانٌ، وَجَبَتْ عليه دِيَتُه) يجبُ الضَّمانُ بالسَّبَبِ كما يجبُ بالمُباشَرَةِ،
فإذا ألْقَى إنْسانًا على أفْعَى، أو ألْقاها عليه، فقَتَلَتْه، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه تَلِفَ بعُدْوانِه، فأشْبَهَ ما لو جَنَى عليه.
٤١٧٤ - مسألة: فإن طلَب إنسانًا بِسَيْفٍ مَشْهُورٍ، فَهَرَبَ منه، فَتَلِفَ في هَرَبِه، ضَمِنَه، سواءٌ سقَط مِن شاهِقٍ، أو انْخَسَفَ به سَقْفٌ، أو خَرَّ في بِئْرٍ، أو لَقِيَه سَبُعٌ فافْتَرَسَه، أو غَرِقَ في ماءٍ، أو احْتَرَقَ بنارٍ، وسواءٌ كان المطْلُوبُ صَغِيرًا أو كبيرًا، أعْمَى أو بَصِيرًا، عاقِلًا أو مجْنُونًا.
وقال الشافعىُّ: لا يَضْمَنُ البالِغَ العاقِلَ البَصِيرَ. إلَّا أن ينْخَسِفَ به سَقْفٌ،
فإنَّ فيه وفى الصَّغِيرِ والمجْنُونِ والأعْمَى قوليْن؛ لأنَّه هلَك بفِعْلِ نَفْسِه، فلم يَضْمَنْه الطالِبُ، كما لو لم يَطْلُبْه. ولَنا، أنَّه هلَك بسَبَبِ عُدْوانِه، فضَمِنَه، كما لو حفَر له بِئْرًا، أو نصَب له سِكِّينًا، أو سَمَّ طَعامَه ووَضَعَه. وما ذكَرَه يَبْطُلُ بهذه الأصُولِ.
وإن طَلَبَه بشئٍ يُخِيفه به، كاللُّتِّ ونحوِه، فهو كما لو طَلَبَه بسَيْف مَشْهُورٍ؛ لأنَّه في مَعْناه.
مسألة: (وإن حفَر بِئْرًا، وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا) أو نصَب سِكِّينًا، فَعَثَرَ بِالْحَجَرِ (فوَقَعَ في البِئْرِ) أو عَلَى السِّكِّينِ (فَالضَّمَانُ على واضعِ الحَجَرِ) ونَاصِبِ السِّكِّينِ دُونَ الحَافِرِ؛ لأَنَّ الحَجَرَ كالدَّافِعِ له،
وإذا اجْتَمَعَ الحافرُ والدَّافِعُ، فالضَّمَانُ على الدَّافِعِ وحدَه. وبهذا قال الشافعىُّ.
ولو وَضعَ رَجُلٌ حَجَرًا، ثم حَفَرَ آخَرُ عندَه بِئْرًا، أو نصَب سِكِّينًا، فعَثَرَ بالحَجَرِ، فسَقَطَ عليهما، فهَلَكَ، احْتَمَلَ أن يكونَ الحُكمُ كذلك؛ لِما ذكَرْنا. واحْتَمَلَ أن يضْمَنَ الحافِرُ وناصبُ السِّكِّينِ؛ لأَنَّ فِعْلَهُما مُتَأَخِّرٌ عن فِعْلِه، فأَشْبَهَ ما لو كان زِقٌّ فيه مائِعٌ وهو واقِفٌ، فحَلَّ وِكاءَه إنْسانٌ وأمالَه آخَرُ، فسألَ ما فيه، كان الضَّمانُ على الآخِرِ منهما.
وإن وضَع إنْسانٌ حَجَرًا أو حَدِيدةً في مِلْكِه، أو حَفَرَ فيه بئْرًا، فدَخَلَ إنْسانٌ بغيرِ إذْنِه، فهَلَكَ به، فلا ضَمانَ على المالِكِ؛ لأَنَّه لم يتَعَدَّ ، وإنَّما الدَّاخِلُ هلَكَ بعُدْوانِ نَفْسِه،
وإن وضَع حَجَرًا في مِلْكِه، ونصَب أجْنَبِىٌّ فيه سِكِّينًا، أو حفَر بِئْرًا بغيرِ إذْنِه، فعَثَرَ رَجُلٌ بالحَجَرِ، فوَقَعَ على السِّكِّينِ أو في البِئرِ، فالضَّمانُ على الحافرِ وناصِبِ السِّكِّينِ لتَعَدِّيهِا، إذ لم يتَعَلَّقِ الضَّمانُ بواضِعِ الحَجَرٍ؛ لانْتِفاءِ عُدْوانِه.
وإنِ اشْتَرَكَ جماعةٌ في عُدْوانٍ تَلِفَ به شئٌ، فالضَّمانُ عليهم،
فلو وضَع اثْنانِ حَجَرًا، وواحِدٌ حَجَرًا، فعَثَرَ بهما إنْسانٌ، فهَلَكَ، فالدِّيَةُ كل عَواقِلِهم أثْلَاثًا، في قِياسِ المذهبِ. وهو قولُ أبى يوسفَ؛ لأَنَّ السَّبَبَ حصَل مِن الثَّلاثةِ أثْلاثًا، فوَجَبَ الضَّمانُ عليهم سواءً وإنِ اختَلَفَتْ أفْعالُهم، كما لو جَرَحَه واحدٌ جُرْحَيْنِ، وجَرَحَه اثْنانِ جُرْحَيْنِ، فمات بها .
وقال زُفَرُ: على الاثْنَين النِّصْفُ، وعلى واضِعِ الحجَرِ وحدَه النِّصْفُ؛ لأَنَّ فِعْلَه مُساوٍ لفِعْلِهما.
وإن حفَر إنْسانٌ بِئرًا، ونصَب آخَرُ فيها سِكِّينًا، فوَقَع إنسانٌ في البئرِ على السِّكِّينِ، فماتَ، فقال ابنُ حامدٍ: الضَّمانُ على الحافرِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ الدَّافعِ. وهذا قِياس المسائِلِ التى قَبلَها. ونَصَّ أحمدُ على أنَّ الضَّمانَ عليهما. قال أبو بكرٍ: لأنَّهما في مَعْنىِ المُمْسِكِ والقاتلِ، الحافرُ كالمُمْسكِ، وناصِبُ السِّكِّينِ كالقاتلِ. فيُخرَّجُ مِن هذا أَنْ يَجِبَ الضَّمانُ كل جميعِ المُتَسَبِّبِينَ في المسائلِ السَّابقةِ.
فصل: وإن حفَر بِئرًا في مِلْكِ نَفْسِه، أو في ملكِ غيرِه بإذْنِه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ.
وكذلك إن حَفَرَها في مَواتٍ، أو وضَع حَجَرًا، أو نصبَ شَرَكًا، أو شَبَكَةً، أو مِنْجَلًا، ليَصِيدَ بها؛ لأنَّه لم يَتَعَدَّ بذلك.
وإن فَعَلَ شيئًا مِن ذلك في طَريقٍ ضَيِّقٍ، فعليه ضَمانُ ما تلف به؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ. وسَواءٌ أذِنَ له الإِمامُ أو لم يَأْذَنْ؛ لأنَّه ليس للإمامِ أن يَأْذَنَ فيما يَضُرُّ بالمُسلمينَ،
ولو فَعَلَ ذلك الإِمامُ لَضَمِنَ ما يَتْلَفُ به.
فإن كان الطَّريقُ واسِعًا، فحَفَرَ في مكانٍ منها يَضُرُّ بالمُسْلِمينَ، ضَمِنَ.
وإن حفَر في مكانٍ لا يَضُرُّ بالمسلمينَ، وكان حَفَرَها لنَفْسِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ بها، سواءٌ حَفَرَ بها بإذْنِ الإِمامِ أو بغيرِ إذْنِه.
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: إن حَفَرَها بإذْنِ الإمام، لم يَضْمَنْ؛ لأَنَّ للإمام أن يَأْذَنَ في الانْتِفاعِ بما لا ضَرَرَ فيه، بدَليلِ أنَّه يجوزُ أن يأْذَنَ في القُعُودِ فَيه، ويُقْطِعَه لمن يَبِيعُ فيه. ولَنا، أنَّه تَلِفَ بحَفْرٍ حَفَرَه في حَقٍّ مُشْتَرَكٍ، بغيرِ إذْنِ أهْلِه، لغيرِ مَصْلَحَتِهم، فضَمِنَ، كما لو لم يَأْذَنِ الإِمامُ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ للإِمام أن يَأْذَنَ في هذا، وإنَّما يَأْذَن في القُعُودِ؛ لأَنَّ ذلك لا يَدُومُ، ويُمْكِنُ إِزالَتُه في الحالِ، فأَشْبَهَ القُعُودَ في المَسْجِدِ، ولأَنَّ القُعُودَ جائزٌ مِن غيرِ إذْنِ الإِمامِ،
بخِلافِ الحَفْرِ.
فصل: وإن حفَر بِئرًا في مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بينَه وبينَ غيرِه، بغيرِ إذْنِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ به جَمِيعَه. وهذا قِياسُ مذهبِ الشافعىِّ.
وقال [أبو حنيفةَ]: يَضْمَنُ ما قابَلَ نَصِيبَ شَرِيكِه،
فلو كان له شَرِيكان، ضَمِنَ ثُلُثَى التَّالِفِ؛ لأنَّه تَعَدَّى في نَصِيبِ شَرِيكَيْه .
وقال أبو يوسفَ: عليه نِصْفُ الضَّمانِ؛ لأنَّه تَلِفَ بجِهَتَيْنِ، فكان الضَّمانُ نِصْفَيْنِ، كما لو جَرَحَه أحَدُهما جُرْحًا، وجَرَحَه الآخَرُ جُرْحَيْنِ. ولَنا، أنَّه مُتَعَدٍّ بالحَفْرِ، فضَمِنَ الواقعَ فيها ، كما لو كان في ملْكِ غيرِه، والشَّرِكَةُ أوْجَبَ تَعَدِّيَهُ لجميعِ الحَفْرِ، فكان مُوجِبًا لجميعِ الضَّمانِ.
ويَبْطُلُ ما ذكَرَه أبو يوسفَ بما لو حَفَرَه في طرِيقٍ مُشْتَرَكٍ،
فإنَّ له فيها حَقًّا، ومع ذلك يَضْمَنُ الجميعَ. والحُكمُ فيما إذا أذِنَ له بعْضُ الشُّرَكاءِ في الحَفْرِ دُونَ بعْضٍ، كالحُكْمِ فيما إذا حفَر في مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بينَه وبينَ غيرِه؛ لكَوْنِه لا يُباحُ الحَفْرُ ولا التَّصَرُّفُ حتى يَأْذَنَ الجميعُ.
فصل: وإن حفَر إنْسانٌ في مِلْكِه بِئرًا، فوَقِعَ فيها إنسانٌ أو دابةٌ، فهَلَكَ به، وكان الدَّاخِلُ دخَل بغيرِ إذْنِه، فلا ضَمان على الحافرِ؛ لأنَّه لا عُدْوانَ منه.
وإن دخَل بإذْنِه، والبِئْرُ ظاهِرَةٌ مَكْشُوفَةٌ، والدَّاخِلُ بَصِيرٌ يُبْصِرُها، فلا ضَمانَ أيضًا؛ لأَنَّ الواقِعَ هو الذى أهْلَكَ نفسَه، فأشبَة ما لو قدَّم إليه سِكِّينًا، فقَتَلَ بها نفسَه،
وإن كان الدَّاخِلُ أعْمَى، أو كانت في ظُلْمَةٍ لا يُبْصِرُها الدَّاخِلُ، أو غَطَّى رَأْسَها، فلم يَعْلَمِ الدَّاخِلُ حتى وقَع فيها، ضَمِنَه. وبهذا قال شُرَيحٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ. وهو أحَدُ الوَجْهينِ لأصْحابِ الشافعىِّ. وقالوا في الآخَرِ: لا يضْمَنُه؛ لأنَّه هلَك بفِعْلِ نفسِه. ولَنا، أنَّه تَلِفَ بسَبَبِه، فضَمِنَه، كما لو قدَّم له طَعامًا مَسْمُومًا فأكَلَه، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذكَرُوه.
وإنِ اخْتْلَفَا، فقال صاحبُ الدَّارِ: ما أذِنْتُ لك في الدُّخولِ. وادَّعَى ولِىُّ الهالِكِ أنَّه أَذِنَ له، فالقَوْلُ قولُ المالكِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ.
وإن قال: كانت مَكْشُوفَةً. وقال الآخَرُ: كانت مُغَطَّاةً. فالقولُ قولُ وَلِىِّ الواقعِ؛ لأَنَّ الظّاهِرَ معه،
فإنَّ الظّاهرَ أنَّها لو كانت مَكْشُوفَةً لم يَسْقُطْ فيها. ويَحْتَمِلُ أنَّ القولَ قولُ المالكِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءةُ ذمَّتِه، فلا تَشْتَغِلُ بالشَّكِّ.
٤١٧٨ -
(وَلَوْ أَلْقَى عَلَى إِنْسَانٍ أَفْعَى) وَهُوَ حَيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى صَرْفِهَا كَعَصًا،
وَقِيلَ: بِالْمَنْعِ لِوَزْنِ الْفِعْلِ وَشِبْهِهَا بِالْمُشْتَقِّ، وَهُوَ تَصَوُّرُ أَذَاهَا (أَوْ أَلْقَاهُ عَلَيْهَا فَقَتَلَتْهُ) فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ، لِأَنَّهُ تَلِفَ بِعُدْوَانِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ تَلِفَ بِالسَّبَبِ فَوَجَبَ الضَّمَانُ كَالْمُبَاشَرَةِ،
وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهَا أَنَّهُ شِبْهُ عَمْدٍ (أَوْ طَلَبَ إِنْسَانًا بِسَيْفٍ مُجَرَّدٍ فَهَرَبَ مِنْهُ فَوَقَعَ فِي شَيْءٍ تَلِفَ بِهِ بَصِيرًا كَانَ أَوْ ضَرِيرًا) عَاقِلًا كَانَ، أَوْ مَجْنُونًا، سَوَاءٌ سَقَطَ مِنْ شَاهِقٍ، أَوِ انْخَرَقَ بِهِ سَقْفٌ، أَوْ خَرَّ فِي بِئْرٍ ; لِأَنَّهُ هَلَكَ بِسَبَبِ عُدْوَانِهِ فَضَمِنَهُ كَمَا لَوْ نَصَبَ لَهُ سِكِّينًا،
قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ " وَعِنْدِي مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ إِلْقَاءَ نَفْسِهِ مَعَ الْقَطْعِ بِتَلَفِهِ ; لِأَنَّهُ كَمُبَاشِرٍ،
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ،
فَلَوْ طَلَبَهُ بِشَيْءٍ يُخَوِّفُهُ كَاللَّتِّ، فَهُوَ كَمَا لَوْ طَلَبَهُ بِسَيْفٍ مَشْهُورٍ،
فَلَوْ شَهَرَ سَيْفًا فِي وَجْهِهِ، أَوْ دَلَّاهُ مِنْ شَاهِقٍ فَمَاتَ مِنْ رَوْعَتِهِ، أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ (أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي فِنَائِهِ) حَيْثُ يَحْرُمُ، فَتَلِفَ بِهِ إِنْسَانٌ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَقَضَى بِهِ شُرَيْحٌ ; لِأَنَّهُ تَلِفَ بِعُدْوَانِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ بِجِنَايَتِهِ،
وَكَذَا لَوْ حَفَرَهَا فِي مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْجَمِيعَ لِتَعَدِّيهِ بِالْحَفْرِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إِذَا حَفَرَهَا فِي مِلْكِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُتَعَدِّيًا (أَوْ وَضَعَ حَجَرًا، أَوْ صَبَّ مَاءً فِي طَرِيقٍ) ضَمِنَهُ ; لِأَنَّهُ هَلَكَ بِسَبَبِهِ (أَوْ بَالَتْ فِيهَا دَابَّتُهُ وَيَدُهُ عَلَيْهَا) فَزَلِقَ بِهِ حَيَوَانٌ فَمَاتَ بِهِ، فَعَلَى صَاحِبِ الدَّابَّةِ الضَّمَانُ إِذَا كَانَ رَاكِبًا، أَوْ قَائِدًا، أَوْ سَائِقًا كَمَا لَوْ جَنَتْ بِيَدِهَا، أَوْ فَمِهَا، قَالَهُ الْأَصْحَابُ،
وَفِي " الشَّرْحِ ": قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِذَلِكَ وَكَمَا لَوْ سَلَّمَ عَلَى غَيْرِهِ، أَوْ أَمْسَكَ يَدَهُ حَتَّى مَاتَ لِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَتْ بِرِجْلِهَا وَيُفَارِقُ مَا إِذَا أَتْلَفَتْ بِيَدِهَا، أَوْ فَمِهَا ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ حِفْظُهَا (أَوْ رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ فِيهَا فَتَلِفَ بِهِ إِنْسَانٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ) لِأَنَّ التَّلَفَ مَنْسُوبٌ إِلَى فَاعِلِهِ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ كَالْمُتَسَبِّبِ إِلَى الْقَتْلِ بِغَيْرِ ذَلِكَ،
وَفِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْوَجِيزِ " إِذَا قَصَدَهُ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ وَإِلَّا فَهُوَ خَطَأٌ [حَفَرَ بِئْرًا وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا فَعَثَرَ بِهِ إِنْسَانٌ فَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ] (وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا فَعَثَرَ بِهِ إِنْسَانٌ فَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ، فَالضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ) فِي رِوَايَةٍ، وَهِيَ الْأَشْهَرُ ; لِأَنَّهُ كَالدَّافِعِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ الْقَتْلَ عَادَةً لِمُعَيَّنٍ،
بِخِلَافِ مُكْرَهٍ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْحَافِرِ ; لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ قُطِعَ بِسَبَبِهِ،
وَعَنْهُ: عَلَيْهِمَا الضَّمَانُ ; لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ سَبَبَانِ مُخْتَلِفَانِ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ضَمَانُ الْمُتَسَبِّبِ. اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ وَجَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ كَقَاتِلٍ وَمُمْسِكٍ،
وَإِنْ تَعَدَّى أَحَدُهُمَا اخْتَصَّ بِهِ الضَّمَانُ،
وَإِنْ وَضَعَ حَجَرًا، ثُمَّ حَفَرَ آخَرُ عِنْدَهُ بِئْرًا، أَوْ نَصَبَ سِكِّينًا فَعَثَرَ بِالْحَجَرِ فَسَقَطَ عَلَيْهَا فَهَلَكَ، احْتَمَلَ أَنْ يَضْمَنَ الْحَافِرُ وَنَاصِبُ السِّكِّينِ ; لِأَنَّ فِعْلَهُمَا مُتَأَخِّرٌ عَنْ فِعْلِهِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا أَعْمَقَ بِئْرًا قَصِيرًا ضَمِنَ هُوَ وَحَافِرُ مَا تَلِفَ بِهَا. نَصَّ عَلَيْهِ،
وَإِنْ دَعَا مَنْ يَحْفِرُ لَهُ بِدَارِهِ بِئْرًا، أَوْ مَعْدِنًا فَمَاتَ بِهَدْمٍ لَمْ يَلْقَهُ أَحَدٌ، فَهَدَرٌ، نَقَلَهُ حَرْبٌ،
وَإِنْ حَفَرَ بِبَيْتِهِ بِئْرًا، أَوْ سَتَرَهُ لِيَقَعَ فِيهَا أَحَدٌ فَمَنْ دَخَلَ بِإِذْنِهِ، فَالْقَوَدُ فِي الْأَصَحِّ، وَإِلَّا فَلَا كَمَكْشُوفَةٍ بِحَيْثُ يَرَاهَا، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ إِذْنِهِ فِي الْأَشْهَرِ،
وَلَوْ وَضَعَ فِيهَا آخَرُ سِكِّينًا فَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ عَلَيْهَا فَمَاتَ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ، وَجَزَمَ بِهِ السَّامِرِيُّ: الضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَيْهِمَا فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا أَنْ يَجِبَ الضَّمَانُ عَلَى جَمِيعِ الْمُتَسَبِّبِينَ [غَصَبَ صَغِيرًا فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ أَوْ أَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ]
ولو أَلْقَى على إنْسانٍ أَفْعًى، أو أَلْقاهُ عليها فقَتَلَتْه، أَو طلَب إنْسانًا بِسَيْفٍ بِسَيْفٍ مُجَرَّدٍ فَهَرَبَ، فَوَقَعَ فِى شَىْءٍ تَلِفَ به، بَصِيرًا كَانَ أَوْ ضَرِيرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فى فِنَائِهِ، أَوْ وَضَعَ حَجَرًا، أَوْ صَبَّ مَاءً فِى طَرِيقٍ، أَوْ بَالَتْ فِيها دَابَّتُهُ وَيَدُهُ عَلَيْهَا، أَوْ رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ فِيها، فَتَلِفَ بِهِ إنْسَانٌ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَتُهُ.
مُجَرَّدٍ فهَرَب، فوَقَع فى شئٍ تَلِفَ به، بَصِيرًا كانَ أَو ضَرِيرًا، وجَبَتْ عليه دِيَتُه. وهذا المذهبُ. وعليه الأصحابُ.
وقال فى «التَّرْغيبِ»، و «البُلْغَةِ»: وعندِى أنَّه كذلك إذا انْدَهَشَ، أو لم يعْلَمْ بالبِئْرِ،
أمَّا إذا تعَمَّدَ إلْقاءَ نفْسِه مع القَطْعِ بالهَلاكِ، فلا خَلاصَ مِنَ الهَلاكِ، فيكونُ كالمُباشِرِ مِنَ التَّسَبُّبِ. قال فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ إنَّه مُرادُ غيرِه.
قلتُ: الذى يَنْبَغِى أَنْ يُجْزَمَ به، أنَّه مُرادُ الأصحابِ، وكلامُهم يدُلُّ عليه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: قولُه: أَو حفَر بِئْرًا فى فِنائِه، فتَلِفَ به إنْسَانٌ، وجَبَتْ عليه دِيَتُه. مُرادُه، إذا كانَ الحَفْرُ مُحَرَّمًا ؛ وسواءٌ كان فى فِنائِه أو غيرِه، فمُرادُه ضَرْبُ مِثَالٍ لا حَصْرُ المَسْألَةِ فى ذلك. وتقدَّم فى كتابِ الجِنايَاتِ قُبَيْلَ قوْلِه: وشِبْهُ العَمْدِ. فى «الفائِدَةِ الثَّامِنَةِ»: إذا حفَر فى بَيْتِه بِئْرًا وستَرَه ليَقَعَ فيه أحدٌ. وتقدَّم فى أواخِرِ الغَصْبِ فى كلامِ المُصَنِّفِ، إذا حفَرَ فى فِنائِه بِئْرًا لنَفْسِه، أو حفَرَها فى سابِلَةٍ لنَفْعِ المُسْلِمين، ووَقعَ فيها شئٌ، ما حُكْمُه؟
فليُراجَعْ. أَو صَبَّ مَاءً فى طَرِيقٍ، فتَلِفَ به إنْسَانٌ، وجَبَتْ عليه دِيَتُه. هذا المذهبُ مُطْلَقًا وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وقال فى «التَّرْغيبِ»: إنْ رَشَّه لذَهابِ الغُبارِ، فمَصْلَحَةٌ عامَّةٌ، كحَفْرِ بِئْرٍ فى سابِلَةٍ، وفيه رِوايَتان. نقَل ابنُ مَنْصُورٍ، إنْ أَلْقَى كِيسًا فيه وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا، وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا، فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ، فَوَقَعَ فى الْبِئْرِ، دَراهِمَ فى الطَّريقِ، فكإلْقاءِ الحَجَرِ،
وأنَّ كلَّ مَن فَعَل فيها شيئًا ليس مَنْفَعَةً، ضَمِنَ. وتقدَّم فى أواخِرِ الغَصْبِ، لو تَرَكَ طِينًا فى الطَّرِيقِ، أو خَشَبَةً، أو عَمُودًا، أو حَجَرًا، ونحوَ ذلك، فتَلِفَ به شئٌ. فليُراجَعْ. أَو بالَتْ فيها دابَّتُه ويَدُه عليها، فتَلِفَ به إنْسَانٌ، وجَبَتْ عليه دِيَتُه. وهذا المذهبُ؛ سواءٌ كان راكِبًا أو قائِدًا أو سائِقًا، وعليه الأصحابُ.
وقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»: وقِياسُ المذهبِ [لا يضْمَنُه]؛ كمَن سلَّم على غيرِه، أو أمْسَكَ يَدَه، فماتَ، ونحوُه؛ لعدَمِ تأْثِيرِه.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وإنْ حفَر بِئْرًا، ووضَع آخَرُ حَجَرًا، فعثَر به إنْسانٌ، فوَقَع فى البِئْرِ - فَالضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ.
فقد اجْتَمَعَ سبَبان مُخْتَلِفان- فالضَّمانُ على واضِعِ الحَجَرِ. وهذا المذهبُ المَشْهورُ.
وقال فى «الفُروعِ»: وهو أشْهَرُ. وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيرِهم. وقدَّمه فى «المُحَرَّر»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وعنه، الضَّمانُ عليهما. قال فى «الفُروعِ»: فيَتَخَرَّجُ منه ضَمانُ المُتَسَبِّبِ. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه. وجعَله أبو بَكْرٍ كقاتِل ومُمْسِكٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: محَلُّ الخِلافِ، إذا تعَدَّيا بفِعْلِ ذلك،
أمَّا إنْ تعَدَّى أحدُهما، فالضَّمانُ عليه وحدَه. قالَه الأصحابُ. وتقدَّم أحْكامُ البِئْرِ فى آخِرِ الغَصْبِ.
وَإِنْ غَصَبَ صَغِيرًا، فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ، أَوْ أَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ، فَفِيهِ الدِّيَةُ،
وَإِنْ مَاتَ بِمَرَضٍ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
قال: (ولو ألقى على إنسان أفعى، أو ألقاه عليها فقتلته، أو طلب إنساناً بسيف مجرد فهرب منه فوقع في شيء تلف به. بصيراً كان أو ضريراً، أو حفر بئراً في فنائه، أو وضع حجراً، أو صب ماء في طريق، أو بالت فيها دابته ويده عليها، أو رمى قشر بطيخ عليها فتلف به إنسان (٢) : وجبت عليه ديته).
أما كون من ألقى على إنسان أفعى أو ألقاه عليها فقتلته تجب عليه ديته؛ فلأنه عمد إلى قتله بما لا يقتل غالباً. فوجب عليه ديته؛ كما لو غرزه بإبرة فمات.
وأما كون من طلبه بسيف مجرد -أي مشهور- فهرب منه فوقع في شيء فتلف تجب عليه ديته؛ فلأنه هلك بسبب عدوانه. فوجب أن يضمنه؛ كما لو حفر له بئراً أو نصب له سكيناً أو سم طعامه ووضعه في منزله.
وأما كون ذلك كذلك بصيراً كان المتلف أو ضريراً؛ فلاستوائهما في السبب المهلك.
وأما كون من حفر بئراً في فنائه فتلفَ به إنسان تجب عليه ديته؛ فلأن ذلك مروي عن علي. وقضى به شريح.
ولأنه تلف بعدوانه. أشبه ما لو تلف بجنايته.
وقول المصنف رحمه الله:[في فنائه]؛ مشعر بأن الضمان لا يجب إذا حفرها في ملكه. وهو صحيح لأنه إذا حفرها في ملكه لا يعد متعدياً.
وأما كون من فعل ذلك في الصور الباقية فتلف به إنسان تجب عليه ديته؛ فلأن التلف بسبب وضع الحجر وصب الماء وبول الدابة التي عليها يده ورمي القشر وكل ذلك منسوب إلى فاعله. فوجب الدية عليه؛ كالمتسبب إلى القتل بغير ذلك. قال: (وإن حفر بئراً ووضع آخر حجراً فعثر به إنسان فوقع في البئر فالضمان على واضع الحجر) .
أما كون الضمان على واضع الحجر؛ فلأن الحجر كالدافع،
وإذا اجتمع الدافع والحافر فالضمان على الدافع وحده.
وأما كون الحافر لا ضمان عليه؛ فلأن المباشر قطع تسببه.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.