فَإِنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ وَأَنْكَرَ بَعْضٌ لَمْ تَثْبُتِ الْقَسَامَةُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ فِي الْمُدَّعِينَ رِجَالٌ عُقَلَاءُ
Its commentaries
(الرابعُ، ان يكونَ في المُدَّعِين رِجال عُقَلاءُ، ولا مَدخَلَ للنِّساءِ والصِّبْيان والمَجانينِ في القَسامةِ، عَمدًا كان القتلُ أو خَطأً)
أمَّا الصِّبْيانُ فلا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ أنَّهم لا يُقْسِمُون، سواءٌ كانوا مِن الأوْلياءِ أو مُدَّعًى عليهم؛ لأَنَّ الأيْمانَ حُجَّةٌ على الحالف، والصَّبِىُّ لا يثْبُت بقولِه حُجَّةٌ،
ولو أقَرَّ على نفْسِه، لم يُقْبَلْ، فلأَن لا يُقْبَلَ قولُه في حَقِّ غيرِه أوْلَى. والمَجْنُونُ في مَعْناه؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فلا حُكْمَ لقوْلِه.
وأمَّا النِّساءُ فإذا كُنَّ مِن أَهْلِ القَتِيلِ لم يُسْتَخلَفْنَ. وبهذا قال ربيعةُ، والثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، والأوْزاعِىُّ.
وقال مالكٌ: لهنَّ مَدخَلٌ في قَسامةِ الخَطأ دُونَ العَمدِ. قال ابنُ القاسمِ: ولا يُقْسِمُ في العَمْدِ إلَّا اثْنان فصاعِدًا، كما أنَّه لا يُقْتَلُ إلَّا بشاهِدَيْن،
وقال الشَّافعىُّ: يُقْسِمُ كلُّ وارِثٍ بالغٍ؛ لأنَّها يَمِينٌ في دَعوَى، فتُشْرَعُ في حَقِّ النِّساءِ، كسائرِ الأيْمانِ. ولَنا، قولُ النَّبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ، وتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ». ولأنَّها حُجَّة يثْبُتُ بها قَتْلُ العَمدِ، فلا تُسْمَعُ مِن النِّساءِ، كالشَّهادةِ، ولأَنَّ الجِنايةَ المُدَّعاةَ التى تَجِبُ القَسامةُ عليها هى القتلُ، ولا مَدْخَلَ للنِّساءِ في إثْباتِه، وإنَّما يثْبُتُ المالُ ضمنًا، فجَرَى ذلك مَجْرَى رَجُل ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امرأةٍ بعدَ مَوْتِها لِيَرِثَها،
فإنَّ ذلك لا يثْبُتُ بشاهدٍ ويَمِين، ولا بشهادةِ رَجُلٍ وامْرأتَيْنِ،
وإن كان مَقْصودُها المالَ. فأمَّا إن كانتِ المرأةُ مُدَّعًى عليها القتلُ،
فإن قُلْنا: إنَّه يُقْسِمُ مِن العَصَبَةِ رِجالٌ. لم تُقْسِمِ المرأةُ أيضًا؛ لأَنَّ ذلك مُخْتَصٌّ بالرِّجالِ.
وإن قُلْنا: يُقْسِمُ المُدَّعَى عليه. فيَنْبَغِى أن تُسْتَحْلَفَ؛ لأنَّها لا تُثْبِتُ بقَوْلِها حَقًّا ولا قتلًا، وإنَّما هى لتَبْرِئَتِها منه، فَتُشْرَعُ في حَقِّها اليَمِينُ، كما لو لم يكُنْ لَوْث. فعلى هذا، إذا كان في الأوْلياءِ [نِساءٌ و] رِجالٌ، أقْسَمَ الرِّجالُ، وسَقَط حُكمُ النِّساءِ،
وإن كان منهم صِبْيانٌ ورِجالٌ بالِغُونَ، أو كان منهم حاضِرون وغائِبون،
فإنَّ القَسامةَ لا تَثْبُتُ حتى يَحضُرَ الغائِبُ، ويَبْلُغَ الصَّبِىُّ؛ لأَنَّ الحَقَّ لا يثْبُتُ إلَّا بالبَيَنةِ الكاملةِ، والبَيِّنَةُ أيمانُ الأوْلياءِ كلِّهمِ، والأيمانُ لا تَدخُلُها النِّيابَةُ، ولأَنَّ الحَقَّ إن كان قِصاصًا، فلا يُمكِنُ تبْعِيضُه، فلا
فائدةَ في قَسامَةِ الحاضرِ والبالغِ،
وإن كان غيرَه، فلا يثْبُتُ إلَّا بواسِطَةِ ثُبُوتِ القتلِ، وهو لا يتبَعَّضُ أيضًا.
وقال القاضى: إن كان القتلُ عَمْدًا، لم يُقْسِمِ الكبيرُ حتى يَبْلُغَ الصغيرُ، ولا الحاضرُ حتى يَقْدَمَ الغائِبُ؛ لأَنَّ حَلِفَ الكبيرِ الحَاضرِ لا يُفِيدُ شيئًا في الحالِ.
وإن كان مُوجِبًا للمالِ، كالخَطَأ وشِبْهِ العَمدِ، فللحاضِرِ المُكَلَّفِ أن يَحلِفَ، ويَسْتَحِقَّ قِسْطَه مِن الدِّيَةِ. وهذا قولُ أبى بكرٍ، ومذْهبُ الشافعىِّ. واخْتَلفوا في كم يُقْسِمُ الحاضِرُ؟ فقال ابنُ حامدٍ: يُقْسِمُ بقِسْطِه مِن الأيْمانِ،
فإن كان الأوْلِياءُ اثْنَيْن، أقْسَمَ الحاضِرُ خَمسًا وعِشْرين يَمِينًا،
وإن كانوا ثلاثةً، أقْسَمَ سَبْعَ عَشْرةَ يَمِينًا،
وإن كانوا أربعةً، أقسَمَ ثلاثَ عَشْرةَ يَمِينًا، وكلَّما قَدِمَ غائبٌ أقسمَ بقَدر ما عليه، واستَوْفَى حَقَّه؛ لأنَّه لو كان الجميعُ حاضِرين، لم يَلْزَمه أكَثرُ مِن قِسْطِه، فكذلك إذا غاب بعضُهم، كما في سائرِ الحُقوقِ، ولأنَّه لا يَسْتَحِقُّ أكثرَ مِن قِسْطِه [مِن الدِّيَةِ، فلا يَلْزَمُه أكثرُ مِن قِسْطِه مِن الأيمانِ].
وقال أبو بكرٍ: يَخلِف الأَوَّلُ خمسين يَمِينًا. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ الحُكْمَ لا يثْبُتُ إلَّا بالبَيِّنةِ الكاملةِ، والبَيِّنةُ هى الأيمانُ كلُّها، ولذلك لو ادَّعَى أحَدُهما دَيْنًا لأبيهِما، لم يَسْتَحِقَّ نَصِيبَه منه إلَّا بالبَيِّنةِ المُثْبِتَةِ لجميعِه، ولأَنَّ الخمسين في القَسامَةِ كاليَمِينِ الواحدةِ في سائرِ الحُقوقِ،
ولو ادَّعَى مالًا له فيه شَرِكَةٌ، له به شاهِدٌ، لحَلَفَ يَمِينًا كاملةً، [كذا هذا].
فإذا قَدِمَ الثانى، أقْسَمَ خمسًا وعشرين يَمِينًا، وجهًا واحدًا عندَ أبى بكرٍ؛ لأنَّه يَبْنِى على أيْمانِ أخِيه المُتَقَدِّمةِ.
وقال الشافعىُّ: فيه قولٌ آخرُ أنَّه يَخلِفُ خمسين يَمِينًا أيضًا؛ لأَنَّ أخاه إنَّما اسْتَحَقَّ بخَمسين، فكذلك هو. وحُكِىَ نَحوُ ذلك عن أبى بكرٍ والقاضى أيضًا.
فإذا قَدِمَ ثالث، أو بَلَغَ، فعلى قولِ أبى بكرٍ، يَحلِف سبعَ عَشْرَةَ يَمِينًا؛ لأنَّه يَبْنِى على أيمانِ أخَوَيْه ،
وكذلك على أحدِ قَوْلَى الشافعىِّ، وعلى الثانى، يُقْسِمُ خمسين يَمِينًا.
وإن قَدِمَ رابعٌ، فهل يَحلِفُ [ثلاثَ عَشْرةَ] يَمِينًا أو خمسين؟ فيه قَوْلان.
فصل: والخُنْثَى المُشْكِلُ يَحتَمِلُ أن يُقْسِمَ؛ لأَنَّ سبَبَ القَسامةِ وُجِدَ في حَقِّه، وهو الاسْتِحقاقُ مِن الدِّيَةِ، ولم يتَحَقَّقِ المانِعُ مِن يَمِينِه. ويَحتَمِلُ أَنْ لا يُقْسِمَ؛ لأنَّه لا يَحمِلُ مِن العَقْلِ، فلا يثْبُتُ القتلُ بيَمِينِه، كالمرأةِ.
٤٣٦٤ -
(فَإِنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ وَأَنْكَرَ بَعْضٌ) بِأَنْ قَالَ: قَتَلَهُ هَذَا، أَوْ قَالَ الْآخَرُ: لَمْ يَقْتُلْهُ هَذَا، أَوْ قَالَ: بَلْ قَتَلَهُ هَذَا الْآخَرُ (لَمْ تَثْبُتِ الْقَسَامَةُ) نَصَّ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُكَذِّبُ عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا، لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِتَبْرِئَةِ مَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ بِقَتْلٍ، كَمَا لَوِ ادَّعَيَا دَيْنًا لَهُمَا.
[الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُدَّعِينَ رِجَالٌ عُقَلَاءُ] (الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ فِي الْمُدَّعِينَ رِجَالٌ عُقَلَاءُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ» . وَلِأَنَّ الْقَسَامَةَ حُجَّةٌ يَثْبُتُ بِهَا قَتْلُ الْعَمْدِ، فَاعْتُبِرَ كَوْنُهَا مِنْ رِجَالٍ عُقَلَاءَ كَالشَّهَادَةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمُرْتَدُّ وَقْتَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ الْحُرِّ، لِعَدَمِ إِرْثِهِ،
وَلَوْ أَسْلَمَ، بَلْ بَعْدَ مَوْتِهِ
الرَّابعُ، أَنْ يَكُونَ فى المُدَّعِين رِجَالٌ عُقَلَاءُ، ولا مَدخَلَ للنِّسَاءِ والصِّبْيانِ والمجَانِينِ فى القَسامَةِ، عمدًا كانَ أو خَطَأً. وهذا المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقَطَعُوا به. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. وعندَ ابنِ عَقِيلٍ، للنِّساءِ مَدخَلٌ فى القَسامَةِ فى قَتْلِ الخَطأ. فعلى المذهبِ، إنْ كانَ فى الأوْلياءِ نِسَاءٌ، أقْسَمَ الرِّجالُ فقط،
وإنْ كانَ الجميعُ نِساءً، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهو كما لو نكَل الوَرَثَةُ.
فائدة: لا مَدخَلَ للخُنْثَى فى القَسامَةِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذْهبِ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّر». وصحَّحه فى فَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا غَائب أَوْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَلِلْحَاضِرِ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَخلِفَ وَيَسْتَحِقَّ نَصيبَهُ مِنَ الدِّيَةِ. وهلْ يَحْلِفُ «النَّظْمِ». وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن».
وقيل: بلَى. وأَطْلَقَهما فى «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرحِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ».
قال: (الرابع: أن يكون في المدعين رجال عقلاء. ولا مدخل للنساء والصبيان والمجانين في القسامة عمداً كان القتل أو خطأ) .
أما كون الرابع من شروط القسامة أن يكون في المدعين رجال؛ فلأن الدال عليها حديث خيبر، [وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«يقسمُ خمسون رجلاً منكم»] . ولأن أيمان القسامة حجة يثبت بها قتل العمد. فاعتبر كونها من رجال؛ كالشهادة.
وأما كون النساء لا مدخل لهم في القسامة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر النساء في الحديث المتقدم.
ولأن القسامة حجة موجبها القتل. فلم تسمع من النساء؛ كالشهادة.
ولأن الجناية المدّعاة التي تجب القسامة عليها هي القتل، ولا مدخل للنساء في إثباته.
وأما كون الصبيان والمجانين لا مدخل لهم فيها؛ فلأن الأيمان في القسامة حجة للحالف، والصبي والمجنون لا يثبت بقولهما حجة،
ولو أقرا على أنفسهما لم يقبل. فلئلا يقبل قولهما في حق غيرهما بطريق الأولى.
وأما كونهم لا مدخل لهم فيها عمداً كان القتل أو خطأ؛ فلأن الخطأ أحد القتلين. أشبه الآخر.
فإن قيل: الخطأ يثبت المال، وللنساء في ثبوت المال مدخل.
قيل: المال يثبت ضمناً لثبوت القتل، ومثل ذلك لا يثبت بالنساء. دليله ما لو ادعى رجل زوجية امرأة بعد موتها ليرثها فأقام رجلاً وامرأتين فإنه لا يقبل لكون المال إنما يثبت ضمناً لثبوت النكاح. فكذا هاهنا يجب أن لا يكون للنساء مدخل في القسامة في الخطأ؛ لأن المال إنما يثبت ضمناً لثبوت القتل.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.