وَلَا يَضْمَنُ أَهْلُ الْعَدْلِ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَيْهِمْ حَالَ الْحَرْبِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ وَهَلْ يَضْمَنُ الْبُغَاةُ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ فِي الْحَرْبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ
Its commentaries
مسألة: (ولا يَضْمَنُ أهْلُ العَدْلِ ما أتْلَفُوه عليهم حال الحَرْبِ، مِن نَفْس أو مالٍ. وهل يَضْمَنُ البُغَاةُ ما أتْلَفُوهُ على أهلِ العَدْلِ في الحربِ؟ على رِوايَتَين) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا لم يُمْكِنْ دَفْعُ أهلِ البَغْي إلَّا بقَتْلِهم، جازَ، ولا شيءَ على مَن قَتَلَهم؛ مِن إثْمٍ، ولا ضَمانٍ، ولا كَفَّارَةٍ؛ لأنَّه فَعَل ما أُمِرَ به، وقَتَل مَن أحَلَّ اللهُ قَتْلَه،
وكذلك ما أتْلَفَه أهلُ العَدْلِ على أهْلِ البَغْي حال الحربِ مِن المالِ، لا ضَمانَ فيه؛ لأنَّهم إذا لم يَضْمَنُوا الأنْفُسَ، فالأمْوالُ أوْلَى.
فصل: وإن قُتِل العادِلُ، كان شَهِيدًا؛ لأنَّه قُتِلَ في قِتالٍ أمَرَ اللهُ تعالى به بقَوْلِه سبحانَه:{فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي}. وهل يُغَسَّلُ ويُصَلَّى عليه؟ فيه رِوايَتان؛ إحداهُما، لا يُغَسَّلُ، ولا يُصَلَّى عليه؛ لأنَّه شَهِيدُ مَعْرَكَةٍ أُمِرَ بالقِتالِ فيها، فأشْبَهَ شَهِيدَ معركةِ الكُفَّارِ. والأخْرَى، يُغَسَّلُ ويُصَلَّى عليه. وهو قولُ الأوْزاعِيِّ، وابنَ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بالصلاةِ على مَن قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ . واسْتَثْنَى قتِيل الكُفَّارِ في المَعْرَكةِ ، ففيما عَداهُ يَبْقَى على الأصْلِ، ولأنَّ شَهِيدَ مَعْركةِ الكُفَّارِ أجْرُه أعظمُ، وفَضْلُه أكثرُ، وقد جاءَ أنَّه يُشَفَّعُ في سبعينَ مِن أهل بيتِه ، وهذا لا يَلْحَقُ به في فضْلِه، فلا يَثْبُتُ فيه مثلُ حُكْمِه؛
لأن الشيءَ إنَّما يُقاسُ على مثلِه. فصل: وليس على أهلِ البَغْي أيضًا ضَمانُ ما أتْلَفُوه حال الحربِ؛ مِن نفس ولا مالٍ. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، في أحدِ قَوْلَيه. وعن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، رِوايَة ثانيةٌ، أنَّهم يَضْمَنونَ، وهو القولُ الثاني للشافعيِّ؛ لقولِ أبي بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، لأهْلِ الرِّدَّةِ: تَدُونَ قَتْلَانا، ولا نَدِي قَتْلاكُم . ولأنَّها نفوسٌ وأمْوالٌ مَعْصُومةٌ، أُتْلِفَتْ بغيرِ حَقٍّ ولا ضَرورةِ دَفْعِ مُباحٍ، فوَجَبَ ضَمانُه، كالذي تَلِف في غيرِ حالِ الحربِ.
ولَنا، ما روَى الزُّهْرِيُّ، أنَّه قال: كانتِ الفِتْنَةُ العُظْمَى بينَ النَّاسِ، وفيهم البَدْرِيُّونَ، فأجْمَعُوا على أنَّ لا يُقامَ حَدٌّ على رجل ارْتَكَبَ فَرْجًا حَرامًا بتَأْويلِ القُرْآنِ، ولا يَغْرَمَ مالًا أتْلَفَه بتَأْويلِ القُرْآنِ . ولأنَّها طائفةٌ مُمْتَنِعَةٌ بالحربِ، بتَأْويل سائغٍ، فلم تَضْمَنْ ما أتْلَفَتْ على الأخْرَى، كأهْلِ العَدْلِ، ولأنَّ تضْمِينَهم يُفْضِي إلى تَنْفِيرِهم عن الرُّجوعِ إلى الطَّاعةِ، فلا يُشْرَعُ، كتَضْمِينِ أهلِ الحربِ.
فأمَّا قولُ أبي بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، فقد رَجَع عنه، ولم يُمْضِه،
فإنَّ عمرَ قال له: أمَّا أنَّ يَدُوا قَتْلانا فلا؛
فإنَّ قَتْلانا قُتِلُوا في سَبيلِ اللهِ، على ما أمَرَ اللهُ. فوَافَقَه أبو بكرٍ، ورَجَع إلى قولِه، فصارَ إجْمَاعًا حُجَّةً لنا ، ولم يُنْقَلْ أنَّه غَرَّمَ أحدًا شيئًا مِن ذلك. وقد قَتَل طُلَيحَةُ عُكَّاشَةَ بنَ مِحْصَن، وثابتَ بنَ أقْرَمَ ، ثم أسْلَمَ، فلم يُغَرَّمْ شيئًا . ثم لو وَجَب التَّغْرِيمُ في حَقِّ المُرْتَدِّين، لم يَلْزَمْ مثلُه ههُنا،
فإنَّ أُولئك كُفَّارٌ، لا تأويلَ لهم، وهؤلاء طائفةٌ مِن المسلمين لهم تأويلٌ سائغٌ، فكيف يَصِحُّ إلْحاقُهم بهم !
٤٥٦٦ -
(وَلَا يَضْمَنُ أَهْلُ الْعَدْلِ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَيْهِمْ حَالَ الْحَرْبِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ) لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنُ دَفْعُ الْبُغَاةِ إِلَّا بِقَتْلِهِمْ جَازَ، وَلَا شَيْءَ عَلَى قَاتِلِهِمْ مِنْ إِثْمٍ، وَلَا ضَمَانٍ، وَلَا كَفَّارَةٍ، لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ، كَمَا لَوْ قَتَلَ الصَّائِلَ عَلَيْهِ (وَهَلْ يَضْمَنُ الْبُغَاةُ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ فِي الْحَرْبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا ضَمَانَ، قَدَّمَهَا فِي " الْكَافِي " وَ " الْفُرُوعِ "، وَنَصَرَهَا فِي " الشَّرْحِ "، وَالْقَاضِي فِي " الْخِلَافِ "، وَصَحَّحَهَا، لِقَوْلِ الزُّهْرِيِّ: هَاجَتِ الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَوَافِرُونَ، فَأَجْمَعُوا أَنْ لَا يُقَادَ أَحَدٌ، وَلَا يُؤْخَذُ مَالٌ، عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إِلَّا مَا وُجِدَ بِعَيْنِهِ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَاحْتَجَّ بِهِ، رَوَاهُ الْخَلَّالُ، قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنْهُمْ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَلِأَنَّ تَضْمِينَهُمْ يُفْضِي إِلَى تَنْفِيرِهِمْ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الطَّاعَةِ، فَسَقَطَ كَأَهْلِ الْحَرْبِ، وَكَأَهْلِ الْعَدْلِ.
وَالثَّانِيَةُ: يَضْمَنُونَ، جَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ لِأَهْلِ الرِّدَّةِ: تُودُونَ قَتْلَانَا، وَلَا نُودِي قَتْلَاكُمْ، وَلِأَنَّهَا نُفُوسٌ، وَأَمْوَالٌ مَعْصُومَةٌ أُتْلِفَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا ضَرُورَةِ دَفْعٍ مُبَاحٍ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ كَالَّذِي تَلِفَ في غير حَالَ الْحَرْبِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجَعَ عَنْهُ إِلَى قَوْلِ عُمَرَ وَلَمْ يُمْضِهِ، ثُمَّ لَوْ وَجَبَ التَّعْزِيرُ فِي حَقِّ الْمُرْتَدِّينَ لَمْ يَلْزَمْ مِثْلُهُ هُنَا،
فَإِنَّ هَؤُلَاءِ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ تَأْوِيلٌ سَائِغٌ، وَأُولَئِكَ كُفَّارٌ لَا تَأْوِيلَ لَهُمْ،
وَإِذَا ضَمِنَ الْمَالَ، فَفِي الْقَوَدِ وَجْهَانِ،
فَإِنْ أَهْدَرَ فَالْقَوَدُ أَوْلَى
ولا يضْمَنُ أهْلُ العَدْلِ ما أتْلَفُوه عليهم حال الحَرْبِ، مِن نَفْس أو مالٍ. بلا نِزاعٍ. وتقدَّم في كفَّارَةِ القَتْلِ، هل يجبُ على القاتِلِ كفَّارَةٌ، أمْ لا؟ وهل يَضمَنُ البُغاةُ ما أتْلَفُوه على أهْلِ العَدْلِ في الحَرْبِ؟ على رِوايَتَين. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. .
وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الهادِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»؛ إحْداهما، لا يضْمَنُون. وهو المذهبُ. صحَّحه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ». قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المذهبُ. وجزَم به في «الوَجيزِ». واخْتارَه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . .
ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وجزَم به في «المُنَوِّرِ»، و «المُنْتَخَبِ»، وغيرِهما. وقدَّمه في «الكافِي»، و «الفُروعِ»، وغيرِهما.
قلتُ: فيُعايَىَ بها. وَمَنْ أتْلَفَ في غَيرِ حَالِ الْحَرْبِ شَيئًا، ضَمِنَهُ.
والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، يضْمَنُون. صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «الخُلاصَةِ». وجزَم به في «الوَجيزِ». فعلى الروايَةِ الثَانيةِ، في القَوَدِ وَجْهان. وأَطْلَقهما في «الفُروع».
قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: قلتُ: إنْ ضُمِنَ المالُ، احْتَملَ القَوَدُ وَجْهَين. انتهى.
قلتُ: الصَّوابُ وُجوبُ القَوَدِ. والوَجْهان أيضًا في تحَتُّم القَتْلِ بعدَها. قاله في «الفُروع». وَمَا أَخَذُوا في حَالِ امْتِنَاعِهِمْ، مِنْ زَكَاةٍ، أَوْ خَرَاجٍ، أَوْ جِزْيَةٍ، لَمْ يُعَدْ عَلَيهِمْ وَلَا عَلَى صَاحِبِهِ.
فائدة: قولُه: وما أَخَذُوا في حالِ امْتِناعِهم، مِن زَكاةٍ، أو خَراجٍ، أو جِزْيَةٍ، لم يُعَدْ عليهم ولا على صاحِبِه. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّهُ يُجْزِئُ دَفْعُ الزَّكاةِ إلى الخَوارجِ والبُغاةِ. نصَّ عليه في الخَوارجِ إذا غَلَبُوا على بَلَدٍ، وأخَذُوا منه العُشْرَ، وقَع مَوْقِعَه. قال القاضي في «الشَّرْحِ»: هذا مَحْمولٌ على أنَّهم خرَجُوا بتَأويلٍ.
وقال في مَوْضِعٍ: إنَّما يُجْزِئُ أخْذُهم، إذا نصَّبُوا لهم إمامًا.
قال في «الفُروعِ»: وَمَنِ ادَّعَى دَفْعَ زَكَاتِهِ إِلَيهِمْ، قُبِلَ بِغَيرِ يَمِينٍ.
وَإنِ ادَّعَى ذِمِّيٌّ دَفْعَ جِزْيَتهِ إِلَيهِمْ، لَمْ يُقْبَلْ إلا بِبَيِّنَةٍ.
وظاهِرُ كلامِه في مَوْضِع مِن «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»، أنَّه لا يُجْزِئُ الدَّفْعُ إليهم اخْتِيارًا. وعنَ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه الله، التَّوَقُّفُ فيما أخَذَه الخَوارِجُ مِنَ الزَّكاةِ.
وقال القاضي: وقد قيل: تجوزُ الصَّلاةُ خَلْفَ الأئمَّةِ الفُسَّاقِ،
ولا يجوزُ دَفْعُ الأعْشارِ والصَّدَقاتِ إليهم، ولا إقامَةُ الحُدودِ. وعنِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه الله، نحوُه.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.