وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَصْلُحُ نَقَضَ أَحْكَامَهُ وَإِنْ وَافَقَتِ الصواب وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَنْقُضَ الصَّوَابَ مِنْهَا
Its commentaries
فصل: فإن نَذَر ذَبْحَ نَفْسِه، أو أجْنَبِيٍّ، ففيها أيضًا عن أحمدَ رِوايَتان، فنَقَل ابنُ مَنْصُورٍ عن أحمدَ، في مَن نَذَر ذَبْحَ نفْسِه إذا حَنِث: يَذْبَحُ شاةً،
وكذلك إن نَذَر ذَبْحَ أجْنَبِيٍّ؛ لأنَّ ذلك يُرْوَى عن ابنٍ عباسٍ. والذي قال: أنا أنْحَرُ فُلانًا. فقال: عليه كَبْشٌ. ولأنَّه نَذَر ذبْحَ آدَمِيٍّ، فكان عليه ذَبْحُ كَبْشٍ، كنَذْرِ ذَبْحِ ابْنِه. والثانِيَةُ، عليه كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ لأنَّه نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، فكان مُوجَبُه كَفَّارَةً؛ لِما ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ. ورَوَى الجُوزْجَانِيُّ، بإسْنادِه عن الأوْزاعِيِّ، قال: حَدَّثَنِي أبو عُبَيدٍ، قال: جاءَ رجلٌ إلى ابنِ عمرَ، فقال: إنِّي نَذَرْتُ أن أنْحَرَ نَفْسِي. قال : فتَجَهَّمَه ابنُ عمرَ، وأفَّفَ منه، ثم أتَى ابنَ عباسٍ، فقال له: أهْدِ مِائَةَ بَدَنَةٍ .
ثم أتَى عبدَ الرحمنِ بنَ الحارِثِ بنِ هِشامٍ، فقال: أَرَأَيتَ لو نَذَرْتَ أن لا تُكَلِّمَ أباكَ أو أخاكَ؟ إنَّما هذه خُطْوَةٌ مِن خُطُواتِ الشَّيطانِ، اسْتَغْفِرِ اللهَ، وتُبْ إليه. فرَجَعَ إلى ابنِ عباسٍ فأخْبَرَه، فقال: أصابَ عبدُ الرحمنِ. ورَجَع ابنُ عباسٍ عن قَوْلِه.
والصحيحُ أنَّ هذا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، حُكْمُه حُكْمُ نَذْرِ سائِرِ المعاصِي لا غيرُ.
فصل: قال أحمدُ، في امرأةٍ نَذَرَت نَحْرَ وَلَدِها، ولها ثلاثةُ أوْلادٍ: تَذْبَحُ عن كلِّ واحدٍ كَبْشًا، وتُكَفِّرُ عن يَمينِها. وهذا على قولِنا: إنَّ كفَّارَةَ نَذْرِ ذَبْحِ الوَلَدِ ذَبْحُ كبشٍ. جُعِل عن كلِّ واحدٍ؛ لأنَّ لَفْظَ الواحِدِ إذا أُضِيف اقْتَضَى التَّعْمِيمَ، فكان عن كلِّ واحدٍ كَبْشٌ.
فإن عَيَّنَتَ بنَذرِها واحِدًا فإنَّما عليها كَبْشٌ واحدٌ، بدليلِ أنَّ إبراهيمَ - عليه السلام -، لَمَّا أُمِرَ بذَبْحِ ابْنِه الواحدِ، فُدِي بكَبْشٍ واحدٍ، ولم يُفْدَ غيرُ مَن أُمِرَ بذَبْحِه مِن أوْلادِه، كذا ههُنا، وعبدُ المُطَّلِبِ لَمَّا نَذَر ذَبْحَ ابنٍ مِن بَنِيه إن بَلَغُوا عَشَرَةً، لم يَفْدِ منهم إلَّا واحِدًا. وسَواءٌ نَذَرَتْ مُعَينَّا أو عَيَّنَتَ واحدًا غيرَ مُعَيَّنٍ،
فأمَّا قولُ أحمدَ: وتُكَفِّرُ يَمِينَها. فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّ ذَبْحَ الكِباشِ كَفَّارَةُ يَمينِها . ويَحْتَمِلُ أنَّه كان مع نَذْرِها يَمِينٌ.
فأمَّا على الرِّوايَةِ الأُخرَى، تُجْزِئُها كَفَّارَةُ يَمِينٍ، على ما سَبَق.
٤٧٩٩ - مسألة: (ويَحْتَمِلُ أن لا يَنْعَقِدَ نَذْرُ المُباحِ ولا المَعْصِيَةِ، ولا تَجِبُ به كَفَّارَةٌ، ولهذا قال أصحابُنا: مَن نَذَر الاعْتِكافَ أو الصلاةَ في مَكانٍ مُعَيَّن، فله فِعْلُهُ في غَيرِه، ولا كَفَّارَةَ) وقد رُويَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على ذلك، فَإنَّه
قال في مَن نَذَر لَيَهْدِمَنَّ دارَ غيرِه لَبِنَةً لَبِنَةً: لا كَفَّارَةَ عليه [وهذا في معناه. و] رُويَ هذا عن مَسْرُوقٍ، والشَّعْبِيِّ. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللهِ، ولَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ». رَواه مسلمٌ .
والمذهبُ أنَّ عليه الكَفَّارَةَ، وقد ذَكَرْناه في نَذْرِ المُباحِ. ووَجْهُه ما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال:«لَا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ، وكَفَّارَتُه كَفَّارَةُ يَمِينٍ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ ،
وقال: هذا حديثٌ غَرِيبٌ.
فصل: وإن نَذَر فِعْلَ طاعَةٍ وما ليس بطاعَةٍ، لَزِمَه فِعْلُ الطَّاعَةِ، كالذي في خَبَرِ أبي إسْرائيلَ ،
فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَه بإتْمامِ الصَّوْمِ، وتَرْكِ ما سِوَاه؛ لكَوْنِه ليس بطاعَةٍ.
وفي وُجوبِ الكَفَّارَةِ لِمَا تَرَكَه رِوايتان، على ما ذَكَرْناه. وقد رَوَى عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، أنَّ أُخْتَه نَذَرَتْ أن تَمْشِيَ إلى بيتِ اللهِ الحَرامِ حافِيَةً غيرَ مُخْتَمِرَةٍ، فذَكَر عُقْبَةُ ذلك لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «مُرْ أُخْتَكَ فَلْتَرْكَبْ، وَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ». رَواه الجُوزْجَانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ .
فإن كان المَتْرُوكُ خِصالًا كثيرةً ، أجْزَأتْه كَفَّارَةٌ واحدةٌ؛ لأنَّه نَذْرٌ واحدٌ، فتكونُ كفَّارَتُه واحِدَةً، كاليمينِ الواحدةِ على أفْعالٍ، ولهذا لم يَأْمُرِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أُخْتَ عُقْبَةَ بنِ عامِر في تَرْكِ التَّحَفِّي والاخْتِمارِ، بأكثرَ مِن كَفَّارَةٍ.
٤٨٠٠ -
مسألة: (وإن كان ممَّن لا يَصْلُحُ، نَقَض أحْكامَه وإن وَافَقَتِ الصَّحِيحَ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَنْقُضَ الصَّوابَ منها)
أمَّا إذا كان القاضي قبلَه لا يَصْلُحُ للقضاءِ، نَقَضَ قَضاياه كلَّها، ما أخْطأ فيها وما أصاب. ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ وُجُودَ قَضائِه كعَدَمِه. قال شيخُنا : تُنْقَضُ قَضاياه المخالِفَةُ للصَّوابِ كلُّها، سواءٌ كانت ممَّا يَسُوغُ فيه الاجْتِهادُ أو لا يَسُوغُ؛ لأنَّ حُكْمَه غيرُ صحيحٍ، وقضاؤُه كَلَا قضاءٍ، لعَدَمِ شَرْطِ القضاءِ فيه، وليس في نَقْضِ قَضاياه نَقْضُ الاجْتِهادِ بالاجْتِهادِ ؛ لأنَّ الأوَّلَ ليس باجْتهادٍ. ولا ينْقضُ ما وافَقَ الصَّوابَ؛
لعَدَمِ الفائدةِ في نَقْضِه، فإنَّ الحقَّ وَصَل إلى مُسْتَحِقِّه،
ولو وَصَل الحَقُّ إلى مُسْتَحِقِّه بطريقِ القَهْرِ مِن غيرِ حُكْمٍ، لم يُغَيِّرْ ذلك، فكذلك إذا كان بقَضاءٍ وُجُودُه كعَدَمِه. ٤٨٦٥ -
(وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَصْلُحُ نَقَضَ أَحْكَامَهُ وَإِنْ وَافَقَتِ الصواب) فِي الْأَشْهَرِ فِي الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَضَاؤُهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ لِفَقْدِ شَرْطِ الْقَضَاءِ فِيهِ. (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَنْقُضَ الصَّوَابَ مِنْهَا) قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ الْحَقَّ وَصَلَ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، فَلَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ.
فَرْعٌ: إِذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ، حَكَمَ بِمَا يُغَيِّرُ اجْتِهَادَهُ إِلَيْهِ،
وَكَذَا إِنْ بَانَ فِسْقُ الشُّهُودِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ لَمْ يَحْكُمْ بِهَا،
وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ لَمْ يَنْقُضْهُ.
فَائِدَةٌ: يَنْظُرُ فِي أُمَنَاءِ الْحَاكِمِ قَبْلَهُ،
فَمَنْ فَسَقَ عَزَلَهُ، وَيَضُمُّ إِلَى الضَّعِيفِ أَمِينًا وَلَهُ إِبْدَالُهُ، ثُمَّ فِي الضَّوَالِّ وَاللُّقَطَةِ.
[إِنِ اسْتَعْدَاهُ عَلَى الْقَاضِي خَصْمٌ لَهُ]
وإِنْ كانَ مِمَّن لا يَصْلُحُ، نَقَضَ أَحْكامَه. هذا المذهبُ. وعليه أكثرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحابِ. نقَل عَبْدُ اللهِ، إنْ لم يكُنْ عَدْلًا، لم يُجِزْ حُكْمَه. وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قال في «تَجْريدِ العِنايةِ»: هذا الأشْهَرُ.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَنْقُضَ الصَّوابَ منها. واخْتارَه المُصَنِّفُ، وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»، والشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وغيرُهم. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ». وقدَّمه في «التَّرْغيبِ». وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وأبي بَكْرٍ، وابنِ عَقِيلٍ، وابنِ البَنَّا، حيثُ أَطْلَقوا أنَّه لا يَنْقُضُ مِن الحُكْمِ إلَّا ما خالفَ كِتابًا أو سُنَّةً أو إجْماعًا.
قلتُ: وهو الصَّوابُ، وعليه عَمَلُ النَّاسِ مِن مُدَدٍ، ولا يسَعُ النَّاسَ غيرُه. وهو قولُ أبي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ، رحِمَهُما اللهُ.
وأمَّا إذا خالفَتِ الصَّوابَ، فإنَّها تُنْقَضُ بلا نِزاعٍ.
قال في «الرِّعايةِ»: ولو ساغَ فيها الاجْتِهادُ.
فائدتان؛ إحْداهما، حُكْمُه بالشَّيءِ حُكْمٌ بلازِمِه. ذكَرَه الأصحابُ في المَفْقُودِ.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ وَجْهٌ. يعْنِي؛ أنَّ الحُكْمَ بالشَّيءِ لا يكونُ حُكْمًا بلازِمِه.
وقال في «الانْتِصارِ»، في لِعانِ عَبْدٍ: في إعادَةِ فاسِقٍ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شَهادَتُه لا تُقْبَلُ؛ لأنَّ رَدَّه لها حُكْمٌ بالرَّدِّ، فقَبُولُها نقْضٌ له فلا يجوزُ،
بخِلافِ رَدِّ صَبِيٍّ وعَبْدٍ، لإِلْغاءِ قوْلِهما.
وقال في «الانْتِصارِ» أيضًا في شَهادَةٍ في نِكاحٍ: لو قُبِلَتْ، لم يكُنْ نَقْضًا للأَوَّلِ،
فإنَّ سَبَبَ الأَوَّلِ الفِسْقُ، وزال ظاهِرًا، لقَبُولِ سائرِ شَهاداتِه.
وإذا تَغَيَّرَتْ صِفَةُ الواقِعَةِ فتَغَيَّرَ القَضاءُ بها، لم يكُنْ نقْضًا للقَضاءِ الأوَّلِ، بل رُدَّتْ للتُّهْمَةِ؛ لأنَّه صارَ خَصْمًا فيه، فكأَنَّه شَهِدَ لنَفْسِه، أو لوَلِيَّه.
وقال في «المُغْنِي»: ردُّ شهادةِ الفاسقِ باجتهادِه. فقبولُها نقضٌ له.
وقال الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، في رَدِّ عَبْدٍ: لأنَّ الحُكْمَ قد مضَى، والمُخالفَةُ في قَضِيَّةٍ واحدَةٍ نقْضٌ مع العِلْمِ.
وإنْ حكَم ببَيِّنَةِ خارِجٍ، أو جَهِلَ عِلْمَه ببَيِّنَةِ داخِلٍ، لم يُنْقَضْ؛ لأنَّ الأَصْلَ جَرْيُه على العَدْلِ والصِّحَّةِ. ذكَرَه المُصنِّفُ في «المُغْنِي» في آخِرِ فُصولِ مَنِ ادَّعَى شيئًا في يَدِ غيرِه .
قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ وَجْهٌ. يعْنِي بنَقْضِه.
الثَّانيةُ، ثُبوتُ الشيءِ عندَ الحاكمِ ليسَ حُكْمًا به. على ما ذكَرُوه في صِفَةِ السِّجِلِّ،
وفي كتابِ القاضي، على ما يأْتِي. وكلامُ القاضي هناك يُخالِفُه. قال ذلك في «الفُروعِ» وقد دلَّ كلامُه في «الفُروعِ» في بابِ كتابِ القاضِي إلى القاضِي، أنَّ في الثُّبوتِ خِلافًا؛ هل هو حُكْمٌ، أمْ لا؟
بقَوْلِه في أوائلِ البابِ: فإنْ حكَم المالِكِيُّ للخِلافِ في العَمَلِ بالخَطِّ، فلحَنْبَلِيٍّ تنْفِيذُه،
وإنْ لم يحْكُمِ وَإِنِ اسْتَعْدَاهُ عَلَى القَاضِي خَصْمٌ لَهُ، أَحْضَرَهُ.
وَعَنْهُ، لَا يُحْضِرُهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ لِمَا ادَّعَاهُ أَصْلًا.
المالِكِيُّ، بل قال: ثَبَتَ كذا. فكذلك؛ لأنَّ الثُّبوتَ عندَ المالِكِيِّ حُكْمٌ.
ثُمَّ إنْ رأَى الحَنْبَلِيُّ الثُّبوتَ حُكْمًا، نفَّذَه، وإلَّا فالخِلافُ. ويأْتِي في آخرِ البابِ الذي يَلِيه، هل تنْفِيذُ الحاكمِ حُكْمٌ، أمْ لا؟.
وإِذا اسْتَعْداه أَحَدٌ على خَصْمٍ له، أَحْضَرَه. يعْنِي، يَلْزَمُه إحْضارُه. وهذا المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال في «الهِدايةِ»: هذا اخْتِيارُ عامَّةِ شُيوخِنا.
قال في «الخُلاصةِ»: وهو الأصحُّ. قال النَّاظِمُ: وهو الأَقْوَى. قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: وهو المذهبُ. واخْتارَه أبو بَكْرٍ، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهم. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ». وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعنه، لا يُحْضِرُه حتى يعْلَمَ أنَّ لِما ادَّعاه أصْلًا. وقدَّمه في «الحاوي». وهو ظاهرُ ما قدَّمه في «الرِّعايةِ الصُّغرى». وصحَّحه في «النَّظْمِ». وأَطْلَقهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى»، و «المُحَرَّرِ».
فلو كان لِما ادَّعاه أصْلٌ، بأَنْ كانَ بينَهما مُعامَلَةٌ، أحْضَره.
وفي اعْتِبارِ تحْريرِ الدَّعْوَى لذلك قبلَ إحْضارِه وَجْهان. وأَطْلَقهما في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى».
قال في «الفُروعِ»: ومَنِ اسْتَعْداهُ على خَصْمٍ في البَلَدِ، لَزِمَه إحْضارُه.
وقيل: إنْ حرَّر دَعْواه.
وقال في «المُحَرَّرِ»: ومَن اسْتَعْداهُ على خَصْمٍ حاضرٍ في البَلَدِ، أحْضَرَه، لكِنْ في اعْتِبارِ تحْريرِ الدَّعْوى وَجْهان. فظاهِرُ كلامِ صاحبِ «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، أنَّ المَسْألتَين مسْألَةٌ واحدةٌ، وجَعَلا الخِلافَ فيها وَجْهَين. وحكَى صاحِبُ «الهِدايَةِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُذْهَبِ»، والمُصَنِّفُ، وغيرُهم، هل يُشْتَرَطُ في حُضورِ الخَصْمِ أنْ يعْلَمَ أنَّ لِما ادَّعاه الشَّاكِي أصْلًا، أمْ لا؟ ولم يَذْكُروا تحْرِيرَ الدَّعْوَى، فالظَّاهِرُ أنَّ هذه مسْألَةٌ وهذه مسْأَلَةٌ. فعلى القَوْلِ بأنَّه يُشْتَرَطُ أنْ يعْلَمَ أنَّ لِما ادَّعاه أصْلًا، يُحْضِرُه، لكِنَّ في اعْتِبارِ تحْرِيرِ الدَّعْوى قبلَ إحْضارِه الوَجْهَين. وذكَرهما في «الرِّعايةِ الكُبْرى» مسْأَلَتَين،
فقال: وإنِ ادَّعَى على حاضِرٍ في البَلَدِ، فهل له أنْ يُحْضِرَه قبلَ أنْ يعْلَمَ أنَّ بينَهما مُعامَلَةً فيما ادَّعاه؟ على رِوايتَين،
وإنْ كان بينَهما مُعامَلَةٌ، أحْضَرَه أو وَكِيلَه.
وفي اعْتِبارِ تحْريرِ الدَّعْوى لذلك قبلَ إحْضارِه وَجْهان. انتهى. وهو الصَّوابُ. وذكَرَ في «الرِّعايةِ الصُّغْرى» و «الحاوي الصَّغِيرِ» المَسْألَةَ الثَّانيةَ طريقَةً.
فائدتان؛ إحْداهما، لا يُعْدَى حاكمٌ في مِثْلِ ما لا تَتْبَعُه الهِمَّةُ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقال في «عُيونِ المَسائلِ»: ولا يَنْبَغِي للحاكمِ أنْ يسْمَعَ شَكِيَّةَ أحَدٍ إلَّا ومعه خَصْمُه، هكذا وَرَدَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - .
وَإِنِ اسْتَعْدَاهُ عَلَى القَاضِي قَبْلَهُ، سَأَلَهُ عَمَّا يَدَّعِيهِ،
فَإِنْ قَال: لِي عَلَيهِ دَينٌ مِنْ مُعَامَلَةٍ، أَوْ رِشْوَةٌ. رَاسَلَهُ،
فَإِنِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ، أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ،
وَإِنْ أَنْكَرَ، وَقَال: إِنَّمَا يُرِيدُ تَبْذِيلِي.
فَإِنْ عَرَفَ لِمَا ادَّعَاهُ أَصْلًا، أَحْضَرَه، وَإِلَّا فَهَلْ يُحْضِرُه؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
الثَّانيةُ، متى لم يَحْضُرْ، لم يُرَخِّصْ له في تَخَلُّفِه، وإلَّا أعْلَمَ به الوالِيَ،
ومتى حضَرَ، فله تأْدِيبُه بما يراه.
تنبيه: مُرادُ المُصَنِّفِ هُنا وغيرِه، إذا اسْتَعْداه على حاضِرٍ في البَلَدِ.
أمَّا إنْ كانَ المُدَّعَى عليه غائبًا، فيَأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ، في أوَّلِ الفَصْلِ الثَّالثِ مِن البابِ الآتِي بعدَ هذا.
وكذا إذا كان غائبًا عنِ المَجْلِسِ، ويأْتِي هناك أيضًا.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.