فَأَمَّا جِبَايَةُ الْخَرَاجِ وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ وَلَهُ طَلَبُ الرِّزْقِ لِنَفْسِهِ وَأُمَنَائِهِ وَخُلَفَائِهِ مَعَ الْحَاجَةِ
Its commentaries
فصل: قال الشَّيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (وإذا ثَبَتَتِ الولايةُ وكانت عامَّةً، اسْتفاد بها النَّظَرَ في عَشَرَةِ أشياءَ؛ فَصْلُ الخُصُوماتِ، واسْتِيفاءُ الحَقِّ ممَّن هو عليه ودَفْعُه إلى رَبِّه، والنَّظَرُ في أمْوالِ اليَتامَى والمَجانِين والسُّفهاءِ، والحَجْرُ على مَن يَرَى الحَجْرَ عليه لسَفَهٍ أو فَلَس، والنَّظَرُ في الوُقُوفِ في عملِه، بإجْرائِها على شَرْطِ الواقفِ، وتَنْفِيذُ الوَصايا، وتَزْويجُ النِّساءِ اللَّاتِي لا وَلِيَّ لَهُنَّ، وإقامةُ الحُدُودِ، وإقامَةُ الجُمُعَةِ، والنَّظَرُ في مصالحِ عملِه، بكَفِّ الأذَى عن طُرُقاتِ المسلِمِين وأفْنِيَتهم، وتَصفُّحُ حالِ شُهُودِه وأُمَنائِه، والاسْتِبْدالُ بمَن ثَبَت جَرْحُه منهم) وإنَّما تَثْبُتُ هذه الولاياتُ له؛
لأنَّ العادَةَ مِن القضاةِ تَوَلِّيها، فعندَ إطْلاقِ تَوْلِيَةِ القَضاءِ تَنْصَرِفُ إلى ولايَةِ ما جَرَتِ العادةُ بولايَتِه لها (فأمَّا جِبايَةُ الخَراجِ، وأخْذُ الصَّدَقةِ، فعلى وَجْهَين) أحَدُهما، يَدْخُلان فيه، قِياسًا على سائرِ الخِصالِ المَذْكُورَةِ.
وفي الآخرِ، لا يَدْخُلانِ فيه؛ لأنَّ العادةَ لم تَثْبُتْ بتَوْلِيَةِ القَضاءِ لهما، و الأصْل عَدَمُ ذلك، فلا يَثْبُتُ. ٤٨٣٠ - مسألة: (وله طَلَبُ الرِّزْقِ لنَفْسِه وأُمَنائِه وخُلَفائِه مع الحاجَةِ. فأمَّا مع عَدَمِها، فعلى وَجْهَين) يَجُوزُ للقاضي أخْذُ الرِّزْقِ. ورَخَّصَ فيه شُرَيحٌ، وابنُ سِيرِينَ، والشافعيُّ، وأكْثَرُ أهلِ العلمِ. ورُوِيَ عن عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه اسْتَعْمَلَ زيدَ بنَ ثابتٍ على القَضاءِ، وفَرَض له رِزْقًا . ورَزَق شُرَيحًا في كلِّ شهر مائةَ دِرْهم .
وبَعَث إلى الكوفَةِ عمّارًا وابنَ مسعودٍ وعُثْمانَ [بنَ حُنَيفٍ، ورَزَقَهم كلَّ يوم شاةً؛ نِصْفُها لعَمّارٍ، ونِصْفُها لابنِ مسعودٍ وعُثْمانَ]، وكان ابنُ مسعودٍ قاضِيَهم ومُعَلِّمَهم. وكَتَب إلى مُعاذِ بنِ جَبَلٍ وأبي عُبَيدَةَ، حينَ بَعَثَهما إلى الشامِ، أنِ انْظُرَا رجالًا مِن صَالِحي مَن قِبَلَكم، فاسْتَعْمِلُوهم على القَضاءِ، وأوْسِعُوا عليهم، وارْزُقُوهم، واكْفُوهم مِن مالِ اللهِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: يَجُوزُ له أخْذُ الرِّزْقِ مع الحاجةِ،
فأمَّا مَع عَدَمِها فعلى وَجْهَين. [وهو الذي ذَكَرَه شيخُنا في الكِتابِ المَشْرُوحِ]. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: ما يُعْجِبُني أنَّ يَأْخُذَ على القَضاءِ أجْرًا،
وإنْ كان فَبِقَدْرِ عَمَلِه، مثلَ مالِ اليَتيمِ. لي كان ابنُ مسعودٍ والحسنُ يَكْرَهانِ الأجْرَ على القضاءِ . وكان مَسْروق وعبدُ الرحمنِ بنُ القاسِمِ بنِ عبدِ الرحمَنِ ، لا يَأْخُذان عليه أجْرًا، وقالا: لا نَأْخُذُ أجْرًا على أنَّ نَعْدِلَ بينَ اثْنَين .
وقال أصْحابُ الشافعيِّ: إن لم يكنْ مُتَعَيِّنًا جاز له أخْذُ الرِّزْقِ،
وإن تَعَيَّنَ لم يَجُزْ إلَّا مع الحاجَةِ.
والصَّحِيِحُ جوازُ الأخْذِ عليه مُطْلَقًا؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، لَمَّا وَلِيَ الخِلافةَ، فَرَضُوا له رِزْقًا، كلَّ يومٍ دِرْهَمَينِ .
ولِما ذَكَرْنا مِن أنَّ عُمَرَ رَزَق زيدًا وشُرَيحًا وابنَ مسعودٍ، وأمَرَ بفرْضِ الرِّزْقِ لمَن وَلِيَ مِن القُضاةِ. ولأنَّ بالنَّاسِ حاجَةً إليه،
ولو لم يَجُزْ فَرْضُ الرِّزْقِ لَتَعَطَّلَ، وضاعَتِ الحُقُوقُ.
فأمَّا الاسْتِئْجارُ عليه، فلا يجوزُ. قال عمرُ، رَضِيَ اللهُ عنه: لا يَنْبَغِي لقاضِي المسلِمِين أنَّ يَأْخُذَ علي القَضاء أجْرًا . وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، ولا نعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه قُرْبَةٌ يَخْتَصُّ فاعِلُه أنَّ يكونَ مِن أهلِ القُرْبَةِ، فأشْبَهَ الصلاةَ، ولأنَّه لا يَعْمَلُه الإنسانُ عن غيرِه، وإنَّما يَقَعُ عن نَفْسِه، فأشْبَهَ الصلاةَ، ولأنَّه عمل غيرُ مَعْلُومٍ.
فإن لم يكنْ للقاضي رِزْق، فقال للخَصْمَين: لا أقْضِي بينَكما حتى تَجْعَلا لي جُعْلًا عليه. جاز. ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يَجُوزَ.
(فَأَمَّا جِبَايَةُ الْخَرَاجِ وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ) إِذَا لَمْ يُخَصَّا بِعَامِلٍ، قَالَهُ فِي الْوَجِيزِ تَبَعًا لِأَبِي الْخَطَّابِ. (فَعَلَى وَجْهَيْنِ) : أَحَدُهُمَا: يَدْخُلَانِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْخِصَالِ.
الثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَثْبُتْ بِتَوَلِّي الْقَضَاءِ لَهُمَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: فِي الْخَرَاجِ.
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: أَمِيرُ الْبَلَدِ إِنَّمَا هُوَ مُسَلَّطٌ عَلَى الْأَدَبِ، وَلَيْسَ إِلَيْهِ الْمَوَارِيثُ وَالْوَصَايَا وَالْفُرُوجُ وَالْحُدُودُ وَالرَّحِمُ، إِنَّمَا ذَلِكَ لِلْقَاضِي، فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ بَيِّنَةً فِي غَيْرِ عَمَلِهِ، وَهُوَ مَحَلُّ حُكْمِهِ، وَتَجِبُ إِعَادَةُ الشَّهَادَةِ لِتَعْدِيلِهَا (وَلَهُ طَلَبُ الرِّزْقِ لِنَفْسِهِ وَأُمَنَائِهِ وَخُلَفَائِهِ مَعَ الْحَاجَةِ) وَرَخَّصَ فِيهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَزَقَ شُرَيْحًا فِي كُلِّ شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ، وَرَزَقَ ابْنَ مَسْعُودٍ نِصْفَ شَاةٍ كُلَّ يَوْمٍ،
وَإِذَا جَازَ لَهُ الطَّلَبُ لِنَفْسِهِ جَازَ لِمَنْ هُوَ فِي مَعْنَاهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا،
وَإِنْ كَانَ فَبِقَدْرِ عَمَلِهِ، مِثْلَ مَالِ الْيَتِيمِ. وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَكْرَهُ الْأُجْرَةَ عَلَى الْقَضَاءِ، وَلَا يَأْخُذُ عَلَيْهِ أَجْرًا.
فأمَّا جِبايَةُ الخَراجِ وأخْذُ الصَّدَقَةِ، فعلى وَجْهَين. ومحَلُّهما، إذا لم يُخَصَّا بعامِلٍ. وأطْلَقهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الهادِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم؛ أحدُهما، يُسْتَفادان بالولايةِ. وهو المذهبُ. صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ»، كما تقدَّم. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ». وتدَّمه في «الفُروعِ». والوَجْهُ الثَّاني، لا يُسْتَفادان بها. وهو ظاهِرُ كلامِه في «المُنَورِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِي».
وقيل: لا يُسْتَفادُ الخَراجُ فقطْ.
تنبيه: مفْهومُ قوْلِه: اسْتَفادَ بها النَّظَرَ في عَشَرَةِ أشْياءَ. أنَّه لا يسْتَفِيدُ غيرَها. وهو المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقال في «التَّبصِرَةِ»: ويسْتَفِيدُ أيضًا الاحْتِسابَ على الباعَةِ والمُشْتَرِين، وإلْزامَهم بالشَّرْعِ .
وقال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: ما يسْتَفِيدُه بالولايةِ لا حدَّ له شَرْعًا، بل يُتَلَقَّى مِن الأَلْفاظِ والأحْوالِ والعُرْفِ. ونقَل أبو طالِبٍ، أمِيرُ البَلَدِ إنَّما هو مُسَلَّطٌ على الأدَبِ، وَلَهُ طَلَبُ الرِّزْقِ لِنَفْسِهِ وَأُمَنَائِهِ وَخُلَفَائِهِ مَعَ الْحَاجَةِ.
فَأمَّا مَعَ عَدَمِهَا، فَعَلَى وَجْهَينِ.
وليسَ المَوارِيثُ والوَصايا والفُروجُ والحُدودُ، والرَّجْمُ ، إنَّما يكونُ هذا إلى القاضي. وله طَلَبُ الرِّزْقِ لنَفْسِه وأُمَنائِه وَخُلفائِه مع الْحاجَةِ. هذا المذهبُ مُطْلَقًا. وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الهادِي»، و «الكافِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «تَذْكِرَةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنِ عَبْدُوسٍ»، و «الحاوي».
وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وعنه، يجوزُ مع الحاجَةِ بقَدْرِ عَمَلِه.
قال: (وله طلبُ الرزقِ لنفسه وأمنائهِ وخلفائهِ مع الحاجة. فأما مع عدمها فعلى وجهين) .
أما كون القاضي له طلب الرزق لنفسه مع الحاجة؛ فلأن أخذ الرزق مع الحاجة جائز وطلبُ ما أخذه جائز يجب أن يكون جائزاً.
بيان جواز الأخذ:
«أن عمر رضي الله عنه رزق شريحاً في كل شهر مائة درهم».
و«رزق ابن مسعود نصف شاة كل يوم».
و«كتب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة حين بعثهما إلى الشام: أن انظروا رجالاً من صالحي مَن قبلكم فاستعملوهم على القضاء وأوسعوا عليهم وارزقوهم واكفوهم من بيت المال».
وأما كونه له طلب الرزق لأمنائه وخلفائه مع الحاجة؛
لأن معناهم: فإذا جاز له الطلب لنفسه وجب أن يكون ذلك لمن هو في معناه.
وأما كونه له ذلك مع عدم الحاجة على وجه؛ فلما تقدم من رزق عمر لشريح وغيره.
ولأنه لو لم يجز ذلك لأفضى إلى تعطيل القضاء؛ لأن أحداً لا يسهل عليه الاشتغال عن اشتغال نفسه وتكسبه بغير عوض.
وأما كونه ليس له ذلك على وجه؛ فلأن القضاء قُربة وطاعة. فلم يجز فيها طلب الرزق مع عدم الحاجة؛ كالصلاة.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.