وَلَا يُعَلِّمُهُ كَيْفَ يَدَّعِي فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَفِي الْآخَرِ: يَجُوزُ لَهُ تَحْرِيرُ الدَّعْوَى لَهُ إِذَا لَمْ يُحْسِنُ تَحْرِيرَهَا وَلَهُ أَنْ يَشْفَعَ إِلَى خَصْمِهِ لِيُنْظِرَهُ، أَوْ يَضَعَ عَنْهُ، أَوْ يَزِنَ عَنْهُ وَيَنْبَغِي وَيُشَاوِرُهُمْ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ
Its commentaries
مسألة: (ولا يُعَلِّمُه كيف يَدَّعِي، في أحَدِ الوَجْهَين) لِما ذَكَرْنا (وفي الآخَرِ، له تَحْرِيرُ الدعْوَى إذا لم يُحْسِنْ تَحْرِيرَها) لأنه لا ضَرَرَ [في ذلك] على خَصْمِه (وله أن يَشْفَعَ إلى خَصْمِه ليُنْظِرَه، أو يَضَعَ عنه، ويَزِنَ عنه) لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - شَفَع إلى كَعْبِ بنِ مالكٍ، في أن يَحُطَّ عن ابن أبي حَدْرَدٍ بَعْضَ دَينه. وله أن يَزِنَ عن المُدَّعَى عليه ما وَجَب عليه؛ لأنَّه نَفْعٌ لخَصْمِه، ولا يكونُ إلَّا بعدَ انْقِضاءِ الحُكْمِ.
٤٨٤٩ - مسألة: (ويَنْبَغِي أن يُحْضِرَ مَجْلِسَه الفُقَهاءَ مِن كلِّ مَذْهَبٍ) حتى إذا حَدَثَتْ حادِثَة يَفْتَقِرُ إلى سُؤَالِهم عنها، سألهم؛ ليَذْكُرُوا أدِلَّتَهم فيها، وجَوابَهم عنها؛ فإنَّه أسْرَعُ لاجْتِهادِه، وأقْرَبُ لصوابِه.
وإن حَكَم باجْتِهادِه، فليس لأحَدٍ منهم الاعْتِراضُ عليه وإن خالفَ اجْتِهادَه؛ لأنَّ فيه افْتِياتًا عليه، إلَّا أن [يَحْكُمَ بما] يُخالِفُ نَصًّا أو إجْماعًا (و) يُسْتَحَبُّ أن (يُشاورَهم فيما يُشْكِلُ عليه) لقولِه سبحانه: {وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ}. قال الحسنُ: إن كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لغَنِيًّا عن مَشُورَتهم، وإنَّما أراد أن يَسْتَنَّ بذلك الحُكَّامُ بعدَه . وقد شاوَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصْحابَه في أُسارَى بَدْرٍ ،
وفي مُصالحةِ الكُفَّارِ يومَ الخَنْدَقِ . وشاوَرَ أبو بكر، رَضِيَ الله عنه، النَّاسَ في ميراثِ الجَدَّةِ ، وعُمَرُ في ديةِ الجنينِ ، وشاوَرَ في حَدِّ الخَمْرِ . ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ كان يكونُ عندَه جماعة مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ منهم عثمانُ، وعليٌّ، وطَلحَةُ، والزُّبَيرُ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ، إذا نَزَل به الأمْرُ شاوَرَهم فيه . ولا مُخالِفَ في اسْتِحْبابِ ذلك، قال أحمدُ: لمّا وَلِيَ سعدُ بنُ إبراهيمَ قضاءَ المدينةِ، كان يَجْلِسُ بينَ القاسِمِ وسالم ويُشاورُهما، ووَلِيَ مُحارِبُ بنُ دِثارٍ قضاءَ الكوفةِ، فكان يَجْلِسُ بينَ الحَكَمِ وحَمّادٍ يُشاورُهما، ما أحْسَنَ هذا لو كان الحُكَّامُ يَفْعَلُونَه، يُشاورُون ويَنْتَظِرُون.
ولأنَّه يَنْتَبِهُ بالمُشاوَرَةِ، ويَتَذَكَّرُ ما نَسِيَه بالمذاكرةِ. ولأنَّ الاحاطةَ بجميعِ العُلومِ مُتَعَذِّرَة، وقد يَنْتَبِهُ لإصابةِ الحقِّ ومعرفةِ الحادثةِ مَن هو دُونَ القاضي، فكيف بمَن يُساويه [أو يَزِيدُ عليه]! فقد رُوِيَ أنَّ أبا بكر الصِّدِّيقَ، رَضِيَ اللهُ عنه، جاءَتْه الجَدَّتان، فوَرَّثَ أمَّ الأمِّ، وأسْقَطَ أمَّ الأبِ، فقال له عبدُ الرحمنِ بنُ سَهْل: يا خليفةَ رسولِ اللهِ، لقد أسْقَطْتَ التي لو ماتَتْ وَرِثَها، ووَرَّثْتَ التي لو ماتَتْ لم يَرِثْها. فرَجَعَ أبو بكر، فأشْرَكَ بينَهما .
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُشاورُ أهلَ العلمِ والأمانَةِ؛ لأنَّ مَن ليس كذلك فلا قولَ له في الحادثةِ، ولا يُسْكَنُ إلى قولِه. قال سُفْيانُ: ولْيَكُنْ أهلُ مَشورَتِك أهلَ التَّقْوَى وأهلَ الأمانَةِ. ويُشاورُ المُوافِقِين والمُخالِفِينَ، ويَسْألهم عن حُجَّتِهم؛ ليَبِينَ له الحَقُّ. فصل: والمُشَاوَرَةُ ههُنا لاسْتِخْراجِ الأدِلَّةِ، وتَعَرُّفِ الحَق بالاجْتِهادِ.
٤٨٥٠ -
(وَلَا يُعَلِّمُهُ كَيْفَ يَدَّعِي فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِمَا فِيهِ مِنِ الْإِعَانَةِ عَلَى خَصْمِهِ وَكَسْرِ قَلْبِهِ (وَفِي الْآخَرِ: يَجُوزُ لَهُ تَحْرِيرُ الدَّعْوَى لَهُ إِذَا لَمْ يُحْسِنُ تَحْرِيرَهَا) لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى خَصْمِهِ فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّ فِي تَرْكِ تَعْلِيمِهِ تَسَبُّبًا إِلَى تَأْخِيرِ حَقِّهِ، وَعَدَمِ الْفَصْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَرِيمِهِ.
وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ: يُسَوِّي بَيْنَ خَصْمَيْنِ فِي مَجْلِسِهِ، وَلِحْظِهِ وَلَفْظِهِ،
وَلَوْ ذِمِّيًّا فِي وَجْهٍ.
فَرْعٌ: مَا لَزِمَ ذِكْرُهُ فِي الدَّعْوَى مِنْ شَرْطٍ أَوْ سَبَبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا إِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ أَنَّ الْحَاكِمَ يَسْأَلُ عَنْهُ لِيَذْكُرَهُ وَيُحَرِّرَهُ، ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا. (وَلَهُ أَنْ يَشْفَعَ إِلَى خَصْمِهِ لِيُنْظِرَهُ، أَوْ يَضَعَ عَنْهُ، أَوْ يَزِنَ عَنْهُ) كَذَا فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ وَالْوَجِيزِ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ، ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، «أَنَّ مُعَاذًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَلَّمَهُ لِيُكَلِّمَ غُرَمَاءَهُ، فَلَوْ تَرَكُوا الْأَخْذَ لَتَرَكُوا لِمُعَاذٍ لِأَجْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» -.
مُرْسَلٌ جَيِّدٌ. وَنَقَلَ حَنْبَلٌ «أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قُمْ فَاعْطِهِ» . قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا حُكْمٌ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: يَحْتَمِلُ مَنْعَ وَزْنِهِ عَنْهُ.
وَفِي سُؤَالِ الْوَضْعِ عَنْهُ رِوَايَةٌ، ذَكَرَهَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ.
فَرْعٌ: إِذَا سَلَّمَ أَحَدُهُمَا رَدَّ عَلَيْهِ.
وَفِي التَّرْغِيبِ: يَصْبِرُ لِيَرُدَّ عَلَيْهِمَا مَعًا إِلَّا أَنْ يَتَمَادَى عُرْفًا.
وَقِيلَ: يُكْرَهُ قِيَامُهُ لَهُمَا. نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: سُنَّةُ الْقَاضِي أَنْ يَجْلِسَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذَلِكَ.
[إِحْضَارُ الْقَاضِي الْفُقَهَاءَ فِي مَجْلِسِهِ] (وَيَنْبَغِي) أَيْ: يُسَنُّ (أَنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ إِنْ أَمْكَنَ) حَتَّى إِذَا حَدَثَتْ حَادِثَةٌ، سَأَلَهُمْ عَنْهَا لِيَذْكُرُوا أَدِلَّتَهُمْ فِيهَا، وَجَوَابَهُمْ عَنْهَا فَإِنَّهُ أَسْرَعُ إِلَى اجْتِهَادِهِ، وَأَقْرَبُ إِلَى صَوَابِهِ،
فَإِنْ حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ افْتِئَاتًا عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِمَا يُخَالِفُ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا. (وَيُشَاوِرُهُمْ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}«وَقَدْ شَاوَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ فِي أُسَارَى بَدْرٍ، وَشَاوَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ، وَعُمَرُ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ، وَشَاوَرَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ» ، وَلَا مُخَالِفَ فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ. وَالْمُشَاوَرَةُ هُنَا لِاسْتِخْرَاجِ الْأَدِلَّةِ وَيُعْرَفُ الْحَقُّ بِالِاجْتِهَادِ. قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَحْسَنَهُ لَوْ فَعَلَهُ الْحُكَّامُ، يُشَاوِرُونَ وَيَنْتَظِرُونَ.
ولا يُعَلمُه كَيفَ يدعِي، في أحَدِ الوَجْهَين. وهو المذهبُ. جزَم به في «الوَجيزِ»، و «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الرعايتَين»، و «الفُروعِ»، و «الحاوي».
وفي الآخَرِ، يجوزُ له تحْرِيرُ الدَّعْوَى إذا لم يُحْسِنْها. وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشرْحِ»، و «النظْمِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى». وَيَنْبَغِي أنْ يُحْضِرَ مَجْلِسَهُ الْفُقَهَاءَ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ،
تنبيه:. مَحَل الخِلافِ، إذا لم يَلْزَمْ ذِكْرُه،
فأمَّا إنْ لَزِمَ ذِكْرُه في الدَّعاوَى -كشَرْطِ عَقْدٍ، أو سبَب ونحوه- ولم يذْكُرْه المُدَّعِي، فله أنْ يسْألَ عنه ليَتَحَرَّزَ عنه. وله أنْ يَشْفَعَ إلى خَصْمِه ليُنْظِرَه، أو يَضَعَ عَنْه، ويَزِنَ عنه. يجوزُ للقاضي أنْ يشْفَعَ إلى خَصْمِ المُدَّعَى عليه لينظِرَه، بلا خِلافٍ أعْلَمُه،
ويجوزُ له أنْ يشْفَعَ ليَضَعَ عنه. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قال في «الفُروع»: له ذلك على الأصحِّ.
قال في «تَجْريدِ العِنايةِ»: له ذلك على الأظْهَرِ. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «شرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الشَّرْحِ»، و «لهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ».
وعنه، ليسَ له ذلك. وأطْلَقهما في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الكافِي».
ويجوزُ له أنْ يَزِنَ عنه أيضًا. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وعليه الأصحابُ. وقطَع به كثير منهم. وفيه احْتِمال لصاحبِ «الرِّعايةِ الكُبْرى»، لا يجوزُ ذلك. وما هو ببَعيدٍ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْضِرَ مَجْلِسَه الفُقَهاءَ مِن كُلِّ مذهب، إنْ أمْكَنَ، ويُشاورَهم فِيما يُشْكِلُ عليه -لاستِخْراجِ الأدِلَّةِ، وتعَرُّفِ الحقِّ بالاجْتِهادِ. قال إنْ أمْكَنَ، وَيُشَاورَهُمْ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيهِ، الإمامُ أحمدُ: ما أحْسَنَه لو فعَلَه الحُكَّامُ، يُشاورُونَ وينْتَظِرونَ -فإنِ اتَّضَحَ له، . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حَكَمَ، وإلَّا أخَّرَه. فَإن اتَّضَحَ لَهُ، حَكَمَ، وَإلَّا أخَّرَهُ. وَلَا يُقَلِّدُ غَيرَهُ وإنْ كَانَ أعلَمَ مِنْهُ.
قال: (وينبغي أن يُحضِر مجلسه الفقهاء من كل مذهب إن أمكن، ويشاورهم فيما يُشكلُ عليه. فإن اتضح له حكم وإلا أخّره. ولا يقلّدُ غيره وإن كان أعلم منه) .
أما كون القاضي ينبغي له أن يُحضر مجلسه الفقهاء من كل مذهب إن أمكن؛ فلأنه قد تحدث حادثة فيحتاج القاضي إلى سؤالهم عن مذهبهم وأدلتهم ولذلك قال: ويشاورهم فيما يُشكل عليه؛ لأنه إذا شاورهم ذكروا له ما يحضرهم في ذلك فيؤدي ذلك إلى إيضاح العلم له، وحصول الاجتهاد منه.
وأما كونه يحكم إن اتضح له؛ فلأنه متى اتضح له الحكم لم يجز تأخيره؛ لما فيه من تأخير الحق عن موضعه.
وأما كونه يؤخّره إن لم يتضح له؛ فلأن الحكم مع عدم الإيضاح لا يجوز؛ لما فيه من القضاء بجهل، الداخل في الحديث المتقدم ذكره.
وأما كونه لا يقلد غيره وإن كان أعلم منه؛ فلأن المجتهد لا يجوز له تقليد غيره. دليله: المجتهدان في القبلة.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.