وَلَا يُعْتَبَرُ إِصْلَاحُ الْعَمَلِ
Its commentaries
فصلٌ في الملاهِى: وهى على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ محَرَّمٌ، وهو ضَرْبُ الأوْتارِ والنّاياتِ، والمَزامِيرِ كلِّها، والعُودِ، والطُّنْبُورِ، والمَعْزَفَةِ، والرَّبابِ، ونحوِها،
فمَن أدامَ اسْتِماعَها ، رُدَّتْ شَهادتُه؛ لأنَّه يُرْوَى عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا ظَهَرَ فِى أُمَّتِى خَمْس عَشْرَةَ خَصْلَةً، حَلَّ بِهِمُ الْبَلَاءُ» . ذكَرَ منها إظْهارَ المَعازِفِ والمَلاهِى.
وقال سعيدٌ: ثنا فرَجُ بنُ فَضَالَةَ، عن علىِّ بنِ يَزِيدَ، عن القاسِمِ، عن أبى أُمامَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ بعَثَنِى رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَأمَرَنِى بِمَحْقِ الْمَعازِفِ وَالْمَزَامِيرِ، لَا يَحِلُّ بَيْعُهُنَّ، وَلَا شِرَاؤُهُنَّ، ولا تَعْلِيمُهُنَّ ، وَلَا التِّجَارَةُ فِيهِنَّ، وثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ» . يعنى الضَّارباتِ. ورَوَى نافِعٌ، قال: سمِعَ ابنُ عمرَ مِزْمارًا، فوَضَعَ إصْبَعَيْه على أُذُنَيْه، ونَأَى عن الطَّريقِ،
وقال لى: يا نافعُ، هل تَسْمَعُ شيئًا؟ قال: فقلتُ: لا. قال: فرَفَعَ إصْبَعَيْه مِن أُذُنَيْه،
وقال: كنتُ مع النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، فسَمِعَ مثلَ هذا، فصنَعَ مثلَ هذا. رَوَاه الخَلَّالُ في «جَامِعِه» مِن طريقَيْن. ورَوَاه أبو داودَ، في «سُنَنِه»،
وقال: حديثٌ مُنْكَرٌ. وقد احْتَجَّ قومٌ بهذا الخَبَرِ على إباحَةِ المِزْمارِ، وقالوا: لو كان حَرامًا لَمَنَعَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - ابنَ عمرَ مِن سَماعِه، ومَنَعَ ابنُ عمرَ نافِعًا مِن اسْتِماعِه، ولأنْكَرَ على الزَّامِرِ بها.
قُلْنا: أمَّا الأوَّلُ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُحَرَّمَ اسْتِماعُها دونَ سَماعِها، والاسْتِماعُ غيرُ السَّماعِ، ولهذا فَرَّقَ الفُقَهاءُ في سُجودِ التِّلاوَةِ بينَ السّامِعِ والمُسْتَمِعِ، ولم يُوجِبُوا على مَن سَمِعَ شيئًا مُحَرَّمًا سَدَّ أُذُنَيْه، قال اللهُ تعالى:{وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ}. ولم يَقُلْ: سَدُّوا آذَانَهم. والمُسْتَمِعُ هو الذى يَقْصِدُ السَّماعَ، ولم يُوجَدْ هذا مِن ابنِ عمرَ، وإنَّما وُجِدَ منه السَّماعُ؛ ولأنَّ بالنبىِّ - صلى الله عليه وسلم - حاجَةً إلى مَعْرِفةِ انْقِطاعِ سَماعِ الصَّوْتِ عنه؛
لأنَّه عَدَلَ عن الطَّريقِ، وسَدَّ أُذُنَيْه، فلم يكُنْ ليَرْجِعَ إلى الطَّريقِ، ولا يَرْفَعَ إصْبَعَيْه مِن أُذُنَيْه، حتى يَنْقَطِعَ الصَّوْتُ عنه، فأُبِيحَ للحاجَةِ.
وأمّا الِإنْكارُ، فلَعلَّه كان في أوَّلِ الهِجْرَةِ، حينَما لم يكُنِ الإِنْكارُ واجِبًا، أو قبلَ إمْكانِ الإِنْكارِ؛ لكَثْرَةِ الكُفَّارِ، وقلَّةِ أهلِ الِإسْلام.
فإن قيلَ: فهذا الخبَرُ ضَعِيفٌ.
فإنَّ أبا داودَ روَاه، وقال: هو حديَثٌ مُنْكَرٌ. قُلْنا: قد روَاه الخَلَّالِ بإسنادِهِ مِن طريقَيْن، فلَعلَّ أبا داودَ ضَعَّفَه؛ لأنَّه لم يَقَعْ له إلَّا مِن إحْدَى الطَّريقَيْنِ.
وضَرْبٌ مُباحٌ، وهو الدُّفُّ؛ فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«أعْلِنُوا النِّكَاحَ، واضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ». أخْرَجَه مسلمٌ . وذكَرَ أصْحابُنا، وأصْحابُ الشافعىِّ، أنَّه مَكْرُوهٌ في غيرِ النِّكاحِ؛ لأنَّه يُرْوَى عن عُمَرَ، أنَّه كان إذا سَمِعَ صَوْتَ الدُّفِّ، بعَثَ فنَظَرَ،
فإن كان في وَلِيمَةٍ سكَتَ،
وإن كان في غيرِها، عَمَدَ بالدِّرَّةِ . ولَنا، ما رُوِىَ عنِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ امرأةً جاءَتْه، فقالتْ: إنِّى نَذَرْتُ إن رَجَعْتَ مِن سَفرِكَ سَالِمًا، أن أضْرِبَ على رَأسِكَ بالدُّفِّ. فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أوْفِ بِنَذْرِكِ». رَواه أبو داودَ .
ولو كان مَكْرُوهًا، لم يَأْمُرْها به وإن كان مَنْذُورًا. ورَوَتِ الرُّبَيِّعُ بنتُ مُعَوِّذٍ، قالتْ: دخَلَ علىَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صَبِيحَةَ بُنِىَ بى، فجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بدُفِّ لهنَّ، ويَنْدُبْنَ مَن قُتِلَ مِن آبائى يومَ بَدْرٍ، إلى أن قالَتْ إحْداهُنَّ: وفينا نَبِّىٌّ يَعْلَمُ ما في غَدٍ. فقال:«دَعِى هَذَا، وَقُولِى الَّذِى كُنْتِ تَقُولِينَ». مُتَّفَقٌ عليه .
فأمَّا الضَّرْبُ به للرِّجالِ فهو مَكْرُوةٌ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّه إنَّما كان يَضْرِبُ به النِّساءُ، والِمُخَنَّثُونَ، والمُتَشبِّهون بهِنَّ، ففى ضَرْبِ الرِّجالِ به تَشَبُّهٌ بالنِّساء.
فأمَّا الضَّرْبُ بالقَضِيبِ، فيُكْرَهُ إذا انْضَمَّ إليه مَكْرُوهٌ أو مُحَرَّمٌ كالتًّصْفِيقِ والغِنَاءِ والرَّقْصِ،
وإن خلا عن ذلك كُلِّه، لم يُكْرَهْ؛ لأنَّه ليس بآلةِ لَهْوٍ ولا بطَرَبٍ، ولا يُسْمَعُ مُنْفَرِدًا،
بخلافِ الْمَلاهِى. ومذهبُ الشافعىِّ في هذا الفَصْلِ كما قُلْنا.
فصل: واخْتَلَفَ أصْحابُنا في الغِناءِ، فذهبَ أبو بكرٍ الخَلَّالُ، وصاحبُه أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ، إلى إباحَتِه. قال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: والغِناءُ والنَّوْح مَعْنًى واحدٌ، مباحٌ ما لم يكنْ معه مُنْكَرٌ، ولا فيه طَعْنٌ. وكانَ الخَلَّالُ يَحْمِلُ الكَراهَةَ مِن أحمدَ على الأفْعالِ المذْمُومَةِ، لا على القَوْلِ بعَيْنِه. ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه سَمِعَ مِن عندِ ابْنِه صالحٍ قَوَّالًا، فلم يُنْكِرْ عليه،
وقال له صالحٌ: يا أبَةِ، أليس كُنتَ تَكْرَهُهُ ؟ فقال: قِيلَ لى: إنَّهم يَسْتَعْمِلون المُنْكَرَ. وممَّن ذهبَ إلى إباحَتِه مِن غيرِ كَرَاهَةٍ؛ إبراهيمُ ابنُ سعدٍ، وكثيرُ مِن أهلِ المدينةِ، والعَنْبَرِىُّ؛ لِما رُوِىَ عن عائِشةَ، رَضِىَ الله عنها، قالتْ: كانتْ عندِى جَارِيَتان تُغَنِّيان، فدخَلَ أبو بكرٍ، فقال: مَزْمُورُ الشَّيْطانِ في بيتِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «دَعْهُما، فَإنَّهَا أيَّامُ عِيدٍ».
مُتَّفَقٌ عليه . وعن عمرَ، - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، أَنَّه قال: الغِناءُ زادُ الرَّاكِبِ . واختارَ القاضى أنَّه مَكرُوهٌ غيرُ مُحَرَّمٍ. وهو قولُ الشافعىِّ،
وقال: هوَ مِن اللَّهْوِ المَكْرُوهِ.
وقال أحمدُ: الغِناءُ يُنْبِتُ النِّفاقَ في القَلْبِ، لا يُعْجِبُنِى. وذهبَ آخُرون مِن أصْحابِنا إلى تَحْرِيمِه. قال أحمدُ، في مَن مات وخَلَّفَ ولدًا يَتيمًا، وجارِيَةً مُغَنَّيةً، فاحْتاجَ الصَّبِىُّ إلى بَيْعِها: تُباعُ ساذَجَةً. قيل له: إنها تُساوِى مُغَنَّيَةً ثلاثين ألفًا، وتُساوى سَاذَجَةً عِشرين دِينارًا. فقال: لا تُباعُ إلَّا على أنَّها سَاذَجَةٌ. واحْتَجُّوا على تَحْرِيمِه بما رُوِىَ عن ابنِ الحَنَفِيَّةِ، في قولِه تعالى:{وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}. قال: الغِناءُ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ، وابنُ مَسعودٍ، في قولِ اللهِ تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ}. قال: هو الغِناءُ . وعن أبى أُمامَةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -[نَهَى عن شِراءِ المُغَنِّياتِ، وبَيْعِهِنَّ، والتِّجارَةِ فِيهنَّ، وأكْلُ أثْمانِهِنَّ حَرامٌ. أخْرَجَه التِّرْمِذِىُّ ،
وقال: لا نَعْرِفُه إلَّا مِن حديثِ علىِّ بنِ يَزِيدَ، وقد تَكَلَّمَ أهلُ العلمِ فيه. ورَوَى ابنُ مَسعودٍ، أنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم -] قال: «الغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِى الْقَلْبِ».
والصَّحِيحُ أنَّه مِن قولِ ابنِ مَسعودٍ. وعلى كلِّ حالٍ، مَن اتَّخَذَ الغِناءَ صِناعَةً، يُؤْتَى إليه، ويَأْتِى له، أو اتَّخذَ غُلامًا أو جارِيَةً مُغَنَّييْن، يَجْمَعُ عليهما الناسَ، فلا شَهادةَ له؛ لأنَّ هذا عندَ مَن لم يُحَرِّمْه سَفَهٌ ودَناءةٌ وسُقوطُ مُروءَةٍ،
ومَن حَرَّمَه فهو مع سَفَهِه عاصٍ، مُصِرٌّ مُتَظاهِرٌ بفِسْقِه. وبهذا قال الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
وإن كان لا يَنْسِبُ نَفْسَه إلى الغِناءِ، وإنَّما يتَرَنَّمُ لنَفْسِه، ولا يُغَنِّى للناسِ، أو كان غُلامُه وجارِيَتُه إنَّما يُغَنِّيان له، انْبَنَى هذا على الخِلافِ فيه،
فمَن أباحَه أو كَرِهَه، لم تُرَدَّ شَهادَتُه،
ومَن حَرَّمَهُ، قال: إن دامَ عليه، رُدَّت شَهادتُه، كسائِرِ الصَّغائِرِ،
وإن لم يُداوِمْ عليه، لم تُرَدَّ شَهادتُه.
وإن فعَلَه [مَن يَعْتَقِدُ] حِلَّه، فقِياسُ المذهبِ أن لا تُرَدّ شَهادتُه بما لا يَشْتَهِرُ به منه، كسائرِ المُخْتَلَفِ فيه مِن الفُروعِ.
ومَن كان يَغْشَى بُيوتَ الغِناءِ ، أو يَغْشاه المُغَنُّون للسَّماعِ، مُتَظاهِرًا بذلك، وكَثُرَ منه، رُدَّتْ شَهادتُه، في قولِهم جميعًا؛ لأنَّه سَفَهٌ ودَناءةٌ.
وإن كان مُسْتَتِرًا به، فهو كالمُغَنِّى لنَفْسِه، على ما ذُكِرَ مِن التَّفْصِيلِ فيه.
فصل: فأمّا الحُدَاءُ، وهو الإنْشادُ الذى تُساقُ به الإِبلُ، فمُباحٌ، لا بَأْسَ به في فِعْلِه واسْتِماعِه؛ لِما رُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: كُنَّا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ، وكان عبدُ اللهِ بنُ رَواحَةَ جيِّدَ الحُدَاءِ، وكان مع الرِّجالِ، وكان أنْجَشَةُ مع النِّساءِ، فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - لابنِ رَوَاحَةَ:«حَرِّكْ بِالْقَوْمِ». فانْدَفَعِ يُنْشِدُ، فتَبِعَه أنْجَشَةُ، فأعْنَقَتِ الإبِلُ، فقالَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - لأنْجَشةَ:«رُوَيْدَكَ، رِفْقًا بِالْقَوارِيرِ».
يَعنى النِّساءَ. وكذلك نَشِيدُ الأعْرابِ، وهو النَّصْبُ، لا بَأْسَ به، وسائرُ أنْواعِ الإنْشادِ، ما لم يَخْرُجْ إلى حَدِّ الغِناءِ. وقد كان النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْمَعُ إنْشادَ الشِّعْرِ، فلا يُنْكِرُه. والغِناءُ، مِن الصَّوتِ، مَمْدودٌ مَكْسورٌ. والغِنَى، مِن المالِ، مَقْصورٌ. والحُدَاءُ، مَمْدودٌ مَضْمُومٌ، كالدُّعاءِ،
ويَجوزُ الكَسْرُ، كالنِّداءِ.
فصل: والشِّعْرُ كالكَلامِ؛ حَسَنُه كحَسَنِه، وقَبِيحُه كقَبِيحِه. وقد رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:«إن مِنَ الشِّعْرِ لَحُكْمًا». وكان يَضَعُ لحسَّانَ مِنْبَرًا يقَومُ عليه، فيَهْجُو مَن هَجَا رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - والمسلمينَ . وأنْشَدَه كَعْبُ بنُ زُهَير قَصِيدَتَه:
* بَانَتْ سُعادُ فَقَلْبِى الْيَوْمَ مَتْبُولُ * في المسجدِ .
وقال له عَمُّه العَباسُ:[يا رسولَ الله]، إنِّى أُرِيدُ أنْ أمْتَدِحَكَ. فقال:«قلْ لَا يَفْضُضِ اللهُ فَاكَ».
فأنْشَدَه:
مِنْ قَبْلِها طِبْتَ فِى الظِّلالِ وفى ... مُسْتَوْدَعٍ حيثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ وقال عمرُو بنُ الشَّرِيدِ: أرْدَفَنِى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال:«أمَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ؟».
قلتُ: نعم. فأنْشدْته بيتًا. فقال:«هِيهِ». فأنْشَدْتُه بَيْتًا فقالَ:«هِيهِ». حتى أنْشدْتُه مِائَةَ قَافيةٍ .
وقال النبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -[يومَ حُنَيْنٍ] أنَا النَّبِىُّ لا كذِبْ ... أنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ وقد اخْتُلِفَ في هذا، فقيل: ليس بشعرٍ، وإنَّما هو كَلامٌ مَوْزونٌ.
وقيلَ: بل هو شِعرٌ، ولكنَّه بَيْتٌ واحدٌ قَصيرٌ، فهو كالنَّثْرِ. ويُرْوَى أنَّ أبا الدَّرْداءِ قيلَ له: ما مِن أهلِ بيتٍ في الأنْصارِ إلَّا وقد قال الشِّعْرَ. قال: وأنا قد
قُلْتُ:
يُريدُ المَرْءُ أن يُعْطَى مُناهُ ... ويَأْبَى الله إلَّاما أرَادَا يَقولُ المَرءُ فائِدَتِى ومَالِى ... وتَقْوَى اللهِ أفْضَلُ ما اسْتَفادَا وليس في إباحةِ الشِّعرِ اخْتِلافٌ، وقد قالَه الصَّحابةُ والعلماءُ، والحاجَةُ تَدْعُو إليه لمَعْرفَةِ اللُّغةِ والعربيَّةِ، وللاسْتِشْهادِ به في التَّفْسيرِ، وتَعَرُّفِ مَعنى كلامِ اللهِ تعالى، وكلامِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ويُسْتدَلُّ به أيضًا على النَّسَبِ، والتَّارِيخِ، وأيَّام العَرَبِ. ويقالُ: الشِّعْرُ ديوانُ العَربِ.
فإن قِيلَ: فقد قال اللهُ تعالى: {وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ}.
وقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لأنْ يَمْتَلِى جَوْفُ أحَدِكُمْ قَيْحًا حَتَّى يَرِيَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا». روَاه أبو داودَ، وأبو عُبَيْدٍ .
وقال: معنى يَرِيَهُ، يَأْكُلُ جوفَه. يُقالُ: وَرَاه يَرِيه.
قال الشّاعِرُ :
وَرَاهُنٌ رَبِّى مثلَ ما قَدْ وَرَيْننِى ... وأحْمَى على أكْبادِهِنَّ الْمَكَاوِيَا قُلْنا: أمَّا الآيةُ، فالمُرادُ بها مَن أسْرَفَ وكَذَبَ، بدَليلِ وَصْفِه لهم بقولِه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} . ثم اسْتَثنى المؤمِنينَ بقولهِ:{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا}. ولأن الغالِبَ على الشُّعراءِ قِلَّةُ الدِّينِ، والكَذِبُ، وقذْفُ المُحْصَناتِ، وهِجَاءُ الأبْرِياء، لا سِيَّما مَن كان فِى ابْتداءِ الإسْلامِ، ممَّن يَهْجُو النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، ويَهْجُو المسلمين، ويَعِيبُ الِإسلامَ، ويَمْدَحُ الكُفَّارَ، فوَقَعَ الذَّمُّ على الأغْلَبِ، واسْتَثْنَى منهم مَن لا يَفْعَلُ الخِصالَ المذْمُومَةَ، فالَايةُ دَليلٌ على إباحَتِه، ومَدْحِ أهْلِه المُتَّصِفِينَ بالصِّفاتِ الجَمِيلةِ.
وأمَّا الخبرُ، فقال أبو عُبَيْدٍ : مَعناهُ أنْ يَغْلِبَ عليه الشِّعْرُ حتى يَشْغَلَه عن القُرْآنِ والفِقْهِ.
وقيلَ: المُرادُ به ما كان هِجاءً وفُحْشًا، فما كان مِن الشعْرِ يتَضَمَّنُ هَجْوَ المسلمينَ، والقَدْحَ في أعْراضِهم، أو التَّشبيبَ بامرأةٍ بعَيْنِها، بالإفْراطِ في وَصْفِها، فذكرَ أصْحابُنا أنَّه مُحَرَّمٌ. وهذا إن أُرِيدَ به أنَّه مُحَرَّمٌ على قائِلِه، فهو صَحِيحٌ،
وأمّا على رَاوِيه فلا يَصِحُّ؛
فإن الْمَغازِىَ يُرْوَى فيها قَصائدُ الذين هَاجَوْا بها أصْحابَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، لا ينكِرُ ذلك أحدٌ. وقد رُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أذِنَ في الشِّعرِ الذى تَقاوَلَتْ به الشَّعَراءُ في يومِ بَدْرٍ وأُحدٍ وغيرِهما، إلَّا قصيدَةَ أُمَيَّةَ بنِ أبى الصَّلْتِ الحائِيَّةَ .
وكذلك يُرْوَى شِعْرُ قَيْسِ بنِ الخَطيِمِ ، في التَّشْبِيبِ بعَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ، أُخْتِ عبدِ الله بِنِ رَوَاحَةَ، وأُمِّ النُّعْمانِ بنِ بَشِير. وقد سمعَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - قصيدةَ كَعْبِ بنِ زُهَيْرٍ، وفيها التَّشْبيبُ بسُعادَ. ولم يَزلِ النَّاسُ يَرْوون أمثالَ هذا، ولا يُنْكَرُ. ورَوَينا أنَّ النُّعمانَ بنَ بَشِير دخلَ مَجْلِسًا فيه رجُلٌ يُغنِّيهم بقصيدةِ قَيسِ بنِ الخَطِيمِ، فلمَّا دخلَ النُّغمانُ سَكَّتوه مِن قِبَلِ أنَّ فيها ذِكْرَ أمِّه، فقالَ النُّعمانُ: فإنه لم يَقُل بأْسًا،
إنَّما قال:
وعَمْرَةُ مِن سَرَوَاتِ النِّسا ... ءِ تَنْفَحُ بالمِسْكِ أرْدَانُها وكان عِمرانُ بنُ طَلْحةَ في مجلسٍ، فغَنَّاهم رَجُلٌ بشِعْرٍ فيه ذِكرُ أمِّه، فسَكَّتوُه، فقال: دَعُوه،
فإنَّ قائِلَ هذا الشِّعْرِ كان زوْجَها.
فأمَّا الشَّاعِرُ، فمتى كان يَهْجُو المسلمين، ويَمْدَحُ بالكَذِبِ، أو يَقْذِفُ مُسْلِمًا أو مُسْلِمَةً،
فإنَّ شَهادَتَه تُرَدُّ، وسواءٌ قَذَفَ المُسْلِمَةَ بنَفسِه أو بغيره. وقد قيلَ: أعْظَمُ الناسِ ذَنْبًا، رَجُلٌ يهاجِى رَجلًا، فيَهْجُو القَبِيلَةَ بأسْرِها. وقد رَوَينا أنَّ أبا دُلامةَ شَهِدَ عندَ قَاضٍ، فخافَ أن تُرَدَّ شَهادتُه،
فقال:
إنِ الناسُ غَطُّونِى تَغطَّيْتُ عنهمُ ...
وإن بَحثُوا عنِّى فَفِيهم مَباحِثُ فقال القاضى: ومَن يَبْحَثُكَ يا أبا دُلامةَ؟ وغَرِمَ المالَ مِن عندِه، ولم يُظْهِرْ أنَّه رَدَّ شَهادتَه.
فصل في قِراءةِ القُرآنِ بالألْحانِ: أمّا قِراءَتُه مِن غيرِ تَلْحِينٍ، فلا بَأسَ بها،
وإن حَسَّنَ صَوْتَه به، فهو أفْضَلُ؛
فإن النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«زَيَّنُوا أصْوَاتَكُمْ بالْقُرْآنِ». ورُوِىَ:«زَيَّنُوا الْقُرْآنَ بأصْوَاتِكُمْ». وقال:«لَقَدْ أُوتِىَ أبُو مُوسَى مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ». [ورُوِىَ أن النبَّى - صلى الله عليه وسلم - قال لأبى مُوسى «لَقَدْ مَرَرْتُ بِكَ الْبَارِحَةَ، وَأنْتَ تَقْرَأُ، وَلَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ»] . فقال أبو موسى: لو أعْلَمُ أنك تَسْتَمِعُ، لحَبَّرْتُه لكَ تَحْبِيرًا. ورُوِىَ أنَّ عائشةَ أبْطَأتْ على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - ليلةً، فقال:«أيْنَ كُنْتِ يَا عَائِشَةُ».
فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، كنتُ أسْتَمِعُ قِراءةَ رَجلٍ في المسجدِ، لم أسْمَعْ أحدًا يَقْرأُ أحْسَنَ مِن قراءَتِه. فقامَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -، فاسْتَمَعَ قِراءَتَه، ثم قال:«هذَا سَالِمٌ مَوْلَى أبى حُذَيْفَةَ، الْحَمْدُ لِلّهِ الذِى جَعَلَ فِى أمَّتِى مِثْلَ هَذَا». قال صالحٌ: قلتُ لأبِى: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بأصْوَاتِكُمْ». ما مَعناه؟ قال: أن تُحَسِّنَه.
وقيل له: ما مَعْنَى: «مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بالقرآنِ». قال: يَرْفَعُ صَوْتَه به. وهكذا قال الشَّافعىُّ.
وقال اللَّيْثُ: يتَحزَّنُ به، ويتَخَشَّعُ به، ويَتَباكَى به.
وقال ابنُ عُيَيْنَةَ، وعمرُو بنُ الحارِثِ . ووَكِيعٌ: يَسْتَغْنِى به.
فأمَّا القِراءَةُ بالتَّلْحينِ، فيُنْظَرُ فيه؟
فإن لم يُفرِطْ في التَّمْطِيطِ والمَدِّ وإشْباعِ الحَرَكاتِ، فلا بَأْسَ به؛
فإنَّ النبَّى - صلى الله عليه وسلم - قد قَرأ، ورَجَّعَ، ورَفَعَ صَوْتَه،
وقال الرّاوِى: لولا أن تَجْتَمِعَ النَّاسُ إلىَّ، لَحَكَيْتُ لكم قراءَةَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - .
وقال عليه الصلاةُ والسلامُ:«لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ». وقال:«مَاْ أذِنَ اللهُ لِشَىْءكَأذَنِهِ لنَبِىٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ، يَتَغنَّى بِالْقُرْآنِ». أىْ يَجْهَرُ به. ومعنى أذِنَ: اسْتَمَعَ. قال القاضى: هو مَكْرُوهٌ على كلِّ حالٍ. ونحوُه قولُ أبى عُبَيْدٍ،
وقال : مَعنَى قولِه: «مَنْ لَمْ يَتَغن بِالْقُرْآنِ» أىْ: يَسْتَغنِى به،
قال الشَّاعِرُ:
وَكنْتُ امْرَءًا زَمَنًا بالعِراقِ ... عَفيف المُناخِ كَثيرَ التَّغنِّى قال: ولو كان مِن الغِناءِ بالصَّوْتِ، لَكانَ: مَن لم يُغنِّ بالقُرآنِ. ورُوِىَ نحوُ هذا التَّفْسيرِ عن ابنِ عُيَينةَ.
وقال القاضى أحمدُ بنُ محمدٍ البِرْتِىُّ: هذا قولُ مَن أدْرَكْنا مِن أهلِ العلمِ.
وِقال الوليدُ بنُ مسلمٍ: يَتغنَّى بالقُرآنِ، يَجْهرُ به.
وقيلَ: يُحسِّنُ صَوْتَه به.
قال شيْخُنا : والصَّحِيحُ أنَّ هذا القَدْرَ مِن التَّلْحينِ لا بَأسَ به، ولأنَّه لو كان مَكْرُوهًا، لم يَفْعَلْه النبُّى - صلى الله عليه وسلم -،
ولا يَصِحُّ حَمْلُه على التَّغَنِّى في حديثِ: «مَا أذِنَ الله لِشَىْءٍ، كَأَذَنِهِ لِنَبِىٍّ يَتَغَّنى بِالْقُرْآنِ». على الاسْتِغْناءِ؛ لأنَّ مَعنى أذِنَ: اسْتَمَعَ، وإنَّما تُسْمَعُ القِراءةُ، ثم قال: يَجْهَرُ. والجَهْرُ صِفَةُ القِراءةِ لا صِفَةُ الاسْتِغْناءِ.
فأمّا إذا أسْرَفَ في المَدِّ والتَّمْطِيطِ وإشْبَاعِ الحَرَكاتِ، بحيثُ يجْعَلُ الضَّمَّةَ واوًا. والفَتْحَةَ ألِفًا، والكَسْرةَ ياءً، كُرِه له ذلك.
ومِن أصْحابِنا مَن قال: يَحْرُمُ؛ لانَّه يُغيِّرُ القُرآنَ، ويُخْرِجُ الكَلماتِ عن وَضْعِها، ويَجْعَلُ الحَرَكاتِ حُروفًا. وقد رَوَينَا عن أبى عبدِ اللهِ، أنَّ رَجلًا سأَلَه عن ذلك، فقال له: ما اسمُك؟ قال: محمدٌ. قال: أَيسُرُّكَ أن يُقالَ لك: يَامُو حَامَّد؟ قال: لا. قال: ولا يُعْجِبُنِى أن يَتعَلَّمَ الرَّجلُ الألْحانَ، إلَّا أن يكونَ جَرَمُه مِثلَ جَرَمِ أبى موسى. قال له رجلٌ: فيُكَلَّمون؟ قال: ولا كلُّ ذا. واتَّفَقَ أهلُ العلمِ على أنَّهِ تُسْتَحَبُّ قِراءَةُ القُرآنِ بالتَّحْزينِ والتَّرْتِيلِ والتَّحْسينِ.
ورَوَي بُرَيْدَةُ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِالْحُزْنِ، فَإنَّه نَزَلَ بِالْحُزْنِ».
وقال الْمَرُّوذِىُّ: سمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ قال لرَجُلٍ: لو قَرَأتَ. وجعلَ أبو عبدِ الله رِبَّما تَغرْغَرَتْ عَيْنُه.
وقال زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ: كنَّا عندَ يحيى القَطَّانِ، فجاءَ محمدُ بنُ سعيدٍ الترمِذِىُّ ، فقال له يحيى: اقْرأْ. فقرأ، فغُشِىَ على يحيى حتى حُمِلَ وأُدْخِلَ.
وقال محمدُ بنُ صالِحٍ العَدَوِىُّ: قَرأتُ عندَ يحيى بنِ سعيدٍ القطَّانِ، فغُشِىَ عليه، حتى فاته خَمسُ صَلَواتٍ.
فصل: ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ الطُّفَيْلىِّ؛ وهو الذى يأْتِى طَعامَ النَّاسِ مِن غيرِ دَعْوَةٍ. وبهذا قال الشافعىُّ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ وذلك لأنَّه يُرْوَى عنِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«مَنْ أتَى طَعَامًا لَمْ يُدْعَ إلَيْهِ، دَخَلِ سَارِقًا، وَخرَج مُغِيرًا». ولأنَّه يأكُلُ مُحَرَّمًا، ويفْعَلُ ما فيه سَفهٌ ودَناءةٌ وذَهابُ مُروءَةٍ،
فإن لم يَتكَرَّرْ هذا منه، لم تُرَدَّ شَهادَته؛ لأنَّه مِن الصَّغائرِ.
فصل: ومَن سَألَ مِن غيرِ أن تَحِلَّ له المسْألةُ، فأكْثَرَ، رُدَّتْ شَهادَتُه؛ لأنَّه فَعَلَ مُحَرَّمًا، وأكلَ سُحْتًا، وأتَى دَناءَةً. وقد رَوَى قَبِيصَةُ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «إن الْمَسْالةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأحَدِ ثَلَاَثةٍ؛ رَجُلٍ أصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أو قال : سِدادًا مِنْ عَيْشٍ، [وَرَجُلٍ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاَثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ. فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أوْ - سِدَاِدًا مِنْ عَيْشٍ]، وَرَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، [فَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ سُحْتٌ، يأْكُلُهُ صَاحِبُهُ سُحْتًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
رَوَاه مسلمٌ]. فأمَّا السَّائِلُ ممَّن تُباحُ له المسْأَلةُ، فلا تُرَدُّ شَهادتُه بذلك، إلَّا أن يكونَ أكْثرَ عُمُرِه سائِلًا، فيَنبغِى أن تُرَدَّ شَهادَتُه؛ لأنَّ ذلك دَناءَةٌ وسُقُوطُ مُروءَةٍ.
ومَن أخذَ مِن الصَّدقةِ مِمَّن يجوزُ له الأخْذُ مِن غيرِ مَسْألةٍ، لم تُرَدَّ شَهادتُه؛ لأنَّه فِعْلٌ جائِرٌ، لا دَناءَةَ فيه.
وإنْ أخذَ منها ما لا يجوزُ له، وتَكَرَّرَ ذلك منه، رُدَّتْ شَهادتُه؛ لأنَّه مُصِرٌّ على الحَرامِ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: «ومتى زالتِ المَوانِعُ منهم، فبَلَغَ الصَّبِىُّ، وعَقَلَ المجْنونُ، وأسْلَمَ الكافِرُ، وتابَ الفاسِقُ، قُبِلَتْ شَهادَتُهم بمُجَرَّدِ ذلك) لأنَّ المُقْتَضِىَ لقَبُولِ الشَّهادَةِ مَوْجودٌ، وإنَّما رُدَّتْ لوُجودِ المانِعِ، فإذا زَالَ المانِعُ، عَمِلَ المُقْتَضِى عملَه، كما لم يُوجَدِ المانِعُ، وتُقْبَلُ تَوْبَةُ الفاسِقِ؛ لقولِ اللهِ سبحانَه وتعالى:{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}. وقولِه سبحانَه: {وَمَن يَعْمَلْ سُوَءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُّمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} . وقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ». وقال عمرُ، رَضِىَ الله عنه: بَقِيَّةُ عُمُرِ المَرْءِ لا قِيمَةَ له، يُدْرِكُ فيه ما فاتَ، ويُحْيىِ فيه ما أماتَ، ويُبَدِّلُ اللهُ سَيّئاتِه حَسَناتٍ. والتَّوْبَةُ على ضَرْبَيْنِ؛ باطِنةٌ، وحُكْمِيَّةٌ، فالباطِنَةُ فيما بينَه وبينَ الله تِعالى، فإن كانتِ المَعْصِيَةُ لا تُوجِبُ حقاً عليه في الحُكْمِ، كقُبْلَةِ الأجْنَبِيَّةِ، والخَلْوَةِ بها، وشُرْبِ المُسكِرِ، والكَذِب، فالتَّوْبَةُ منها النَّدمُ، والعَزْمُ على أن لا يَعُودَ، فقد رُوِىَ عن النَّبِّىِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:«النَّدَمُ تَوْبَةٌ»،. قيل: التوبةُ النصُوحُ تَجْمَعُ أرْبَعَةَ أشيَاءَ؛ النَّدَمَ بالْقَلْبِ، والاسْتِغْفارَ باللِّسَانِ، وإضْمارَ أن لا يَعُودَ، ومُجانبةَ خُلَطاءِ السُّوءِ. وإن كانتْ تُوجِبُ حقَّا عليه لله تِعالى، أو لآدَمِىٍّ؛ كمَنْعِ الزَّكاةِ، والغصْب، فالتَّوْبَةُ مهنا بما ذكَرْنا، وتَرْكِ المَظْلَمَةِ حَسْبَ إمْكانِه، بأن يُؤدَّىَ الزَّكَاةَ، ويَرُدَّ المَغصُوبَ أو بَدَلَه. وإنْ عَجَزَ عن ذلك، نَوَى رَدَّه متى قَدَر عليه. فإن كان عليه فيها حَقٌّ في البَدَنِ، وكان حقَّا لآدَمِيٍّ، كالقِصاصِ، وحَدِّ القَذْفِ، اشْتُرِطَ في التَّوْبَةِ التَّمْكِينُ مِن نَفْسِه، ببَذلِها للمُسْتَحِقِّ، وإنْ كان حقَّا لله تعالى، كحَدِّ الزِّنَى، وشُرْبِ الخمرِ، فتَوْبَتُه بالنَّدَمِ، والعَزْمِ على تَرْكِ العَوْدِ، ولا يشْتَرَطُ الإقْرارُ به، فإن كان ذلك لا يَشْتَهِرُ عنه، فالأوْلَى له سَتْرُ نَفْسِه، والتَّوبةُ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«مَن أَتَى شَيْئًا مِنْ هَذِه القَاذُورَاتِ، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ، فَإنَّه مَنْ أبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ». فإنَّ الغامِدِيَّةَ حينَ أقَرَّتْ بالزِّنَى، لم يُنْكِرْ عليها النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك . وإن كانَتْ مَعْصِيَةً مَشْهُورةً، فذكرَ القاضى أنَّ الأوْلَى الإقْرارُ به ، ليُقَامَ عليه الحَدُّ؛ لأنَّه إذا كان مَشْهُورًا، فلا فائدةَ في تَرْكِ إقَامَةِ الحَدِّ عليه. قال شيْخُنا : والصَّحِيحُ أن تَرْكَ الإقْرارِ أوْلَى؛ لأن النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - عرَّضَ للمُقِرِّ عندَه بالرُّجوعِ عن الإقْرارِ، فعرَّضَ لماعز ، وللمُقِرِّ عندَه بالسَّرِقةِ بالرُّجوعِ، معِ اشْتِهارِه عنه بإقْرارِه، وكَرِهَ الإقْرارَ، حتى قيلَ - إنَّه لَمَّا قطَعَ السَّارِق: كَأنَّما أُسِفَّ وَجْهُه رمادًا . ولم يَردِ الأمرُ بالإقْرارِ، ولا الحَثُّ عليه في كتابٍ ولا سُنَّةٍ، ولا يَصِحُّ له قِياسٌ، إنَّما وَرَدَ الشَّرْعُ بالسَّتْرِ، والاسْتِتارِ، والتَّعْرِيضِ للمُقِر بالرُّجوعِ عن الإقْرارِ. وقال لهَزَّالٍ، وهو الذى أمرَ ماعِزًا بالإقْرارِ:«يَا هَزَّالُ، لَوْ سَتَرْتَه بِثَوْبِكَ، كَانَ خَيْرًا لَكَ». وقال أصْحابُ الشافعىِّ: تَوْبةُ هذا إقْرارُه ليُقامَ عليه الحدُّ. وليس بصَحِيحٍ؛ لِما ذكَرْنا، ولأنَّ التَّوْبةَ تُوجَدُ حَقِيقَتُها بدونِ الإقْرارِ، وهى تَجُبُّ ما قبلَها، وَرَدَ في الأخْبارِ، مع ما دَلَّتَ عليه الَاياتُ في مَغْفِرَةِ الذُّنوبِ بالاسْتِغْفارِ، وتَرْكِ الإصرارِ . وأمَّا البِدْعَةُ، فالتَّوْبَةُ منها بالاعْتِرافِ بها، والرُّجُوعِ عنها ، واعْتِقادِ ضِدِّ ماكان يَعْتَقِدُ منها.
٥٠٤٧ - مسألة: (ولا يُعْتَبَرُ إصْلَاحُ العَمَلِ. وعنه، يُعْتَبَرُ في التَّائِبِ إصْلَاحُ العَمَلِ سَنَةً) ظاهِرُ كلامِ أحمدَ والخِرَقِىِّ، أنَّه لا يُعْتَبَرُ في ثُبُوتِ أحْكامِ التَّوْبَةِ، مِن قَبولِ الشَّهادةِ، وصِحَّةِ الوِلَايةِ في النِّكاحِ، إصْلاح العَمَلِ. وهو أحد القَوْلَيْن للشافعىِّ. وفى القَوْلِ الآخَرِ، يُعْتَبَرُ إصْلاح العَمَلِ، إلَّا أن يكونَ ذَنْبُه الشَّهادةَ بالزِّنَى، ولم يَكْفلْ عدَدُ الشُّهودِ، فإنَّه يَكْفِى مجَرَّدُ التَّوْبَةِ مِن غيرِ اعْتِبارِ إصْلاحٍ، وما عَداه فلا تَكْفِى التَّوْبَة حتى تَمْضِىَ عليه سنَةٌ، تَظْهَر فيها تَوْبَته، ويَبِينُ فيها صَلاحُه. وهذا رِوايةٌ عن أحمدَ، حَكاها أبو الخَطّابِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا}. وهذا نَصٌّ، فإنَّه نَهَى عن قَبولِ شَهادَتِهم، ثم اسْتَثْنَى التَّائِبَ المُصْلِحَ، ولأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، لَمَّا ضَرَبَ صَبِيغًا أمرَ بهِجْرَانِه، حتى بَلَغَتْه تَوْبتُه، فأمرَ أن لا يُكلَّمَ إلَّا بعدَ سنَةٍ . ولَنا، قوْلُه عليه السَّلامُ:«التَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَها». وقَوْلُه:«التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ». ولأنَّ المغْفِرَةَ تحْصُلُ بمُجَرَّدِ التَّوْبةِ، فكذلك الأحْكامُ، ولأنَّ التَّوْبةَ مِن الشِّرْكِ بالِإسْلامِ، لا تحْتاجُ إلى اعْتِبارِ ما بعدَه، وهو أعْظمُ الذنَّوبِ، فما دونَه أَوْلَى. وَأمَّا الآيةُ ، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ الإصْلاحُ مِن التَّوْبَةِ، وعَطْفُه عليها لاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، ودليلُ ذلك، قولُ عُمرَ لأبى بَكْرَةَ: تُبْ، أقْبَلْ شَهادَتَكَ . ولم يَعْتَبِرْ أمرًا آخَرَ، ولأن مَن كان غاصِبًا، فرَدَّ ما في يَدَيْه، أو مانِعًا للزَّكاةِ ، فأدَّاها وتابَ إلى اللهِ عز وجل، قد حصَلَ منه الإصْلاحُ، وعُلِمَ نُزوعُه عن مَعْصِيَتِه [بأداءِ ما] عليه، فإنَّه لولم يُرِدِ التَّوْبةَ، لَما أدَّى ما في يَدَيْه، ولأنَّ تَقْدِيرَه بسَنَةٍ تَحَكُّمٌ لم يَرِدْ به الشَّرْعُ، والتَّقْديرُ إنَّما يَثْبُتُ بالتَّوْقِيفِ، وما وَرَد عن عمرَ في حقِّ صَبيغٍ إنَّما كان لأنَّه تائبٌ مِن بِدْعَةٍ، وكانت تَوْبَتُه بسبَبِ الضَّرْبِ والهِجْرانِ، فيَحْتَمِلُ أنَّه أظْهَرَ التَّوْبَةَ تَسَتُّرًا، بخِلافِ مَسْألَتِنا. وقد ذكرَ القاضى، أنَّ التَّائِبَ مِن البِدْعَةِ يُعْتَبَرُ له مُضِىُّ سَنَةٍ؛ لحديثِ صَبِيغٍ. رَواه أحمدُ في «الوَرَعِ»، قال: ومِن عَلامَةِ تَوْبَتِه، أنْ يَجْتَنِبَ مَن كان يُوالِيه مِن أهلِ البِدَعِ، ويُوالِى مَن كان يُعادِيه مِن أهلِ السُّنَّةِ. والصَّحيحُ أنَّ التَّوْبَةَ مِن البِدْعَةِ كغيرِها، إلَّا أن تكونَ التَّوْبةُ [بِفِعْلٍ يُشْبِهُ] الإكْرَاهَ، كَتَوْبَةِ صَبِيغٍ، فيُعْتَبَرُ له مُدَّةٌ يُظْهِرُ أنَّ تَوْبَتَه عن إخْلاصٍ، لا عن إكْراهٍ. وللحاكمِ أن يَقولَ للمُتَظاهِرِ بالمَعْصِيَةِ: تُبْ أقْبَلْ شَهادتَكَ. وقال مالِكٌ: لا أعْرِفُ هذا. قال الشافعىُّ: وكيفَ لا يَعْرِفُه، وقد أمرَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - بالتَّوْبَةِ، وقالَه عُمرُ لأبى بَكْرَةَ!
٥٠٤٨ -
(وَلَا يُعْتَبَرُ إِصْلَاحُ الْعَمَلِ) نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» وَلِأَنَّ شَهَادَةَ الْكَافِرِ تُقْبَلُ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ، فَلَأَنْ تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْفَاسِقِ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَلِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَبِي ذَرٍّ: تُبْ أَقْبَلْ شَهَادَتَكَ وَلِحُصُولِ الْمَغْفِرَةِ بِهَا
Adds nothing on this mas’ala.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.