وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ثُمَّ عَمِيَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَشَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَى جَائِزَةٌ فِي الزِّنَى وَغَيْرِهِ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ، وَالْقَرَوِيِّ عَلَى الْبَدَوِيِّ
Its commentaries
مسألة: (وإن شَهِدَ عندَ الحَاكِمِ، ثم عَمِىَ، قُبِلَتْ شَهادَتُهُ، وَجْهًا واحِدًا) وجَازَ الحُكْمُ بها. وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يوسف، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ الحُكمُ بها ، لأنَّه مَعْنًى يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهادةِ مع صِحَّةِ النُّطْقِ، فمنَعَ الحُكمَ بها، كالفِسْقِ. ولَنا، أنَّه مَعْنًى طرَأَ بعدَ أداءِ الشهادةِ لا يُورِثُ تُهْمَةً في حالِ الشَّهادةِ، فلم يَمْنَعْ قَبُولَها، كالموتِ، وفارَقَ الفِسْقَ؛ فإنَّه يُورِثُ تُهْمةً حالَ الشَّهادةِ.
٥٠٥٤ - مسألة: (وشهادةُ وَلَدِ الزِّنَى جائِزَةٌ، فِى الزِّنَى وغيرِه) هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، والحسنُ، والشعبيُّ، والزُّهْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه.
وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ: لا تجوزُ شَهادَتُه في الزِّنَى وَحْدَه؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ،
فإنَّ العادةَ في مَن فعلَ قَبِيحًا، أنَّه يُحِبُّ أن يكونَ له نُظَراءُ . وحُكِىَ عن عثمانَ، أنَّه قال: وَدَّتِ الزّانِيَةُ أنَّ النِّساءَ كُلَّهُنَّ زَنَيْنَ. ولَنا، عُمومُ الآياتِ، وأنَّه عَدْلٌ مَقْبولُ الشَّهادةِ في غيرِ الزِّنَى، فيُقْبَلُ في الزِّنَى كغيرِه، ولأنَّ مَن قُبِلَتْ شهادتُه في القَتْلِ، قُبِلَتْ في الزِّنَى، كوَلَدِ الرِّشْدَةِ . قال ابنُ المُنْذِرِ: وما احْتَجُّوا به غَلَطٌ مِن وُجُوهٍ؛ أحدُها، أنَّ ولدَ الزِّنَى لم يَفْعَلْ فِعْلًا قَبِيحًا، يُحِبُّ أن يكونَ له نُظَراءُ فيه.
والثاني، لا أعْلَمُ ما ذُكِرَ عن عثمانَ ثابِتًا عنه، وأشْبَهُ ذلك أن لا يكونَ ثابِتًا، وغيرُ جائِزٍ أن يثْبُتَ عن عثمانَ كلامٌ بالظَّنِّ عن ضَمِيرِ امرأةٍ لم يَسْمَعْها تَذْكُرُه. الثالثُ، أنَّ الزَّانِىَ لو تابَ، لَقُبِلَتْ شهادتُه، وهو الذى فَعَلَ الفِعْلَ القَبِيحَ،
فإذا قُبِلَتْ شهادتُه مع ما ذَكَرُوه، فغيْرُه أَوْلَى؛ فإنَّه لا يجوزُ أن يَلْزَمَ ولدَه مِن وِزْرِه أكْثَرُ ممَّا لَزِمَه، ولا يتَعَدَّى الحُكْمُ إلى غيرِه مِن غيرِ أن يثْبُتَ فيه، مع أنَّ ولَدَه لا يَلْزَمُه شيءٌ مِن وِزْرِه ؛ لقولِ اللهِ تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}. . ووَلَدُ الزِّنَى لم يَفْعَلْ شيئًا يَسْتَوْجِبُ به حُكْمًا.
٥٠٥٥ - مسألة: (وتُقْبَلُ شَهادَةُ الإِنْسانِ على فِعْلِ نَفْسِهِ؛ كالمُرْضِعَةِ على الرَّضَاعِ، والقاسِمِ على القِسْمَةِ، والحَاكِمِ على حُكْمِه بعدَ العَزْلِ) تجوزُ شهادةُ المُرْضِعَةِ على الرَّضاعِ؛ لِما ذكَرْنا مِن حديثِ عُقبةَ بنِ الحارِثِ ،
وكذلك شَهادةُ القاسِمِ على القِسْمَةِ؛ لأنَّه يشْهَدُ لغَيْرِه، فَصَحَّ على فِعْلِ نفْسِه، كما لو شَهِدَ على فِعْلِ غيرِه،
وكذلك تُقْبَلُ شَهادة الحاكمِ على حُكْمِه بعدَ العَزْلِ؛ لذلك، وفى ذلك كلِّه اخْتِلافٌ، ذكَرْناه فيما مَضَى. ٥٠٥٦ - مسألة: (وَتُقْبَلُ شَهادَةُ البدَوِىِّ على الْقَرَوِىِّ، والقَرَوِىِّ على البَدَوِىِّ) إذا اجْتَمَعَتِ الشُّرُوطُ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. وهو قولُ ابنِ سِيرِينَ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وأبي ثورٍ. واختارَه أبو الخَطَّابِ
(وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ثُمَّ عَمِيَ) أَوْ خَرِسَ أَوْ جُنَّ أَوْ مَاتَ (قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْحُكْمُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ طَرَأَ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَلَا يُورِثُ تُهْمَةً فِي حَالِ الشَّهَادَةِ، فَلَمْ يَمْنَعِ الْحُكْمَ بِهَا كَمَا لَوْ شَهِدَ ثُمَّ مَاتَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْبَلُ كَمَا لَوْ طَرَأَ الْفِسْقُ.
وَفَرَّقَ فِي الشَّرْحِ: بِأَنَّ الْفِسْقَ يُورِثُ تُهْمَةً فِي حَالِ الشَّهَادَةِ،
بِخِلَافِ غَيْرِهِ، لَكِنْ لَوْ حَدَثَ بَعْدَ الشَّهَادَةِ مَا لَا يَجُوزُ مَعَهُ شَهَادَةٌ، لَمْ يَحْكُمْ بِهَا؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَسْتَبْطِنُ الْفِسْقَ وَيُظْهِرُ الْعَدَاوَةَ، فَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا حِينَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَلَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ بِهَا مَعَ الشَّكِّ، إِلَّا عَدَاوَةً ابْتَدَاهَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، بِأَنْ قَذَفَ الْبَيِّنَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْنَعُ، لِأَنَّهَا لَوْ أَبْطَلْنَاهَا بِهَذَا لَتَمَكَّنَ كُلُّ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ بِإِبْطَالِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ بِقَذْفِهِ،
وَكَذَا الْمُنَازَعَةُ وَالْمُقَاوَلَةُ وَقْتَ غَضَبِهِ وَمُحَاكَمَتِهِ بِدُونِ عَدَاوَةٍ ظَاهِرَةٍ سَابِقَةٍ.
قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى حَدِّ الْعَدَاوَةِ أَوِ الْفِسْقِ.
فَإِنْ حَدَّثَ بَعْضَ مَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِهَا بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ،
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَدًّا لِلَّهِ لَمْ يَسْتَوْفِ؛ لِأَنَّ هَذَا شُبْهَةٌ وَهُوَ يَدْرَأُ بِهَا،
وَإِنْ كَانَ مَالًا اسْتُوفِيَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَمَّ،
وَإِنْ كَانَ قَوْدًا أَوْ حَدَّ قَذْفٍ فَوَجْهَانِ (وَشَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَى جَائِزَةٌ فِي الزِّنَى وَغَيْرِهِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَأَنَّهُ عَدْلٌ مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ الزِّنَى، فَتُقْبَلُ فِيهِ كَغَيْرِهِ، وَلَدُ الزِّنَى لَمْ يَفْعَلْ فِعْلًا قَبِيحًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَظِيرٌ، لِأَنَّ الزَّانِيَ لَوْ تَابَ لَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَهُوَ الَّذِي فَعَلَ الْفِعْلَ الْقَبِيحَ فَإِذَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ مَعَ مَا ذُكِرَ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: وَدَّتِ الزَّانِيَةُ أَنَّ النِّسَاءَ كُلَّهُنَّ يَزْنِينَ، لَا أَعْلَمُهُ ثَابِتًا عَنْهُ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ عُثْمَانُ كَلَامًا بِالظَّنِّ عَنْ ضَمِيرِ امْرَأَةٍ لَمْ يَسْمَعْهَا تَذْكُرُهُ (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، كَالْمُرْضِعَةِ عَلَى الرَّضَاعِ، وَالْقَاسِمِ عَلَى الْقِسْمَةِ، وَالْحَاكِمِ عَلَى حُكْمِهِ بَعْدَ الْعَزْلِ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ فِي الرَّضَاعِ وَالْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاسِمِ عَلَى الْقِسْمَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ، إِذَا كَانَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَسَبَقَهُ إِلَيْهِ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُغْنِي (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ، وَالْقَرَوِيِّ عَلَى الْبَدَوِيِّ) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ
وتُقْبَلُ شَهَادَةُ الإِنْسانِ على فِعْلِ نَفْسِه؛ كالمُرْضِعَةِ على الرَّضاعِ، والقاسِمِ على القِسْمَةِ، والحاكمِ على حُكْمِه بعدَ العَزْلِ.
أمَّا المُرْضِعُ، فالصَّحيحُ مِن المذهبِ، أنَّ شَهادَتَها تُقْبَلُ على رَضاعِ نفْسِها مُطْلَقًا. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجِيزِ»، وغيرِهما . وقدَّمه في «الرِّعايتَيْن»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقال بعضُ الأصحابِ: لا تُقْبَلُ إنْ كان بأُجْرَةٍ، وإلَّا قُبِلَت. وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصةِ»؛ فإنَّهم قالوا: تُقْبَلُ شَهادَةُ الإنْسانِ على فِعْلِ نفْسِه؛ كالمُرْضِعَةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على الرَّضاعِ، والقاسِمِ على القِسْمَةِ بعدَ فراغِه إن كان بغيرِ عِوَض.
وأمَّا القاسِمُ، فالصَّحيحُ مِن المذهبِ، قبولُ شَهادَتِه على قَسْمِ نفْسِه مُطْلَقًا. وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجِيزِ»، وغيرِهما . وقدَّمه في «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِي»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقال القاضي، وأصحابُه: لا تُقْبَلُ.
وقال صاحبُ «التَّبْصرَةِ»، و «التَّرْغيبِ»: لا تُقْبَلُ مِن غيرِ مُتَبَرِّعٍ، للتُّهْمَةِ. وهو ظاهِرُ كلامِه في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصةِ». وقد تقدَّم لَفْظُهم.
وقال في «المُغْنِي»: وتُقْبَلُ شَهادَةُ القاسِمِ بالقِسْمَةِ إذا كان مُتَبَرِّعًا، ولا تُقْبَلُ اذا كان بأُجْرَةٍ. انتهى. وذكَرَه في «الرِّعايةِ» قوْلًا، وقطَع به في مَوْضِعٍ آخَرَ.
وكذا قال في «المُسْتَوْعِبِ»، إلَّا أنَّه قال: إذا شَهِدَ قاسِمُ الحاكمِ.
وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: تُقْبَلُ شَهادَةُ القاسِمِ بعدَ فراغِه، إذا كان بغيرِ عِوَضٍ. وعِبارَتُه الأُولَى هى المشْهورَةُ في كلامِ القاضي وغيرِه. قالَه في «الفُروعِ».
قلتُ: وعِبارَتُه الثَّانيةُ تابعَ فيها أبا الخَطَّابِ في «الهِدايةِ». قال القاضي: اذا شَهِدَ قاسِمَا الحاكمِ على قِسْمَةٍ، قسَماها بأَمْرِه، أنَّ فُلانًا اسْتَوْفَى نَصِيبَه. جازَت شَهادَتُهما إذا كانتِ القِسْمَةُ بغيرِ أجْرٍ،
وإنْ كانتْ بأجْرٍ لم تَجُزْ شَهادَتُهما. وتقدَّم في بابِ جَزاءِ الصَّيْدِ، أنَّه يجوزُ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِىِّ، وَالْقَرَوِىِّ عَلَى الْبَدَوِىِّ.
وَعَنْهُ، فِى شَهَادَةِ البَدَوِىِّ عَلَى الْقَرَوِىِّ: أَخْشَى أَنْ لَا تُقْبَلَ. فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنَ.
أنْ يكونَ القاِتلُ أحدَ الشَّاهِدَيْن إذا قَتَلَ صيْدًا، ولم تقْضِ فيه الصَّحابَةُ في قِيمَتِه. وهو يُشابِهُ هذه المسْألةَ.
وأمَّا شَهادَةُ الحاكمِ على حُكْمِ نفْسِه بعدَ عزْلِه، فَمَقْبولَةٌ. وقد تقدَّم في آخِرِ بابِ أدَبِ القاضي، إذا أخْبَرَ بعدَ عزْلِه أنَّه كان حكَمَ بكذا. وتُقْبَلُ شَهادَةُ البَدَوِيِّ على القَرَوِيِّ، والقَرَوِيِّ على البَدَوِىِّ. تُقْبَلُ شَهادةُ القَرَوِىِّ على البَدَوِىِّ. بلا نِزاعٍ.
وأمَّا شَهادةُ البَدَوِيِّ على القَرَوِىِّ، فقدَّم المُصَنِّفُ هنا قَبُولَها. وهو المذهبُ. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ في «الهِدايةِ»، والمُصَنِّفُ، وغيرُهما. وصحَّحه في «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»، والنَّاظِمُ، وصاحبُ «التَّصْحيحِ». وجزَم به في «الوَجِيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
.
وعنه، في شَهادةِ البَدَوِىِّ على القَرَوِىِّ: أخْشَى أنْ لا تُقْبَلَ. فيَحْتَمِلُ وَجْهَيْن. أحدُهما، تُقْبَلُ. كما تقدَّم. والآخر، لا تقْبَلُ.
قال في «الفُروعِ»: وهو المَنْصوصُ. قال الشَّارِحُ: وهو قولُ جماعةٍ مِن الأصحابِ.
قلتُ: منهم القاضي في «الجامعِ»، والشَّرِيفُ، وأبو الخَطَّابِ في «خِلافَيْهما»، والشِّيرَازِىُّ. وجزَم به في «المُنَوِّرِ» وغيرِه. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. وأَطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ»، و «تَجْريدِ العِنايةِ».
قال: (وشهادةُ ولد الزنا جائزة في الزنا وغيره) .
أما كون شهادة ولد الزنا في الزنا جائزة؛ فلأنه عدلٌ مقبول الرواية. فوجب أن يكون مقبول الشهادة؛ كغيره من العدول.
ولأن ولد الزنا من رجالنا. فوجب أن يدخل في عموم النص المتقدم ذكرها.
فإن قيل: لا ينبغي أن تقبل شهادته بذلك؛ لأن العادة أن من فعل فعلاً قبيحاً يحب أن يكون له نظير.
ولأنه يروى عن عثمان أنه قال:«ودّت الزانيةُ أن النساءَ كلَّهن زنَين».
قيل: أما الأول: فغلط؛ لأن ولد الزنا لم يفعل قبيحاً يحب أن يكون له نظير.
وأما الثاني: فليس يثبت عن عثمان. والأشبه أن لا يكون ثابتاً عنه؛ لأن الأليق بحاله ودينه أن لا يذكر امرأة في ظهر الغيب بمثل ذلك.
وأما كونه في غير الزنا جائزة؛ فلما تقدم ذكره.
ولأنه مقبول الشهادة في الزنا. فوجب أن يكون مقبول الشهادة في غيره بالقياس عليه. قال: (وتقبلُ شهادة الإنسان على فعل نفسه كالمرضعة على الرضاع، والقاسم على القسمة، والحاكم على حكمه بعد العزل) .
أما كون شهادة المرضعة على فعل نفسها تُقبل؛ فلأن عقبة بن الحارث قال:«تزوجتُ أم يحيى بنت أبي إهاب. فجاءت أمةٌ سوداء فقالت: قد أرضعتُكُما. فذكرتُ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: وكيفَ وقد زعمتْ ذلك» متفق عليه.
وأما كون شهادة القاسم على القسمة تقبل؛ فلأن شهادته على فعل النفس. أشبه شهادة المرضع على الرضاع.
وأما كون شهادة الحاكم بعد حكمه بعد عزله تقبل؛ فلأنه شاهد على فعل نفسه. أشبه المرضعة والقاسم.
قال: (وتُقبل شهادة البدوي على القروي، والقروي على البدوي. وعنه: في شهادة البدوي على القروي أخشى أن لا تُقبل فيحتمل وجهين) .
أما كون شهادة البدوي على القروي تُقبل على وجه؛ فكشهادة القروي على البدوي.
ولأن من قُبلت شهادته على أهل البلد قُبلت شهادته على أهل القرى. دليله: شهادة القروي على البدوي.
وأما كونها لا تُقبل على وجه؛ فلأنه يروى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا تجوزُ شهادةُ بدوي على صاحبِ القرية». رواه أبو داود.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والحديث محمول على أن شهادة البدوي لا تُقبل؛ للجهل بعدالته الباطنة. وخص بما ذكر؛ لأن الغالب أنه لا يكون له من يسأله الحاكم عنه.
وأما كون شهادة القروي على البدوي [تقبل]؛ فلأن تخصيص شهادة البدوي على القروي بعدم جواز القبول مشعر بجواز العكس. ولأن القروي في مظنة العلم وانتفاء التهمة. فوجب قبول شهادته عملاً بالنصوص الدالة على القبول السالمة عن معارضة ما ذكر. [
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.