وَمَنْ يُدَافِعُ أَحَدَ الْأَخْبَثَيْنِ أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ وَالْخَائِفُ مِنْ ضَيَاعِ مَالِهِ أَوْ فَوَاتِهِ أَوْ ضَرَرٍ فِيهِ أَوْ مَوْتِ قَرِيبِهِ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ضَرَرٍ أَوْ سُلْطَانٍ أَوْ مُلَازَمَةِ غَرِيمٍ،
Its commentaries
مسألة: (ومَن يُدافِعُ أحَدَ الأخْبَثَيْن، أو بحَضْرَةِ طَعامٍ هو مُحْتاجٌ إليه) لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ:«لَا صَلَاةَ بِحَضْرةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُ الأخْبَثَيْنِ». رَواه مسلمٌ . وسَواءٌ خاف فَواتَ الجماعَةِ أو لم يَخَفْ؛ لقَوْلِه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا حَضَرَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فابْدَأْوا بالعَشَاءِ». رَواه مسلمٌ . ٥٨٨ - مسألة: (والخائِفُ مِن ضَياعِ مالِه، أو فَواتِه، أو ضَرَرٍ فيه، [أو مَوْتِ قريبِه، أو] (١) على نَفْسِه مِن ضَررٍ، أو سُلْطانٍ، أو مُلازَمَةِ غَرِيم ولا شيْءَ معه) الخَوْفُ يَتَنَوَّعُ ثَلَاثةَ أنْواعٍ؛
أحَدُها، الخَوْفُ على نَفْسِه؛ بأن يَخافَ سُلْطانًا يَأْخُذُه، أو لِصًّا، أو سَبُعًا، أو سَيْلًا، أو نَحْوَ ذلك مِمّا يُؤْذِيه في نَفْسِه، أو يَخافَ غَرِيمًا يَحْبِسُه ولا شئَ معه يُعْطِيه،
فإِنَّ حَبسَ المُعْسِرِ ظُلْمٌ، وكذلك إن كان عليه دَيْنٌ مُوجَّلٌ خَشِيَ أن يُطالَبَ به قبلَ مَحِلِّه.
وإن كان الدَّيْنُ حالًا، وهو قادِرٌ على أدائِه، فلا عُذْرَ له في التَّخَلُّفِ؛ لأنَّ مَطْلَ الغَنِيِّ ظُلْمٌ.
وإن تَوَجَّهَ عليه حَدٌّ لله تعالى، أو حَدُّ قَذْفٍ، فخافَ أن يُؤْخَذَ به، لم يَكُنْ ذلك عُذْرًا؛ لأنَّه يَجِبُ عليه وَفاؤه،
وكذلك إن تَوَجَّهَ عليه قِصاصٌ.
وقال القاضي: إن رَجا الصُّلْحَ عنه بِمالٍ، فهو عُذْرٌ حتَّى يُصالِحَ،
بخِلافِ الحُدُودِ؛ لأنَّها لا تَدْخُلها المُصالَحَةُ. وحَدُّ القَذْفِ إن رَجا العَفْوَ عنه، فليس بعُذْرٍ، لأنَّه يَرْجُو إسقاطَه بغيرِ بَدَلٍ. الثَّانِي، الخَوْفُ على مالِه مِن لِصٌّ، أو سُلْطانٍ، أو نَحْوِه، أو يَخافُ على بَهِيمَتِه مِن سَبُعٍ، أو شُرُودٍ، إن ذَهب وترَكَها، أو على مَنْزِلِه، أو مَتاعِه، أو زَرْعِه، أو يَخافُ إباقَ عَبْدِه، أو يكونُ له خُبْزٌ في التَّنُّورِ، أو طَبِيخٌ على النّارِ يَخافُ تَلَفَهما بذَهابِه، أو يكونُ له مالٌ ضائِعٌ، أو عَبْدٌ آبِقٌ يَرْجُو وِجْدانَه في تلك الحالِ، أو يخافُ ضَياعَه إنِ اشْتَغَلَ عنه، أو يكونُ له غَرِيمٌ إن تَرَك مُلازَمَتَه ذَهَب، أو يكونُ ناطُورَ بُسْتَانٍ أو نَحْوِه يَخافُ إن ذَهَب سُرِقَ، أو مُسْتَأْجَرًا لا يُمْكِنُه تَرْكُ ما اسْتُؤْجِرَ على حِفْظِه، فهذا وأشْباهُه عُذْرٌ في التَّخَلُّفِ عن الجُمُعَةِ والجَماعَةِ؛
لعُمُومِ قَوْلِه عليه السَّلامُ:«أوْ خَوْفٌ». ولأنَّ في أمْرِه عليه السَّلامُ بالصلاةِ في الرِّحالِ لأجْلِ الطِّينِ والمَطَرِ، مع أن ضَرَرَهما أيْسَرُ مِن ذلك، تنْبيهًا على جَوازِه. الثالثُ، الخوْفُ على وَلَدِه وأهْلِه أن يَضِيعُوا، أو يَخافُ مَوْتَ قَرِيبِه ولا يَشْهَدُه، فهذا كلُّه عُذْرٌ في تَرْكِ الجُمُعَةِ والجماعَةِ. وبهذا قال عَطاءٌ، والحسنُ، والشافعيُّ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا. وقد اسْتُصْرِخَ ابنُ عُمَرَ على سعيدِ بنِ زيدٍ، بعدَ ارْتفاعِ الضُّحَى، وهو يَتَجَهزُ للجُمُعَةِ، فأتاه بالعَقِيقِ وتَرَك الجُمُعَةَ.
والله أَعلمُ.
٥٨٩ -
(وَمَنْ يُدَافِعُ أَحَدَ الْأَخْبَثَيْنِ) لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ) وَيَأْكُلُ حَتَّى يَشْبَعَ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِخَبَرِ أَنَسٍ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "
وَعَنْهُ: مَا يَكْسِرُ بِهِ نَفْسَهُ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ ضَرَرًا، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ فِي الْجُمُعَةِ.
وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ بَدَأَ بِالطَّعَامِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، ابْتَدَرَ إِلَى الصَّلَاةِ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَقَامَ وَصَلَّى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ مُرَادَهُ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَالْخَائِفُ مِنْ ضَيَاعِ مَالِهِ أَوْ فَوَاتِهِ أَوْ ضَرَرٍ فِيهِ) كَمَنْ يَخَافُ عَلَى مَالِهِ مِنْ لِصٍّ أَوْ سُلْطَانٍ، أَوْ يَخَافُ عَلَى بَهِيمَةٍ مِنْ سَبْعٍ أَوْ شُرُودٍ، وَكَمَنْ لَهُ خُبْزٌ فِي تَنُّورٍ، أَوْ طَعَامٌ عَلَى نَارٍ، أَوْ مَاءٌ فِي زَرْعٍ، أَوْ يَخَافُ ضَيَاعَ مَالِهِ، أَوْ إِبَاقَ عَبْدِهِ، أَوْ يَرْجُو وِجْدَانَهُمَا فِي تِلْكَ الْحَالِ، أَوْ يَكُونُ مُسْتَأْجَرًا عَلَى حِفْظِ مَالٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛
لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ اللَّاحِقَةَ بِذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ بَلِّ الثِّيَابِ بِالْمَطَرِ الَّذِي هُوَ عُذْرٌ بِالِاتِّفَاقِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: خَوْفُ فَوْتِ الْمَالِ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ إِذَا لَمْ يُتَعَمَّدْ سَبَبُهُ، بَلْ حَصَلَ اتِّفَاقًا (أَوْ مَوْتِ قَرِيبِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، أَوْ تَمْرِيضِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَخْدِمُهُ، وَأَنَّهُ لَا يَتْرُكُ الْجُمُعَةَ،
وَكَذَا إِنْ خَافَ عَلَى أَهْلِهِ أَوْ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ اسْتُصْرِخَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ؛ وَهُوَ يَتَجَمَّرُ لِلْجُمُعَةِ، فَأَتَاهُ بِالْعَقِيقِ، وَتَرَكَ الْجُمُعَةَ،
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. (أَوْ) يَخَافُ (عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ضَرَرٍ) كَسَبْعٍ أَوْ سَيْلٍ، وَنَحْوِهِمَا (أَوْ سُلْطَانٍ) يَأْخُذُهُ (أَوْ مُلَازَمَةِ غَرِيمٍ، وَلَا شَيْءَ مَعَهُ) يُعْطِيهِ؛ لِأَنَّ حَبْسَ الْمُعْسِرِ ظُلْمٌ،
وَكَذَا إِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، وَخَشِيَ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ قَبْلَ مَحَلِّهِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا قَدَرَ عَلَى أَدَاءِ دَيْنِهِ، فَلَا عُذْرَ، لِلنَّصِّ،
فَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ لِآدَمِيٍّ، أَوْ قِصَاصٌ، فَمِثْلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ وَفَاؤُهُ، لَكِنْ فِي الْقِصَاصِ إِذَا رَجَا الْعَفْوَ عَلَى مَالٍ، وَجْهَانِ، أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ عُذْرٌ حَتَّى يُصَالِحَ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ لَا تَدْخُلُهَا الْمُصَالَحَةُ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ
أو بحَضْرَةِ طَعام هو مُحْتاجٌ إليه. بلا نِزاع.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ له أنْ يأكلَ حتَّى يشْبَعَ. نصَّ عليه، وقدَّمه في «الفُروع»، و «الحَواشِي»، و «الرِّعَايَةِ الكبْرى».
وعنه، يأكُلُ ما يُسْكِنُ نفْسَه فقط. وأطْلَقَهما ابنُ تميمٍ. وجزم به جماعةٌ في الجُمعَةِ؛ منهم ابنُ تميمٍ.
قال في «مَجْمَع البَحْرَيْن»: ويأكُلُ. تِبعَه في إحْدَى «الرِّوايتَيْن» في الجماعة لا الجُمُعَةِ. والرواية الثَّانية، بقدْرِ ما يُسْكِن نفْسَه ويسُدُّ رَمقَه، كأكْلِ خائفٍ فواتَ الجُمُعَةِ.
قلت: هذا إذا رجا إدْراكَها. النهي. والذى يظْهَرُ، أن هذا مُرادُ وَالْخَائِفُ مِنْ ضيَاعِ مَالِهِ، أوْ فَوَاتِهِ، أوْ ضَرَرٍ فِيهِ، أوْ مَوْتِ قَرِيبهِ، أوْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ضَرَرٍ، أوْ سُلْطَانٍ، أَوْ مُلَازَمَةِ غَرِيمٍ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ، الأصحابِ، والإمام أحمدَ، وإلاَّ فما كان في الخِلافِ
فائدةٌ. قال ابنُ حامِدٍ: إن بدَأ بالطَّعام، ثم أقيمَتِ الصَّلاة، ابْتدَر إلى الصَّلاةِ.
قال في «الفروعِ»: ولعلَّ مُرادَه مع عَدَم الحاجَةِ. والخَائِفُ مِن ضَياعِ مالِه. كشُرودِ دابَّتِه، وإباقِ عَبْدِه، ونحوِه، أو يَخافُ عليه مِن لصٌّ أو سُلْطانٍ، أو نحوِه. أو فَواتِه. كالضَّائِع، فدُلَّ عليه في مَكانٍ، أو قُدِمَ به مِن سفَرٍ. لكنْ قال المَجْدُ: الأفضَلُ تَرْكُ ما يرْجُو وُجودَه، ويصلِّي الجُمُعَةَ مع الجماعةِ.
قول: أو ضَرَر فيه. كاحْتِراقِ خُبْزِه أو طَبيخِه، أو أطْلقَ الماءَ على زرْعِه، ويخافُ إن ترَكه فسَد، ونحوِه. قال المَجْدُ: والأْفضَل فِعْلُ ذلك، وترك الجُمُعَةِ والجماعَةِ. وهذا المذهبُ في ذلك كلَّه،
ولو تعَمَّد سبَبَ ضررِ المالِ.
وقال ابنُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَقِيل: يُعْذَرُ في ترْكِ الجُمُعَة إذا تَعَمَّدَ السَّببَ. قال: كسائرِ الجيَلِ لإسْقاطِ العِباداتِ.
قال في «الفروعِ»: كذا أطلقَ، واسْتدَلَّ.
وعنه، إنْ خافَ ظُلْمًا في مالِه، فلْيَجْعَلْه وِقايةً لدينهِ. ذكَره الخَلاَّلُ.
فائدة: وممَّا يُعْذرُ به في ترْكِ الجُمُعَةِ والجماعةِ؛ خوفُ الضَّررِ في مَعِيشَةٍ يحتاجُها، أو مالٍ اسْتُؤْجرَ على حِفْظِه، وكنِظارَة بُسْتانٍ ونحوِه، أو تطْويلِ الإمامِ. أو مَوتِ قَريبِه. بلا نِزاعٍ، ونصَّ عليه.
قال في «مَجْمَع البحْرَيْن»: إذا لم يكنْ عندَه مَن يسُدُّ مَسَدَّه في أُمورِه. أوْ مِنْ فَوَاتِ رُفْقَتِهِ، أوْ غَلَبَةِ النُّعَاسِ،
فائدة: ويُعْذَرُ أَيضًا في ترْكِها لتَمْريض قرِيبِه. ونقَل ابنُ مَنْصُورٍ فيه، وليس له يخْدِمُه، وأنَّه لا يتْركُ الجُمُعَةَ.
وقال في «النَّصِيحَةِ»: وليس له من يخْدِمُه، أنْ يتضرَّرَ. ولم يجدْ بُدًّا مِن حُضورِه.
ومثْلُه مَوتُ رَقيقه أو تمْرِيضُه.
تنبيه: قوله: أو مِن فَواتِ رُفْقَتِه. هكذا قال أكثرُ الأصحابِ. وقيَّدَه بعضُهم أوِ الْأَذَى بِالْمَطَرِ، وَالْوَحْل، وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ في اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْبَارِدَةِ.
بأن يكونَ في سفرٍ مُباحٍ إنْشاءً واستِدامَةً؛ منهم ابن تَميمٍ، وابن حَمْدانَ.
Says nothing on this mas’ala.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.