يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَمَتِّعِ الَّذِي حَلَّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُحِلِّينَ بِمَكَّةَ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ مَكَّةَ
Its commentaries
بَابُ صِفَةِ الحَجِّ نَذْكُرُ في هذا البابِ صِفَةَ الحَجِّ، بعدَ جِلِّ المُتَمَتِّع مِن عُمْرَتِه، والأوْلَى أن نَبْدَأَ بذِكْرِ حَدِيثِ جابِرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، في صِفَةِ حَجٍّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ونَقْتَصِرُ منه على ما يَخْتَصُّ بهذا البابِ، وقد ذَكَرْنا بعضَه مُتَفرِّقًا في الأبْوابِ المُتَقَدِّمَةِ، وهو صَحِيحٌ، رَواه مسلمٌ وغيرُه بالإِسْنادِ عن جابِرٍ، وذَكَر الحَدِيثَ قال: فحَلَّ النّاسُ كلُّهم، وقَصِّرُوا، إلَّا النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - ومَن كان معه هَدْىٌ، فلَمّا كان يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، تَوَجَّهُوا إلى مِنًى، فأهَلُّوا بالحَجِّ، ورَكِب النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -، إلى مِنًى، فصَلَّى بها الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِبَ والعِشاءَ والفَجْرَ، ثم مَكَث قَلِيلًا حتى طَلَعَتِ الشمسُ، وأمَرَ بقُبَّةٍ مِن شَعَرٍ، فضُرِبَتْ له بنَمِرَةَ، فسارَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلَّا أنَّه واقِفٌ عندَ المَشْعَرِ الحَرَام، كما كانت قرَيش تَصْنَعُ في الجاهِلِيَّةِ، فأجازَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، حتى إذا أتَى عَرَفَةَ فوَجَدَ القُبَّةَ قد ضُرِبَتْ له بنَمِرَةَ، فنَزَلَ بها حتى إذا زالَتِ الشمسُ أمَر بالقَصْواءِ فرحِلَتْ له، فأتَى بَطْنَ الوَادِى، فخَطَبَ النّاسَ،
وقال: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأمْوَالَكُمْ حَرَامٌ، كَحْرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، ألَا إنَّ كلَّ شَئٍ مِنْ أمْرِ الجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَىَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءَ الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإنَّ أوَّلَ دَم أضَعُهُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ -كانَ مُسْتَرْضَعًا في بَنِى سَعْدٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ- وَرِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأوَّلُ رِبًا أضَعُ مِنْ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسٍ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فإنَّه مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فَإنَّكُمْ أخَذْتُمُوهُنَّ بأَمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنّ ألّا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحَدًا تَكْرهُونَهُ، فَإنْ فَعَلْنَ ذلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَير مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُن بِالمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُبْم مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابَ اللهِ، وَأنتمْ تُسْأَلُونَ عَنِّى، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»
قالُوا: نَشْهَدُ أنَّكَ قَد بَلَّغْتَ، وأدَّيْتَ، ونَصَحْت. فقالَ بإصْبَعِه السَّبَّابَةِ يَرْفَعُها إلى السَّماءِ، وَينْكُبُها إلى النّاسِ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ». ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثم أذَّنَ، ثم أقامَ فصَلَّى الظُّهْرَ، ثم أقامَ فصَلَّى العَصْرَ، ولم يُصَلِّ بينَهما شَيْئًا، ثم رَكِب رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حتى أتَى المَوْقِفَ، فجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِه القَصْواءِ إلى الصَّخَراتِ، وجَعَل حَبْلَ المُشَاةِ بينَ يَدَيْهِ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فلم يَزَلْ واقِفًا حتى غَرَبَتِ الشمسُ، وذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حتى غابَ القُرْصُ، وأرْدَفَ أُسامَةَ خلفَه، ودَفَع رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقد شَنَقَ للقَصْواءِ الزِّمامَ؛
حتى إنَّ رَأْسَها ليُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِه، ويقولُ بيَدِه اليُمْنَى:«أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ». كُلَّمَا أتَى حَبْلًا مِن الحِبالِ أرْخَى لها قَلِيلًا حتى تَصْعَدَ، حتى أتَى المُزْدَلِفَةَ، فصَلَّى بها المَغْرِبَ والعِشاءَ، بأذانٍ واحِدٍ وإقامَتَيْن، ولم يُسَبِّحْ بينَهما شَيْئًا، ثم اضْطَجَعَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حتى طَلَع الفَجْرُ، فصَلَّى الصُّبْحَ حينَ تَبَيَّنَ له الصُّبْحُ بأذانٍ وإقامَةٍ، ثم رَكِب القَصْواءَ حتى أتَى المَشْعَرَ الحَرامَ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فدَعَا اللهَ وكَبَّرَه وهَلَّلَهُ ووَحَّدَه، ولم يَزَلْ واقِفًا حتى أسْفَرَ جِدًّا، فدَفَعٍ قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ، وأرْدَفَ الفَضْلَ ابنَ العباسٍ، وكان رجلاً حَسَنَ الشَّعَرِ أبيضَ وَسِيمًا، فلَمّا دَفَع رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّتْ به ظُعُنٌ يَجْرِينَ، فطَفِقَ الفَضْلُ يَنْظرٌ إلَيْهِنَّ، فوَضَعَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدَه على وَجْهِ الفَضْلِ، فحَوَّلَ وَجْهَه إلى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظرُ، فحَوَّلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدَه مِن الشِّقِّ الآخَرِ على وَجْهِ الفَضْلِ، فصَرَفَ وَجْهَه مِن الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ، حتى أتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فحَرَّكَ قَلِيلًا، ثم سَلَك الطرِيقَ الوُسْطىَ التى تَخْرُجُ على الجَمْرَةِ الكُبْرَى، حتى أتَى الجَمْرَةَ التى عندَ الشَّجَرَةِ، فرَمَاها بسَبْع حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ منها، مثل حَصَا الخَذْفِ ، رَمَى مِن بَطنِ الوَادِى، ثم انْصَرَفَ إلى المَنْحَرِ، فنَحَرَ ثَلاثًا وستِّينَ بَدَنَةً بيَدِه، ثمّ أعْطىَ عَلِيًّا فَنَحَر ما غَبَرَ ، وأشْرَكَه في هَدْيِه، ثم أمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ ببِضْعَةٍ فجُعِلَتْ في قِدْرٍ فطُبخَتْ، فأكَلَا مِن لَحْمِها، وشَرِبَا مِن مَرَقِها، ثم رَكِب رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأفَاضَ إلى البَيْتِ، فصَلَّى بمَكَّةَ الظُّهْرَ، فأتَى بنِى عبدِ المُطَّلِبِ وهم يَسْقُونَ على زمْزَمَ، فقال:«انْزِعُوا بَنى عَبْدِ المُطَّلِبِ، فلَوْلَا أنْ تَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لنَزَعْتُ مَعَكُمْ».
فنَاوَلُوه دَلْوًا شَرِب منه. قال عَطاءٌ: كان مَنْزِلُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بمِنًى بالخَيْفِ.
١٢٨٠ - مسألة: (يُسْتَحَبُّ للمُتَمَتِّع الذىْ حَلَّ، وغيرِه مِن المُحِلِّينَ بمَكَّةَ، الإحْرامُ بالحَجِّ يومَ التَّرْوِيَةِ -وهو الثامِنُ مِن ذِى الحِجَّةِ- مِن مَكَّةَ، ومِن حيثُ أحْرَمَ مِن الحَرَمِ، جاز) سُمِّىَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ بهذا الاسْمِ؛ لأنَّهُم كانُوا يَتَرَوَّوْنَ مِن الماءِ فيه، يُعِدُّونَه ليومِ عَرَفَةَ،
وقِيلَ: سُمِّىَ بذلك؛ لأنَّ إبْراهِيمَ، عليه السلامُ، رَأى لَيْلَتَئِذٍ في المَنامِ ذَبْحَ ابنه، فأصْبَحَ يَرْوِى في نَفْسِه أهو حُلْمٌ أم مِن اللَّه تِعالَى؟ فَسُمِّىَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فلمّا كانت لَيْلَةُ عَرَفَةَ رَأَى ذلك أيضًا، فعَرَفَ أنَّه مِن اللَّه، فسُمِّىَ يَوْمَ عَرَفَةَ، واللَّهُ تَعالَى أعْلَمُ. والمُسْتَحَبُّ لمَن كان بمَكَّةَ مِن المُتَمَتِّعِينَ الذين حَلُّوا مِن عُمْرَتِهم، أو كان مُقِيمًا بمَكَّةَ مِن أهْلِها أو مِن غيرِهم وهو حَلالٌ، أن يُحْرِمُوا يومَ التَّروِيَةِ حينَ يَتَوَجَّهُونَ إلى مِنًى.
وبهذا قال ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وإسحاقُ. وقد رُوِى عن عُمَرَ، رضي اللَّه عنه، أنَّه قال لأهْلِ مَكَّةَ: ما لَكُمْ يَقْدَمُ النّاسُ عليكم شُعْثًا! إذا رَأَيْتُم الهِلالَ فأهِلُّوا بالحَجِّ. وهذا مَذْهَبُ ابنِ الزُّبَيْرِ.
وقال مالكٌ: مَن كان بمَكَّةَ، فأُحبُّ أن يُهِلَّ مِن المَسْجِدِ لهِلالِ ذِى الحِجَّةِ. ولَنا، قَوْلُ جابِرٍ: فلمّا كان يَوْمُ التَّروِيَةِ تَوَجَّهُوا إلى مِنًى، فأهَلُّوا بالحَجِّ. وفى لَفظٍ عن جابِرٍ، رضي اللَّه عنه، قال: أمَرَنا النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمَّا حَلَلْنَا، أن نُحْرِمَ إذا تَوَجَّهْنا إلى مِنًى فأهْلَلْنا مِن الأبْطَحِ، حتى إذا كان يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وجَعَلْنا مَكَّةَ بظَهْرٍ، أهْلَلْنَا بالحَجِّ. رَواه مسلمٌ . وعن عُبَيْدِ ابن جُرَيْجٍ، أنه قال لابن عُمَرَ: رَأَيْتُكَ إذا كُنْتَ بمَكَّةَ، أهَلَّ النّاسُ ولم تُهِلَّ أنت، حتى يكونَ يومُ التَّرْوِيَةِ؟
فقال عبدُ اللَّه بنُ عُمَرَ: أمَّا الإِهْلالُ، فإنِّى لم أر رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُهِلُّ حتى تَنْبَعِثَ به راحِلَتُه. مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّه مِيقاتٌ للإحْرامِ، فاسْتَوَى فيه أهْلُ مَكَّةَ وغيرُهم، كمِيقاتِ المَكانِ.
وإن أحْرَمَ قبلَ ذلك، جازَ.
فصل: والأفْضَلُ أن يُحْرِمَ مِن مَكَّةَ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في المَواقِيتِ:«حَتَّى أهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا».
ومِن أيها أحْرَمَ جازَ؛ للحَدِيثِ.
وإن أحْرَمَ خارجًا منها مِن الحَرَم، جازَ؛ لقَوْلِ جابِرٍ: فأهْلَلْنَا مِن الأبْطَحِ. ولأنَّ المَقْصُودَ أن يَجْمَعَ في النُّسُكِ بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، وذلك حاصِلٌ بإِحْرامِه مِن جَمِيع الحَرَمِ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَفْعَلَ عندَ إحْرامِه هذا ما يَفْعَلُه عندَ الإِحْرامِ مِن المِيقاتِ؛ مِن الغُسْلِ والتَّنْظِيفِ، ويَتَجَرَّدُ عن المَخِيطِ، ويَطُوفُ سَبْعًا، ويُصَلِّى رَكْعَتَيْن، ثم يُحْرِمُ عَقِيبَهما. ومِمَّن اسْتَحَبَّ ذلك عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. ولا يُسَنُّ أن يَطُوفَ بعدَ إحْرامِه. قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّه عنه: لا أرَى لأهْلِ مَكَّةَ أن يَطُوفوا بعدَ أن يُحْرِمُوا بالحَجِّ، ولا أن يَطُوفُوا بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ حتى يَرْجِعُوا. وهذا مَذْهَبُ عَطاءٍ، ومالكٍ، وإسحاقَ.
وإن طافَ بعدَ إحْرامِه ثم سَعى، لم يُجْزِئْه عن السَّعْىِ الواجِبِ. وهذا قولُ مالكٍ.
وقال الشافعىُّ: يُجْزِئُهُ. فَعَلَه ابنُ الزُّبَيْرِ. وهو قولُ القاسمِ بنِ محمدٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه سَعَى في الحَجِّ مَرَّةً فأجْزَأه، كما لو سَعَى بعدَ رُجُوعِه مِن مِنًى، وكما لو سَعَى بعدَ طَوافِ القُدُومِ. ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر أصحابَه أن يُهِلُّوا بالحَجِّ إذا خَرَجُوا إلى مِنًى.
ولو شُرِعَ لهم الطَّوافُ، لم يَتَّفِقُوا على تَرْكِه. وقالت عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها: خَرَجْنا مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فطافَ الذين أهَلُّوا بالعُمْرَةِ بالبَيْتِ، وبين الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثم حَلُّوا، ثمّ طافُوا طَوافًا آخَرَ بعدَ أن رَجَعُوا مِن مِنًى ، ١٢٨١ -
بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ] [صِفَةُ الْحَجِّ] بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ أَصْلُهُ حَدِيثِ جَابِرٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَمَتِّعِ الَّذِي حَلَّ) مِنْ عُمْرَتِهِ (وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُحِلِّينَ بِمَكَّةَ) سَوَاءٌ كَانَ مُقِيمًا بِهَا مَنْ أَهْلِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ (الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ:«أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى فَأَهْلَلْنَا مِنَ الْأَبْطَحِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ جَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْهُ: الْمَكِّيُّ يُهِلُّ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ، لِقَوْلِ عُمَرَ لِأَهْلِ مَكَّةَ: إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ جَاوَزَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لَزِمَهُ دَمُ الْإِسَاءَةِ مَعَ دَمِ التَّمَتُّعِ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَفِي " الرِّعَايَةِ ": يُحْرِمُ يَوْمَ تَرْوِيَةٍ أَوْ عَرَفَةَ،
فَإِنْ غَيَّرَهُ، فَدَمٌ، وَلَا يَطُوفُ بَعْدَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُ: لَا يَخْرُجُ حَتَّى يُوَدِّعَهُ، وَطَوَافُهُ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ مِنًى لِلْحَجِّ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَاضِحِ " وَ " الْكَافِي " فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ أَتَى بِهِ، وَسَعَى بَعْدَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ، (وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَرَوُّونَ فِيهِ الْمَاءَ لِمَا بَعْدَهُ،
وَقِيلَ: لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَصْبَحَ يَتَرَوَّى فِي أَمْرِ الرُّؤْيَا،
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. (مِنْ مَكَّةَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» وَكَانَ عَطَاءٌ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ مُهِلًّا بِالْحَجِّ، وَالْأَفْضَلُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَسْجِدِ،
وَفِي " الْمُبْهِجِ " وَ " الْإِيضَاحِ " مِنْ تَحْتِ الْمِيزَابِ،
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ فِي إِحْرَامِهِ مَا يَفْعَلُهُ فِي إِحْرَامِهِ مِنَ الْمِيقَاتِ، مِنْ غُسْلٍ وَغَيْرِهِ، وَيَطُوفُ سَبْعًا وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ
بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ بَابُ صِفَةِ الحَجِّ يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَمَتِّع الَّذِى حَلَّ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُحِلِّينَ بِمَكَّةَ، الإحْرَامُ بِالْحَجِّ يَوْم التَّرْوِيَة -وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِى الْحِجَّةِ- مِنْ مَكَّةَ،
وَمِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ مِنَ الْحَرَمِ، جَازَ. يُسْتَحَبُّ للمُتَمَتِّع الذى حَلَّ، وغيرِه مِنَ المُحِلِّين بمَكَّةَ، الإحْرامُ يومَ التَّرْوِيَةِ؛ وهو الثامِنُ مِن ذِى الحِجَّةِ. هذا المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه أكثرُ الأصحابِ، ونصَّ عليه. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيلَ للإمامِ أحمدَ: المَكِّىُّ يُهِلُّ إذا رأى الهِلالَ؟ قال: كذا يُرْوَى عن عُمَرَ. قال القاضى: فنَصَّ على أنَّه يُهِلُّ قبلَ يوْمِ التَّرْوِيَةِ.
وقال فى «التَّرْغِيبِ»: يُحْرِمُ المُتَمَتِّعُ يومَ التَّرْوِيَةِ،
فلو جاوزَه غيرَ مُحْرِمٍ، لَزِمَه دَمُ الإِساءَةِ مع دَمِ التَّمَتُّع. على . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحِّ. وقال فى «الرِّعايَةِ»: يُحْرِمُ يومَ التَّروِيَةِ أو غيرَه،
فإنْ عبَرَه، فعليه دَمٌ. وتقدَّم فى بابِ الإِحْرامِ، أنَّ المُتَمتِّعَ إذا ساقَ الهَدْىَ، لم يحِلَّ،
ويُحْرِمُ بالحَجِّ بعدَ طَوافِه وسَعْيِه. ويُسْتَثْنَى مِن كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، المُتَمَتِّعُ إذا لم يَجِدِ الهَدْىَ وصامَ، فإنَّه يُحْرِمُ يومَ السَّابع، على ما تقدَّم فى الفِدْيَةِ.
فائدتان؛ إحْداهما، يُسْتَحَبُّ أن يفْعَلَ عندَ إحْرامِه هذا ما يفْعَلُه عندَ الإِحْرامِ مِنَ المِيقاتِ؛ مِن الغُسْلِ، والتَّنْطيفِ، ويَتَجَرَّدُ عنِ المَخيطِ، ويَطوَفُ سَبعًا، ويُصَلِّى ركْعَتَيْن، ثم يُحْرِمُ. الثَّانيةُ، إذا أحْرَمَ بالحَجِّ، لا يطُوفُ بعدَه قبلَ خُروجِه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لودَاعِ البَيْتِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نقَلَه الأثْرَمُ. وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال: اخْتارَه الأكْثَرُ. ونقَل ابنُ مَنْصُورٍ، وأبو داودَ، لا يخْرُجُ حتى يُوَدِّعَه، وطَوافُه بعدَ رُجوعِه مِن مِنًى للحَجِّ. وجزَم به فى «الواضِحِ»، و «الكافِى»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ». وأطْلقَ جماعةٌ رِوايتَيْن. فعلَى الأوَّلِ، لو أتَى به وسَعَى بعدَه، لم يُجْزِئْه عنِ السَّعْى الواجبِ. مِن مَكَّةَ، ومِن حيث أحْرَمَ مِنَ الحَرَمِ، جازَ. المُسْتَحَبُّ، أنْ . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . .
يُحْرِمَ مِن مكَّةَ، بلا نزاعٍ. والظَّاهِرُ، أنَّه لا تَرْجِيحَ لمَكانٍ على غيرِه. ونقَل حَرْبٌ، يُحْرِمُ مِنَ المَسْجِدِ. قال فى «الفُروعِ»: ولم أجِدْ عنه خِلافَه، ولم يذْكُرْه الأصحابُ إلَّا فى «الإِيضَاحِ»، فإنَّه قال: يُحْرِمُ به مِنَ المِيزَابِ.
قلتُ: وكذا قال فى «المُبْهِجِ». وتقدَّم ذلك فى المَواقيتِ.
وقوله: ومِن حيثُ أحْرَمَ مِنَ الحَرَم، جازَ. يجوزُ الإِحْرامُ مِن جميع بِقَاعِ الحَرمِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. ونقَلَهَ الأَثْرَمُ، وابنُ مَنْصُورٍ، وعليه الجُمْهورُ. ونصَرَه القاضى وأصحابُه. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه، مِيقَاتُ حَجِّه، مِن مكَّةَ فقط. فيَلْزَمُه الإِحْرامُ منها. قال فى «الرِّعايتَيْن»، و «الفائقِ»،
فى بابِ المَواقيتِ: ومَن بمَكةَ، فمِيقاتُه لحَجِّه منها. نصَّ عليه.
وقيل: مِنَ الحرَمِ.
تنبيه: ظاهرُ كلامِه، أنَّه لو أحْرَمَ به مِن الحِلِّ، لا يجوزُ، فيكونُ الإِحْرامُ مِن ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى مِنًى فَيُصَلِّى بِهَا الظُّهْرَ، وَيَبِيتُ بِهَا.
الحرَمِ واجِبًا، فلو أحَلَّ به، كان عليه دَمٌ. وهو إحْدَى الرِّوايتَيْن. جزَم به المُصَنِّفُ،
وقال: إنْ مَرَّ مِنَ الحَرَمِ قبلَ مُضِيه إلى عرفَةَ , [فلا دَمَ عليه. و] الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يجوزُ
ويصِحُّ، ولا دَمَ عليه. نقَله الأَثْرَمُ، وابنُ مَنْصورٍ. ونَصَره القاضى وأصحابُه. وقدمه فى «الفُروعِ»، كما تقدم فى مَن أحْرَمَ مِنَ الحَرَمِ. وأطْلَقَهما فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايَتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفائقِ»، وغيرِهم، فى وُجوبِ الدَّمِ. وتقدَّم ذلك بأتَم مِن هذا فى بابِ المَواقيتِ، بعدَ قولِه: وأهْلُ مكَّةَ، إذا أرادُوا الحَجَّ،
فمِن مَكَّةَ.
تنبيهان؛ أحدُهما، قولُه: ثم يَخْرُجُ إلى مِنًى. يُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ خُروجُه قبلَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الزَّوالِ، وأنْ يصَلِّىَ بها خَمْسَ صَلواتٍ. نصَّ عليه. الثَّانى، ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنه لا يخْطُبُ يومَ السَّابعِ بعدَ صلاةِ الظُّهْرِ بمكةَ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وهو مِن مُفْرَداتِ المَذْهَبِ. واخْتارَ الآجُرىُّ، أنَّه يخْطُبُ، ويُعَلِّمُهم ما يفْعَلون يومَ التَّرْوِيَةِ.
فَإذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، سَارَ إِلَى عَرَفَةَ، فَأَقَامَ بِنَمِرَةَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ.
باب صفة الحج] قال المصنف رحمه الله: (يستحب للمتمتع الذي حل وغيره من المحلين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة من مكة. ومن حيث أحرم من الحرم جاز) .
أما استحباب الإحرام لمن ذكر في يوم التروية فلأن جابراً رضي الله عنه قال:«فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج».
وأما استحبابه من نفس مكة فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«حتى أَهْل مكة يهلون منها».
و«كان عطاء يستلم الركن ثم ينطلق منه مهلاً بالحج».
وأما جوازه من أي موضع كان من الحرم فلأن في حديث جابر رضي الله عنه:«فأهللنا من الأبطح». وهو موضع خارج نفس البلد داخل في الحرم. قال: (ثم يخرج إلى منى فيصلي بها الظهر ويبيت بها،
فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة فأقام بنمرة حتى تزول الشمس، ثم يخطب الإمام خطبة يعلمهم فيها الوقوف ووقته والدفع منه والمبيت بمزدلفة، ثم ينزل فيصلي بهم الظهر والعصر يجمع بينهما بأذان وإقامتين).
أما خروجه إلى منى إلى آخره فلأن في حديث جابر رضي الله عنه:«فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ومكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شَعر تُضرب له بنمرة. فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضُربت له بنمرة. فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرُحِّلَتْ له. فأتى بطن الوادي فخطب الناس. ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم لم يصل بينهما شيئاً».
وأما تعليم الناس في الخطبة الوقوف ووقته والدفع منه والمبيت بمزدلفة فليذكر العالم ويتعلم الجاهل.
وأما الجمع فظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا أنه يجوز لكل من حضر عرفة من مكة وغيرها وصرح به في المغني، وعلله بأن النبي صلى الله عليه وسلم جَمَع وجَمَع الناس معه ولم يأمر المكيين بترك الجمع كما أمرهم بترك القصر حين قال:«أتموا فإنا سفر».
ولو حرم الجمع لبينه لهم؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وبـ «أن عثمان كان يتم الصلاة» لأنه اتخذ بمكة أهلاً ولم يبلغنا أنه ترك الجمع ولو تركه لنقل كما نقل الإتمام.
وقال أصاحبنا القاضي وأبو الخطاب وابن عقيل: يختص بمن بينه وبين وطنه مسافة القصر؛ لأن سبب الجمع السفر الطويل فلا يجوز إلا حيث وجد سببه.
ولأن الجمع كالقصر والقصر يختص بمن ذكر فكذا الجمع.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.