ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلِّ شَيْءٍ
Its commentaries
مسألة: (ثم قد حَلَّ له كلُّ شئٍ) . يَعْنِى إذَا طافَ للزِّيارَةِ بعدَ الرَّمْى والنَّحْرِ والحَلْقِ، وكان قد سَعَى، حَلَّ له كلُّ شئٍ حَرَّمَه الإِحْرامُ. وقد ذَكَرْنا أنَّه لم يَكُنْ بَقِىَ عليه مِن المَحْظُوراتِ سِوَى النِّساءِ، فبهذا الطَّوافِ حَلَّ له النِّساءُ. قال ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنهما: لم يَحِلَّ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن شئٍ حَرُمَ منه، حتى قَضَى حَجَّه، ونَحَر هَدْيَه يَوْمَ النَّحْرِ، فأفاضَ بالبَيْتِ، ثم حَلَّ مِن كلِّ شئٍ حَرُمَ منه.
وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، مثلُه. مُتَّفَقٌ عليهما . ولا نَعْلَمُ خِلافًا في حُصُولِ الحِلِّ بما ذَكَرْناه على هذا التَّرْتِيبِ،
فإن طافَ ولم يَكُنْ سَعَى، لم يَحِلَّ حتى يَسْعَى، إن قُلْنا: إنَّ السَّعْىَ رُكْنٌ.
وإن قُلْنا: هو سُنَّةٌ. فهل يَحِلُّ قبلَه؟ على وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، يَحِلُّ؛ لأنَّه لم يَبْقَ عليه شئٌ مِن واجِباتِه. والثانى، لا يَحِلُّ؛ لأنَّه مِن أفْعالِ الحَجِّ، فيَأْتى به في إحْرامِ الحَجِّ، كالسَّعْىِ في العُمْرَةِ.
فصل: قال الخِرَقِىُّ: يُسْتَحَبُّ للمُتَمَتِّعِ إذا دَخَل مَكَّةَ لطَوافِ الزِّيارَةِ، أن يَطُوفَ طَوافًا يَنْوِى به القُدُومَ، ثم يَسْعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثم يَطُوفَ طَوافَ الزِّيارَةِ؛ لأنَّ المُتَمَتِّعَ لم يَأْتِ به قبلَ ذلك،
فإنَّ الطَّوافَ الذى طافَه في الأوَّلِ كان طَوافَ العُمْرَةِ. وقد نَصَّ أحمدُ، رَحِمَه اللَّه، على ذلك في رِوايَةِ الأثْرَمِ.
قال: قُلْتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: فإذَا رَجَع -يَعْنِى المُتَمَتِّعَ- كم يَطُوفُ ويَسْعَى؟ قال: يَطُوفُ ويَسْعَى لحَجِّه، ويَطُوفُ طَوافًا آخَرَ للزِّيارَةِ. عاوَدْناه في هذا غيرَ مَرَّةٍ، فثَبَتَ عليه.
وكذلك الحُكْمُ في القارِنِ والمُفْرِدِ، إذا لم يَكُونَا أتَيَا مَكَّةَ قبلَ يومِ النَّحْرِ، ولا طافا طَوافَ القُدُومِ، فإنَّهُما يَبْدآن بطَوافِ القُدُومِ قبلَ طَوافِ الزِّيارَةِ. نَصَّ عليه أحمدُ أيضًا. واحْتَجَّ بما رَوَتْ عائشةُ، رَضىَ اللَّه عنها، قالت: فطافَ الذين أهَلُّوا بالعُمْرَةِ، وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثم حَلُّوا، ثم طافُوا طَوافًا آخَرَ بعدَ أن رَجَعُوا مِن مِنًى لحَجِّهم،
وأمَّا الذين جَمَعُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ فإنَّما طافُوا طَوافًا واحِدًا . فحَمَلَ أحمدُ، رَضِىَ اللَّه عنه، قولَ عائشةَ على أنَّ طَوافَهم لحَجِّهم هو طَوافُ القُدُومِ، ولأنَّه قد ثَبَت أنَّ طَوافَ القُدُومِ مَشْرُوعٌ، فلم يَكُنْ طَوافُ الزِّيارَةِ مُسْقِطًا له، كتَحِيَّةِ المَسْجِدِ عندَ دُخُولِه قبلَ التَّلبُّسِ بصلاةِ الفَرْضِ. قال شيخُنا ، رَحِمَه اللَّه: ولم أعْلَمْ أحَدًا وَافَقَ أبا عبدِ اللَّهِ على هذا الطَّوافِ الذى ذَكَرَه الخِرَقِىُّ، بل المَشْرُوعُ طَوافٌ واحِدٌ للزِّيارَةِ، كمَن دَخَل المَسْجِدَ، وأُقِيمَتِ الصلاةُ، فإنَّه يَكْتَفِى بها مِن تَحِيَّةِ المَسْجِدِ.
ولأنَّه لم يُنْقَلْ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا أصحابِه الذين تَمَتَّعُوا معه في حَجَّةِ الوادعِ، ولا أمَرَ به النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أحدًا، وحَدِيثُ عائشةَ دَلِيلٌ على هذا، فإنَّها قالت: طافُوا طَوافًا واحِدًا بعدَ أن رَجَعُوا مِن مِنًى لحَجَّتِهم. وهذا هو طَوافُ الزِّيارَةِ، ولم تَذْكُرْ طَوافًا آخَرَ،
ولو كان هذا الذى ذَكَرَتْه طَوافَ القُدُومِ، لكانَتْ قد أخَلَّتْ بذِكْرِ طَوافِ الزِّيارَةِ الذى هو رُكْنُ الحَجِّ، لا يَتِمُّ إلَّا به، وذَكَرَتْ ما يُسْتَغْنَى عنه، وعلى كلِّ حالٍ فما ذَكَرَتْ إلَّا طَوافًا واحِدًا،
فمِن أين يُسْتَدَلُّ على طَوافَيْن؟ وأيضًا فإنَّها لَمَّا حاضَتْ، فقَرَنَتِ الحَجَّ إلى العُمْرَةِ بأمْرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم تَكُنْ طافَتْ للقُدُومِ، لم تَطُفْ للقُدُومِ، ولا أمَرَها به النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأنَّ طَوافَ القُدُومِ لو لم يَسْقُطْ بالطَّوافِ الواجبِ، لَشُرِعَ في حَقِّ المُعْتَمِرِ طوافٌ للقُدُومِ مع طَوافِ العُمْرَةِ، ولأنَّه أوَّلُ قُدُومِه إلى البَيْتِ، فهو به أوْلَى مِن المُتَمَتِّعِ الذى يَعُودُ إلى البَيْتِ بعدَ رُؤْيَتِه وطَوافِه. وفى الجُمْلَةِ، هذا الطَّوافُ المُخْتَلَفُ فيه ليس بواجِبٍ، إنَّما الواجِبُ طَوافٌ واحِدٌ، وهو طَوافُ الزِّيارَةِ، وهو في حَقِّ المُتَمَتِّعِ كهو في حَقِّ القارِنِ والمُفْرِدِ، لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به.
فصل: والأطْوِفَةُ المَشْرُوعَةُ في الحَجِّ ثَلَاَثَةٌ؛ طَوافُ الزِّيارَةِ، وهو رُكْنٌ لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به، بغيرِ خِلافٍ. وطوافُ القُدُومِ، وهو سُنَّةٌ، لا شئَ على تَارِكِه. وطَوافُ الوَداعِ، واجِبٌ، يَجِبُ بتَرْكِه دَمٌ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه.
وقال مالكٌ: على تارِكِ طَوافِ القُدُوم دَمٌ، ولا شئَ على تارِكِ طَوافِ الوداعِ. وحُكِىَ عن الشافعىِّ كقولِنا في طَوافِ الوَداعِ، وكقولِه في طَوافِ القُدُومِ. وما زادَ على هذه الأطْوِفَةِ فهو نَفْلٌ، ولا يُشْرَعُ في حَقِّهِ أكثرُ مِن سَعْىٍ واحِدٍ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه. قال جابِرٌ: لم يَطُفِ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا أصحابُه بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ إلَّا طَوافًا واحِدًا، طَوافَه الأوَّلَ. رَواه مسلمٌ . ولا يكونُ السَّعْىُ إلَّا بعدَ طَوافٍ، وقد ذَكَرناه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَدْخُلَ البَيْتَ، فيُكَبِّرَ في نَواحِيهِ، ويُصَلِّىَ فيه رَكْعَتَيْن، ويَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. قال ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: دَخَل النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- البَيْتَ، وبِلالٌ، وأُسامَةُ بنُ زَيْدٍ، فقُلْتُ لبلالٍ: هل صَلَّى فيه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: نعم.
قُلْتُ: أين؟ قال: بينَ العَمُودَيْن تِلْقَاءَ وَجْهِه. قال: ونَسِيتُ أن أسْألَه كم صَلَّى.
وقال ابنُ عباسٍ : أخْبَرَنِى أُسَامَةُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمَّا دَخَل البَيْتَ، دَعَا في نَواحِيه كلِّها، ولم يُصَلِّ فيه حتى خَرَج. مُتَّفَقٌ عليهما . فقَدَّمَ أهْلُ العِلمِ رِوايَةَ بِلالٍ على رِوايَةِ أُسامَةَ؛ لأنَّه مُثْبِتٌ، وأُسامَةُ نافٍ، ولأنَّ أُسامَةَ كان حَدِيثَ السِّنِّ، فيَجُوزُ أن يكونَ اشْتَغَلَ بالنَّظَر إلى ما في الكَعْبَةِ عن صلاةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وإن لم يَدْخُلِ البَيْتَ، فلا بَأْسَ،
فإنَّ إسْماعِيلَ بنَ أبى خالدٍ قال: قُلْتُ لعبدِ اللَّهِ ابِن أبى أوفَى: دَخَل النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- البَيْتَ في عُمْرَتِه؟ قال: لا. مُتَّفَقٌ عليه . وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّه عَنها، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَجَ مِن عندِها وهو مَسْرُورٌ، ثم رَجَعَ وهو كَئِيبٌ. فقال:«إنِّى دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا دَخَلْتُهَا، إنِّى أَخَافُ أنْ أكُونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتِى». ١٣١٣ -
(ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلِّ شَيْءٍ) «لِقَوْلِ عُمَرَ لَمْ يُحِلَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ شَيْءِ حَرِمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ وَتَمَّ هَدْيُهُ يَوْمَ النَّحْرِ فَأَفَاضَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرِمَ مِنْهُ» ، وَعَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْحِلَّ مُتَوَقِّفٌ عَلَى السَّعْيِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ بِرُكْنِيَّتِهِ،
وَكَذَا إِنْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " وَصَاحِبُ " الْمُغْنِي " وَحَكَاهُ فِي " التَّلْخِيصِ " رِوَايَةً،
وَإِنْ قُلْنَا بِسُنِّيَّتِهِ، فَفِي حِلِّهِ قَبْلَهُ وَجْهَانِ،
وَفِي " الْمُغْنِي " احْتِمَالَانِ أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَجْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْوَاجِبَاتِ،
وَالثَّانِي: لَا، وَقَطَعَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ "؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ فَيَأْتِي بِهِ فِي إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ
Says nothing on this mas’ala.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.