وَإِنْ تَلَفَتْ بِجَائِحَةٍ مِنَ السَّمَاءِ رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ
Its commentaries
مسألة: (وإنْ تَلِفَتْ بجَائِحَةٍ من السَّماءِ، رَجَعَ على البائِعِ. وعنه، إنْ أتْلَفَتِ الثُّلُثَ فصاعِدًا، ضَمِنَه البائِعُ، وإلَّا فَلَا) كُل ما تُهْلِكُه الجائِحَةُ من الثَّمَرِ على أصُولِه قبلَ أوانِ الجِذَاذِ من ضمانِ البائِعِ. وبهذا قال أكثرُ أهْلِ المَدِينَةِ؛ منهم يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، ومالِكٌ، وأبو عُبَيدٍ، وجَماعَة من أهْلِ الحَدِيث. وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ القَدِيمُ.
وقال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ في الجَدِيدِ: هو من ضَمانِ المُشْتَرِي؛ لما رُوِيَ أنَّ امْرأةً أتَتِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: إنّ ابْنِي اشْتَرَى ثمرَةً من فلانٍ، فأذْهَبَتْها الجائِحَةُ، فسَأله أنْ يَضَعَ عنه، فتَألَّى أنْ لا يَفْعَلَ. فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «تَألَّى فلانٌ أنْ لا يَفْعَلَ خَيرًا». مُتَّفَقٌ عليه .
ولو كانَ واجِبًا لأجبَرَه عليه. ولأنَّ التَّخْلِيَةَ يَتَعَلَّقُ بها جَوازُ التَّصَرُّفِ، فتَعَلَّقَ بها الضّمانُ، كالنَّقْلِ والتَّحْويلِ، ولأنّه لا يَضْمَنُه إذا أتْلَفَه آدَمِيٌّ، كذلك لا يَضْمَنُه بإتْلافِ غيرِه. ولَنا، ما رَوَى جابر، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، أمَرَ بوَضْعِ الجَوائِحِ.
وعنه قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنْ بِعْتَ من أخيكَ ثَمَرًا فأصَابَتْه جائِحَة، فلا يَحِلُّ لَكَ أنْ تَأخُذَ منه شَيئًا، بمَ تَأخُذُ مال أخِيكَ بغَيرِ حَقٍّ؟». رَواهُما مُسْلِمٌ . ورَواهُ أبو دَاوُدَ ، ولَفْظُه: «مَنْ باعَ ثَمَرًا، فأصَابَتْهُ جائِحَةٌ، فلا يَأخُذْ منَ مالِ أخِيهِ شيئًا، عَلَامَ يَأخُذُ أحَدُكُم مال أخِيهِ المُسْلِمِ؟». وهذا صَرِيحٌ في الحُكْمِ، فلا يُعْدَلُ عنه. قال الشّافِعِيُّ: لم يَثْبُت عِنْدِي أنّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بوَضْعِ الجَوائحِ،
ولو ثَبَتَ لم أعْدُه، ولو كُنْتُ قائِلًا بوَضْعِها لوَضَعْتُها في القَلِيلِ والكَثِيرِ. قُلْنَا: الحَدِيثُ ثابِتٌ. رَواهُ الإِمامُ أحمدُ، ومُسْلِم، وأبو دَاوُدَ، وابنُ ماجَه، وغيرُهم.
فأما حَدِيثُهم فلا حُجَّةَ لهم فيه؛
فإنَّ فِعْلَ الواجِبِ خَيرٌ، فإذا تَألَّى أنْ لا يَفْعَلَ الواجِبَ، فقد تَألَّى أنْ لا يَفْعَلَ خَيرًا. وإنّما لم يُجْبِرْه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه بمُجَرَّدِ قَوْلِ أمِّ المُدَّعِى، من غيرِ إِقْرارِ البائِعَ ولا حُضُورِه.
وأمّا التَّخْلِيَةُ، فلَيسَتْ قَبْضًا تامًّا، بدَلِيلِ ما لو تَلِفَتْ بعَطَش عندَ بَعْضِهم.
ولا يَلْزَمُ من إباحَةِ التَّصَرُّفِ تمامُ القَبْضِ، بدَلِيلِ المنافِع في الإِجارَةِ يُباحُ التَّصَرُّفُ فيها،
ولو تَلِفَتْ كانت من ضَمانِ المُوجِرِ، كذلك الثَّمَرَةُ في شَجَرِها، كالمَنافِعِ قبلَ اسْتِيفَائِها، تُؤخَذُ حَالًا فحالًا. وقِياسُهُم يَبطُلُ بالتَّخْلِيَةِ في الإجارَةِ. فصل: والجائِحَةُ كُلُّ آفَةٍ لا صُنْعَ لآدَمِيٍّ فيها؛ كالرِّيحِ، والحَرِّ، والبَرْدِ، والعَطَشِ؛ لما رَوَى السّاجِيّ بإسْنادِه، عن جابِرٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى في الجائِحَةِ، والجائِحَةُ تكونُ في البَرْدِ، والجرَادِ ، والحَرِّ،
وفي الحَبَقِ ، وفي السَّيلِ،
وفي الرِّيحِ. وهذا تَفْسِيرٌ من الرّاوي لكَلَامِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فيَجِبُ الرّجُوعُ إليه.
فأمّا ما كان بفِعْلِ آدَمِي، فقال القاضِي: يُخَيَّرُ المُشْتَرِي بينَ فَسْخِ العَقْدِ ومُطَالبَةِ البائِعِ بالثَّمَنِ، وبينَ البَقاءِ عليه ومُطَالبَةِ الجانِي بالقِيمَةِ، كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ إذا أتْلَفَه آدَمِي قبلَ القَبْضِ؛ لأنَّه أمْكَنَ الرُّجُوعُ بِبَدَلِه،
بخِلافِ التالِفِ بِالجائِحَةِ. إلَّا أنَّ في إحْراقِ اللُّصُوصِ ونَهْبِ العَسَاكِرِ والحَرامِيَّةِ وَجْهَينِ.
فإن قيلَ: فقد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن رِبْحِ ما لم يَضْمَنْ . والثَّمَرَةُ غيرُ مَضْمُونَةٍ على المُشْتَرِي،
فإذا كانتِ القِيمَةُ أكثَرَ من الثَّمَنِ فقد رَبِحَ فيه. قُلنا: المُرادُ بالخَبَرِ النَّهْي عن الرِّبْحِ بالبَيعِ، بدَلِيلِ أنَّ المَكِيلَ لو زَادَتْ قِيمَتُه قبلَ قَبْضِه، ثم قَبَضَه، جازَ ذلك بالإجْماعِ. فصل: وظاهِرُ المَذْهَبِ أنّه لا فَرْقَ بينَ قَلِيلِ الجائِحَةِ وكَثِيرِها، إلَّا أنّ ما جَرَتِ العادَةُ بتَلَفِ مِثْلِه، كاليَسِيرِ الذي لا يَنْضَبِطُ، لا يُلْتَفَتُ إليه. قال أحمدُ: إنِّي لا أقولُ في عَشرِ ثَمَرَاتٍ، ولا عِشرِينَ، ولا أدرِى ما الثُّلُثُ، ولكنْ إذا كانت جائِحَة تَسْتَغْرِقُ الثُّلُثَ، أو الرُّبْعَ، أو الخُصْرَ، تُوضَعُ.
وعن أحمدَ، أنّ ما دُونَ الثُّلُثِ من ضمانِ المشتَرِي. وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ في القَدِيمِ؛ لأنّه لا بُدَّ أنْ يَأكلَ الطائِرُ منها، وتَنْثُرَ الرِّيحُ، ويَسْقُطَ منها، فلم يكُنْ بُدٌّ من ضابِطٍ وحَدٍّ ، وَالثلُثُ قد اعْتَبَرَه الشّارِعُ في الوَصِيَّةِ وعَطِيَّةِ المَرِيضِ. قال الأثْرَمُ: قال أحمدُ: إنَّهُم يَسْتَعْمِلُونَ الثُّلُثَ في سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْألةٍ. ولأن الثُّلُثَ في حَدِّ الكَثْرَةِ، وما دُونَه في حَدِّ القِلَّةِ، بدَلِيلِ قَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الوَصِيَّةِ:«الثُّلُثُ، والثُّلث كَثِير».
فلهذا قُدِّرَ به. ولنا، عُمومُ الأحادِيثِ،
فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بوَضْعِ الجوائِحِ. وما دُونَ الثُّلُثِ داخِل فيها، فيَجِبُ وَضْعُه. ولأنَّ هذه الثَّمَرَةَ لم يتمَّ قَبْضُها، فكانَ ما تَلِفَ منها من ضَمانِ البائِعِ وإنْ نَقَصَ عن الثُّلُثِ، كالتي على الأرْضِ، وما أكَلَه الطَّيرُ أو سَقَطَ، لا يُؤثِّرُ في العادَةِ، ولا يُسَمَّى جائِحَة، فلا يَدْخُلُ في الخَبَرِ، ولأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، فهو مَعْلُومُ الوُجُودِ بحُكْمِ العادَةِ، فكَأنه مَشْرُوط. إذا ثَبَتَ ذلك، فمَتَى تَلِف شيء له قَدْر خارِج عن العادَةِ، وَضَعَ من الثَّمَنِ بقَدْرِ الذّاهِب.
وإنْ تَلِفَ الجَمِيعُ، بَطَلَ العَقْدُ، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي بجَمِيعِ الثَّمَنِ.
وَأمّا على الروَايَةِ الثانِيَةِ، فإنَّه يَعْتَبِرُ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ.
وقيل: ثُلُثَ القِيمَةِ. فإنْ تَلِفَ الثُّلُثُ فما زادَ، رَجعَ بقِسْطِه من الثَّمَنِ،
وإنْ كان دُونَه، لم يَرْجِعْ بشَيءٍ.
وإنِ اخْتَلَفَا في الجائِحَةِ، أو قَدْرِ التّالِفِ، فالقَوْلُ قولُ البائِعَ؛ لأنَّ الأصْلَ السَّلَامَةُ، ولأنه غارِم، والقَوْلُ في الأصُولِ قَوْلُ الغارِمِ.
فصل: فإنْ بَلَغَتِ الثَّمَرَةُ أوانَ الجِذاذِ، فلم يَجُذَّها حتى أصَابَتْها جائِحَة، فقال القاضِي: عندي، لا تُوضَعُ عنه ؛ لأَنه مُفرِّط بتَرْكِ النَّقْلِ في وَقْتِه مع قُدْرَتِه، فكان الضَّمانُ عليه.
ولو اشْتَرَى ثَمَرَةً قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها بشَرْطِ القَطْعِ، فأمْكَنَه قَطْعُها، فلم يَقْطَعْها حتى تَلِفَت، فهي من ضَمانِه؛ لذلك.
وإنْ تَلِفَتْ قبلَ إمْكانِ قَطْعِها، فهي من مالِ البائِعِ، كالمسألةِ قَبْلَها.
فصل: فإنِ اسْتَأجَرَ أرْضًا، فزَرَعَها، فتَلِفَ الزَّرْعُ، فلا شيءَ على المُؤجِرِ. نَصَّ عليه أحمدُ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه مَنافِعُ الأرْضِ، ولم يَتْلَفْ، إنَّما تَلِفَ مالُ المُسْتَأجِرِ فيها، فصارَ كدارٍ اسْتَأجَرَها لِيَقْصُرَ فيها ثِيابًا، فتَلِفَتِ الثيابُ فيها. ١٧١٨ -
(وَإِنْ تَلَفَتْ بِجَائِحَةٍ مِنَ السَّمَاءِ رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ) الْجَائِحَةُ كُلُّ آفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لَا صُنْعَ لِلْآدَمِيِّ فِيهَا كَالرِّيحِ، وَالْحَرِّ، وَالْبَرَدِ، وَالْعَطَشِ فَكُلُّ مَا تُهْلِكُهُ مِنْ عَلَى أُصُولِهِ قَبْلَ أَوَانِ جَدِّهِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ» ،
وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ !» . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ أَعْدُهُ،
وَلَوْ كُنْتُ قَائِلًا بِوَضْعِهَا لَوَضَعْتُهَا فِي الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ قُلْنَا: الْحَدِيثُ ثَابِتٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَلِأَبِي دَاوُدَ مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّ التَّخْلِيَةَ فِي الشَّجَرِ لَيْسَ بِقَبْضٍ تَامٍّ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْبِضْ، وَلِأَنَّ الثَّمَرَةَ عَلَى الشَّجَرِ كَالْمَنَافِعِ فِي الْإِجَارَةِ يُؤْخَذُ شَيْئًا فَشَيْئًا، ثُمَّ لَوْ تَلِفَتِ الْمَنَافِعُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا كَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْآجِرِ، كَذَا هُنَا وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يُعَيِّنْ وَقْتَ أَخْذِهَا،
فَلَوْ بَلَغَتْ جَدَّهَا، فَلَمْ يَجِدَّهَا حَتَّى تَلِفَتْ، فَقَالَ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَ " الْفُرُوعِ " لَا يُوضَعُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَشْتَرِهِ مَعَ أَصْلِهِ مِنْ شَجَرٍ أَوْ أَرْضٍ. قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَ " الْفُرُوعُ "، أَوْ اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا فَتَلِفَتْ فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي
بِخِلَافِ مَا إِذَا تَلِفَتْ قَبْلَ إِمْكَانِ قَطْعِهَا.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ مَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهَا بِالنَّخْلِ، فَقَالَ: إِنَّمَا الْجَوَائِحُ فِي النَّخْلِ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ،
وَفِي نَهْبِ عَسْكَرٍ وَإِحْرَاقِ لِصٍّ وَنَحْوِهِ وَجْهٌ،
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْجَائِحَةِ وَكَثِيرِهَا إِلَّا أَنَّ الْيَسِيرَ الَّذِي لَا يَنْضَبِطُ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ
وإنْ تَلِفَتْ بجائحَةٍ مِنَ السماءِ، رجَع على البائعِ. هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وسواء أتْلَفَتْ قَدْرَ الثُّلُثِ أو أكثرَ أو أقلَّ، إلَّا أنَّه يتَسامَحُ في الشَّيءِ اليَسِيرِ الذي لا ينْضَبِطُ. نص عليه. قال المُصَنِّفُ، والشارِحُ: هذا ظاهِرُ المذهبِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا اخْتِيارُ جُمْهورِ الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الكافِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، وغيرِهم. وهو مِن مُفْرداتِ المذهبِ،
وعنه، إنْ أتْلَفَتِ الثُّلُثَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصاعِدًا، ضَمنه البائعُ، وإلَّا فلا. اخْتارَه الخَلَّالُ، وجزَم به في «الرَّوْضَةِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الحاوي الكَبِيرِ» وغيرِهم.
وعنه، لا جائحَةَ في غيرِ النخْلِ. نصَّ عليه في رِوايَةِ حَنْبَل. ذكَرَه في «الفائقِ». واخْتارَ الزَّرْكَشِيُّ في «شَرْحِه» إسْقاطَ الجَوائِحِ مجانًا، وحمَل أحادِيثَها على أنهم كانُوا يَبيعُونها قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها.
تنبيهات؛ أحدُها، قيد ابنُ عَقِيل، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»، وجماعة، الرِّوايتَين بما بعدَ التخْلِيَةِ.
وظاهِرُه، أن قبلَ التخْلِيَةِ يكونُ مِن ضَمانِ البائعِ، قوْلًا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واحِدًا. قاله الزَّرْكَشِيُّ. وجزَم في «الفُروعِ»، أنَّ مَحِلَّ الجائحَةِ بعدَ قَبْضِ المُشْتَرِي وتَسْليمِه. وهو مُوافِق للأوَّلِ. وقطَع به في «الرِّعايتَين»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الحاويَيْن». والظَّاهِرُ، أنَّه مُرادُ مَن أطْلَقَ؛ لأنه قبلَ التخْلِيَةِ ما حصَل قَبْض. الثَّاني، أفادَنا المُصَنِّفُ بقَوْلِه: رجَع على البائع. صِحَّةَ البَيعِ. وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ، إلى صاحِبَ «النِّهايَةِ»؛ فإنه أبطَلَ العَقْدَ، كما لو تَلِفَ الكُلُّ. الثالثُ، على الرِّوايَةِ الثانيةِ، وهي التي قُلْنا فيها: لا يَضْمَنُ إلَّا إذا أتْلَفَتِ الثُّلُثَ فصاعِدًا، قيل: يُعْتَبَرُ ثُلُثُ الثمَرَةِ. وهو الصَّحيحُ. قدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»، و «التلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الشرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِين».
وقيل: يُعْتَبرُ الثُّلُثُ بالقِيمَةِ. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النظْمِ»، و «تَجْرِيدِ العِنايةِ»، وأطْلَقهما الزرْكَشِيُّ، و «الفائقِ».
وقيل: يُعْتَبرُ قَدْرُ ثُلُثِ الثمَنِ. وأطْلَقهُن في «الفُروعِ». الرَّابعُ، على المذهبِ، يُوضَعُ مِنَ الثَّمَنِ بقَدْرِ التالف. نقَلَه أبو الخَطابِ، وجزَم به في «الفروعِ». الخامسُ: لو تعَيَّبَتْ بذلك، ولم تَتْلَفْ، خُيِّرَ المُشْتَرِي بينَ الإمْضاءِ والأرْشِ، وبينَ الردِّ وأخْذِ الثمَنِ كامِلًا. قاله الزَّرْكَشِيُّ وغيرُه.
فائدة: تَخْتَصُّ الجائحَةُ بالثَّمَرِ. على الصحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وكذا ما له أصْل يتَكَرَّرُ حَمْلُه؛ كقِثاءٍ، وخِيارٍ، وبَاذِنْجانَ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونحوها. قاله جماعَة. وقدَّمه في «الفُروعِ»، وتقدَّم لفْظُه.
وقال في «القاعِدَةِ الثَّمانِين»: لو اشْتَرَى لَقَطَةً ظاهِرَةً مِن هذه الأصولِ، فتَلِفَتْ بجائحَةٍ قبلَ القَطْعِ؛
فإنْ قُلْنا: حُكْمُها حُكْمُ ثَمَرِ الشَّجَرِ.
فمِن مالِ البائعِ. وإنْ قيلَ: هي كالزَّرْعِ. خُرجَتْ على الوَجْهَين في جائحَةِ الزَّرْعِ.
وقال القاضي: مِن شَرْطِ الثَّمَرِ الذي تَثْبُتُ فيه الجائحَةُ، أنْ يكونَ ممَّا يُسْتَبْقَى بعدَ بُدُوِّ صَلاحِه إلى وَقْتٍ؛ كالنخْلِ، والكَرْمِ، وما أشْبَهَهما،
وإنْ كان ممَّا لا تُسْتَبْقَى ثَمَرَتُه بعدَ بُدُوِّ صَلاحِه؛ كالتينِ، والخَوْخِ، ونحوهما، فلا جائحَةَ فيه. قال بعضُ الأصحابِ: وهذا ألْيَقُ بالمذهبِ.
وعنه، لا جائحَةَ في غيرِ النَّخْلِ. نصَّ عليه في رِوايَةِ حَنْبَل، كما تقدَّم، وتقدَّم اخْتِيارُ الزرْكَشِيِّ.
وقال في «الكافِي»، و «المُحَرَّرِ»: وتَثْبتُ أيضًا في الزَّرْعِ. وذكَر القاضي فيه احْتِمالين. ذكَرَه الزَّرْكَشِيُّ.
وقال في «عُيُونِ المَسائلِ»: إذا تَلِفَتِ الباقِلَّا، أو الحِنْطَةُ في سنْبُلِها، فلنا وَجْهان؛ الأقْوَى، يَرْجِعُ بذلك على البائعِ. واخْتارَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، ثُبوتَ الجائحَةِ في زَرْع مُسْتَأجَر، وحانُوتٍ نقَص نَفْعُه عن العادَةِ، وحكَم به أبو الفَضْلِ ابنُ حَمْزَهَّ في حَمَّام.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ أيضًا: قِياسُ نُصوصِه وأصُولِه، إذا عُطِّلَ نَفْعُ الأرْضِ بآفةٍ، انْفسَخَتِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإجارةُ فيما بَقِيَ، كانْهِدامِ الدارِ، وأنَّه لا جائحَةَ فيما تَلِفَ مِن زَرْعِه؛ لأنَّ المُؤجِرَ لم يبعْه إيَّاه، ولا يُنازِعُ في هذا مَن فَهِمَه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيهان؛ أحدُهما، قوْلُه: بجائِحَةٍ مِنَ السَّماءِ. ضابِطُها، أنْ لا يكونَ فيها صُنْع لآدمِي؛ كالرِّيحِ، والمَطَرِ، والثلْجِ، والبَرَدِ، والبَرْدِ، والجَلِيدِ، والصَّاعِقَةِ، والحَرِّ، والعَطَشِ، ونحوها،
وكذا الجَرادُ. جزَم به الأصحابُ. الثَّاني، يُسْتَثْنَى مِن عُمومِ كلامِ المُصَنِّفِ، لو اشْتَرَى الثمَرَةَ مع أصْلِها؛ فإنه لا جائِحَةَ فيها إذا تَلِفَتْ. قاله الأصحابُ. ويُسْتَثْنَى أيضًا، ما إذا أخَّرَ أخْذَها عن وَقْتِه المُعْتادِ، فإنه لا يَضْمَنُها البائعُ والحالةُ هذه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثير منهم.
وقال القاضي: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، وَضْعُها عن مَن أخَّرَ الأخْذَ عن وَقْتِه، واخْتارَه. وفيه وَجْهٌ ثالث، يُفَرَّقُ بينَ حالةِ العُذْرِ وغيرِه.
فائدة: لو باعَ الثمَرَةَ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها بشَرْطِ القَطْعِ، ثم تَلِفَتْ بجائحَةٍ؛ فتارَةً يتَمَكنُ مِن قَطْعِها قبلَ تَلَفِها، وتارَةً لا يتَمَكَّنُ،
فإنْ تمَكَّنَ مِن قَطْعِها، ولم يقْطَعْها حتى تَلِفَتْ، فلا ضَمانَ على البائعِ. قاله القاضي في «المُجَردِ»، والمَجْدُ، وهو احْتِمالٌ في «التعليقِ». وقدَّمه الزرْكَشِيُّ.
قال في «القواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: وهو مُصَرَّح به في «المُغْنِي». وذكَرَه الشارِحُ عنِ القاضي، واقْتَصرَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه. وقال القاضي في «التَّعْليقْ»: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه مِن ضَمانِ البائعِ، اعْتِمادًا على إطْلاقِه، ونَظرًا إلى أنَّ القَبْضَ لم يَحْصُلْ.
قال في «الحاوي»: يقوَى عندِي وُجوبُ الضَّمانِ على البائعِ هنا، قوْلًا واحِدًا؛ لأن ما شُرِطَ فيه القَطْعُ، فقَبْضُه يكونُ بالقَطْعِ والنّقْلِ،
فإذا تَلِفَ قبلَه، يكونُ كتَلَفِ المَبِيعِ قبلَ القَبْضِ. انتهى.
وأمَّا إذا لم يتَمَكَّنْ مِن قَطْعِها حتى تَلِفَتْ، فإنها مِن ضَمانِ البائعَ، قوْلًا واحِدًا.
قال: (وإن تلفت بجائحة من السماء رجع على البائع. وعنه: إن أتلفت الثلث فصاعداً ضمنه البائع، وإلا فلا. وإن أتلفه آدمي خُيّر المشتري بين الفسخ والإمضاء ومطالبة المتلِف) .
أما كون المشتري يرجع على البائع بما تلف بجائحة فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرَ بوضعِ الجَوائِح»،
وعنه عليه السلام أنه قال: «إن بعت من أخيك ثمراً ثم أصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً. بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ » رواه مسلم.
وعنه عليه السلام:«من باع ثمراً فأصابته جائحة فلا تأخذ من مال أخيك شيئاً. علام يأخذ أحدكم مال أخيه المسلم» رواه أبو داود وابن ماجة. ولأن التخلية في الشجر ليس بقبض تام فوجب كونه من ضمان البائع كالذي لم يقبض.
ولأن الثمرة في الشجر كالمنافع في الإجارة تؤخذ حالاً فحالاً. ثم لو تلفت المنافع قبل استيفائها كانت من ضمان الآجر فكذا هاهنا.
وأما كونه يرجع من غير فرق بين القليل والكثير على المذهب؛ فلأن الأحاديث المتقدمة تشملها.
وأما كون الجائحة إن أتلفت الثلث فصاعداً يضمنه البائع فلما تقدم،
وإن أتلفت دون الثلث لم يضمنه على روايةٍ؛ فلأنه لا بد أن يأكل الطير منها وتنثر الريح وتسقط ولا بد من ضابط فوجب أن يكون الثلث لأن ذلك قد اعتبره الشرع في مواضع منها: الوصية والعطية وتساوي جراح المرأة الرجل.
قال الإمام أحمد: يستعمل الثلث في سبع عشرة مسألة.
ولأن الثلث داخل في حد الكثرة دليله قوله عليه السلام:«الثلث والثلث كثير». وما دونه داخل في حد القلة لأن ما دونه لو دخل في حد الكثرة لقدّره النبي صلى الله عليه وسلم به.
وأما كون الجائحة كل آفة لا صنع للآدمي فيها؛ فلما روى جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الجائحة تكون في البرد والجراد والحتف والسيل وفي الريح». وجه الحجة منه: أن الراوي فسر كلام النبي صلى الله عليه وسلم فوجب الرجوع إليه لأنه أعلم بمراده وأفهم لكلامه.
وأما كون المشتري يخير بين الفسخ والإمضاء ومطالبة المتلف فيما إذا أتلف ذلك آدمي؛ فلأن ذلك شيء أتلفه آدمي قبل تكامل قبضه فثبت للمشتري الخيرة المذكورة أشبه الآدمي إذا أتلف المبيع قبل قبضه. ولأن المشتري أمكنه الرجوع ببدل المتلف فلا حاجة إلى الرجوع على البائع.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.