وَلَوْ أَنَّ بَابَهُ فِي آخِرِ الدَّرْبِ مَلَكَ نَقْلَهُ إِلَى أَوَّلِهِ وَلَمْ يَمْلِكْ نَقْلَهُ إِلَى دَاخِلٍ مِنْهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ فِي حَائِطِ جَارِهِ،
Its commentaries
مسألة: (ولو كان بابُه في آخِرِ الدَّرْبِ، مَلَك نَقْلَه إلى أوَّلِه، ولم يمْلِكْ نَقْلَه إلى داخِل منه في أحَدِ الوَجْهَين) لأنَّه إذا نقَل بابَه إلى ما يلي بابَ الدَّرْب، فقد تَرَكَ بعضَ حَقِّه.
ومتى أراد رَدَّ بابِه إلى مَوْضِعِه الأوَّلِ، كان له؛ لأنَّ حَقّه لم يَسْقُطْ.
فأمّا إن أراد نَقْلَ بابِه إلى تِلْقَاءِ صَدْرِ الزُّقاقِ، لم يَكُنْ له ذلك. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنّه يُقَدِّمُ بابَه إلى موضِعٍ لا اسْتِطْراقَ له فيه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَجُوزُ؛ لأنَّه كان له أن يَجْعَلَ بابَه في أوَّلِ البِناءِ أيِّ مَوْضِعٍ شاء، فتَرْكُه في مَوْضِعٍ لا يُسْقِطُ حَقَّه، كما أنَّ تَحْويلَه بعدَ فَتْحِه لا يُسْقِطُه، ولأنَّ له أن يرْفعَ حائِطَه كلَّه، فلم يُمْنَعْ مِن رَفْعِ بعضِه. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ مِن جَوازِ رَفْعِ الحائِطِ جَوازُ الاسْتِطْراقِ، كالمسألةِ التي قبلَها.
فصل: فإن كان في الدَّرْب بابانِ لرَجُلَينِ؛ أحَدُهما قَرِيبٌ مِن بابِ الزُّقاقِ، والآخَرُ في داخِلِه، فأراد صاحِبُ الدّاخِلِ أن يُحَوِّلَ بابَه، فله تَحْويلُه حيثُ شاء؛ لأنَّه لا مُنازِعَ له فيما يُجاوزُ البابَ الأوَّلَ، إذا قُلْنا: إن صاحِبَ القَرِيب ليس له أن يُقَدِّمَه إلى داخِلِ الدَّرْبِ.
وإن قُلْنا: له تَقْدِيمُه. جاز لكلِّ واحِدٍ منهما.
فإن كان في داخِلِ الدَّرْبِ بابٌ لثالِثٍ، فحُكْمُ الأوْسَطِ حُكْمُ الأولِ فيما ذَكَرْناه. فصل: إذا كان لرجلٍ دارانِ مُتَلاصِقَتان، ظَهْرُ كلِّ واحِدةٍ منهما إلى ظَهْرِ الأخْرَى، وبابُ كل واحِدةٍ منهما إلى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ، فرَفعَ الحاجِزَ بينَهما وجَعَلَهما دارًا واحِدةً، جاز؛ لأنَّه تَصَرَّفَ في مِلْكِه المُخْتَصِّ به .
وإن فَتَح مِن كلِّ واحِدةٍ منهما بابًا إلى الأخْرَى ليَتَمَكَّنَ مِنَ التَّطَرُّقِ مِن كل واحِدةٍ منهما إلى كلا الدَّرْبَين، فقال القاضي: لا يَجُوزُ؛ لأنَّ ذلك يُثْبِتُ الاسْتِطراقَ في الدَّرْبِ الذي لا يَنْفُذُ مِن دارٍ لم يَكُنْ لها فيه طَرِيقٌ، ولأنَّه رُبَّما أدَّى إلى إثْباتِ الشُّفْعةِ في قولِ مَن يُثْبِتُها بالطَّرِيقِ لكلِّ واحِدَةٍ مِن الدّارَين في زُقاقِ الأخْرَى. ويَحْتَمِلُ جَوازُ ذلك؛ لأنَّ له رَفْعَ الحاجِزِ جَميعِه، فبَعْضُه أوْلَى. قال شيخُنا : وهذا أشْبَهُ، وما ذَكَرْناه للمَنْعِ يَنْتَقِضُ بما إذا رَفَع الحائِطَ جَمِيعَه.
وفي كلِّ مَوْضِعٍ قُلْنا: ليس له فِعْلُه. إذا صالحَه أهْلُ الدَّرْبِ، جاز،
وكذلك إن أذِنوا له بغيرِ عِوَضٍ. فصل: إذا تنازَعَ صاحِبا البابَين في الدَّرْبِ، ولم يَكُنْ فيه باب لغيرِهما، ففيه ثَلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، أنَّه يُحْكَمُ بالدَّرْبِ مِن أوَّلِه إلى البابِ الذي يَلِيه بينَهما؛ لأنَّ لهما الاسْتِطْراقَ فيه جَمِيعًا، وما بعدَه إلى صَدْرِ الدَّرْبِ للآخَرِ؛ لأنَّ الاسْتِطْراقَ في ذلك له وَحْدَه، فله اليَدُ والتَّصَرُّفُ.
والثّانِي، أنَّ مِن أوَّلِه إلى أقصَى حائِطِ الأوَّلِ بينَهما؛ لأنَّ ما يُقابِلُ ذلك لهما التَّصَرُّفُ فيه، بِناءً على أنَّ للأوَّلِ أن يَفتَحَ بابَه فيما شاء مِن حائِطِه، والباقِي للثّانِي؛ لأنَّه ليس بفِناءٍ للأوَّلِ، ولا له فيه اسْتِطْراقٌ.
والثّالِثُ، يَكُونُ بينَهما؛ لأنَّ لهم يَدًا وتَصَرُّفًا. وهكذا الحُكْمُ فيما إذا كان لرجلٍ عُلْوُ خانٍ، ولآخَرَ سُفْلُه، ولصاحِبِ العُلْو دَرَجة في أثْناءِ صَحْنِ الخانِ، فاخْتَلَفَا في الصَّحْنِ، فالذي مِن الدَّرَجَةِ إلى بابِ الخانِ بينَهما، وما [وراءَ ذلك] إلى صَدْرِ الخانِ على الوَجْهَينِ.
فإن كانتِ الدَّرَجةُ في صَدْرِ الصَّحْنِ، فالصَّحنُ بينَهما؛ لوُجُودِ اليَدِ والتَّصَرُّفِ منهما جَمِيعًا. فعلى الوَجْهِ الذي يَقُولُ: إنَّ صَدْرَ الدَّرْبِ مُخْتَص بصاحِبِ البابِ الصَّدْرانِيِّ. له أن يَسْتَبِدَّ بما يَخْتَصُّ به منه، بأن يَجْعَلَه دِهْلِيزًا لنَفْسِه، أو يُدْخِلَه في دارِه على وَجْهٍ لا يَضُرُّ بجارِه. ولا يَضعُ على حائِطِه شيئًا؛ لأنَّ ذلك مِلْكٌ له يَنْفَرِدُ به. ١٨٩٥ - مسألة: (وليس له أن يَفْتَحَ في حائِطِ جارِه، ولا الحائِطِ المُشْتَرَكِ رَوْزَنةً (١) ولا طاقًا بغيرِ إذْنِ صاحِبِه) لأنَّ ذلك انْتِفاعٌ بمِلْكِ غيرِه وتَصَرُّفٌ فيه بما [يَضرُّ به].
وكذلك لا يَجُوزُ أن يَغرِزَ فيه وَتِدًا، ولا يُحْدِثَ عليه حائِطًا ولا سترَةً، ولا يَتَصَرَّفَ فيه نَوْعَ تَصَرُّفٍ؛ لأَنه يَضُرُّ بحائِطِ غيرِه، فهو كنَقْضِه.
وإن صالحَه عن ذلك بعِوَضٍ، جاز.
فأمّا الاسْتِنادُ إليه وإسْنادُ شيءٍ لا يَضُرُّه، فلا بَأسَ به؛ لكَوْنِه لا مَضَرّةَ فيه، ولا يمْكِن التّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ الاسْتِظْلال به.
١٨٩٦ -
(وَلَوْ أَنَّ بَابَهُ فِي آخِرِ الدَّرْبِ) أي: غير النَّافِذِ (مَلَكَ نَقْلَهُ إِلَى أَوَّلِهِ) أَيْ: بِلَا ضَرَرٍ، لِأَنَّهُ تَرَكَ بَعْضَ حَقِّهِ، لِأَنَّ لَهُ الِاسْتِطْرَاقَ إِلَى آخِرِهِ،
وَفِي " التَّرْغِيبِ "، وَقِيلَ: لَا مُحَاذِيًا لِبَابِ غَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ أَرَادَ نَقْلَهُ إِلَى مَوْضِعِهِ الْأَوَّلِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ (وَلَمْ يَمْلِكْ نَقْلَهُ إِلَى دَاخِلٍ مِنْهُ) ، وَهُوَ تِلْقَاءَ صَدْرِ الزُّقَاقِ (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ بَابَهُ إِلَى مَوْضِعِ الِاسْتِطْرَاقِ لَهُ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِيهِ مَنْ فَوْقَهُ،
وَقِيلَ: وَأَسْفَلَ مِنْهُ، وَيَكُونُ إِعَارَةً فِي الْأَشْبَهِ وَظَاهِرُ نَقْلِ يَعْقُوبَ يَجُوزُ إِنْ سَدَّ الْأَوَّلَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى،
وَالثَّانِي: الْجَوَازُ، لِأَنَّ لَهُ فِي الِابْتِدَاءِ جَعْلَ بَابِهِ حَيْثُ شَاءَ فَتَرْكُهُ لَهُ لَا يُسْقِطُ حَقَّهُ مِنْهُ.
فُرُوعٌ: الْأَوَّلُ: إِذَا كَانَ فِي الدَّرْبِ بَابَانِ لِرَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي أَوَّلِ الدَّرْبِ، وَالْآخَرُ فِي دَاخِلِهِ فَلِصَاحِبِ الدَّاخِلِ تَحْوِيلُهُ حَيْثُ شَاءَ، لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيمَا يُجَاوِزُ الْبَابَ الْأَوَّلَ إِذَا قُلْنَا: لَيْسَ لِلْقَرِيبِ أَنْ يُقَدِّمَهُ إِلَى دَاخِلٍ، وَعَلَى الثَّانِي: لِكُلٍّ مِنْهُمَا تَقْدِيمُهُ،
فَإِنْ كَانَ فِي دَاخِلِ الدَّرْبِ بَابٌ لِثَالِثٍ فَحُكْمُ الْأَوْسَطِ كَالْأَوَّلِ.
الثَّانِي: إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ دَارَانِ مُتَلَاصِقَتَانِ ظَهْرُ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى بَابُهُمَا فِي دَرْبَيْنِ مُشْتَرِكَيْنِ غَيْرِ نَافِذٍ جَازَ لَهُ رَفْعُ الْحَاجِبِ بَيْنَهُمَا وَجَعْلُهُمَا دَارًا وَاحِدَةً،
فَإِنْ فَتَحَ بَابًا بَيْنَهُمَا لِيَتَمَكَّنَ مِنَ التَّطَرُّقِ إِلَى كِلَا الدَّرْبَيْنِ فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الِاسْتِطْرَاقِ فِي دَرْبٍ لَا يَنْفُذُ مِنْ دَارٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا طَرِيقٌ،
وَفِي " الْمُغْنِي " الْأَشْبَهُ الْجَوَازُ، لِأَنَّ لَهُ رَفْعَ الْحَاجِزِ فَبَعْضُهُ أَوْلَى.
الثَّالِثُ: يَحْرُمُ إِحْدَاثُهُ فِي مِلْكِهِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ كَحَمَّامٍ وَتَنُّورٍ وَكَنِيفٍ،
فَإِنْ فَعَلَ فَلَهُ مَنْعُهُ كَابْتِدَاءِ إِحْيَائِهِ وَكَدَقٍّ وَسَقْيٍ يَتَعَدَّى إِلَيْهِ
بِخِلَافِ طَبْخِهِ وَخَبْزِهِ، لِأَنَّهُ يَسِيرٌ،
وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ فِي مِلْكِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ وَكَتَعْلِيَةِ دَارِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ،
وَلَوْ أَفْضَى إِلَى سَدِّ الْفَضَاءِ عَنْ جَارِهِ. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَدِ احْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا ضَرَرَ، وَلَا إِضْرَارَ.» فَيَتَوَجَّهُ الْمَنْعُ. قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ (أَنْ يَفْتَحَ فِي حَائِطِ جَارِهِ، وَلَا الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ رَوْزَنَةً، وَلَا طَاقًا) ، لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِمِلْكِ غَيْرِهِ وَتَصَرُّفٌ فِيهِ بما يضره،
وَكَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَغْرِزَ فِيهِ وَتَدًا، أَوْ يُحْدِثَ حَائِطًا،
وَكَذَا يُمْنَعُ مِنْ بِنَاءِ سُتْرَةٍ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ وَحَمَلَ الْقَاضِي نَصَّهُ: يَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ مَعَ شَرِيكِهِ عَلَى السُّتْرَةِ عَلَى سُتْرَةٍ قَدِيمَةٍ انْهَدَمَتْ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وُجُوبَهَا مُطْلَقًا عَلَى نَصِّهِ
وَيُبَاحُ اسْتِنَادُهُ إِلَيْهِ وَإِسْنَادُ شَيْءٍ، لِأَنَّهُ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ، وَالتَّحَرُّزُ مِنْهُ يَشُقُّ،
وَفِي " النِّهَايَةِ " فِي مَنْعِهِ احْتِمَالَانِ وَلَهُ الْجُلُوسُ فِي ظِلِّهِ وَنَظَرُهُ فِي ضَوْءِ سِرَاجِهِ. نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: يَسْتَأْذِنُهُ أَعْجَبُ إِلَيَّ،
فَإِنْ مَنَعَهُ، حَاكَمَهُ. وَنَقَلَ جَعْفَرٌ: لَا يَسْتَأْذِنُهُ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْعَيْنُ، وَالْمَنْفَعَةُ الَّتِي لَا قِيمَةَ لَهَا عَادَةً لَا يَصِحُّ أَنْ يَرِدَ عَلَيْهَا عَقْدُ بَيْعٍ، أَوْ إِجَارَةٍ اتِّفَاقًا
ولو أنَّ بابَه في آخِرِ الدَّرْبِ، ملَك نَقْلَه إلى أوَّلِه. يعْنِي، إذا لم يَحْصُلْ ضَرَر [مِن فَتْحِه مُحاذِيًا لبابِ غيرِه ونحوه]. وهو المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وقال في «التَّرْغِيبِ»: وقيل: لا يجوزُ مُحاذِيا لبابِ غيرِه. [فظاهِرُه أنَّه قدم الجَوازَ مُطْلَقًا. وهو ضَعِيف]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولم يَمْلِكْ نَقْلَه إلى داخِل منه، في أحدِ الوَجْهَين. وهو المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِين»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. والوَجْهُ الثاني، يجوزُ.
قال في «الحاوي الكَبِيرِ»: اخْتارَه صاحِبُ «المُغْنِي»، لكِنْ لا يفْتَحُه قُبالةَ بابِ غيرِه. نصَّ عليه.
وقال ابنُ أبي مُوسى: يجوزُ، إنْ سَدَّ البابَ الأولَ. وهو ظاهِرُ نَقْلِ يَعْقوبَ.
تنبيه: محَل الخِلافِ، إذا لم يأذَنْ له مَن فوقَه.
فأمَّا إنْ أذِنُوا، ارْتفَعَ الخِلافُ. على الصَّحيحِ.
وقيل: لا بدَّ أيضًا مِن إذنِ مَن هو أسْفَلُ منه. وهو بعيد. وحيثُ قُلْنا بالإذْنِ، وأذِنُوا، فيكُونُ إعارَةً.
قال في «الفُروعِ»: ويكونُ إعارَةً في الأشْبَهِ.
وكذا قال قبلَه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ إحْداها, لو كان لرَجُلٍ داران؛ ظَهْرُ كلِّ واحِدَةٍ منهما إلى ظَهْرِ الأُخْرَى، وبابُ كلِّ واحِدَةٍ منهما إلى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ، فرفَع الحاجِزَ بينَهما، وجعَلَهما دارًا واحدَةً، جازَ.
وإنْ فتَح مِن كلِّ واحِدَةٍ منهما بابًا إلى الأُخْرَى؛ ليَتمَكَّنَ مِنَ التَّطَرُّق مِن كلِّ واحِدَةٍ منهما إلى كلا الدَّارَين، فقال القاضي: لا يجوزُ. وجزَم به في «المُذْهَبِ». وقدَّمه ابنُ رَزِين في «شَرْحِه».
قال في «الرِّعايَةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الكُبْرَى»: لم يَجُزْ في الأصحِّ.
قال في «الصُّغْرَى»: جازَ في وَجْهٍ.
وقيل: يجوزُ. قال المُصَنِّفُ: والأشْبَهُ الجَوازُ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. قال في «النَّظْمِ»: وهو الأقْوَى. وجزَم به في «المُنَوِّرِ». وأطْلَقَهما في «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الحاويَيْن». الثَّانيةُ، الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ الجارَ يُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ في مِلْكِه بما يَضُرُّ بجارِه؛ كحَفْرٍ كَنِيفٍ إلى جَنْبِ حائطِ جارِه، وبِناءِ حَمَّام إلى جَنْبِ دارِه، يتَأذَّى بذلك، ونصْبِ تنورٍ يتَأذَّى باسْتِدامَةِ دُخانِه، وعمَلِ دُكَّانِ قِصارَةٍ وحِدادَةٍ، يتَأذَّى بكَثْرَةِ دَقِّه، أو رَحًى، أو حَفْرِ بِئْر ينْقَطِعُ به ماءُ بِئْرِ جارِه، [ونحو ذلك.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[«المُحَرَّرِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
فإنْ حفَر بِئْرًا في مِلْكِه، فانْقَطَعَ ماءُ بِئرِ جارِه] ، أمِرَ بسَدِّها؛ ليَعُودَ ماءُ البِئْرِ الأولَةِ. على الصَّحيحِ.
فإنْ لم يَعُدْ، كُلِّفَ صاحِبُ البِئْرِ الأوَّلَةِ حَفْرَ البِئْرِ التي سُدَّتْ لأجْلِه مِن مالِه.
وعنه، لا يُكَلَّفُ سدَّ بِئْرِه،
ولو انْقَطَعَ ماءُ بِئْرِ جارِه. قال القاضي: فيُخَرَّجُ في المَسائلِ التي قبلَها؛ مِنَ الحَمَّامِ، والتَّنُّورِ، ودُكَّانِ القِصارَةِ، والحِدادَةِ، ونحوها، رِوايَتان. قال ابنُ رَزِين: عدَمُ المَنْعِ في الجَميعِ أقْيَسُ.
وقال في «التَّلْخيصِ»، في بابِ إحْياءِ المَواتِ: يُمْنَعُ مِن ذلك. ثم قال: وفيه رِوايَةٌ أخْرَى، لا يُمْنَعُ مِن ذلك. اخْتارَه أبو بَكْرٍ، ذكَرَه أبو إسْحاقَ في «تَعاليقِه» عنه. وأطْلَقَ الروايتَين في الجَميعِ في «الفائقِ». الثَّالثَةُ، لو ادَّعَى أنَّ بِئْرَه فسَدَتْ مِن خَلاءِ جارِه، أو بالُوعَتِه، طُرِحَ في الخَلاءِ أو البالُوعَةِ نِفْطٌ؛
فإنْ لم يَظْهَرْ طَعْمُ النفْطِ ولا رائِحَتُه في البِئْرِ، عُلِمَ أن فَسادَها بغيرِ ذلك.
وإنْ ظهَر طَعْمُه أو رائِحَتُه فيها، كُلِّفَ صاحِبُ الخَلاءِ والبالُوعَةِ نقْلَ ذلك، إنْ لم يُمْكِنْ إصْلاحُها. هذا إذا كانتِ البِئْرُ أقْدَمَ منهما. وَلَيسَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ في حَائِطِ جَارِهِ، وَلَا في الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ رَوْزَنَةً وَلَا طَاقًا، إلَّا بإِذْنِ صَاحِبِه.
وعلى الرِّوايَةِ الأخْرَى، لا تلْزَمُ مالِكَ الخَلاءِ والبالوعَةِ تَغْيِيرُ ما عَمِلَه في مِلْكِه بحالٍ. قاله في «الحاويَيْن» وغيرِه. الرَّابعةُ، ليس له مَنْعُه مِن تَعْلِيَة دارِه، في ظاهِرِ ما ذكَرَه المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»،
ولو أفْضَى إلى سَدِّ الفَضاءِ عن جارِه. قاله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وقال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ مِن قَوْلِ أحمدَ: لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ. مَنْعُه.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ليس له مَنْعُه؛ خوْفًا مِن نَقص أجْرَةِ مِلْكِه، بلا نِزاع. وقد
قال في «الفُنُونِ»: من أحْدَثَ في دره دِباغَ الجُلودِ، أو عمَلَ الصَّحْناةِ ، يحْتَمِلُ المَنْعَ.
وقال ابنُ عَقِيل أيضًا: لا يجوزُ أنْ يُحْدِثَ في مِلْكِه قَناةً تَنِزُّ إلى حِيطانِ النَّاسِ. وليس له أنْ يَفْتَحَ في حائطِ جارِه، ولا الحائطِ المُشْتَرَكِ روْزَنَةً، ولا طاقًا، إلَّا بإذْنِ صاحِبِه. يَحْرُمُ عليه التَّصَرُّفُ في ذلك حتى بضَرْبِ وَتَدٍ، ولا يُحْدِثُ سُتْرَةً.
قال في «الفُروعِ»: ذكَرَه جماعَةٌ. وحمَل القاضي قَوْلَ أحمدَ: يَلْزَمُ الشَّرِيكَ النَّفَقَةُ مع شَرِيكِه على السُّتْرَةِ. على سُتْرَةٍ قَديمةٍ انْهدَمَتْ. واخْتارَ في «المُستَوْعِبِ» وُجوبَها مُطْلَقًا على نصِّه، فقال: وعندِي، أن السُّتْرَةَ واجِبَة على كلِّ حالٍ، على ما نصَّ عليه مِن وُجوبِها. وَلَيسَ لَهُ وَضْعُ خَشَبِهِ عَلَيهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورةِ، بِأنْ لَا يُمْكِنَهُ التَّسْقِيفُ إلا بِهِ.
فائدة: يَلْزَمُ الأعْلَى بِناءُ سُتْرَةٍ تَمْنَعُ مُشارَفَةَ الأسْفَلِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهب، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. ونقَلَه ابنُ مَنْصُورٍ. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَررِ»، و «الحاويَيْن»، و «الرعايَةِ الصُّغْرَى»، و «تَجْرِيدِ العِنايَةِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرعايَةِ الكُبْرَى». وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وقيل: يُشارِكُه الأسْفَلُ. وأما إذا تَساوَيا،
فإن المُمْتَنِعَ يُلْزَمُ بالمُشارَكَةِ.
قال: (وليس له أن يفتح في حائط جاره ولا الحائط المشترك روزنة، ولا طاقاً إلا بإذن صاحبه. وليس له وضع خشبة عليه إلا عند الضرورة بأن لا يمكنه التسقيف إلا به. وعنه: ليس له وضع خشبة على جدار المسجد، وهذا تنبيه على أنه لا يضع على جدار جاره) .
أما كون من ذكر ليس له فتح روزنة ولا طاق في حائط جاره ولا حائط مشترك بغير إذن صاحبه؛ فلأن ذلك انتفاع بملك الغير فلم يجز بغير إذنه لا سيما إذا كان يضر ببنائه ويضعفه.
وأما كونه له ذلك مع الإذن؛ فلأن الحق له فإذا أذن في إسقاطه سقط.
وأما كونه ليس له وضع خشبة عليه إذا لم يكن ضرورة؛ فلما تقدم.
وأما كونه له ذلك في حائط جاره عند الضرورة على المذهب؛ فلما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمنعنَ أحدكمْ جارهُ أن يضعَ خشبَهُ على جدارهِ فنكسّ القوم رؤوسهم. فقال أبو هريرة: ما لي أراكمْ عنها مُعرضين؟ والله لأرمينها بينَ أكتافِكُم» متفق عليه.
ولأنه انتفاع لا يضر بالمالك فلم يمنع منه كالاستظلال بحائطه والجلوس في ضوء مصباحه.
فإن قيل: ما معنى قول أبي هريرة: «لأرمينها بين أكتافكم».
قيل معناه: لأضعن هذه السنة بين أكتافكم ولأحملنكم على العمل بها.
وقيل معناه: لأكلفنكم ذلك ولأضعن جذوع الجيران على أكتافكم ضرباً للمثل وقصداً للمبالغة.
وأما قول المصنف رحمه الله: بأن لا يمكنه التسقيف إلا به فتفسير للضرورة المشترطة عنده.
وظاهره أنه لا فرق بين من كان له حائط واحد أو حائطان. وصرح به في المغني، وحكى فيه عن القاضي وأبي الخطاب: ليس هذا في كلام أحمد، وعلل ما ذهب إليه بأنه قد يمتنع عليه التسقيف على حائطين لكون البيت واسعاً لا يصل إليه الخشب. وإنما اشترطت الضرورة؛ لأن مقتضى الدليل عدم جواز الانتفاع بملك الغير بغير إذنه. ترك العمل به عند الضرورة للضرورة فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.
ولا بد أن يلحظ أنه لا ضرر في ذلك فإن كان يضر بأن يهدم الحائط أو يضعفه لم يكن له ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا ضرر ولا إضرار» رواه مالك وابن ماجة والدارقطني.
فإن قيل: حديث أبي هريرة مطلق فلم اشترط ما ذكر من الضرورة وعدم الضرر؟
قيل: أما الأول فيجب حمل الحديث عليه لما تقدم من أن مقتضى الدليل عدم جواز الانتفاع بملك الغير. ترك العمل به عند الضرورة للضرورة فيجب أن يبقى فيما عداها على مقتضاه.
وقال بعض أصحابنا: لا يشترط ذلك عملاً بعموم الخبر.
قال المصنف في المغني: أشار ابن عقيل إلى جواز ذلك وقال: ليس لنا مباح تعتبر في إباحته الحاجة. بدليل انتزاع الشقص المشفوع والفسخ بالخيار. فكذلك هاهنا.
وأما الثاني؛ فلأن قوله:«لا ضرر ولا ضرار» يدل عليه فيجب أن يحمل حديث أبي هريرة عليه جميعاً بينهما.
وأما كونه له وضع خشبة على الحائط المشترك عند الضرورة المتقدم ذكرها على المذهب؛ فلأنه إذا كان له ذلك في حائط جاره مع أنه لا حق له فيه، فلأن يكون له ذلك في الحائط المشترك وله فيه حق بطريق الأولى.
وأما كونه له وضع خشبة على جدار المسجد عند وجود الضرورة وعدم الضرر على المذهب؛ فلأنه إذا جاز في ملك الجار مع أن حقه مبني على الشح والضيق ففي حق الله المبني على المسامحة والمساهلة أولى.
وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلأن القياس يقتضي المنع. ترك في ملك الجار للخبر فيبقى في غيره على مقتضاه.
وأما كونه لا يضع خشبه على جدار جاره على روايةٍ مأخوذة مما ذكر من الرواية الثانية في جدار المسجد؛ فلأنه إذا لم يكن له ذلك مع أن له فيه حقاً؛ لأنه من المسلمين والمسجد مشترك بينهم؛ فلأن لا يكون له ذلك في ملك الغير المختص به بطريق الأولى.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.