تَصِحُّ الْوَكَالَةُ بِكُلِّ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ
Its commentaries
بابُ الوَكالةِ وهي جائِزَةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛
أمّا الكِتابُ فقولُ الله تِعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيهَا}. فَجَوَّزَ العَمَلَ عليها، وذلك بحُكْمِ النِّيابَةِ عن المُسْتَحِقِّين. وأيضًا قولُه تعالى:{فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا لَبِثْتُمْ أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ}. وهذه وَكالةٌ.
وأمّا السُّنَّةُ، فرَوَى أبو داودَ، والأثْرَمُ، وابنُ ماجَه ، بإسْنادِهم، عن عُرْوَةَ بنِ الجَعْدِ، قال: عُرِض للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فأعْطانِي دِينارًا، فقال:«يَا عُرْوَةُ، ائْتِ الْجَلَبَ، فَاشْتَرِ لَنَا شَاةً». قال: فأتَيتُ الجَلَبَ فساوَمْتُ صاحِبَه، فاشْتَرَيتُ شاتَين بدِينارٍ، فجِئْتُ أسُوقُهما -أو أقُودُهما- فلقِيَني رَجلٌ بالطَّرِيقِ فساوَمَنِي، فبِعْتُ منه شاةً بدِينارٍ، فأتَيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بالدِّينارِ وبالشّاةِ، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ: هذا دِينارُكم وهذه شاتُكم.
قال:«وَصَنَعْتَ كَيفَ؟» قال: فحَدّثْتُه الحديثَ. فقال:«اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِه». هذا لَفْظُ رِوَايةِ الأثْرَمِ. ورَوى أبو داودَ بإسْناده عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: أرَدْتُ الخُرُوجَ إلى خَيبَرَ، فأتَيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وقُلْتُ: إنِّي أرَدْتُ الخُرُوجَ إلى خيبَرَ. فقال:«ائْتِ وَكِيلي، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَإنِ ابْتَغَى مِنْكَ آيَةً، فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تَرْقُوَتِهِ». ورُوِيَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه وَكَّلَ عمرَو بنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ في قَبُولِ نِكاحِ أُمِّ حَبِيبَةَ، وأبا رافِع في قَبُولِ نِكاحِ مَيمُونَةَ .
وأجْمَعَتِ الأمَّةُ على جَوازِ الوَكالةِ في الجمْلَةِ. ولأنَّ الحاجَةَ داعِيَة إلى ذلك؛ فإنَّه لا يُمْكِنُ كلَّ أحدٍ فِعْلُ ما يَحْتاجُ إليه بنَفسِه.
١٩٨٦ - مسألة: (تَصِحُّ الوَكالةُ بكلِّ قولٍ. يَدُلُّ على الإذْنِ، وكلِّ قولٍ أو فعْل يَدُلُّ على القَبُولِ) لا تَصِحُّ الوَكالةُ إلَّا بالإِيجابِ والقَبُولِ؛ لأنَّه عَقْدٌ تَعَلَّقَ به حَقُّ كلِّ واحِدٍ منهما، فافْتَقَرَ إلى الإِيجابِ والقَبُولِ، كالبَيعِ. والإِيجابُ هو كلُّ لَفْظٍ دَلَّ على الإِذْنِ، نحوَ قَوْلِه: افْعَلْ كذا. وأذِنْتُ لك في فِعْلِه.
فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَكَّلَ عُرْوَةَ بنَ الجَعْدِ في شِراءِ شاةٍ بلَفْظِ الشِّراءِ.
وكذلك قَوْلُه تعالى حكايَةً عن أهْل الكَهْفِ:{فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ}. ولأنَّه لَفْظٌ دَلَّ على الإِذْنِ، فهو كقَوْلِه: وكَّلْتك. وَيكْفِي في القَبُولِ قَوْلُه: قَبِلْتُ. وكُلُّ لَفْظٍ دَلَّ عليه.
ويجُوزُ بكلِّ فِعْلٍ دَلَّ عليه أيضًا، نحوَ أن يَفْعَلَ ما أمَرَه بفِعْلِه؛ لأنَّ الذين وَكَّلَهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُنْقَلْ عنهم سِوَى امْتِثالِ أمْرِه. ولأنَّه إذْن في التَّصَرُّفِ، فجازَ القَبُولُ فيه بالفِعْلِ، كأكْلِ الطَّعامِ.
١٩٨٧ -
بَابُ الْوَكَالَةِ] [تَعْرِيفُ الوكالة وَحُكْمُهَا] بَابُ الْوَكَالَةِ الْوَكَالَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا: التَّفْوِيضُ يُقَالُ وَكَّلَهُ أَيْ: فَوَّضَ إِلَيْهِ، وَوَكَلْتُ أَمْرِي إِلَى فُلَانٍ أَيْ: فَوَّضْتُ إِلَيْهِ وَاكْتَفَيْتُ بِهِ، وَقَدْ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الْحِفْظُ وَهِيَ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى التَّوْكِيلِ. وَاصْطِلَاحًا: التَّفْوِيضُ فِي شَيْءٍ خَاصٍّ فِي الْحَيَاةِ، وَالْأَحْسَنُ فِيهَا: أَنَّهَا اسْتِنَابَةُ الْجَائِزِ التَّصَرُّفِ مِثْلَهُ فِيمَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، وَهِيَ جَائِزَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى:{فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ} ، وَقَدْ وَكَّلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُرْوَةَ بْنَ الْجَعْدِ فِي شِرَاءِ الشَّاةِ، وَأَبَا رَافِعٍ فِي تَزَوُّجِ مَيْمُونَةَ، وَعَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزَوُّجِ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَالْمَعْنَى شَاهِدٌ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ،
فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ. (تَصِحُّ الْوَكَالَةُ بِكُلِّ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، نَحْوِ افْعَلْ كَذَا، أَوْ أَذِنْتُ لَكَ فِي فِعْلِهِ، لِأَنَّهُ لَفْظٌ دَالٌّ عَلَى الْإِذْنِ، فَصَحَّ كَلَفْظِهَا الصَّرِيحِ.
وَنَقَلَ جَعْفَرٌ إِذَا قَالَ: بِعْ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَقُولَ: وَكَّلْتُكَ، فَاعْتَبَرَ انْعِقَادَهَا بِلَفْظِهَا الصَّرِيحِ وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي عَلَى التَّأْكِيدِ لِنَصِّهِ عَلَى انْعِقَادِ الْبَيْعِ بِاللَّفْظِ وَالْمُعَاطَاةِ، كَذَا الْوَكَالَةُ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا دَأْبُ شَيْخِنَا أَنْ يَحْمِلَ نَادِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ عَلَى أَظْهَرِهِ وَيَصْرِفَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ لَفْظٍ رِوَايَةٌ، وَيُصَحَّحُ الصَّحِيحُ.
قَالَ الْأَزَجِّيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى هَذَا لِئَلَّا يَصِيرَ الْمَذْهَبُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ دَلَّ كَلَامُ الْقَاضِي عَلَى انْعِقَادِهَا بِفِعْلٍ دَالٍّ كَبَيْعٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ فِيمَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إِلَى قَصَّارٍ، أَوْ خَيَّاطٍ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، وَكَالْقَبُولِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَصِحُّ مُؤَقَّتَةً وَمُعَلَّقَةً بِشَرْطٍ، نَصَّ عَلَيْهِ كَوَصِيَّةٍ، وَإِبَاحَةِ أَكْلٍ، وَقَضَاءٍ، وَإِمَارَةٍ وَكَتَعْلِيقِ تَصَرُّفٍ، وَاخْتَارَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِشَرْطٍ كَتَعْلِيقِ فَسْخِهَا
بَابُ الْوَكَالةِ بابُ الوكالةِ فائدة: الوَكالةُ عِبارَة عن إذْنٍ في تَصَرُّفٍ يَمْلِكُه الإذِنُ فيما تَدْخُلُه النِّيابَةُ. قاله في «الرعايةِ الكُبْرى».
وقال في «الوَجيزِ»: هي عِبارَة عنِ اسْتِنابَةِ الجائزِ التَّصَرُّفَ مِثْلَه، فيما له فِعْلُه حال الحَياةِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هي في الاصْطِلاحِ، التَّفْويضُ في شيء خاصٍّ في الحَياةِ. وليس بجامِع.
وقال في «المُسْتَوْعِبِ»: هي عِبارَةٌ عنِ اسْتِنابَةِ الغَيرِ فيما تَدْخُلُه النِّيابَةُ. تَصِحُّ الْوَكَالةُ بِكُلِّ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى الإذْنِ، وَكُلِّ قَوْلٍ أو فِعْل يَدُلُّ عَلَى الْقَبُولِ. تَصِحُّ الوَكالةُ بكُل قَوْلٍ يَدُلُّ على الإذْنِ. كقَوْلِه: وَكَّلْتُك في كذا. أو: فَوَّضْتُه إليك. أو: أذِنْتُ لك فيه. أو: بِعْه. أو: أعْتِقْه. أو: كاتِبْه. ونحو ذلك. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . .
هذا المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ. ونقَل جَعْفَرٌ، إذا قال: بعْ هذا. ليس بشيءٍ، حتى يقولَ: وَكَّلْتُك. وتأوَّلَه القاضي على التَّأكيدِ؛ لنَصِّه على انْعِقادِ البَيعِ باللَّفْظِ والمُعاطاةِ،
وكذا الوَكالةُ. قال ابنُ عَقِيلٍ: هذا دَأْبُ شيخِنا، أنْ يَحْمِلَ كلامَ أحمدَ على أظْهَرِه، ويصْرِفَه عن ظاهِرِه، والواجِبُ أنْ يُقال: كلُّ لَفْظٍ رِوايَةٌ. ويُصَحِّحَ الصَّحيحَ . قال الأزَجِي: يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ في المذهبِ على هذا؛ حتى لا يَصِيرَ المذهبُ رِوايَةً واحدَةً.
وقال الناظِمُ:
وكلُّ مَقالٍ يُفْهِمُ الإذْنَ صَحِّحَنْ ... به عقْدَها مِن مُطْلَق ومُقَيَّدِ
وعنه: سِوى فوَّضْتُ أمْرَ كذا له ... [ووكَّلْتُ فيهِ فاردُدَنْهُ وبَعِّدِ]
تنبيه: ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، عدَمُ صِحَّةِ الوَكالةِ بالفِعْلِ الدَّالِّ عليها مِنَ المُوَكِّلِ. وهو صحيحٌ.
وقال في «الفروعِ»: دلَّ كلامُ القاضي المُتقَدِّمُ على انْعِقادِ الوَكالةِ بالفِعْلِ، مِنَ المُوَكلِ، الدَّالِّ عليها، كالبَيعِ. قال: وهو ظاهرُ كلامِ الشيخِ، يعْنِي به المُصَنفَ، في مَن دفَع ثَوْبَه إلى قَصَّارٍ، أو خَيَّاطٍ. وهو أظْهَرُ. انتهى.
وَيَصِحُّ الْقَبُولُ عَلَى الْفَوْرِ وَالتَّرَاخي، بِأنْ يُوَكِّلَهُ فِي بَيعِ شَيْءٍ، فَيَبِيعَهُ بَعْدَ سَنَةٍ، أو يُبَلِّغَهُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ مُنْذُ شَهْر، فَيَقُولَ: قَبِلْتُ.
باب الوكالة] الوكالة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع والمعنى: أما الكتاب فقوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها}، وقوله تعالى:{فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه}.
وأما السنة فما روي عن عروة بن الجعد قال:«عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب. فأعطاني ديناراً. فقال: يا عروة! ائتِ الجلبَ فاشترِ لنا شاةً. قال: فأتيتُ الجلبَ فساومتُ فشريتُ شاتين ... الحديث» رواه أبو داود وابن ماجة.
وعن جابر:«أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: إني أردتُ الخروجَ إلى خيبر. فقال: ائتِ وكيلي فخذْ منه خمسةَ عشر وَسْقاً. فإن ابتغَى منكَ آيةً فضعْ يدكَ على تَرْقُوَتِه» رواه أبو داود.
وروي «أنه عليه السلام وكّل عمرو بن أمية الضمري في قبول نكاح أم حبيبة» . و «أبا رافع في قبول نكاح ميمونة».
وأما الإجماع فأجمعت الأمة في الجملة على جواز الوكالة.
وأما المعنى؛ فلأن الحاجة داعية إليها فإنه لا يمكن كل واحد فعل كل ما يحتاج إليه. قال المصنف رحمه الله: (تصح الوكالة بكل قول يدل على الإذن، وكل قول أو فعل يدل على القبول) .
أما كون الوكالة تصح بالقول المذكور؛ فلأنها عقد شرعي لها قول فصحت به كسائر العقود.
والقول على ضربين:
أحدهما: صريح كقول الموكِّل للوكيل: وكّلتك فلا شبهة في صحة الوكالة به لكونه صريحاً فيها.
وثانيهما: غير صريح. لكن فيه دلالة على الوكالة؛ كقوله: افعل كذا أو أذنت لك أن تفعل كذا. والوكالة به أيضاً صحيحة لأن النبي صلى الله عليه وسلم وكّل عروة بن الجعد بقوله:«اشتر لنا شاة»، والإذن في معناه.
ولأنه لفظ دال على الإذن فجرى مجرى قوله: وكّلتك.
وأما كون قبول الوكيل يصح بالقول المذكور كقوله: قبلت وما في معنى ذلك مما يدل عليه؛ فلأنه قبول. أشبه القبول في النكاح والبيع.
ولأنه يصح القبول بالفعل لما يأتي؛ فلأن يصح بالقول الدالّ عليه بطريق الأولى.
وأما كونه يصح بالفعل المذكور؛ فلأن وكلاء النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنهم قبول سوى امتثال أمره.
ولأنه إذن في التصرف فصح القبول فيه بالفعل كأكل الطعام.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.