Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K
Mas’ala 2697المقنعHanbalivol. 4, p. 374vol. 4, p. 374

وَإِنْ ظَهَرَ رِبْحٌ، فَهَلْ يَعْتِقُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يُضَارِبَ لِآخَرَ إِذَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْأَوَّلِ

Its commentaries

الشرح الكبير على المقنعIbn Abi 'Umar

(وإن ظَهَر) فيه (رِبْحٌ) ففيه وَجْهان، مَبْنِيّان على العامِلِ متى يَمْلِكُ الرِّبْحَ؟

16,353

فإن قُلْنا: يَمْلِكُه بالقِسْمَةِ. لم يَعْتِقْ منه شيء؛ لأنَّه [ما مَلَكَه].

16,354

وإن قُلْنا: يَمْلِكُه بالظُّهُورِ. ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يَعْتِقُ. وهو قولُ أبي بكر؛ لأنَّه لم يتمَّ مِلْكُه عليه؛ لكَوْنِ الرِّبْحِ وقايةً لرَأسِ المالِ، فلم يَعْتِقْ؛ لذلك.

16,355

والثاني، يَعْتِقُ بقَدْرِ حِصَّتِه مِن الرِّبْحِ، إن كان مُعْسِرًا، ويُقَوَّمُ عليه باقِيه إن كان مُوسِرًا؛ لأنَّه مَلَكَه بفِعْلِه، فعَتَقَ عليه، كما لو اشْتَراه بمالِه. وهذا قولُ القاضِي، ومَذْهَبُ أصحابِ أبي حنيفةَ، لكنْ عِنْدَهم يسْتَسْعى في بَقِيَّته إن كان مُعْسِرًا. ولَنا رِوايَة كقَوْلِهم.

16,356

وإنِ اشْتَراه ولم يَظْهَرْ رِبْحٌ، ثم ظَهَر بعدَ ذلك، والعَبْدُ باقٍ في التِّجارَةِ، فهو كما لو كان الربحُ ظاهِرًا وَقْتَ الشِّراءِ.

16,357

وقال الشافعيُّ: إنِ اشْتَراه بعدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ، لم يَصِحَّ؛ في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى أن يُنْجزَ العامِلُ حَقَّه قبلَ رَبِّ المالِ. ولَنا، أنَّهما شَرِيكان، فصَحَّ شِراءُ كلِّ واحِدٍ منهما مَن يَعْتِقُ عليه، كشَرِيكَيِ العِنانِ. فصل: وليس للمُضارِبِ أن يَشْترِيَ بأكثر مِن رَأسِ المالِ؛ لأنَّ الإِذْنَ ما تَناوَلَ أكْثَرَ منه.

16,358

فإذا كان رَأسُ المالِ ألْفًا، فاشْتَرَى عَبْدًا بألْفٍ، ثم اشْتَرَى عَبْدًا آخَرَ بِعَينِ الألْفِ، فالشِّراءُ فاسِد؛ لأنَّه اشْتَرَى بمالٍ تسْتَحَقُّ تَسْلِيمه في البَيعِ الأوَّلِ.

16,359

وإنِ اشْتَراه في ذِمَّتِه، صَحَّ الشِّراء، والعَبْد له؛ لأنَّه اشْتَرَى في ذِمَّتِه لغيرِه بغيرِ إذْنِه في شِرَائِه فوَقَعَ له . وهل يَقِفُ على إجازَةِ رَبِّ المالِ؟ على رِوايَتَين. ومَذْهَب الشافعيِّ كنَحْو ما ذَكَرْنا.

فصل: وليس للمُضارِبِ وَطْءُ أمَةِ المُضارَبَةِ ، سَواءٌ ظَهَر رِبْحٌ أو لا،

16,360

فإن فَعَل، فعليه المَهْرُ والتَّعْزِيرُ.

16,361

وإن عَلِقَتْ منه ولم يَظْهَرْ في المالِ رِبْحٌ، فوَلَده رَقِيق؛ لأنَّها عَلِقَتْ منه في غيرِ مِلْكٍ، ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ، ولا تَصِير أمَّ وَلَدٍ له؛ لذلك.

16,362

وإن ظَهَر في المالِ رِبْح، فالوَلَدُ حُرٌّ، وتَصِيرُ أمَّ وَلَدٍ له، وعليه قِيمَتُها. ونحوَ ذلك قال سفيان، وإسْحاقُ.

16,363

وقال القاضي: إن لم يَظْهَرْ رِبْحٌ، فعليه الحَدُّ؛ لأنه وَطِئ في غيرِ مِلْكٍ ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ. والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّ عليه التَّعْزِيرَ فقط؛ لأنَّ ظُهُورَ الرِّبْحِ يَنْبَنِي على التَّقْويمِ، وهو غيرُ مُتَحَقق، لاحْتِمالِ أنَّ السلع تُساوي أكْثَرَ مما قُوِّمَتْ به، فيَكُونُ ذلك شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ، فإنّه يُدْرَأ بالشُّبُهاتِ.

فصل: وليس لرَبِّ المالِ وَطْءُ الأمَةِ أيضًا؛ لأنَّه يَنْقُصُها إن كانت بِكْرًا، ويُعَرِّضُها للخُرُوجِ مِن المُضارَبَةِ والتَّلَفِ، فإذ فَعَل، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّها مِلْكُه،

16,364

فإن أحْبَلَها، صارتْ أمَّ وَلَدٍ له، ووَلَدُه حُر؛ لذلك ، وتَخْرُجُ مِن المُضارَبَةِ، وتُحْسَبُ قِيمَتُها، ويُضافُ إليها بَقِيَّةُ المالِ،

16,365

فإن كان فيه رِبْح فلِلعامِلِ حِصَّتُه منه. وليس لواحِدٍ منهما تَزْويجُ الأمَةِ؛ لأنه يَنْقُصُها، ولا مُكاتَبَةُ العَبْدِ كذلك .

16,366

فإنِ اتَّفَقا عليه جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لهما.

فصل: وليس للمُضارِبِ دَفْعُ المالِ مُضارَبةً بغيرِ إذْنٍ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، وحَرْب، وعبدِ اللهِ. وخَرَّجَ القاضي وَجْهًا في جَوازِ ذلك، بِناءً على تَوْكِيلِ الوَكِيلِ.

16,367

ولا يَصِحُّ هذا التَّخْرِيجُ والقِياسُ؛ لأنَّه إنَّما دَفَع إليه المال ههُنا ليُضارِابَ به، ودَفْعُه إلى غيرِه مُضارَبَةً يُخْرِجُه عن كَوْنِه مُضارِبًا له،

16,368

بخِلافِ الوَكِيلِ. ولأنَّ هذا يُوجِبُ في المالِ حَقًّا لغيرِه،

16,369

ولا يَجُوزُ إيجابُ حَقٍّ في مالِ إنْسانٍ بغيرِ إذْنِه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعي. ولا يُعْلَمُ عن غيرِهم خِلافُهم.

16,370

فإن فَعَل فلمْ يَتْلَفِ المالُ ولا ظَهَر فيه رِبْحٌ، رَدَّه إلى مالِكِه، ولا شيءَ له ولا عليه.

16,371

وإن تَلِف أو رَبِح فيه، فقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر: هو في الضَّمانِ والتّصَرُّفِ كالغاصِبِ، ولرَبِّ المال مُطالبةُ مَن شاء منهما برَدِّ المالِ إن كان باقِيًا، وبِرَدِّ بَدَلِه إن تَلِف أو تَعَذَّرَ رَدُّه،

16,372

فإن طالب الأوَّلَ وضَمَّنَه قِيمَةَ التّالِفِ، ولم يكنِ الثّانِي عَلِم الحال، لم يَرْجِعْ عليه بشيءٍ؛ لأَنه دَفَعَه إليه على وَجْهِ الأمانَةِ.

16,373

وإن عَلِم، رَجَع عليه؛ لأنَّه قَبَض مال غيرِه على سَبِيلِ العُدْوانِ، وقد تَلِف تحتَ يَدِه، فاستقَرَّ عليه ضَمانُه.

16,374

وإن ضَمَّنَ الثّانِيَ مع عِلْمِه بالحالِ، لم يَرْجِعْ على الأوَّلِ.

16,375

وإن لم يَعْلَمْ، فكذلك في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَل في يده، فاستقَرَّ الضَّمانُ عليه.

16,376

والثّانِي، يَرْجِعُ عليه؛ لأنَّه غَرَّه، أشْبَهَ المَغْرُورَ بحُرِّيَّةِ أمَةٍ.

16,377

وإن رَبِح، فالرِّبْحُ للمالِكِ، ولا شيءَ للمُضارِبِ الأوَّلِ، لأَنَّه لم يُوجَدْ منه مال ولا عَمَل. وهل للثّانِي أجْرَةُ مِثْلِه؟ على رِوايَتَين، إحْداهما، له ذلك، لأنَّه عَمِل في مالِ غيرِه بعِوَض لم يُسَلَّمْ له، فكان له أجْرُ مِثْلِه، كالمُضارَبَةِ الفاسِدَةِ. والثّانِيَةُ، لا شيءَ له، لأنَّه عَمِل في مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه ، أشْبَهَ الغاصِبَ. وفارَقَ المُضارَبَةَ؛ لأنَّه عَمِل في مالِه بإذْنِه. وسواء اشْتَرَى بِعَينِ المالِ أو في الذِّمَّةِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إنِ اشْتَرَى في الذِّمَّةِ يَكُونُ الربْحُ له؛

لأنَّه رَبِح فيما اشْتَراه في ذِمَّتِه مِمّا لم يَقَعِ الشِّراءُ فيه لغيرِه، فأشْبَهَ ما لو لم يَنْقُدِ الثَّمَنَ مِن مالِ المُضارَبَةِ. قال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر: هذا قولُ أكثرَهم. يَعْنِي قولَ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان عالِمًا بالحالِ فلا شيءَ للعامِلِ، كالغاصِبِ،

16,378

وإن جَهِل الحال، فله أجْرُ مِثْلِه، يَرْجِعُ به على المُضارِبِ الأوَّلِ؛ لأنَّه غَرَّه واسْتَعْمَلَه بعِوَض لم يُسَلمْ له، فكان أجْرُه عليه، كما لو استعْمَلَه في مالِ نَفْسِه.

16,379

وقال القاضي: إنِ اشْتَرَى بعَين المالِ، فالشِّراءُ باطِل،

16,380

وإنِ اشْتَرَى في الذِّمَّةِ ثم نَقَد المال، وكان قد شَرَطَ رَبُّ المالِ للمُضارِب النصْفَ، فدَفَعَه المُضارِبُ إلى آخَرَ على أنَّ لرَبِّ المالِ النِّصْفَ والنِّصْفَ الآخَرَ بينَهما، فهو على ما اتَّفَقُوا عليه؛ لأنَّ رَبَّ المالِ رَضِيَ بنِصْفِ الرِّبْحِ، فلا يَدْفَعُ [إليه أكْثَرَ منه، والعامِلان على ما اتَّفَقا عليه. وهذا قولُ الشافعيِّ في القَدِيمِ. وليس هذا موافقًا لأصُولِ المَذْهَبِ]، ولا لنَصِّ أحمدَ؛

16,381

فإنَّ أحمدَ قال: لا يَطِيبُ الرِّبْحُ للمُضارِبِ. ولأنَّ المضارِبَ الأوَّلَ ليس له عَمَل ولا ما لم، ولا يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ في المُضارَبَةِ إلَّا بواحِدٍ منهما،

16,382

والثّانِيَ عَمِل في مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه ولا شَرْطِه، فلم يَسْتَحِقَّ ما شَرَطَه له غيرُه، كما لو دَفَعَه إليه الغاصِبُ مُضارَبَةً، ولأنَّه إذا لم يَسْتَحِق ما شَرَطَه له رَبُّ المالِ في المُضارَبَةِ الفاسِدَةِ، فما شَرَطَه له غيرُه بغيرِ إذْنِه أوْلَى.

فصل: فإن أذِنَ رَبُّ المالِ في ذلك، جاز. نَصَّ عليه أحمدُ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. ويَكُونُ المُضارِبُ الأوَّلُ وَكِيلَ رَبِّ المالِ في ذلك.

16,383

فإذا دَفَعَه إلى آخَرَ ولم يَشرُطْ لنَفْسِه شيئًا مِن الرِّبْحِ، كان صَحِيحًا.

16,384

وإن شَرَط لنَفْسِه شيئًا منه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه ليس مِن جِهَتِه ما لم ولا عَمَلٌ، والرِّبْحُ إنَّما يُسْتَحَقُّ بواحدٍ منهما.

16,385

فإن قال: اعْمَلْ برأيِكَ -أو- بما أراكَ الله. جاز له دَفْعُه مُضارَبَةً. نَصَّ عليه؛ لأنَّه قد يَرَى أن يَدْفَعَه إلى أبصَرَ منه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ له ذلك؛ لأنَّ قَوْلَه: اعْمَلْ برأيِكَ. يَعْنِي في كَيفِيَّةِ المُضارَبَةِ والبَيعِ والشراءِ وأنواعِ التِّجارَةِ، [وهذا] يَخْرُجُ به عن المُضارَبَةِ، فلا يَتَناوَلُه إذنه.

فصل: وليس له أن يَخْلِطَ مال المُضارَبَةِ بمالِه،

16,386

فإن فَعَل ولم يَتَمَيَّزْ، ضَمِنَه، لأنَّه أمانَة، فهو كالوَدِيعَةِ.

16,387

فإن قال له: اعْمَلْ برأيِكَ. جاز ذلك. وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرّأي.

16,388

وقال الشافعي: ليس له ذلك، وعليه الضَّمانُ إن فَعَلَه؛ لأن ذلك ليس مِن التِّجارَةِ. ولَنا، أنَّه قد يَرَى الخَلْطَ أصْلَحَ له، فيَدْخُلُ في قَوْلِه: اعْمَلْ برأيِكَ. وهكذا القولُ في المُشارَكَةِ به، ليس له فِعْلُها، إلَّا أن يَقُولَ له: اعْملْ برَأيِكَ. فيَمْلِكُها.

فصل: وليس له شِراءُ خَمْرٍ ولا خِنْزِير، سواء كانا مُسْلِمَينِ أو كان أحَدُهما مُسْلِمًا،

16,389

فإن فَعَل، فعليه الضَّمانُ. وبه قال الشافعيُّ.

16,390

وقال أبو حنيفةَ: إن كان العامِلُ ذِمِّيًّا، صَحَّ شِراوه للخَمْرِ وبَيعُه إيّاها؛ لأنَّ المِلْكَ عندَه يَنْتَقِلُ إلى الوَكِيلِ، وحُقُوقُ العَقْدِ تَتعلَّقُ به.

16,391

وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَصِحُّ شِراؤه إيّاها،

16,392

ولا يَصِحُّ بَيعُه؛ لأنَّه يَبِيعُ ما ليس بمِلْكٍ له ولا لمُوَكِّلِه . ولَنا، أنَّه إن كان العامِلُ مُسْلِمًا، فقد اشْتَرَى خَمْرًا،

16,393

ولا يَصِحُّ أن يَشْتَرِيَ خَمْرًا ولا يَبِيعَه،

16,394

وإن كان ذِمِّيًّا، فقد اشْتَرَى للمُسْلِم ما لا يَصِحُّ أن يَمْلِكَه ابْتِداءً، فلا يَصِحُّ، كما لو اشْتَرَى الخِنْزِيرَ، ولأن الخَمْرَ مُحَرَّمَة، فلم يَصِحَّ شِراؤها له ، كالخِنْزِيرِ والمَيتَةِ، ولأنَّ ما لا يَجُوزُ بَيعُه لا يَجُوزُ شِراؤه، كالمَيتَةِ والدَّمِ. وكلُّ ما جازَ في الشَّرِكَةِ جاز في المُضارَبَةِ، وما جازَ في المُضارَبةِ جاز في الشَّرِكةِ، وما مُنِعَ منه في إحْداهما مُنِعَ منه في الأخْرَى؛ لأنَّ المُضارَبَةَ شَرِكة ، ومَبْنَى كلِّ واحِدٍ منهما على الوَكالة والأمانَةِ.

٢٠٨١ - مسألة: (وليس للمُضارِبِ أن يُضارِبَ لآخَرَ، إذا كان فيه ضَرَر على الأوَّلِ. فإن فَعَل، رَدَّ نَصِيبَه من الرِّبْحِ في شَرِكَةِ الأوَّلِ) وجُملةُ ذلك، أنَّه إذا أخَذَ مِن إنْسانٍ مُضارَبَةً، ثم أرادَ أخْذَ مُضارَبَة مِن آخَرَ بإذْنِ الأوَّلِ، جاز.

16,395

وكذلك إن لم يَأذَنْ ولم يَكُنْ عليه ضَرَر، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.

16,396

فإن كان فيه ضَرَر على الأوَّلِ، ولم يَأذَنْ، مِثلَ أن يَكُونَ المال الثانِي كَثِيرًا يَسْتَوْعِبُ زَمانَه فيَشْغَلُه عن التِّجارَةِ في الأوَّلِ، أو يَكُونَ المالُ الأوَّلُ كثيرًا متى اشْتَغَلَ عنه بغيرِه انْقَطَعَ عن بعضِ تَصَرُّفاتِه، لم يَجُزْ ذلك.

16,397

وقال أكْثَرُ الفُقَهاءِ: يَجُوزُ؛ لأنَّه عَقْد لا يَمْلِكُ به مَنافِعَه كُلَّها، فلم يَمْنَعْ مِن المُضارَبَةِ، كما لو لم يَكُنْ فيه ضَرَر، وكالأجِيرِ المُشْتَرَكِ. ولَنا، أنَّ المُضارَبَةَ على الحَظِّ والنَّماءِ،

16,398

فإذا فَعَل ما يَمْنَعُه، لم يَجُزْ له، كما لو أرادَ التَّصَرُّفَ بالعَينِ، وفارَقَ ما لا ضَرَرَ فيه. فعلى هذا، إن فَعَل ورَبِح، رَدَّ الرِّبْحَ في شَرِكَةِ الأوَّلِ، ويَقْسِمانِه، فيَنْظُرُ ما رَبِح في المُضارَبَةِ الثّانِيَةِ، فيَدْفَعُ إلى رَبِّ المالِ منه نَصِيبَه، ويَأخُذُ المُضارِبُ نَصِيبَه مِن الرِّبْحِ فيَضُمُّه إلى رِبْحِ المُضارَبَةِ الأولَى، ويُقاسِمُه لرَبِّ المُضارَبَةِ الأولَى؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ حِصَّتَه مِن الرِّبْحِ بالمَنْفَعَةِ التي استُحِقَّتْ بالعَقْدِ الأوَّلِ، فكان بينَهما، كَرِبْحِ المالِ الأولِ.

16,399

فأمّا حِصَّةُ رَبِّ المالِ الثّانِي مِن الرِّبْحِ فتُدْفَعُ إليه؛ لأنَّ العُدْوانَ مِن المُضارِبِ لا يُسْقِطُ حَقَّ رَبِّ المالِ الثّانِي، ولأنّا لو رَدَدْنا رِبْحَ الثانِي كلَّه في الشَّرِكَةِ الأولَى، لاخْتَصَّ الضَّرَرُ برَبِّ المالِ الثّانِي، ولم يَلحَقِ المُضارِبَ شيءٌ مِن الضَّرَرِ، والعُدْوانُ منه، بل رُبَّما انْتَفَعَ إذا كان قد شَرَط الأوَّلُ النِّصْفَ والثّانِي الثُّلُثَ، ولأنَّه لا يَخْلُو؛

16,400

إمّا أن يُحْكَمَ بفَسادِ المُضارَبَةِ الثّانِيَةِ، أو بصِحَّتِها،

16,401

فإن كانت فاسِدَةً، فالرِّبْحُ كُله لرَبِّ المالِ، وللمُضارِبِ أجْرُ مِثْلِه،

16,402

وإن حَكَمْنا بصِحَّتِها، وَجَب صَرْفُ حِصَّةِ رَبِّ المالِ إليه بمُقْتَضى العَقْدِ ومُوجِبِ الشَّرْطِ. قال شيخُنا : والنَّظَرُ يَقْتَضِي أن لا يَسْتَحِق رَبُّ المُضارَبَةِ الأولَى مِن رِبْحِ الثَّانِيَةِ شيئًا؛ لأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ بمالٍ أو عَمَل، ولم يُوجَدْ واحِد منهما، وتَعَدِّي المُضارِبِ إنَّما هو بتَرْكِ العَمَل واشْتِغالِه عن المالِ الأوَّلِ، وذلك لا يُوجِبُ عِوَضًا، كما لو اشْتَغَلَ بالعَمَلِ في مالِ نَفْسِه، أو آجَرَ نفْسَه، أو تَرَك التِّجارَةَ للَعِبٍ أو اشْتِغالٍ بعِلْم أو غيرِ ذلك.

ولأنه لو أوْجَبَ عِوَضًا لأوْجَبَ شيئًا مُقَدَّرًا لا يَخْتَلِفُ ولا يَتَقَدَّرُ برِبْحِه في الثّانِي. والله أعلمُ.

16,403

فصل: فإن دَفع إليه مُضارَبَةً واشْتَرَطَ النَّفَقَةَ، لم يَجُزْ أن يَأخُذَ لغيرِه بِضاعَة ولا مُضارَبَة وإن لم يَكُنْ على الأوَّلِ ضَرَرٌ؛ لقول أحمدَ: إذا اشْتَرَطَ النَّفَقَةَ صَار أجِيرًا له، فلا يَأخُذُ مِن أحَدٍ بِضاعةً، فإنَّها تَشْغَلُه عن المالِ الذي يُضارِبُ به.

16,404

قِيلَ له: وإن كانت لا تشْغَلُه؟ قال: ما يُعْجِبُنِي إلَّا أن يَكُونَ بإذْنِ صاحِبِ المُضارَبَةِ، فإَّنه لا بدَّ مِن شُغْل. قال شيخُنا : هذا والله أعْلَمُ، على سَبِيلِ الاسْتِحْباب،

16,405

وإن فَعَل فلا شيءَ عليه، لأنَّه لا ضَرَرَ على رَبِّ المُضارَبَةِ فيه.

16,406

وإن أخذَ مِن رَجُل مُضارَبَةً، ثم أخَذَ مِن آخَرَ بِضاعَةً، أو عَمِل في مالِ نَفْسِه واتَّجَرَ فيه، فرِبْحُه في مالِ البِضاعَةِ لصاحِبِها،

16,407

وفي مالِ نَفْسِه له. فصل: إذا أخَذَ مِن رَجُلٍ مائةً قِراضًا، ثم أخَذَ من آخَرَ مِثْلَها، فاشْتَرَى بكلِّ مائَة عبدًا، فاخْتَلَطَ العَبْدان ولم يَتَمَيَّزا، اصْطَلَحا عليهما، كما لو كانت لِرَجُلٍ حِنْطَةٌ فانْثالتْ عليها أخْرَى. وذَكَر القاضي في ذلك وَجْهَين؛ أحَدُهما، يَكُونان شَرِيكَين فيهما، كما لو اشْتَرَكا في عَقْدِ البَيعِ، فيُباعان، ويُقَسَّمُ بينَهما،

16,408

فإن كان فيهما رِبْحٌ، دَفَع إلى العامِل حِصَّتَه والباقِي بينَهما نِصْفَين.

16,409

والثّانِي، يَكُونان للعامِلِ، وعليه أداءُ رَأسِ المالِ، والرِّبْحُ له والخُسْرانُ عليه. وللِشافعيِّ قَوْلان كالوَجْهَين. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنّ مِلْكَ كلِّ واحِدٍ منهما ثابِتٌ في أحَدِ العَبْدَين، فلا يَزُولُ بالاشْتِباهِ عن جَمِيعِه ولا عن بَعْضِه بغيرِ رِضاه، كما لو لم يَكُونا في يَدِ المُضارِبِ، ولأنَّنا لو جَعَلْناهُما للمُضارِبِ، أدَّى إلى أن يَكُونَ تَفْرِيطُه سَبَبًا لانْفِرادِه بالرِّبْحِ وحِرْمانِ المُتَعَدَّى عليه، وعَكْسُ ذلك أوْلَى،

16,410

وإن جَعَلْناهُما شَرِيكَين أدَّى إلى أن يَأخُذَ أحَدُهما رِبْحَ مالِ الآخَرِ بغيرِ رِضاه، وليس له مالٌ ولا عَمَل.

فصل: إذا تَعَدَّى المُضارِبُ بفِعْلِ ما ليس له فِعْلُه، فهو ضامِنٌ للمالِ، في قولِ أكْثَرِ أهْلَ العِلْمَ. رُوِيَ ذلك عن أبِي هُرَيرَةَ، وحَكِيمَ بنَ حِزام، وأبي قِلَابَةَ، ونافِع، وإياس، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والحَكَمِ ، وحَمّادٍ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي. وعن علي، رَضِيَ اللهُ عنه: لا ضَمانَ على مَن شُورِكَ في الرِّبْحِ. ورُوِيَ مَعْنَى ذلك عن الحَسَن، والزُّهْرِيِّ. ولَنا، أنَّه مُتَصَرِّفٌ في مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلَزِمَه الضَّمان، كالغاصِبِ، ولا نَقُولُ بمُشارَكَتِه في الرِّبْحِ، فلا يَتَناوَلُه قولُ علي، رَضِيَ اللهُ عنه.

16,411

ومتى اشْتَرَى ما لم يُؤذَنْ فيه، فرَبِح فيه، فالرِّبْحُ لرَبِّ المالِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال أبو قِلَابَةَ، ونافِعٌ. وعن أحمدَ، أنهما يَتَصَدَّقان بالرِّبْحِ . وبه قال الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والحَكَمُ، وحَمّاد. قال القاضي: قولُ أحمدَ: يَتَصَدَّقان بالرِّبْحَ. على سبِيلِ الوَرَعِ، وهو لرَبِّ المَالِ في القَضاءِ. وهذا قولُ الأوْزاعِيِّ.

16,412

وقال إيَاسُ بنُ مُعاويَةَ، ومالك: الرِّبْحُ على ما شَرَطاهُ؛ [لأنَّه نَوْعُ نَقْدٍ، فلا يَمْنَعُ كَوْنَ الرِّبْحِ بينَهما على ما شرَطاه]، كما لو لَبِس الثَّوْبَ، ورَكِب دابَّةً ليس له رُكُوبُها.

16,413

وقال القاضي: إنِ اشْتَرَى في الذِّمَّةِ ثم نَقَدَ المال، فالرِّبْحُ لرَبِّ المالِ.

16,414

وإنِ اشْتَرَى بعَينِ المالِ، فالشِّراءُ باطِل في إحْدَى الرِّوايَتَين. والأخْرَى، هو مَوْقُوفٌ على إجازَةِ المالِكِ ،

16,415

فإن أجازَه، صَحَّ، وإلَّا بَطَلَ.

16,416

والمَذْهَبُ الأوَّلُ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَم.

16,417

وقال أبو بكر: لم يَرْو أنَّه يتَصَدَّقُ بالرِّبْح إلَّا حَنْبَلٌ. واحْتَجَّ أحمدُ بحدِيثِ عُرْوَةَ البارِقِيِّ، وهو ما روَى [أبو لَبِيدٍ]، عن عُرْوَةَ بنِ الجَعْدِ، قال: عَرَض للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - جَلَبٌ، فأعْطانِي دِينارًا، فقال: «يا عُرْوَةُ، ائْتِ الجَلَبَ، فاشْتَرِ لَنَا شَاةً». فأتَيتُ الجَلَبَ فساوَمْتُ صاحِبَه، فاشْتَرَيتُ شاتَين بدِينار، فجِئْتُ أسُوقُهُما -أو أقُودُهما- فلَقِيَني رجل بالطَّرِيقِ، فساوَمَنِي، فبعْتُ منه شاةً بدِينارٍ، فجِئْتُ بالدِّينار وبالشّاةِ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، هذا دِينارُكُم، وهذه شاتُكُم.

قال:«وكَيفَ صَنَعْتَ؟». فحَدَّثْتُه الحَدِيثَ، فقال:«اللَّهُمَّ بَارِكْ له في صَفْقَةِ يَمِينهِ». رَواه الأثْرَمُ . ولأنَّه نَمَاءُ مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِ مالِكِه فكان لمَالِكِه، كما لو غَصَب حِنْطَةً فزَرَعَها.

16,418

فأمّا المُضارِبُ، فَفِيه رِوَايتَانِ؛ إحْداهما، لا شيءَ له؛ لأَنه عَقَد عَقْدًا لم يُؤذَنْ له فيه، فلم يَكُنْ له شيء، كالغاصِبِ. وهذا اخْتِيارُ أبي بَكْر. والثّانِيَةُ، له أجْر؛ لأنَّ رَبَّ المالِ رَضِيَ بالبَيعِ وأخَذَ الرِّبْحَ، فاسْتَحَقَّ العامِلُ عِوَضًا، كما لو عَقَدَه بإذْنٍ .

16,419

وفي قَدْرِ الأجْرِ رِوايتان؛ إحْداهُما، أجْرُ مِثْلِه ما لم يُحِطْ بالرِّبْحِ؛ لأنَّه عَمِل ما يَسْتَحِقُّ به العِوَضَ، ولم يُسَلَّمْ له المُسَمَّى، فكان له أجْرُ مِثْلِه، كالمُضارَبَةِ الفاسِدَةِ. والثّانِيَةُ، له الأقَل مِن المُسَمَّى أو أجْرِ المِثْلِ؛ لأنه إن كان المُسَمَّى أقَلَّ، فقد رَضِيَ به، فلم يَسْتَحِقَّ اكْثَرَ منه،

16,420

وإن كان أجْرُ المِثْلِ أقَلَّ، فلم يَسْتَحِقَّ أكثر منه؛ لأَنه لم يَعْمَلْ ما أمِرَ به.

16,421

فإن قَصَد الشراءَ لنَفْسِه، فلا أجْرَ له، رِوَايَةً واحِدَةً.

16,422

وقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: إنِ اشْتَرَى في ذِمَّتِه ونَقَد المال، فلا أجْرَ له، رِوَايةً واحِدةً،

16,423

وإنِ اشْتَرَى بعَينِ المالِ، فعلى رِوايَتَين.

فصل: وعلى العامِلِ أن يَتَوَلَّى بنَفْسِه كلَّ ما جَرَتِ العادَةُ أن يَتَولَّاه المُضارِبُ؛ مِن نَشْرِ الثَّوْبِ، وطَيِّه، وعَرْضِه على المُشْتَرِي، ومُساوَمَتِه، وعَقْدِ البَيعِ، وأخْذِ الثَّمَنِ، وانْتِقادِه ، وشَدِّ الكِيسِ، وخَتْمِه، وإحْرازِه، ونحو ذلك. ولا أجْرَ له عليه؛ لأنَّه استحَقَّ الرِّبْحَ في مُقابَلَتِه.

16,424

فَإنِ اسْتَأجَرَ مَن يَفْعَلُ ذلك، فالأجْرُ عليه خاصَّةً؛ لأن العَمَلَ عليه.

16,425

فأمّا ما لا يَليه في العادَةِ، كالنِّداءِ على المَتاعٍ، ونَقْلِه إلى الخانِ، فليس على العامِلِ عَمَلُه، وله أن يَكْتَرِيَ مَن يَعْمَلُه. نصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ العَمَلَ في المُضارَبَةِ غيرُ مَشْرُوطٍ؛ لمَشَقَّةِ اشْتراطِه، فرُجِعَ فيه إلى العُرْفِ.

16,426

فإن فَعَل العامِلُ ما لا يَلْزَمُه مُتَبَرِّعًا، فلا أجْرَ له.

16,427

وإن فَعَلَه ليَأخُذَ عليه أجْرًا، فنَصَّ أحمدُ على أنَّه لا شيءَ له. وخَرَّجَ أصحابُنا وَجْهًا، أن له الأجْرَ، بِناءً على الشَّرِيكِ إذا انْفَرَدَ بعَمَل لا يَلْزَمُه، هل له أجْر لذلك؟ على رِوايَتين. وهذا مِثْلُه.

16,428

قال شيخُنا : والصَّحِيحُ أنَّه لا أجْرَ له في المَوْضِعَين؛ لأنَّه عَمِل في مالِ غيرِه عَمَلًا لم يُجْعَلْ له في مُقابَلَتِه شيء، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كالأجْنَبِيِّ.

16,429

فصل: وإذا غُصِبَ مالُ المُضارَبَةِ أو سُرِق، فهل للمُضارِبِ المُطالبَةُ به؟ على وَجْهين؛ أحدُهما، ليس له ذلك؛ لأنَّ المُضِارَبَةَ عَقْد على التِّجارَةِ، فلا يَدْخُلُ فيه الخُصُومَةُ.

16,430

والثّانِي، له ذلك؛ لأنه يَقْتَضِي حِفْظَ المالِ، ولا يَتمُّ ذلك إلا بالخُصُومَةِ والمُطالبَةِ، سِيَّما إذا كان غائِبًا عن رَبِّ المالِ، فإنَّه حينَئذٍ لا مُطالب بِه إلَّا المُضارِبُ،

16,431

فإن تَرَكَه ضاع. فعلى هذا، إن تَرَك الخُصُومَةَ والطَّلَبَ به في هذه الحالِ، ضَمِن؛ لأنه ضَيَّعَه وفَرَّطَ فيه.

16,432

فأمّا إن كان رَبُّ المالِ حاضِرًا، وعَلِم الحال، فإنَّه لا يَلْزَمُ العامِلَ طَلبه، ولا يَضْمَنُه إذا تَرَكَه؛ لأنَّ رَبَّ المالِ أوْلَى بذلك مِن وَكِيله.

فصل: وإذا اشْتَرَى المُضارِبُ عَبْدًا، فقَتَلَه عَبْد لغَيرِه، ولم يَكُنْ ظَهَر في المالِ رِبْح، فالأمْرُ لرَبِّ المالِ؛ إن شاء اقْتَصَّ،

16,433

وإن شاء عَفَا على غيرِ مالٍ، وتَبْطُلُ المُضارَبَةُ فيه؛ لذَهاب رَأسِ المالِ.

16,434

وإن شاء عَفَا على مالٍ،

16,435

فإن عَفَا على مِثْلِ رَأسِ المالِ أو أقَلَّ أَو أكثرَ، فالمُضارَبَةُ بحالِها، والرِّبْحُ بينَهما على ما شَرَطَاه؛ لأنَّه وُجِد بَدَل عن رَأسِ المالِ، فهو كما لو وَجَد بَدَلَه بالبَيعِ،

16,436

وإن كان في العَبْدِ رِبْح، فالقِصَاصُ إليهما، والمُصالحَةُ كذلك؛ لكَوْنِهما شَرِيكَين فيه. والحُكْمُ في انْفِساخِ المُضارَبَةِ وبَقائِها على ما تَقَدّمَ. ٢٠٨٢ -

المبدع في شرح المقنعIbn Muflih

(وَإِنْ ظَهَرَ رِبْحٌ، فَهَلْ يَعْتِقُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ مَتَى يَمْلِكُ الرِّبْحَ،

11,814

فَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُهُ بِالْقِسْمَةِ لَمْ يُعْتِقْ مِنْهُ شَيْئًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ،

11,815

وَإِنْ قُلْنَا بِالظُّهُورِ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ لَا يَعْتِقُ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ لِكَوْنِ الرِّبْحِ وِقَايَةً لِرَأْسِ الْمَالِ،

11,816

وَالثَّانِي: ويَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا، وَيُقَوَّمُ عَلَيْهِ بَاقِيهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي ; لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِفِعْلِهِ، فَعُتِقَ عَلَيْهِ أَشْبَهَ مَا لَوِ اشْتَرَاهُ بِمَالِهِ،

11,817

وَإِنِ اشْتَرَاهُ وَلَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْعَبْدُ بَاقٍ فِي التِّجَارَةِ فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ ظَاهِرًا.

مَسْأَلَةٌ: إِذَا تَعَدَّى الْمُضَارِبُ بِالشَّرْطِ، أَوْ فَعَلَ مَا لَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ، أَوْ تَرَكَ مَا يَلْزَمُهُ ضَمِنَ الْمَالَ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَرِبْحُهُ لِمَالِكِهِ،

11,818

وَقِيلَ: لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَعَنْهُ: لَهُ الْأَقَلُّ مِنْهَا، أَوْ مَا سُمِّيَ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ،

11,819

وَعَنْهُ: يَتَصَدَّقَانِ.

قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ،

11,820

وَقِيلَ: إِنِ اشْتَرَى بِعَيْنِ الْمَالِ بَطَلَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالنَّمَاءُ لِلْبَائِعِ،

11,821

وَعَنْهُ: إِنْ أَجَازَهُ رَبُّهُ صَحَّ، وَمَلَكَ النَّمَاءَ وَإِلَّا بَطَلَ. [تَصَرُّفُ الْمُضَارِبِ فِي مَالِ الشَّرِيكِ بِالْمُضَارَبَةِ أَوِ الشِّرَاءِ] (وَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ) أَنْ يَشْتَرِيَ بِأَكْثَرِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْإِذْنِ لَهُ،

11,822

فَإِنْ فَعَلَ صَحَّ وَكَانَ لَهُ، وَهَلْ يَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ رَبِّ الْمَالِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ (أَنْ يُضَارِبَ لِآخَرَ إِذَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْأَوَّلِ) وَلَمْ يَأْذَنْ فِيهِ كَكَوْنِ الْمَالِ الثَّانِي كَثِيرًا، فَيَسْتَوْعِبُ زَمَانَهُ، فَيَشْغَلُهُ عَنْ تِجَارَةِ الْأَوَّلِ.

11,823

وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ بِجَوَازِهِ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَمْلِكُ بِهِ مَنَافِعَهُ كُلَّهَا، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنَ الْمُضَارَبَةِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ، وَكَالْأَجِيرِ الْمُشْتَرِكِ، وَرُدَّ بِأَنَّهَا تَنْعَقِدُ عَلَى الْحَظِّ وَالنَّمَاءِ،

11,824

فَإِذَا فَعَلَ مَا يَمْنَعُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ كَمَا لَوْ أَرَادَ التَّصَرُّفَ بالغَيْنِ،

11,825

وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا ضَرَرٌ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَكَمَا لَوْ أَذِنَ فِيهَا

الإنصافal-Mardawi

وإنْ ظهَر رِبْحٌ، فهل يَعْتِقُ؟ على وَجْهَين. وهما مَبْنِيَّان على مِلْك المُضارِبِ للرِّبْحِ بعدَ الظهورِ وعدَمِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم؛ منهم، القاضي في «خِلافِه»، وابنُه أبو الحُسَينِ. وأبو الفَتْحِ الحَلْوَانِي، وأبو الخَطَّابِ، والمُصَنِّف، والشارِحُ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . .

وغيرُهم، وقدَّمها كثيرٌ مِنَ الأصحابِ.

21,463

فإنْ قُلْنا: يَمْلِكُ بالظُّهورِ. عتَق عليه. على الصحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الهِدايَةِ» وغيرِها. واخْتارَه القاضي وغيرُه. وقدمه في «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِي»، وغيرِهم. قال ابنُ رَجَبٍ: وهو أصحُّ.

21,464

وإنْ قلْنا: لا يَمْلِكُ. لم يَعْتِقْ عليه.

21,465

قال في «الكافِي»: وإنْ قُلْنا: لا يَمْلِكُ إلا بالقِسْمَةِ. لم يَعْتِقْ.

21,466

وإنْ قُلْنا: يَمْلِكُه بالظُّهورِ. عتَق عليه قَدْرُ حِصتِه، وسرَى إلى باقِيه إنْ كان مُوسِرًا، وغَرِمَ قِيمَتَه،

21,467

وإنْ كان مُعْسِرًا، لم يَعْتِقْ عليه إلا ما ملَك. انتهى.

21,468

وقال أبو بَكْر في «التنبِيهِ»: لا يَعْتِقُ عليه،

21,469

وإنْ قُلْنا: يَمْلِكُ؛ لعَدَمِ اسْتِقْرارِه. وصححه ابنُ رَزِين في «نِهايته». وأطْلَقَ العِتْقَ وعدَمَه، إذا قُلْنا: يَمْلِكُ بالظُّهورِ. في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «التلْخيصِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.

21,470

وقال في «التلْخيصِ»: ولو ظهَر رِبْحٌ بعدَ الشراءِ بارتفاعِ الأسْواق، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقُلْنا: يَمْلِكُ بالطُّهورِ، عتَق نَصِيبُه، ولم يَسْرِ؛ إذْ لا اخْتِيارَ له في ارْتِفاعِ الأسْواقِ.

21,471

فائدة: ليس للمُضارِبِ أنْ يَشْتَرِيَ بأكْثرَ مِن رأسِ المالِ،

21,472

فلو كان رأسُ المالِ ألْفًا، فأشْتَرَى عَبْدًا بالفٍ، ثم اشْتَرَى عَبْدًا آخَرَ بعَينِ الألفِ، فالشِّراءُ فاسِد. نص عليه، وتقدَّم نَظِيرُه في شَرِكَةِ العِنانِ، في كلامِ المُصَنِّفِ، حيثُ قال: وليس له أنْ يَسْتَدِينَ. وَلَيسَ لِلْمُضَارِبِ أنْ يُضَارِبَ لِآخَرَ، إذَا كَانَ فِيهِ ضَرَر عَلَى الأوَّلِ.

21,473

فَإن فَعَلَ، رَدَّ نَصِيبَهُ مِنَ الرِّبْحِ فِي شَرِكَةِ الأوَّلِ.

21,474

تنبيه: مفْهومُ قوْلِه: وليس للمُضارِبِ أنْ يُضارِبَ لآخَرَ، إذا كان فيه ضَرَر على الأوَّلِ. أنَّه إذا لم يَكُنْ فيه ضَرَر على الأولِ، يجوزُ أنْ يُضارِبَ لآخَرَ. وهو صحيح، وهو المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ». وهو ظاهِرُ كلامِ جماهيرِ الأصحابِ؛ لتَقْييدهِم المَنْعَ بالضَّرَرِ. وقدَّمَه في «الفُروعِ». وقاله القاضي في «المُجَرَّدِ» وغيرِه. ونقَل الأثْرَمُ، متى . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

اشْتَرَطَ النَّفَقَةَ على رَبِّ المالِ، فقد صارَ أجيرًا له، فلا يُضارِبُ لغيرِه.

21,475

قيلَ: فإنْ كانتْ لا تَشْغَلُه؟ قال: لا يُعْجِبُنِي، لا بَدَّ مِن شَغْلٍ.

21,476

قال في «الفائقِ»: ولو شرَط النَّفَقَةَ، لم يأخُذْ لغيرِه مُضارَبَة،

21,477

وإنْ لم يتَضَرَّرْ. نصَّ عليه. وقدَّمه في «الشرْح». وحملَه المُصَنِّفُ على الاسْتِحْبابِ.

الممتع في شرح المقنعIbn al-Munajja

قال: (وليس للمضارب أن يضارب لآخر إذا كان فيه ضرر على الأول. فإن فعل رد نصيبه من الربح في شركة الأول) .

7,699

أما كون المضارب ليس له أن يضارب لآخر مع الضرر على الأول؛ فلأن المضاربة تنعقد على الحفظ والنماء،

7,700

فإذا فعل ما يمنعه من ذلك لم يكن له؛ كما لو أراد التصرف بالعين.

7,701

وأما كونه يرد نصيبه من ربح المضاربة الثانية في المضاربة الأولى؛ فلأنه استحق ذلك بالمنفعة التي استحقت بالعقد الأول فكان بينهما كالأول.

7,702

وفي تقييد المصنف رحمه الله قوله: وليس للمضارب أن يضارب لآخر بكونه فيه ضرر على الأول إشعار بأنه إذا لم يكن فيه ضرر على الأول له ذلك وهو صحيح؛ لأن المانع الضرر ولا ضرر هنا.

ولأن عقد المضاربة لا يقتضي ملك كل منافع العامل.

A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.