وَهُوَ دَمُ طَبِيعَةٍ وَجِبِلَّةٍ وَيَمْنَعُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ: فِعْلَ الصَّلَاةِ ووُجُوبَهَا وَفِعْلَ الصِّيَامِ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَمَسَّ الْمُصْحَفِ وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ وَالطَّوَافَ
Its commentaries
باب الحيض] ٢١٢ - مسألة؛ قال: (وهو دَمُ طَبِيعَةٍ وجِبِلَّةٍ) الحَيضُ: دَمٌ يُرْخِيه الرَّحِمُ إذا بَلَغَتِ المرأةُ، في أوقاتٍ مُعْتادَةٍ. وهو دَمٌ طَبَع اللهُ النساءِ وجَبَلَهُنَّ عليه، وليس بدَمِ فسادٍ، بل خَلقَه الله تعالى لحِكْمَةِ تَرْبِيَةِ الوَلَدِ،
فإذا حَمَلَتِ المرأةُ، انْصَرَفَ ذلك بإذنِ اللهِ تعالى إلى غِذائِه؛ ولذلك لا تَحِيضُ الحامِلُ،
فإذا وَضَعَتِ الوَلَدَ قَلَبَه اللهُ بحِكْمَتِه لَبَنًا، ولذلك قَلَّما تَحِيضُ المُرْضِعُ،
فإذا خَلَتِ المرأةُ مِن الحَمْلِ والرَّضاعِ، بَقِى الدَّمُ لا مَصْرِفَ له، فيَسْتَقِرُّ في مكانٍ، ثم يَخْرُجُ في الغالِبِ في كلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أيامٍ أو سبْعَةً، وقد يَزِيدُ على ذلك، ويَقِلُّ ويَطُولُ شَهْرُ المرأةِ ويَقْصُرُ، على حَسَبِ ما رَكَّبَه اللهُ تعالى في الطباعِ. وسُمِّيَ حَيضًا، مِن قَوْلِهم: حاضَ الوادِي. إذا سالَ. وتقولُ العَرَبُ: حاضَتِ الشجرةُ. إذا سال مِنها الصَّمْغُ الأحْمَرُ، وهو مِن السَّيَلَانِ. والأصْلُ فيه قولُه تعالى:{وَيَسْئلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}.
وقال أحمدُ، رَحِمه اللهُ: الحَيضُ يَدُورُ على ثلاثةِ أحاديثَ؛ حديثِ فاطِمَةَ، وأمِّ حَبِيبَةَ، وحَمْنَةَ.
وفي رِوايةِ: وحديثِ أم سَلَمَةَ. مكانَ حديثِ أم حَبِيبَةَ. وسنَذْكُرُ هذه الأحاديثَ في مَواضِعِها، إن شاء اللهُ.
فصل: واخْتَلَفَ النّاسُ في المَحِيض، فقال قَوْمٌ: المَحِيضُ والحَيضُ واحِدٌ مَصْدَران، بدَلِيلِ قولِه تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى}. والأذَى إنَّما هو الدَّمُ، وهو الحَيضُ،
وكذلك قولُه تعالى:{وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ}. وإنَّما يَئسْنَ مِن الحيضِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: المَحِيضُ مَكانُ الحَيضِ، كالمَقِيلِ والمَبِيتِ، مكانُ القَيلُولَةِ والبيتُوتَةِ، وما جاء في القرآنِ يُحْمَلُ على المَجازِ. وفائِدَةُ الخِلافِ أنا إذا قُلْنا: المَحِيضُ اسْمٌ لمَكانِ الحَيضِ. اخْتَصَّ التَّحْرِيمُ به،
وإذا قُلْنا: اسْمٌ للدَّم. جاز أن يَنْصَرِفَ إلى ما عَداه لأجْلِه.
٢١٣ - مسألة: (ويَمْنَعُ عَشَرَةَ أشْياءَ) ؛ أحَدُها، (فِعْلُ الصلاةِ) .
والثاني، (وُجُوبها) قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَع أهلُ العلمِ على إسْقاطِ فَرْضِ الصلاةِ عن الحائِضِ في أيامِ حَيضِها، وعلى أنَّ قَضاءَ ما تَرَكَتْ من الصلاةِ في أيامِ حَيضِها غيرُ واجبٍ؛ وذلك لقولِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ فاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش:«إذا أقبَلَتِ الْحَيضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ». مُتَّفَقٌ عليه .
ولما رَوَت مُعاذَةُ، قالت: سَألْتُ عائشةَ: ما بالُ الحائِضِ تَقْضِي الصومَ ولا تقضي الصلاةَ؟ فقالت: أحَرُورِيَّةٌ أنتِ؟ فقُلتُ: لَسْتُ بحَرُورِيةٍ، ولَكِنِّي أسأل. فقالت: كُنّا نَحِيضُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فنُؤمَرُ بقَضاءِ الصومِ، ولا نُؤمَرُ بقضاءِ الصلاةِ. مُتَّفقٌ عليه . إنَّما قالت لها عائشةُ ذلك؛ لأنَّ الخَوارِجَ يَرَوْنَ على الحائِض قَضاءَ الصلاةِ. الثالثُ، (فِعْلُ الصِّيامِ) ولا يُسْقِطُ وُجُوبَه؛ لِما ذَكَرنا مِن الحديثِ،
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ألَيسَتْ إحْدَاكُنَّ إِذا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟». قُلْنَ: بَلَى. رَواه البُخارِيُّ . وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ أنَّ الحائِضَ عليها قضاءُ الصوم إجْماعًا. الرابع، (قراءةُ القرآنِ) ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَقْرَإِ الحَائِضُ وَلَا الجُنُبُ شَيئًا مِنَ القُرْآنِ». رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ . والخامسُ، (مَسُّ المُصْحَفِ) لقَوْلِه تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ } . ولقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في كتابِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ:«لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا وَأنْتَ طَاهِرٌ».
رَواه الأَثْرَمُ . والسادسُ، (اللُّبْثُ في المَسْجدِ) لِما ذَكَرْنا في بابِ الغُسْلِ. والسابعُ، (الطَّوافُ) لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لعائشةَ إذ حاضَتْ:«فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيرَ أنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيتِ حَتَّى تَطْهُرِي». مُتَّفَقٌ عليه . والثامنُ،
بَابُ الْحَيْضِ] [تَعْرِيفُ الْحَيْضِ] بَابُ الْحَيْضِ.
وَهُوَ مَصْدَرُ: حَاضَتِ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ حَيْضًا، وَمَحِيضًا، فَهِيَ حَائِضٌ وَحَائِضَةٌ: إِذَا جَرَى دَمُهَا، فَأَصْلُهُ السَّيَلَانُ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَاضَ الْوَادِي إِذَا سَالَ، وَحَاضَتِ الشَّجَرَةُ: إِذَا سَالَ مِنْهَا شِبْهُ الدَّمِ، وَهُوَ الصَّمْغُ الْأَحْمَرُ، وَاسْتُحِيضَتِ الْمَرْأَةُ: اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِهَا فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، وَتَحَيَّضَتْ أَيْ: قَعَدَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا عَنِ الصَّلَاةِ، وَيُسَمَّى أَيْضًا الطَّمْثُ، وَالْعِرَاكُ، وَالضَّحِكُ، وَالْإِعْصَارُ، وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} الْآيَةَ وَالسُّنَّةُ، قَالَ أَحْمَدُ: الْحَيْضُ يَدُورُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ: حَدِيثِ فَاطِمَةَ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ، وَحَمْنَةَ،
وَفِي رِوَايَةٍ: وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ مَكَانَ حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ (وَهُوَ دَمُ طَبِيعَةٍ) سَجِيَّةٍ (وَجِبِلَّةٍ) خِلْقَةٍ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى بَنَاتِ آدَمَ تُرْخِيهِ الرَّحِمُ، إِذَا بَلَغَتْ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ، يَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ الرَّحِمِ، وَلَيْسَ هُوَ بِدَمِ فَسَادٍ، بَلْ خَلَقَهُ اللَّهُ لِحِكْمَةِ غِذَاءِ الْوَلَدِ وَتَرْبِيَتِهِ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِمَا،
فَإِذَا حَمَلَتِ، انْصَرَفَ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى غِذَائِهِ، وَلِذَلِكَ لَا تَحِيضُ الْحَامِلُ،
فَإِذَا وَضَعَتْهُ قَلَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِحِكْمَتِهِ لَبَنًا يَتَغَذَّى بِهِ، وَلِذَلِكَ قَلَّمَا تَحِيضُ الْمُرْضِعُ،
فَإِذَا خَلَتْ عَنْهُمَا بَقِيَ الدَّمُ لَا مَصْرِفَ لَهُ فَيَسْتَقِرُّ فِي مَكَانٍ، ثُمَّ يَخْرُجُ فِي الْغَالِبِ فِي كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً، وَقَدْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَقِلُّ، وَيَطُولُ شَهْرُهَا وَيَقْصُرُ بِحَسَبِ مَا رَكَّبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الطِّبَاعِ، وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبِرِّ الْأُمِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَبِبِرِّ الْأَبِ مَرَّةً وَاحِدَةً.
[يَمْنَعُ الْحَيْضُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ] (وَيَمْنَعُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ: فِعْلَ الصَّلَاةِ) فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا (و) يَمْنَعُ (وُجُوبَهَا) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إِسْقَاطِ فَرْضِ الصَّلَاةِ عَنْهَا فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا، وَعَلَى أَنَّ قَضَاءَ مَا فَاتَ مِنْهَا فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ:«إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ» ،
وَلِمَا رَوَتْ مُعَاذَةُ قَالَتْ:«سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؛ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؛ فَقُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ، فَقَالَتْ: كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَمَعْنَى قَوْلِهَا: أَحَرُورِيَّةٌ؛ الْإِنْكَارُ عَلَيْهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ أَهْلِ حَرُورَاءَ، وَهِيَ مَكَانٌ يُنْسَبُ إِلَيْهِ الْخَوَارِجُ، لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ عَلَى الْحَائِضِ قَضَاءَ الصَّلَاةِ كَالصَّوْمِ، وَلِفَرْطِ تَعَمُّقِهِمْ حَتَّى مَرَقُوا مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ لِتَكَرُّرِهِ وَطُولِ مُدَّتِهِ،
فَإِنْ أَحَبَّتِ الْقَضَاءَ فَظَاهِرُ نَقْلِ الْأَثْرَمِ الْمَنْعُ،
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ: يُكْرَهُ، لَكِنَّهُ بِدْعَةٌ، كَمَا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ إِلَّا رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ، لِأَنَّهَا نُسُكٌ لَا آخِرَ لِوَقْتِهِ، فَيُعَايَا بِهَا، وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ شَيْخُنَا ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الطَّهَارَةِ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمُ اتِّفَاقًا، لِأَنَّهُ حَدَثٌ يُوجِبُ الطَّهَارَةَ، وَاسْتِمْرَارُهُ يَمْنَعُ صِحَّتَهَا كَالْبَوْلِ، وَلَا يَمْنَعُ غَسْلَهَا كَجَنَابَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، بَلْ يُسَنُّ. (وَفِعْلَ الصِّيَامِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ:«أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تَصُمْ، وَلَمْ تُصَلِّ، قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ،
وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الصَّوْمِ، وَهُوَ كَذَلِكَ إِجْمَاعًا، لِأَنَّهُ وَاجِبٌ فِي ذِمَّتِهَا،
وَكَذَا كُلُّ مَنْ لَزِمَتْهُ عِبَادَةٌ وَجَبَتْ فِي ذِمَّتِهِ، كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، لَكِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالتَّمَكُّنِ مِنْهَا،
فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا، وَتَقْضِيهِ هِيَ، وَكُلُّ مَعْذُورٍ بِالْأَمْرِ السَّابِقِ، لَا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ عَلَى الْأَشْهَرِ،
وَفِي " الرِّعَايَةِ " يَقْضِيهِ مُسَافِرٌ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ: عَلَى الْأَصَحِّ، وَحَائِضٌ وَنُفَسَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ. (وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تَقْرَأِ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» وَقَدْ سَبَقَ وَنَقَلَ الشَّالَنْجِيُّ كَرَاهَتَهَا لَهَا،
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِذَا ظَنَّتْ نِسْيَانَهُ، وَجَبَتْ. (وَمَسَّ الْمُصْحَفِ) لِلنَّصِّ. (وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ، وَلَا جُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ،
وَقِيلَ: لَا بِوُضُوءٍ، وَقِيلَ: وَيَمْنَعُ دُخُولَهُ، وَحَكَى رِوَايَةً لِخَوْفِهَا تَلْوِيثَهُ فِي الْأَشْهَرِ، وَنَصُّهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ: تَمُرُّ وَلَا تَقْعُدُ،
وَالْمَذْهَبُ حَيْثُ أَمِنَتْ تَلْوِيثَهُ. (وَالطَّوَافَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعَائِشَةَ:«افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ صَلَاةٌ، وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنْهَا،
وَمِنْ لَوَازِمِهِ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ، وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنْهُ، وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: بِلَا عُذْرٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ: يَصِحُّ مِنْهَا، وَيَجْبُرُهُ بِدَمٍ.
باب الحيض] وهو دمُ طبيعةٍ وجِبِلَّةٍ، [باب الحيض] فائدتان؛ إحداهما، قوله: هو دَمُ طَبِيعةٍ وجِبِلَّةٍ. الحَيضُ دمُ طَبِيعةٍ وجِبِلَّةٍ يُرْخِيه الرَّحِمُ، فيَخرُجُ مِن قَعْرِه عند البُلوغ وبعدَه، في أوقاتٍ خاصَّةٍ، على صِفةٍ خاصَّةٍ، مع الصِّحَّةِ والسَّلامةِ، لحِكْمةِ تَرْبيَةِ الوَلَدِ إن كانت حامِلًا، ولذلك لا تحِيضُ، وعندَ الوَضْعِ يخرُجُ ما فَضَلَ عن غِذَاءِ الوَلَدِ، ثم، يَقْلِبُه اللهُ لَبنًا يتَغَذَّى به الوَلَدُ، ولذلك قَلَّ أن تَحِيضَ مُرْضِعٌ،
فإذا خَلَتْ مِن حَمْل ورَضَاع، بَقِيَ ذلك الدَّمُ لا مَصْرِفَ له، فيَخْرُجُ على حسَبِ العادةِ. والنِّفاسُ خُروج الدَّمِ مِنَ الفَرْجٍ للولادَة. والاسْتِحاضَةُ دَم يَخْرُجُ مِن عِرْقٍ، فَمُ ذلك العِرْقِ في أدْنَى الرَّحِمِ دُون قَعْرِه، يُسَمَّى العاذِلَ، بالمُهْمَلَةِ والمُعْجَمَةِ، والعاذِرُ لغَةٌ فيه، حكَاهما ابنُ سِيدَه . والمُسْتَحاضَةُ مَن عبرَ دَمُها أكثرَ الحَيضِ، والدَّمُ الفاسِدُ أعَمُّ مِن ذلك. الثَّانيةُ، . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَحِيضُ مَوْضِعُ الحَيضِ، على الصَّحيحِ، وعليه الجمهورُ [وقطَع به أكثرُهم.
وقيل: زَمَنُه. قاله في «الرِّعايَة».
وقال قوْم: المَحِيضُ الحَيضُ. فهو مَصْدَر.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: وفائدَةُ كوْنِ المَحِيض الحيضَ، أو موْضِعَه؛ إنْ قُلْنا: هو مَكانُه. اخْتَصَّ التَّحْريمُ به،
وإنْ قُلْنا: هو اسْمٌ للدَّمِ. جازَ أنْ يَنْصَرِفَ إلى ما عدَاه] . وَيَمْنَعُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ؛ فِعْلَ الصَّلَاةِ، وَوُجُوبَهَا، ويَمْنَعُ عَشَرَةَ أشياءَ؛ فِعْلَ الصَّلاةِ، ووُجوبَها. وهذا بلا نِزاعٍ، ولا تَقْضِيها إجْماعًا، قيل لأحمدَ،
في رِوايةِ الأثرَمِ: فإن أحَبَّتْ أن تَقْضِيَهَا؟ قال: لا، هذا خِلافُ السُّنَّةِ. ويأتِي في أوَّلِ كتابِ الصَّلاةِ؛ هل تَقْضِي النُّفَسَاءُ إذا طَرَحَتْ نفْسَها؟
قال في «الفُروعِ»: فظاهرُ النَّهْي التَّحْريمُ. ويتَوَجَّهُ احْتِمالٌ؛ يكونُ، لكنَّه بِدْعَةٌ. قال: ولعَلَّ المُرادَ إلَّا رَكْعَتَي الطَّوافِ؛ لأنَّها نُسُك لا آخِرَ لوَقْتِه، فيُعايَى بها. انتهى.
قلتُ: وفي هذه المُعاياةِ نَظر ظاهرٌ.
قال في «النُّكَتِ»: ويَمْنَعُ صِحَّةَ الطَّهارةِ به، صرَّح به غيرُ واحدٍ.
قلتُ: صَرَّحَ به المُصَنِّفُ في «الكافي»، و «المُغْنِي»، والشَّارِحُ، وابنُ حَمْدانَ، في «رِعَايته الكُبْرى»، وصاحِبُ «الفائقِ»، و «الفُروعِ»، و «الحاوي الكبيرِ»، وغيرهم. ويأتِي قريبًا وَجْهٌ؛ أنها إذا تَوَضَّأتْ، لا تُمْنَعُ مِنَ اللبْثِ في المسْجد. وهو دليل على أنَّ الوُضوءَ منها يفِيدُ حُكْمًا. وتقدَّم؛ هل يصِحُّ الغُسْلُ مع قِيامِ الحَيض؟ في بابِ الغُسْلِ. وَفِعْلَ الصِّيامِ، وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَمَسَّ الْمُصْحَفِ، وقراءةَ القُرآنِ. تُمْنَعُ الحائِضُ مِن قراءةِ القرآنِ مُطْلقًا، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثير منهم.
وقيل: لا تُمْنَعُ منه. وحُكِيَ رِوايةً.
قال في «الرِّعايَةِ»: وهو بعيدُ الأثَرِ. واخْتارَه الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ ومنَعَ مِن قراءةِ الجُنُبِ،
وقال: إنْ ظَنَّتْ نِسْيانَه وجَبَتِ القِراءةُ. واخْتارَه أيضًا في «الفائقِ». ونقَلَ الشَّالنْجِي كَراهَةَ القراءةِ لها وللجُنُبِ.
وعنه، لا يَقْرآنِ، وهي أشَدُّ. فعلى المذهبِ، تقدَّم تَفاصِيلُ ما يقرأُ مَن لَزِمَه الغُسْلُ، وهي منهم، في أثْناءِ واللُّبْثَ في الْمَسْجِدِ، وَالطَّوَافَ، وَالْوَطْءَ في الْفَرْجِ، وَسُنَّةَ الطَّلاقِ، وَالاعْتِدَادَ بِالْأشْهُرِ.
بابِه، فَلْيُعاوَدْ. واللُّبْثَ في المَسْجِدِ. تُمْنَعُ الحائضُ مِنَ اللُّبْثِ في المسْجدِ مُطْلقًا، على . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جمهورُ الأصحاب.
وقيل: لا تُمْنَعُ إذا تَوَضَّأَتْ وأمِنَتِ التَّلْويثَ. وهو ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، في بابِ الغُسْل؛
حيث قال: ومَن لَزِمَه الغُسْلُ، حَرُمَ عليه قراءةُ آيَةٍ،
ويجوزُ له العُبورُ في المسْجدِ،
ويَحْرُمُ عليه اللُّبْثُ فيه، إلَّا أنْ يتَوضَّأ. فظاهرُه دُخولُ الحائضِ في هذه العبارَةِ، لكن نقولُ: عُمومُ ذلك اللَّفْظِ مخصوصٌ بما هنا. وأطْلقَهما في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغيرِ».
تنبيه: ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّها لا تُمْنَعُ مِنَ المُرورِ منه، وهو المذهبُ مُطْلقًا، إذا أمِنَتِ التَّلْويثَ.
وقيل: تُمْنَعُ مِنَ المرورِ. وحُكِيَ روايةً. وأطْلَقَهما في «الرِّعايَةِ».
وقيل: لها العبورُ لتأْخُذَ شيئًا، كماءٍ وحصيرٍ ونحوهما، لا لتَتْرُكَ فيه شيئًا، كنَعْشٍ ونحوه. وقدَّم ابنُ تَميم جوازَ دُخولِ المسْجدِ لها لحاجَةٍ.
وأمَّا إذا خافَتْ تَلْويثَه، لم يَجُزْ لها العبورُ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال في «الفُروعِ»: تُمْنَعُ في الأشْهَرِ.
وقيل: لا تُمْنَعُ. ونصُّ أحمدَ، في رِوايَةِ ابنِ إبْراهِيمَ: تَمُرُّ ولا تَقْعُدُ. وتقدَّم في بابِ الغُسْلِ ما يُسَمَّى مَسْجِدًا، وما ليسَ بمَسْجدٍ؛ وتقدَّم أيضًا هناك؛ إذا انقْطعَ دَمُها وتوَضَّأَتْ، ما حُكْمُه؟ والطَّوافَ. في الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، أنَّ الحائِضَ تُمْنَعُ مِنَ الطَّوافِ مُطْلقًا،
ولا يصِحُّ منها، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وعنه، يصِحُّ، وتَجْبُرُه بدَمٍ. وهو ظاهرُ كلامِ القاضي. واختارَ الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ جوازَه لها عندَ الضرورةِ، ولا دَمَ عليها. وتقدَّم ذلك بزِيادَةٍ في آخرِ بابِ نَواقِضِ الوُضوءِ،
عندَ قولِه: ومَن أحْدَثَ، حَرُمَ عليه الصَّلاةُ والطوافُ. ويأْتي، إنْ شاءَ اللهُ تعالى، ذلك أيضًا في بابِ دُخولِ مَكَّةَ بأتَمَّ مِن هذا.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.