وَمَنْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا بِغَيْرِ جُعْلٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ إِلَّا فِي رَدِّ الْآبِقِ
Its commentaries
مسألة: (ومَن عَمِل لغيرِه عَمَلًا بغيرِ جُعْل، فلا شيءَ له، إلا في رَدِّ الآبِقِ) لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا؛ لأنه عَمَل يَسْتَحِق به العِوَضَ مع المُعاوَضَةِ، فلا يَسْتَحِقُّ مع عَدَمِها، كالعَمَلِ في الإجارَةِ. ٢٤٩٨ -
مسألة: فأمّا رَد الآبِقِ، فإنه يَسْتَحِق الجُعْلَ برَدِّه وإن لم يَشرُطْ له. رُويَ ذلك عن عُمَرَ، وعليّ، وابنِ مسعودٍ، وبه قال شُرَيح، وري بنُ عبدِ العزِيزِ، ومالك، وأصحابُ الرأي. ورُويَ عن أحمدَ، أنَّه لم يَكُنْ يُوجِبُ ذلك. قال ابنُ مَنْصُور: سئل أحمدُ عن جعْل الآبِقِ؟ فقال: لا أدْرِي، قد تَكَلمَ الناسُ فيه. لم يَكُنْ عندَه فيه حَدِيث صَحِيح. فظاهِر هذا أنه لا جعْلَ له فيه. وهو ظاهِر قَوْلِ الخِرَقِيِّ،
فإنه قال: وإذا أبَقَ العَبْد فلِمَن جاءَ به إلى سَيِّدِه ما أنْفَقَ عليه. ولم يَذْكُرْ جعْلًا. وهذا قول النخَعِيِّ، والشافعيِّ ، وابنِ المنْذِرِ؛ لأنه عَمِل لغيرِه عَمَلًا مِن غيرِ أن يَشْرطَ له عِوَضًا، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كما لو رَدَّ جَمَلَه الشارِدَ. ووجْهُ الرِّوايَةِ الأولَى، ما روَى عَمْرو بن دينارٍ، وابنُ أبي ملَيكَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَل في رَدِّ الآبِقِ، إذا جاءَ به خارِجًا مِن الحَرَمِ، دِينارًا .
وأيضًا فإنه قول مَن سَمَّينا مِن الصحابَةِ، ولم نَعْرفْ لهم في زَمَنِهم مخالِفًا، فكان إجْماعًا. ولأن في شَرْطِ الجعْلِ في رَدِّهم حَثًّا على رَدِّ الأُبَّاق وصِيانَةً لهم عن الرجوعِ إلى دارِ الحَرْبِ ورِدَّتِهم عن دِينهم وتَقْويَةِ أهْلِ الحَرْبِ بهم، فيَنْبَغِي أن يكونَ مَشْروعًا؛ لهذه المَصْلَحَةِ. وبهذا فارَقَ الشّارِدَ، فإنه لا يُفْضِي إلى ذلك. قال شَيخُنا : والرِّوايَةُ الأخْرَى أقْرَبُ إلى الصِّحةِ؛ لأن الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ، والخَبَرُ المَروي في هذا مُرْسَلٌ، وفيه مَقال، ولم يَثْبُتِ الإجْماعُ فيه ولا القِياسُ، فإنه لم يَثْبُتِ اعْتِبارُ الشرْعِ لهذه المَصْلَحَةِ المَذْكُورَةِ فيه، ولا تَحَققَتْ أيضًا، فإنه ليس الظاهِرُ هَرَبَهم إلى دارِ الحَرْبِ إلا في المَجْلُوبِ منها، إذا كانت قَرِيبةً، وهذا بَعِيد فيهم.
فأمّا عنه الرِّوايَةِ الأولَى، فقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في قَدْرِ الجُعْلِ، فرُوىَ عنه، أنه عَشَرَةُ دَراهِمَ، أو دِينَار، إن رَده مِن المِصْرِ،
وإن رَده مِن خارِجِه، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَلْزَمُه دِينارٌ، أو اثْنا عَشَرَ دِرْهَمًا؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ، ولأن ذلك يُرْوَى عن عمرَ، وعليّ، رَضِيَ الله عنهما. والثانيةُ، له أرْبَعُونَ دِرْهَمًا إذا رَده مِن خارِجِ المِصْرِ. اخْتارَهَا الخَلالُ. وهو قولُ ابنِ مسعودٍ، وشُرَيح، فرَوَى أبو عمرو الشيباني، قال: قُلْتُ لعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: إنِّي أصَبْتُ عَبِيدًا أبَّاقًا. فقال: لك أجْرٌ وغَنِيمة. فقلتُ: هذا الأجْرُ، فما الغَنِيمةُ؟ فقال: مِن كلِّ رَأس أرْبَعون دِرْهَمًا .
وقال أبو إسحاقَ: أعْطَيتُ الجُعْلَ في زَمَنِ مُعاويَةَ أرْبَعِينَ دِرْهَمًا. وهذا يَدُلُّ على أنه مُسْتَفِيض في العَصْرِ الأولِ. قال الخَلَّالُ: حَدِيثُ ابنِ مسعودٍ أصَحُّ إسْنادًا. ورُوِيَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزنرِ، أنه قال: إذا وَجَدَه على مَسِيرَةِ ثَلاثٍ، فله ثَلاثةُ دَنانِيرَ.
وقال أبو حنيفةَ: إن رَده مِن مَسِيرَةِ ثلاثةِ أيام، فله أرْبَعُونَ دِرْهَمًا،
وإن كان مِن دُونِ ذلك، يرْضخُ له على قَدْرِ المَكانِ الذي تَعَنَّى إليه. ولا فَرْقَ عندَ إِمامِنا بينَ أن يَزِيدَ الجُعْلُ على قِيمَةِ العَبْدِ أو لا يَزِيدَ. وبهذا قال أبو يُوسُف، ومحمد.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان قَليِلَ القِيمَةِ، نَقَص الجُعْلُ عن قِيمَتِه دِرْهَمًا؛ لئلا يَفُوتَ عليه العَبْدُ جَمِيعُه. ولَنا، عُمُومُ الدلِيلِ؛ ولأنه جُعْلٌ يُسْتَحَقُّ في رَدِّ الآبِقِ، فاسْتَحَقَّه وإن زادَ على قِيمَتِه، كالذي جَعَلَه صاحِبُه.
٢٤٩٩ -
(وَمَنْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا بِغَيْرِ جُعْلٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ مَنْفَعَتَهُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ فَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ، وَلِئَلَّا يَلْزَمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَلْزَمْهُ وَلَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِهِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُعَدًّا لِأَخْذِ الْأُجْرَةِ،
فَإِنْ كَانَ مُعَدًّا لَهَا وَأُذِنَ لَهُ؛ فَلَهُ الْأُجْرَةُ، لَكِنْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ مَنْ خَلَّصَ مَتَاعًا لِغَيْرِهِ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ مِثْلِهِ
بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ (إِلَّا فِي رَدِّ الْآبِقِ) فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ بِلَا شَرْطٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَهُ شُرَيْحٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِئَلَّا يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، أَوْ يَشْتَغِلَ بِالْفَسَادِ
إلا في رَدِّ الآبِقِ. هذا الصحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ، ونص عليه.
وعنه، لا شيءَ لرادِّه مِن غيرِ جَعالة. اخْتارَه المُصَنِّفُ،
وقال: هو ظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ. ونازَعَ الزرْكشِي المُصَنِّف في كوْنِ هذا رِوايَة عن أحمدَ، وأنه ظاهِرُ كَلام الخرَقِي.
قال: (ومن عمل لغيره عملاً بغير جُعْل فلا شيء له. إلا في ردّ الآبق فإن له في الشرع ديناراً أو اثني عشر درهماً. وعنه: إن ردّه من خارج المصرِ فله أربعون درهماً) .
أما كون من عمل لغيره عملاً بغير جُعْل في غير ردّ الآبق لا شيء له؛ فلأنه بذل نفعه من غير جُعل. أشبه ما لو نوى التبرع به.
وأما كونه له في ردّ الآبق شيء بالشرع، فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل في الآبقِ إذا جاء به خارجاً من الحرم ديناراً».
ولأنه قول علي وعمر وابن عمر وابن مسعود، ولم يعرف لهم مخالفٌ. فكان إجماعاً.
وعن أحمد: لا شيء لمن ردّه؛ لأنه عمل في ملك غيره عملاً بغير إذنه. فلم يستحق شيئاً، كما لو ردّ جمله.
والأول أصح، لما تقدم ذكره.
ولأن في استحقاق الجعل في ردّ الآبق من غير شرط حثاً على ردّه، وصيانة له عن الرجوع إلى دار الحرب، وارتداده عن دينه. فيجب أن يكون مشروعاً لهذه المصلحة. وبهذا فارق الجمل الشارد فإنه لا يفضي إلى ذلك.
فعلى هذه إن ردّه من داخل المصرِ فله دينار أو اثني عشر درهماً: أما الأول؛ فلأنه يروى عن ابن مسعود.
وأما الثاني؛ فلأن الدينار مقدر في الشرع بذلك في كثير من المواضع. فليكن كذلك هاهنا.
وإن ردّه من خارج المصر ففيه روايتان: إحداهما: أنه له ديناراً أو اثني عشر درهماً: أما الأول، فلما تقدم من الحديث.
وأما الثاني ؛ فلأنها بدل عنه لما تقدم.
وثانيهما: أن له أربعين درهماً؛ لما روى أبو عمرو الشيباني قال:«قلت لعبدالله بن مسعود: إني أصبتُ عبيداً أباقاً فقال: لكَ أجرٌ وغنيمة. فقلتُ: هذا الأجر فما الغنيمة؟ فقال: من كل رأسٍ أربعينَ درهماً».
وقال أبو إسحاق:«أُعْطيتُ الجعل في زمن عمر أربعين درهماً». وهذا يدل على أنه مستفيض بين أهل العصر الأول. واختار هذه الرواية الخلال،
وقال: حديث عبدالله بن مسعود أصح إسناداً.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.