وَالْوَصِيَّةُ مُسْتَحَبَّةٌ لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا وَهُوَ الْمَالُ الْكَثِيرُ بِخُمْسِ مَالِهِ
Its commentaries
فصل : وإن كَتَب وَصِيَّتَه،
وقال: اشْهَدُوا عَلَيَّ بما في هذه الوَرَقَةِ. أو قال: هذه وَصِيتي فاشْهَدُوا عَلَيَّ بها. فقد حُكِيَ عن أحمدَ، أنَّ الرجلَ إذا كَتَب وَصِيَّتُه وختَم عَليها،
وقال للشهُودِ: اشهَدُوا على بما في هذا الكتابِ. لا يجوزُ حتى يَسْمَعُوا منه ما فيه، أو يُقْرَأ عليه فيُقِر بما فيه. وهو قولُ مَن سَمَّينا في المسألةِ الأولَى. ويَحْتَمِلُ جوازُه على ما نَقَلَه عن أحمدَ إسحاقُ بنُ إبراهيمَ في المسألةِ قبلَها، وذَكَرَه الخِرَقِي. وممَّن قال ذلك؛ عبدُ المَلِكِ بنُ يَعْلَى ، ومَكْحُولٌ، ونُمَيرُ بنُ إبراهيمَ ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والأوْزاعِيُّ، ومحمدُ بنُ مَسْلَمَةَ، وأبو عُبَيدٍ، وإسحاقُ. ورُوِيَ عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، وقَتادَةَ، ولسَوَّارِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الحسنِ، ومُعاذِ بنِ مُعاذٍ العَنْبَرِيَّيْن.
وهو مَذْهَبُ فُقَهاءِ أهلِ البَصْرَةِ وقُضاتِهم، واحْتَجَّ أبو عُبَيدٍ بكُتُبِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى عُمّالِه وأُمَرائِه في أمْرِ ولايته وأحْكامِه وسُنَنِه، ثم ما عَمِل به الخُلفاءُ الرّاشِدُون المَهْدِيُّون بعدَه مِن كُتُبِهم إلى وُلاتِهم بالأحْكامِ التي فيها الدِّماءُ والفُرُوجُ والأمْوالُ مَخْتُومَةً، لا يَعْلَمُ حامِلُها ما فيها، وأمْضَوْها على وَجْهِها. وذَكَرَ اسْتِخْلافَ سُلَيمانَ بنِ عبدِ المَلِكِ عُمَرَ بنَ عبدِ العزيزِ بكتابٍ كَتَبَه وخَتَم عليه. ولا نَعْلَمُ أحدًا أنْكَرَ ذلك مع شُهْرَتِه وانْتِشارِه في عُلَماءِ العَصْرِ، فيكونُ إجْماعًا.
ووَجْهُ القولِ الأوَّلِ، أنَّه كِتابٌ لا يَعْلَمُ الشّاهِدُ ما فيه، فلم يَجُزْ أن يَشْهَدَ عليه، ككِتابِ القاضي إلى القاضي. والأوْلَى الجَوازُ إن شاء اللهُ تعالى؛ لظُهُورِ دَليلهِ. والأصْلُ لَنا فيه مَنْعٌ.
فصل: وأمّا إذا ثَبَتَتِ الوَصِيَّةُ بشَهادَةٍ، أو إقْرارِ الوَرَثَةِ به، فإنَّه يَثْبُتُ حُكْمُه ويُعْمَلُ به ما لم يُعْلَمْ رُجُوعُه عنه،
وإن تطاوَلَتْ مُدَّتُه وتَغيرَتْ أحْوالُ المُوصِي، مثلَ أن يُوصِيَ في مَرَض فيَبْرَأ منه، ثم يَمُوتَ بعدُ أو يُقْتَلَ؛ لأن الأصْلَ بَقاؤه، فلا يَزُولُ حُكْمُه بمُجَرَّدِ الاحْتِمالِ والشكِّ، كسائِرِ الأحْكام.
فصلَ: ويُسْتَحَب أن يَكْتُبَ المُوصِي وَصِيتَّه ويُشْهِدَ عليها؛ لأنه أحْوَطُ لها وأحْفَظُ لِما فيها، وقد ذَكَرنا حديثَ ابنِ عُمَرَ. وروَى أنَسٌ، رَضِيَ الله عنه، قال: كانوا يَكْتُبُون في صُدُورِ وَصاياهم: بسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ، هذا ما أوْصَى به فلان، أنّه يَشْهَدُ أن لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَه لا شَريكَ له وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه،
وأن السّاعَةَ آتِيَة لا رَيبَ فيها،
وأن الله يَبعَثُ مَن في القُبُورِ، وأوْصَى مَن تَرَك مِن أهْلِه أن يَتَّقُوا الله ويُصْلِحُوا ذاتَ بينهم، ويُطعُوا الله ورسولَه إن كانوا مُؤْمِنِين، وأوْصاهم بما أوْصَى به إبراهيمُ بَنِيه ويَعْقُوبُ:{يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}. أخْرَجَه سعيد ، عن فُضَيلِ بنِ عِياضٍ، عن هِشام بنِ حَسّان، عن ابنِ سِيرِينَ، عن أنَّس. ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ. إنّه كتَب في وَصِيته: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، هذا ذِكْرُ ما وَصَّى به عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، إن حَدَث لي حادِثُ المَوْتِ مِن مَرَضِي هذا، أن مَرْجِعَ وَصِيتي إلى اللهِ تعالى، ثم إلى الزبير بنِ العَوّامِ، وابنه عبدِ اللهِ، وأنهما في حِلٍّ وبِلٍّ ممّا وَلِيا وَقضيا، وأنه لا تُزَوجُ امرأة مِن بَناتِ عبدِ اللهِ إلَّا بإذْنِهِما .
وروَى ابنُ عبدِ البَر قال: كان في وَصِيَّةِ أبي الدرْداءِ: بسمِ اللهِ الرحمن. الرحيمِ، هذا ما أوْصَى به أبو الدَّرْداءِ، أنَّه يَشْهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَه لا شَرِيكَ لَه وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه،
وأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ والنّارَ حَقٌّ،
وأنَّ الله يَبعَثُ مَن في القُبُورِ، وأنَّه يُؤْمِنُ باللهِ ويَكْفُرُ بالطَّاغُوتِ، على ذلك يَحْيا ويَمُوتُ إن شاء الله، وأوْصَى فيما رَزَقه اللهُ بكذا
وكذا، وأن هذه وَصِيته إن لم يُغيِّرْها. فصل: قال رَحِمَه الله: (والوَصِية مُسْتَحبة لمَن تَرك خَيرًا -وهو المالُ الكَثِير- بخمْسِ مالِه، وتكْرَهُ لغيرِه إن كان له وَرَثَة) وجملة ذلك، أن الوَصيةَ مسْتَحَبة لمَن تَرَك خَيرًا؛ لقولِ الله تعالى:{كُتِبَ عَلَيكمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكم الْمَوْتُ إن تَرَكَ خَيرًا الوَصِيَّة}. فنسِخَ الوجُوب، وبَقِيَ الاسْتِحْباب في حَقِّ مَن لا يَرِثُ. وروَى ابن عُمَرَ قال: قال رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يَا ابْنَ آدَمَ، جَعَلْت لَكَ نَصِيبًا مِن مالِكَ حِينَ أخَذْت بكَظَمِكَ لأطَهِّرَكَ وأزَكِّيَكَ».
وعن أبي هريرَةَ قال: قال رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله تَصَدقَ عَلَيكمْ عِنْدَ وَفَاتِكمْ بِثلُثِ أمْوالِكمْ». رَواهما ابن ماجه .
وقال الشعْبِي: مَن أوْصَى بوَصِيةٍ فلم يَجرْ ولم يَحِفْ، كان له مِن الأجْرِ مثلُ ما لو أعْطاها وهو صحيح.
فأمّا الفَقِير الذي له وَرَثَةٌ مُحْتاجُون فلا يُسْتَحَبُّ له أن يُوصِيَ؛ لأنَّ الله تعالى
قال في الوَصِيَّةِ:{إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ}.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لسَعْدٍ:«إنَّكَ أنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أغْنِياءَ، خَير مِنْ أنْ تَدَعَهُمْ عالةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ». وقال:«ابْدَأ بنَفْسِك، ثم بمَن تَعُولُ».
وقال عَلِيٌّ، رَضِيَ الله عنه، لرجل أرادَ أن يُوصِيَ: إنَّكَ لم تَدَعْ طائِلًا، إنَّما تَرَكْتَ شيئًا يَسِيرًا، فدَعْه لوَرَثَتِك. ورُوِيَ عنه أنَّه
قال في أرْبَعِمائةِ دِينارٍ: ليس فيها فَضْل عن الوارِثِ. ورُوِيَ عن عائشَةَ، رَضِيَ الله عنها، أنَّ رجلًا قال لها: لي ثلاثةُ آلافِ دِرْهَم، وأرْبَعةُ أولادٍ، أفأوصِي؟ فقالت: اجْعَلِ الثَّلاثةَ للأرْبَعَةِ . وعن ابنِ عباس قال: مَن تَرَكَ سَبْعَمائةِ دِرْهَم ليس عليه وَصِيَّة .
وقال عُرْوَةُ: دَخَل عَلِيٌّ على صَدِيقٍ له يَعُودُه، فقال الرجلُ: إنِّي أريدُ أن أوصِيَ. فقال له عليٌّ: إنَّ الله تعالى يقولُ: {إِنْ تَرَكَ خَيرًا} وإنَّك إنَّما تَدَعُ شيئًا يَسِيرًا، فدَعْه لوَرَثَتِكَ . واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في القَدْرِ الذي لا تُسْتَحَبُّ الوَصِيَّةُ لمالِكِه، فرُويَ عن أحمدَ: إذا تَرَك دُونَ الألْفِ لا تُسْتَحَبُّ له الوَصِيَّةُ. وعن علي، أرْبَعمائةِ دِينارٍ. وعن ابنِ عباس: إذا تَرَك المَيِّتُ سَبْعَمائةِ درْهم فلا يُوصِي.
وقال: مَن تَرَك سِتِّين دِينارًا ما تَرَك خَيرًا.
وقال طاوُسٌ الخَيرُ ثَمانون دينارًا.
وقال النَّخَعِي: ألْفٌ إلى خَمْسِمائةٍ.
وقال أبو حنيفةَ: القَلِيلُ أن يُصيبَ أقَل الوَرَثَةِ سَهْمًا خمسون درهَمًا. قال شيخُنا : والذي يَقْوَى عندِي، أنَّه متى كان المَتْرُوكُ لا يَفْضُلُ عن غِنَى الورثةِ، لم تُسْتَحَبَّ الوَصِيَّةُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَّلَ المَنْعَ مِن الوَصِيَّةِ بقَوْلِه:«إنَّكَ أنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَكَ أغْنِياءَ، خَير مِنْ أن تَدَعَهُمْ عالةً». ولأنَّ إعْطاءَ القَرِيبِ المُحْتاجِ خير مِن إعْطاءِ الأجْنَبِيِّ، فمتى لم يَبْلُغِ المِيراثُ غِناهم، كان تَرْكُه لهم كعَطِيَّتهم إيّاه، فيكونُ أفْضَلَ مِن الوَصِيَّةِ به لغيرِهم.
فعلى هذا، تَخْتَلِف الحالُ باخْتِلافِ الوَرَثَةِ في كثَرتِهم وقِلَّتِهم وغِناهم وحاجَتِهم، فلا يَتَقَيَّدُ بقَدْرٍ مِن المالِ. وقد قال الشعْبِي: ما مِن مالٍ أعْظَمُ أجْرًا مِن مالٍ يَتْرُكُه الرجلُ لوَلَدِه، يُغْنِيهم به عن النّاسِ. فصل: والأوْلَى أن لا يَسْتَوْعِبَ الثُّلُثَ بالوَصِيَّةِ وإن كان غَنِيًّا؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «والثُّلُثُ كثِيرٌ». قال ابنُ عباس: لو أن الناسَ غَضُّوا مِن الثُّلُثِ،
فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«الثُّلُث كثيرٌ». مُتَّفَق عليه.
وقال القاضي، وأبو الخَطّابِ: إن كان غَنِيًّا استُحِبَّ الوَصِيَّةُ بالثُّلُثِ. ولَنا، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لسَعْدٍ:«والثُّلُثُ كثير». مع إخْبارِه إيّاه بكَثْرَةِ مالِه وقِلَّةِ عيالِه، فإنَّه
قال في الحديثِ: إنَّ لي مالًا كثيرًا, ولا يَرثُني إلَّا ابْنَتِي. وروَى سعيد ، ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، ثنا عَطاءُ بنُ السّائِبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيِّ, عن سعدِ بنِ مالكٍ؛ قال: مَرِضْتُ مَرَضًا فعادَنِي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال لي:«أوْصَيتَ؟». فقُلْتُ: نعم، أوْصَيتُ بمالي كُلِّه للفُقَراءِ وفي سَبِيلِ اللهِ، فقال لي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أوْصِ بالعُشْرِ». فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، مالِي كثير، ووَرَثَتي أغْنِياءُ.
فلم يَزَلْ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُنَاقِصُني وأُناقِصُه حتى قال:«أوْصِ بالثُّلُثِ، والثُّلُثُ كثير». قال أبو عبدِ الرحمنِ: لم يكنْ منّا مَن يَبْلُغُ في وَصِيَّته الثُّلُثَ حتى يَنْقُصَ منه شيئًا؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الثُّلُثُ والثُّلُثُ كثير». إذا ثَبَت هذا، فالأفْضَلُ للغَنِيِّ الوَصِيةُ بالخُمْسِ. رُوِيَ نحوُ هذا عن أبي بكر الصِّدِّيقِ، وعليِّ بنِ أبي طالِبٍ، رَضِيَ الله عنهما . وهو ظاهِرُ قولِ السَّلَفِ، وعُلَماءِ أهلِ البَصْرَةِ.
ويُرْوَى عن عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، أنه جاءَه شيخٌ، فقال: يا أميرَ المؤمنينَ، أنا شيخ كَبِير، ومالِي كَثِير ويرِثُني أعْرابٌ مَوالٍ كَلالةٌ، مَنْزُوحٌ نَسَبُهم ، أفأوصِي بمالِي كُلِّه؟ قال: لا. فلم يَزَلْ يَحُطُّهُ حتى بَلَغ العُشْرَ .
وقال إسحاقُ: السُّنةُ الرُّبْعُ، إلَّا أن يكونَ الرجلُ يَعْرِفُ في مالِه حُرْمَةَ شُبُهاتٍ أو غيرها، فله اسْتِيعابُ الثُّلُثِ. ولَنا، أنَّ أبا بكر الصِّدِّيقَ، رَضِيَ الله عنه، أوْصَى بالخُمْسِ،
وقال: رَضِيتُ بما رَضِيَ اللهُ به لنَفْسِه. يُرِيدُ قوْلَه تعالى:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ}. ورُوِيَ أنَّ أبا بكر وعليًّا، رَضِيَ الله عنهما، أوْصَيا بالخُمْسِ. وعن عليّ، رَضِيَ الله عنه، أنَّه قال: لأن أوصِيَ بالخُمْسِ، أحَبُّ إليَّ مِن أن أوصِيَ بالرُّبْعِ . وعن إبراهيمَ، قال: كانوا يقولون: صاحِبُ الرُّبْعِ أفْضَلُ مِن صاحِبِ الثُّلُثِ، وصاحِبُ الخُمْسِ أفْضَلُ مِن صاحِبِ الرُّبْعِ. وعن الشُّعْبِيِّ، قال: كان الخُمْسُ أحَبَّ إليهم مِن الثُّلثِ، فهو مُنْتَهَى الجامِحِ .
وعن العَلاءِ بنِ زِيادٍ، قال: أوْصَى أبي أن أسألَ العُلَماءَ: أيُّ الوَصِيَّةِ أعْدَلُ؟. فما تَتَابَعُوا عليه فهو وَصِيَّة، فَتتابَعُوا على الخُمسِ . فصل: والأفْضَلُ أن يَجْعَلَ وَصِيَّتَه لأقَارِبِه الذين لا يَرِثُونَ، إذا كانوا فُقَراءَ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ : لا خِلافَ بينَ العُلَماءِ عَلِمْتُ في ذلك، إذا كانوا ذَوي حاجَةٍ، وذلك لأنَّ الله تعالى كَتَب الوَصِيَّةَ للوالِدَين والأقْرَبِين، فخرَجَ منه الوارِثُون بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».
وبَقِيَ سائِرُ الأقارِبِ على الوَصِيَّةِ لهم، وأقلُّ ذلك الاسْتِحْبابُ، وقد قال اللهُ تعالى:{وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ}.
وقال تعالى:{وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ ذَوي الْقُرْبَى}. فبَدَأ بهم. ولأنَّ الصدقةَ عليهم في الحَياةِ أفْضَلُ، فكذلك بعدَ المَوْتِ.
فإن أوْصَى لغيرِهم وتَرَكهم، صَحَّتْ وَصِيَّتُه في قولِ أكثرَ أهلِ العلمِ، منهم؛ سالمٌ، وسُلَيمانُ بنُ يَسارٍ، وعَطاءٌ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وأصحابُ الرأي، والشافعي، وإسحاقُ. وحُكِيَ عن طاوُسٍ، والضَّحّاكِ، وعبدِ المَلَكِ بنِ يَعْلَى، أنهم قالُوا: يُنْزَعُ عنهم ويُرَدُّ إلى قَرابَتِه. وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّب، والحسنِ، وجابِرِ بنِ زيدٍ: للذي أوْصَى له ثُلُثُ الثُّلُثِ، والباقِي يُرَدُّ إلى قَرابَةِ المُوصِي؛ لأنه لو أوْصَى بِمالِه كلِّه، لجاز منه الثُّلُثُ، والباقِي يُرَدُّ على الوَرَثَةِ، وأقَارِبُه الذين لا يَرِثُونَه في اسْتِحْقاقِ الوَصِيَّةِ كالوَرَثَةِ في اسْتِحْقاقِ المالِ كلِّه.
ولَنا، ما روَى عِمْرانُ بنُ حُصَين، أنَّ رجلًا أعْتَقَ في مَرَضِه سِتَّةَ أعْبُدٍ، لم يكنْ له مالٌ غيرُهم، فبَلَغَ ذلك النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فدَعاهم فجَزَّأهم ثلاثةَ أجْزاء ثم أقْرَعَ بينهم، فأعْتَقَ اثْنَين وأرَقَّ أربعةً . فأجاز العِتقَ في ثُلُثِه لغيرِ أقاربِه. ولأنَّها عَطِيَّةٌ فجازت لغيرِ أقاربِه، كالعَطِيَّةِ في الحَياةِ.
٢٦٥٥ -
(وَالْوَصِيَّةُ) لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ،
وَعَنْهُ فِي الصِّحَّةِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ،
وَفِي الْمَرَضِ مِنَ الثُّلُثِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ هِيَ الْعَطِيَّةُ الْمُنْجَزَةُ، تَنْفُذُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّ الْمُدَبَّرَ فِي الصِّحَّةِ يُقَدَّمُ عَلَى الْمُدَبَّرِ فِي الْمَرَضِ إِذَا لَمْ يَحْمِلْهُمَا الثُّلُثُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْوَصِيَّةَ عَطِيَّةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَلَا يَجُوزُ فِيهَا إِلَّا الثُّلُثُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهِيَ (مُسْتَحَبَّةٌ لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} نُسِخَ الْوُجُوبُ، وَهُوَ الْمَنْعُ مِنَ التَّرْكِ بَقِيَ الرُّجْحَانُ، وَهُوَ الِاسْتِحْبَابُ، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا:«يَقُولُ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ جَعَلْتُ لَكَ نَصِيبًا مِنْ مَالِكَ حِينَ أَخَذْتُ بِكَظْمِكَ لِأُطَهِّرَكَ وَأُزَكِّيَكَ» لَكِنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ وَاجِبٌ غَيْرُهُ،
وَعَنْهُ تَجِبُ لِكُلِّ قَرِيبٍ غَيْرِ وَارِثٍ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ،
وَفِي التَّبْصِرَةِ عَنْهُ: وَلِلْمَسَاكِينِ، وَوَجْهِ الْبِرِّ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى شَرَطَ تَرْكَ الْخَيْرِ، وَالْمُعَلَّقُ بِشَرْطٍ يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفَائِهِ، وَلِقَوْلِهِ:«إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ» . الْخَبَرَ (وَهُوَ الْمَالُ الْكَثِيرُ) وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِهِ، فَعَنْ أَحْمَدَ: إِذَا تَرَكَ دُونَ الْأَلْفِ لَا تُسْتَحَبُّ لَهُ الْوَصِيَّةُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ دُونَ الْأَلْفِ لَا تُسْتَحَبُّ لَهُ الْوَصِيَّةُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا أَنَّهَا تُسَنُّ، وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ،
وَعَنْهُ: عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا تَرَكَ سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ لَا يُوصِي،
وَقَالَ: مَنْ تَرَكَ سِتِّينَ دِينَارًا مَا تَرَكَ خَيْرًا، وَعَنْ طَاوُسٍ: هُوَ ثَمَانُونَ دِينَارًا، وَعَنِ النَّخَعِيِّ: أَلْفٌ إِلَى خَمْسِمِائَةٍ،
وَفِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْمَتْرُوكُ لَا يَفْضُلُ عَنْ غِنَى الْوَرَثَةِ لَمْ تُسْتَحَبَّ الْوَصِيَّةُ، لِمَا عَلَّلَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَعَلَيْهِ يَخْتَلِفُ الْحَالُ بِاخْتِلَافِ الْوَرَثَةِ فِي كَثْرَتِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ وَغِنَاهُمْ وَحَاجَتِهِمْ، فَلَا يُتَقَيَّدُ بِقَدْرٍ مِنَ الْمَالِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهَا تُسْتَحَبُّ مَعَ غِنَاهُ عُرْفًا،
وَقِيلَ: الْغَنِيُّ عُرْفًا: مَنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَالْمُتَوَسِّطُ مَنْ لَهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَالْأَدْنَى مَنْ لَهُ دُونَهَا (بِخُمْسِ مَالِهِ) رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ السَّلَفِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رَضِيتُ بِمَا رَضِيَ اللَّهُ بِهِ لِنَفْسِهِ يَعْنِي فِي قَوْله تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} ؛
وَقَالَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: أُوصِي إِلَى أَنْ أَسْأَلَ الْعُلَمَاءَ: أَيُّ الْوَصِيَّةِ أَعْدَلُ، فَمَا تَتَابَعُوا عَلَيْهِ، فَهُوَ وَصِيَّةٌ فَتَتَابَعُوا عَلَى الْخُمْسِ،
وَقِيلَ: بِالثُّلُثِ لِلْخَبَرِ، وَفِي الْإِفْصَاحِ: يُسْتَحَبُّ بِدُونِهِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ بِخُمْسِهِ الْمُتَوَسِّطَ، وَذَكَرَ آخَرُونَ أَنَّ مَنْ مَلَكَ فَوْقَ أَلْفٍ إِلَى ثَلَاثَةٍ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ أَلْفَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ أَوْصَى بِالْخُمْسِ، وَلَمْ يُضَيِّقْ عَلَى وَرَثَتِهِ،
وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ فَبِالرُّبُعِ وَالثُّلُثِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَجْعَلَ وَصِيَّتَهُ لِأَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ إِذَا كَانُوا فُقَرَاءَ بِلَا خِلَافٍ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ،
فَإِنْ وَصَّى لِغَيْرِهِمْ وَتَرَكَهُمْ، صَحَّتْ فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ
فَصْلٌ: وَالْوَصِيَّةُ مُسْتَحَبَّة لِمَنْ تَرَكَ خَيرًا -وهُوَ الْمَالُ الْكَثِيرُ- بِخُمْسِ مَالِهِ، وَتُكْرَهُ لِغَيرِهِ إنْ كَانَ لَهُ وَرَثَة. والوَصِيَّةُ مُسْتَحَب. هذا المذهبُ في الجُمْلَةِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثير منهم.
وعنه، تجِبُ لقَريبٍ غيرِ وارِثٍ. اخْتارَه أبو بَكْر. ونقَل في «التبصِرَةِ» عن أبي بَكْر، وُجوبَها للمَساكِينِ، ووُجُوهِ البِرِّ. لمَن ترَك خَيرًا؛ وهو المالُ الكثِيرُ. يَعْنِي، في عُرْفِ الناسِ، على الصحيحِ مِنَ المذهبِ. قدمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّغِيرِ».
وقطَع به ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه».
وقال المُصَنِّفُ: والذي يقْوَى عندِي، أنّه متى كان المَتْروكُ لا يفْضُلُ عن غِنَى الوَرَثَةِ، لا تُسْتَحَبُّ الوَصِيَّة. واخْتارَه في «الفائقِ».
وقيل: هو مَن كان له أكثرُ مِن ثلاثةِ آلافٍ. وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «المُسْتَوْعِبِ».
وقال في «الوَجيز»: تُسَنُّ لمَن ترَك وَرَثَة وألْفَ دِرْهَم فصاعِدًا، لا دُونَها. وقاله أبو الخَطَّابِ وغيرُه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: المُتَوَسِّطُ في المالِ، هو المَعْروفُ في عُرْفِ النَّاسِ بذلك. على الصحيح مِنَ المذهبِ. جزَم به في «الرِّعايةِ الصُّغْرَى». وقدَّمه في «الرِّعايةِ الكُبْرى».
وقيل: المُتَوَسِّطُ؛ مَن له ثلاثةُ آلافِ دِرْهَم، والفَقِيرُ؛ مَن له دُونَها. وجزَم جماعَةٌ مِنَ الأصحابِ، أن المُتَوَسِّطَ، مَن مَلَك مِن ألْفٍ إلى ثلاثةِ آلافٍ؛ منهم صاحِبُ «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ».
وقيل: الفَقِيرُ؛ مَن له دُونَ ألْفٍ. ونقَلَه ابنُ مَنْصُورٍ.
قال في «الفُروعِ»: قال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أصحابُنا: هو فقيرٌ. بخمْسِ مالِه. يعْنِي، يُسْتَحَبُّ لمَن ترَك خَيرًا الوَصِيَّةُ بخُمْسِ مالِه. وهذا المذهبُ. جزَم به في «الوَجيزِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الشَّرْحِ». وقدمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ».
وقال النَّاظِمُ: يُسْتَحَب لمَن له مالٌ كثيرٌ، ووارِثُه غَنِيٌّ، الوَصِيَّةُ بخُمْسِ مالِه.
وقيل: بثُلُثِ مالِه عندَ كثرتِه. اخْتارَه القاضي، وأبو الخَطابِ، وابنُ عَقِيل. قال الحارِثي: وهو المَنْصوصُ.
وقال في «الإفْصاحِ»: تُسَن الوَصِيَّةُ بدُونِ الثلُثِ.
وقال في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ» , و «المُسْتَوْعِب»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرعايتَين»، وغيرِهم: يُسْتَحَبُّ للغنِيِّ الوَصِيَّةُ بثُلُثِ مالِه، وللمُتَوَسِّطِ بالخُمسِ. ونقَل أبو طالبٍ، إنْ لم يَكُنْ له مال كثيرٌ؛ ألْفان أو ثلاثة، أوْصَى بالخُمْسِ، ولم يُضَيِّقْ على وَرَثَتِه،
وإنْ كان له مالٌ كثيرٌ، فبالرُّبْع، أو الثُّلُثِ. وأطْلَقَ في «الغُنْيَةِ» اسْتِحْبابَ الوَصِيَّةِ بالثُّلُثِ لقريبٍ فقير،
فإن كان القريبُ غَنِيًّا؛ فلمِسْكِين، وعالِمٍ، ودَيِّنٍ، قَطَعَهم عن السَّبَبِ القدَرُ، وضيَّقَ عليهم الوَرَعُ الحَرَكةَ فيه، وانْقَلَبَ السَّبَبُ عندَهم فترَكُوه، ووَثِقُوا بالحقِّ. انتهى.
وكذا قيَّد المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» اسْتِحْبابَ الوَصِيَّةِ بالثُّلُثِ لقريب فقير.
قال في «الفُروعِ»: مع أنّ دَليلَه عامٌّ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وتُكْرَهُ لغيرِه، إنْ كان له وَرَثَة. أي، تُكْرَهُ الوَصِيَّةُ لغيرِ مَن ترَك خَيرًا، فتُكْرَهُ للفَقيرِ الوَصِيَّةُ مُطْلَقًا. على الصّحيحِ مِنَ المذهب. نقَل ابنُ مَنْصُور، لا يُوصِي بشيءٍ.
قال في «الوَجيزِ»: لا تُسَنُّ لمَن ترَك أقل مِن ألْفِ دِرْهَم. وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: تُكْرَهُ إذا كان ورَثته مُحْتاجِين، وإلَّا فلا.
قال في «التبصِرَةِ»: رَواه ابنُ مَنْصُور، وقاله في «المُغنِي» وغيرِه. وجزَم به في «الرِّعايتَين»، و «النَّظْمِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ».
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وتقدّم إطْلاقُه في «الغُنْيَةِ» اسْتِحْبابَ الوَصِيَّةِ بالثُّلُثِ. وتقدّم ما اخْتارَه المُصَنِّفُ.
فَأمَّا مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، فَتَجُوزُ وَصِيَّتُهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ إلَّا الثُّلُثُ.
فصل [في حكم الوصية] قال المصنف رحمه الله: (والوصية مستحبةٌ لمن ترك خيراً. وهو: المال الكثير بخمس ماله. ويكره لغيره إن (١) كان له ورثة.
فأما من لا وارث له فتجوز وصيته بجميع ماله.
وعنه: لا تجوز إلا بالثلث).
أما كون الوصية لمن ترك خيراً مستحبة؛ فلأن الله تعالى قال:{كُتِب عليكم إذا حضر أحدكم الموتُ إن ترك خيراً الوصيةُ}. نُسخ الوجوب وهو المنع من الترك. بقي الرجحان وهو المستحب.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقولُ الله عز وجل: يا ابنَ آدمَ! جعلتُ لكَ نصيباً من مالكَ حينَ أخذتُ بِكَظْمِكَ لأُطَهِّرَكَ وأُزَكِّيك». رواه ابن ماجة.
وكل شيء حصل التطهير والتزكية يكون فعله مستحباً.
وأما قول المصنف رحمه الله: لمن ترك خيراً فمشعرٌ بأن الوصية لا تستحب لمن لم يترك خيراً. وهو صحيح؛ لأن الله تعالى شرط ترك الخير بقوله:{إن ترك خيراً}، والمعلّق على شرطٍ عدمٌ عند عدمه.
وأما كون الخير هو المال الكثير؛ فلأنه هكذا فُسّر، واختلف العلماء في مقداره فروي عن الإمام أحمد: أنه إذا ترك دون الألف لا يستحب له الوصية. فيدل على أنه لو ترك ألفاً فصاعداً يستحب له الوصية.
ومن شرط الاستحباب عنده: أن يترك كثيراً فيلزم أن يكون ذلك كثيراً عنده. وعن علي: أربعمائة دينار. وعن ابن عباس: سبعمائة درهم.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: الذي يقوى عندي أنه متى كان المتروك لا يفضل عن غنى الورثة فلا تستحب الوصية؛ لأن النبي علل المنع بقوله: «إنكَ أن تذرَ ورثتكَ أغنياء خيرٌ من أن تدعهمْ عالةً يتكففونَ الناس» . فدل على أن المتروك إذا كان يَفضل عن غنى الورثة يكون عنده كثيراً.
وأما كون القدر الموصى به على سبيل الاستحباب الخمس؛ فلما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه «أنه أوصى بالخمس. وقال: رضيتُ بما رضيَ اللهُ لنفسهِ به. يعني قوله تعالى:{واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خُمُسَهُ}» .
وعن علي:«لأن أُوصي بالخمسِ أحبُّ إلىّ من الربع».
وأما كون الوصية تكره لغير من ترك خيراً إن كان له ورثة؛ فلأنه عدل عن صلة أقاربه المحاويج إلى الأجانب. وعن الشعبي «ما منْ مالٍ أعظم أجراً من مال يتركه الرجل لولدهِ يغنيهمْ به عن الناس».
[ولأن النبي صلى الله عليه وسلم علل المنع من الوصية بزيادة على الثلث بأنه يدع ورثته عالة يتكففون الناس]. وهو موجودٌ هاهنا.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«ابدأ بنفسكَ ثم بمنْ تَعُول»، والورثة ممن يعول. فلا يقدم عليهم الأجانب.
وأما كون من لا وارث له تجوز وصيته بجميع ماله على المذهب؛ فلأن المنع من الوصية بأكثر من الثلث لحق الوارث.
فإذا لم يكن وارثٌ وجب أن يزول المنع لزوال علته.
وأما كونه لا يجوز إلا بالثلث على روايةٍ؛ فلأن له من يعقل عنه. فمُنِع من الزيادة على الثلث من أجله؛ كالوارث.
ولأن لبيت المال حقاً في ماله. أشبه الوارث.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.