وَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَالْمَذْيُ وَالرِّيحُ، وَالْجَرِيحُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ دَمُهُ، وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ وَهَلْ يُبَاحُ، وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ الْعَنَتِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ
Its commentaries
فصل: فإن جاوَزَ أكثَرَ الحَيضِ، مثلَ أن تَرَى يومًا دَمًا ويومًا طُهْرًا إلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ، فهي مُسْتَحاضَةٌ، تُرَدُّ إلى عادَتِها إن كانت مُعْتادَةً.
فإن كانت عادَتُها سَبْعَةَ أيّامٍ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ، فإنَّها تَجْلِسُ أَوَّلَ يَوْمٍ تَرَى الدَّمَ فيه في العادَةِ، وتَغْتَسِلُ، وما بعدَه مَبْنِيٌّ على الرِّوايَتَين في الدَّمِ الذي تَراه بعدَ الطُّهْرِ في أثناءِ الحَيضَةِ،
فإن قُلْنا: ليس بحَيضٍ. فحَيضُها اليَوْمُ الأوَّلُ خاصَّةً، وما بعدَه اسْتِحاضَةٌ.
وإن قُلْنا: إنَّه حَيضٌ. فحَيضُها اليَوْمُ الأوَّلُ،
والثّالِثُ، والخامِسُ، والسّابعُ، فيَحْصُلُ لها مِن عادَتِها أرْبَعَةُ أيّام، والباقِي اسْتِحاضَةٌ.
وإن لم تَرَ الدَّمَ إلَّا في اليَوْمِ الثّانِي جَلَسَتْه والرّابع والسّادِسَ، فيَحْصُلُ لها ثلاثة أيّامٍ، وفيه وَجهٌ آخَرُ، أنَّه تُلَفِّقُ لها السَّبْعَةَ مِن أيّام الدَّم جَمِيعِها، فتَجْلِسُ التاسِعَ ، والحادِيَ عشَرَ والرّابع عَشَرَ.
وَالصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ هذه الأيامَ ليس مِن عادَتِها، فلم تَجْلِسْها، كغيرِ المُلَفِّقَةِ.
وإن كانت ناسِيَةً فأجْلَسْناها سبعةَ أيّامٍ، فكذلك.
وإن كانت مُمَيِّزَةً جَلَسَتْ زَمانَ الدَّمِ الأسْوَدِ، والباقي اسْتِحاضَةٌ،
وإن كانت مُبْتَدَأةً جَلَسَتِ اليَقِينَ في ثلاثةِ أشْهُرٍ، أو في شَهْرَين مِن أوَّلِ دَمٍ تَراه، ثم تَنْتَقِلُ بعدَ ذلكَ إلى غالِبِ الحَيضِ. وهل تُلَفِّقُ لها السَّبْعَةَ مِن خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أو تَجْلِسُ أرْبَعَةً مِن سَبْعَةٍ؟ على وَجْهَين، كالمُعْتادَةِ.
وقال القاضي في المُعْتادَةِ كما ذَكَرْنا.
وفي غيرِها: ما عَبَر الخَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحاضَة، وأيّامُ الدَّمِ مِن الخمسةَ عشرَ كلُّها حَيضٌ إذا تَكَرَّرَ،
فإن كان يَوْمًا ويومًا، فلها ثَمانِيَةُ أيّامٍ حَيضًا،
وإن كانت أنْصافًا، فلها سَبْعَةٌ ونِصْفٌ حَيضًا
ومِثْلُها طُهْرًا؛ لأنَّ الطُّهْرَ في اليَوْمِ السّادِسَ عَشَرَ يَفْصِلُ بينَ الحَيضِ وما بعدَه؛ لأنَّها فيما بعدَه في حُكْمِ الطّاهِراتِ، تَصُومُ وتُصَلِّي.
فصل؛ قال: (والمُسْتَحاضَةُ تَغْسِلُ فَرْجَها وتَعْصِبُه، وتَتَوَضَّأُ لوَقْتِ كلِّ صلاةٍ، وتُصَلِّي ما شاءَتْ مِن الصَّلَواتِ،
وكذلك مَن به سَلَسُ البَوْلِ والمَذْيُ والرِّيحُ، والجَرِيحُ الذي لا يَرْقَأُ دَمُه، والرُّعافُ الدّائِمُ) المُسْتَحاضَةُ التي تَرَى دَمًا لا يَصْلُحُ أن يكونَ حَيضًا ولا نِفاسًا، حُكْمُها حُكْمُ الطّاهِراتِ في وُجُوبِ العِباداتِ وفِعْلِها؛ لأنَّها نَجاسَةٌ غيرُ مُعْتادَةٍ، أشْبَهَ سَلَسَ البولِ. إذا ثَبَت ذلك،
فإنَّ المُسْتَحاضَةَ، ومَن في مَعْناها مِمَّن ذَكَرْنا، وهو مَن لا يُمْكِنُه حِفْظُ طَهارَتِه، لاسْتِمْرارِ الحَدَثِ، يَجِبُ عليه غَسْلُ مَحَلِّ الحَدَثِ، والتَّحَرُّزُ مِن خُروجِ الحَدَثِ بما أمْكَنَه، فالمُسْتَحاضَةُ تَحْشُوه بالقُطنِ وما أشْبَهَه،
فإن لم يَرُدَّ الدَّمَ، اسْتَثْفَرَتْ بخِرْقَةٍ مَشْقُوقَةِ الطَّرَفَين، تَشُدُّهما على جَنْبَيها، ووَسَطَها على الفَرْجِ؛ لأنَّ في حَديثِ أمِّ سَلَمَةَ:«لتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ».
وقال لحَمْنَةَ، حينَ شَكَتْ إليه كَثْرَةَ الدَّمِ:«أَنْعَتُ لَكِ الكُرْسُفَ» يَعْنِي القُطنَ تَحْشِينَ بِهِ المكانَ. قالت: إنَّه أكثر مِن ذلك. قال:«تَلَجَّمِي».
فإذا فَعَلَتْ ذلك، وتَوَضَّأتْ، ثم خَرَج الدَّمُ لرَخاوَةِ الشَّدِّ، فعليها إعادَةُ الشَّدِّ والوُضُوءِ،
وإن كان لغَلَبَةِ الخارِجِ وقوَّتِه، لم تَبْطُلِ الطهارةُ، لعَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ منه، قالت عائشةُ: اعتَكَفَتْ مع رسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - امرأة مِن أزْواجِه، فكانت تَرَى الدَّمَ والصُّفرَةَ، والطَّسْتُ تحتَها وهي تُصَلِّي. رَواه البُخارِي .
وفي لفظٍ : «صَلِّي، وَإنْ قَطرَ الدَّمُ عَلَى الحَصِيرِ». والمُبْتَلَى بسَلَسِ البَوْلِ، أو كَثْرَةِ المَذْي، يَعْصِبُ رَأسَ ذَكَرِه بخِرْقَةٍ، ويَحْتَرِسُ حَسْبَما أمكَنَه،
وكذلك مَن به جُرْحٌ أو رِيحٌ، أو نَحْوُه مِن الأحْداثِ،
فإن كانَ مِمَّا لا يُمْكِنُ عَصْبُه، كالجرْحِ الذي لا يُمْكِنُ شَدُّه، أو مَن به باسُورٌ أو ناصُور لا يُمْكِنُ عَصْبُه، صَلَّى على حَسَبِ حالِه، لأنَّ عُمَرَ، رَضِي اللهُ عنه، صَلَّى وجُرْحُه يَثْعَبُ دَمًا.
فصل: ويَجِبُ على كلِّ واحِدٍ مِن هؤلاء الوُضُوءُ لوَقْتِ كلِّ صلاةٍ، إلَّا أن لا يَخْرُجَ منه شَئٌ. وهو قَوْلُ الشافعي، وأصحابِ الرَّأي.
وقال مالكٌ: لا يَجِبُ الوُضُوءُ على المُسْتَحاضَةِ. ورُوي ذلك عن عِكْرِمَةَ، ورَبِيعَةَ. واسْتَحَبَّ مالك لمَن به سَلَسُ البَوْلِ أن يَتَوَضَّأ لكلِّ صلاةٍ، إلَّا أن يُؤذِيَه البَرْدُ،
فإن آذاه فأرْجُو أن لا يكونَ عليه ضيقٌ. واحْتَجُّوا بأنَّ في حديثِ هشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش:«فَاغْتَسِلِى وَصَلِّي». فلم يَأمُرْها بالوُضُوءِ. ولأنَّ ليس بمَنْصُوص عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ؛ لأنَّه غيرُ مُعْتادٍ. ولَنا، ما روَى عَدِيُّ بنُ ثابِتٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، [عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -] في المستحاضَةِ: «تَدَعُ الصلَاةَ أيامَ أقرَائِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي، وَتَتَوَضَّأ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ».
رَواه أبو داودَ، والترمِذِيُّ. وعن عائشةَ، قالت: جاءَتْ فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذَكَرَتْ خَبَرَها، ثم قال:«وَتَوَضئِى لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِئَ ذَلِكَ الْوَقْتُ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمِذِي ،
وقال: حديثٌ حسن صحيحٌ. وهذه زِيادَةٌ يَجِبُ قَبُولُها.، ولأنَّه حَدَث خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، فنَقَضَ الوُضُوءَ، كالمَذْيِ. إذا ثَبَت هذا،
فإنَّ طهارةَ هؤلاء مُقَيَّدَةٌ بالوَقْتِ؛ لقَوْلِه:«تَتَوَضَّأ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ». وقولِه:«ثمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ». ولأنَّها طهارةُ عُذْرٍ وضَرُورَةٍ، فقُيِّدَتْ بالوَقْتِ، كالتيمم. فعلى هذا، إذا تَوَضَّأ أحَدُ هؤلاء قبلَ الوَقْتِ، ثم دَخَل الوقتُ. بَطَلَتْ طهارتُه؛ لأنَّ دُخُولَه يَخْرُجُ به الوَقْتُ الذي تَوَضَّأ فيه.
وكذلك إن خَرَج منه شيءٌ؛ لأنَّ الحَدَثَ مُبْطل للطهارةِ، وإنَّما عُفِي عنه مع الحاجَةِ إلى الطهارةِ، ولا حاجَةَ قبلَ الوَقْتِ.
وإن تَوَضَّأ بعدَ الوَقتِ، صَحَّ وُضُوءُه، ولم يُؤثرْ فيه ما يَتَجَدَّدُ مِن الحَدَثِ الذي لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه؛ لِما ذَكَرْنا.
فإن صَلَّى عَقِيبَ الطهارةِ، أو أخَّرَها لِما يَتَعَلَّقُ بمَصْلَحَةِ الصلاةِ؛ كلُبْسِ الثِّيابِ، وانتظارِ الجَماعَةِ، أو لم يَعْلَمْ أنه خَرَج منه شيءٌ، جازَ.
وإن أخَّرَها لغيرِ ذلك، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، الجَوازُ، قِياسًا على طهارةِ التَّيَمُّمِ.
والثاني، لا يَجوزُ؛ لأنَّه إنَّما أبِيحَ له الصلاةُ بهذه الطهارةِ مع وُجُودِ الحَدَثِ للضرورَةِ، ولا ضَرُورَةَ ههُنا.
وإن خَرَج الوَقْتُ بعدَ أن خَرَج منها شيءٌ، أو إحدَثَ حَدَثًا غيرَ هذا الخارِجِ، بَطَلَتِ الطهارةُ .
فصل: ويَجُوزُ للمُسْتَحاضَةِ ومَن في مَعْناها الجَمْعُ بينَ الصَّلاتين، وقَضاءُ الفَوائِت، والتَّنَفُّلُ إلى خُرُوجِ الوَقْتِ، قال أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ: إنَّما آمُرُها أن تَتَوَضَّأ لكلِّ صلاةٍ، فتُصَلِّيَ بذلك الوُضُوءِ النّافِلَةَ والصلاةَ الفائتَةَ، حتى يَدْخُلَ وَقْتُ الصلاةِ الأخْرَى، فتَتَوضَّأ أيضًا. وهذا يَقْتَضِي إلحاقَها بالتَّيَمُّمِ.
وقال الشافعي في المُسْتَحاضَةِ: لا تَجْمَعُ بينَ فَرْضَين بطهارةٍ واحِدَةٍ، ولا تَقْضِي به فَوائِتَ. كقَوْلِه في التَّيَمُّمِ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ». ولَنا، أنه قد رُوِيَ في بَعْضِ ألْفاظِ حديثِ فاطمةَ:«تَوَضَّئِى لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ». وحَدِيثُهم مَحْمُول على الوَقْتِ، كقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «أينَمَا أدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ». أي وَقْتُها. ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ حَمْنَةَ بالجَمْع بينَ الصَّلاتين بغُسْلٍ واحدٍ، وأمَرَ به سَهْلَةَ بنتَ سُهَيلٍ ، ولم يَأمُرْها بوُضُوءٍ، لأنَّ الظّاهِرَ أنه لو أمَرَها بالوُضُوءِ بَينَهما لنُقِلَ، ولأنَّ هذا مِمّا يَخْفَى ويَحْتاجُ إلى بَيانٍ، فلا يَجُوزُ تَأخِيرُه عن وَقْتِ الحاجَةِ، وغيرُ المُسْتَحاضَةِ مِن أهْلِ الأعْذارِ مَقِيسٌ عليها.
فصل: إذا تَوَضَّأتِ المُسْتَحاضَةُ، ثم انْقَطَعَ دَمُها،
فإنِ اتَّصَلَ الانْقِطاعُ، بَطَل وُضُوءُها بانْقِطاعِه؛ لأنَّ الحَدَثَ الخارِجَ منها مُبْطلٌ للطهارةِ عُفِي عنه للعُذْرِ،
فإذا زال العُذْرُ، ظَهَر حُكْمُ الحَدَثِ.
وإن عاد الدَّمُ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا عِبْرَةَ بهذا الانْقِطاعِ. قال أحمدُ بنُ القاسِمِ: سَألتُ أبا عبدِ اللهِ، فقُلْتُ: إنَّ هؤلاء يَتَكَلَّمُون بكَلامٍ كَثِيرٍ، ويُوَقِّتُون بوَقْتٍ، يَقُولُون: إذا تَوَضَّأتْ للصلاةِ، وقد انْقَطَعَ الدَّمُ، ثم سال بعدَ ذلك قبلَ أن تَدْخُلَ في الصلاةِ، تُعِيدُ الوُضُوءَ. ويَقُولُون، إذا تَطَهَّرَتْ والدَّمُ سائِلٌ، ثم انْقَطَعَ الدَّمُ، قَوْلًا آخَرَ. قال: لَسْتُ أنظرٌ في انْقِطاعِه حينَ تَوَضَّأتْ سال أم لم يَسِلْ، إنَّما آمُرُها أن تَتَوَضَّأ لكلِّ صلاةٍ، فتُصَلِّيَ بذلك الوُضُوءِ النّافِلَةَ والفائتةَ، حتى يَدْخُلَ وَقْتُ الصلاةِ الأخْرَى.
وقال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ: إن تَطَهَّرَتْ حال جَرَيانِ الدَّمِ، ثم انْقَطعَ قبلَ دُخُولِها في الصلاةِ، ولم يَكُنْ لها عادَةٌ بانْقِطاعِه، لم يكنْ لها الدُّخُولُ في الصلاةِ حتى تَتَوَضَّأ؛ لأنَّها طهارة عُفِيَ عن الحَدَثِ فيها للضرورَةِ،
فإذا زالتْ ظَهَر حُكْمُ الحَدَثِ، كالمُتَيَمِّمِ إذا وَجَد الماءَ.
فإن دَخَلَتْ في الصلاةِ، فاتَّصَلَ الانْقِطاعُ بحيثُ يَتَّسِعُ للوُضُوءِ والصلاةِ، فالصلاةُ باطِلَةٌ؛ لأنَّنا تَبَينا بُطْلانَ الطهارةِ بانْقِطاعِه، وإلَّا فطَهارَتُها صَحِيحَة؛ لأنَّنا تَبَينا عَدَمَ الانْقِطاعِ المُبْطِلِ، أشْبَهَ ما لو ظَنَّ أنه أحْدَثَ، ثم بانَ بخِلافِه.
وفي صِحَّةِ الصلاةِ وَجْهَان؛ أحَدُهما، تَصِحُّ؛ بِناءً على صِحَّةِ الطهارةِ؛ لبَقاءِ الاستحاضَةِ.
والثاني، لا تَصِحُّ؛ لأنَّها صَلَّتْ بطهارةٍ لم يَكُنْ لها [أن تُصَلِّيَ بها، فلم تَصِحَّ،؛ لو تَيَقنَ الحَدَثَ وشَكَّ في الطهارةِ وصَلَّى، ثم تَبَيَّنَ أنَّه كان مُتَطَهِّرًا.
وإن عاوَدَها] الدَّمُ قبلَ دُخُولِها في الصلاةِ لمُدَّةٍ تَتَّسِعُ للطهارةِ والصلاةِ، بَطَلَتِ الطهارةُ،
وإن كانت لا تَتَّسِعُ، لم تَبْطُلْ؛ لِما ذَكَرْنا،
وإن كان انْقِطاعُه في الصلاةِ واتَّصَلَ، انْبَنَى على المُتَيَمِّمِ يَجِدُ الماءَ في الصلاةِ. ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ.
وإن عاوَدَها الدَّمُ، فهو كما لو انْقَطعَ خارِجَ الصلاةِ، على ما مَضَى.
وإن تَوَضَّأتْ وهو مُنْقَطِع، ثم عاد قبلَ الصلاةِ أو فيها، وكانت مُدَّةُ انْقِطاعِه تَتَّسِعُ للطهارةِ والصلاةِ، بَطَلَتْ طَهارَتُها بعَوْدِه؛ لأنَّها صارَتْ بهذا الانْقِطاعِ في حُكْمِ الطّاهِراتِ، فصارَ عَوْدُ الدَّمِ كسَبْقِ الحَدَثِ.
وإن لم يَتَّسِعْ، لم يُوثِّرْ هذا الانْقِطاعُ. وهذا قَوْلُ الشافعي . وقد ذَكَرْنا أنَّ ظاهِرَ كلامِ أحمدَ، رَحِمَه الله، أنه لا عِبْرَةَ بهذا الانْقِطاعِ، بل متى كانت مُسْتَحاضَةً، أو مَن في مَعْناها، فتَحَرَّزَتْ وتَطَهَّرَتْ، فطَهارَتُها صَحِيحَةٌ، ما لم تَبْرأ أو يَخْرُجِ الوَقْتُ، أو تُحْدِثْ حَدَثًا آخَرَ، وهو أوْلَى؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ المُسْتَحاضَةَ بالوُضُوءِ لكلِّ صلاةٍ مِن غيرِ تَفْصِيلٍ، فالتَّفْصِيلُ يُخالِفُ مُقْتَضَى الخَبَرِ، ولأنَّ هذا لم يَرِدِ الشَّرعُ به، ولا سأل عينه النبي - صلى الله عليه وسلم - المُسْتَحاضَةَ التي اسْتَفْتَتْه، ولم يُنْقَلْ عنه، ولا عن أحَدٍ مِن أصحابِه هذا التَّفْصِيلُ، وذلك يَدُلُّ ظاهِرًا على عَدَمِ اعْتِبارِه، ولأنَّ اعْتِبارَ هذا يَشُقُّ، والعادَةُ في المُسْتَحاضَةِ ونَحْوها أنَّ الخارِجَ يَجْرِي ويَنْقَطِعُ، واعْتِبارُ مُدَّةِ الانْقِطاعِ بما يُمْكِنُ فيه فِعْلُ العِبادة يَشُقُّ، وإيجابُ الوُضُوءِ به حَرَجٌ مَنْفِيٌّ بقَوْلِه تعالى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}.
وكذلك فيما إذا كان لها عادَةٌ بانْقِطاعِهِ زَمَنًا لا يَتَّسِعُ للطهارةِ والصلاةِ، على ما مَضَى مِن الخِلافِ فيه.
فصل: فإن كان للمُسْتَحاضَةِ عادَةٌ بانْقِطاعِ الدَّمِ زَمَنًا لا يَتَّسِعُ للطهارةِ والصلاةِ، فتَوَضَّأتْ، [ثم انْقَطَعَ]، لم يُحْكَمْ ببُطْلانِ طَهارَتِها، ولا صَلاتِها، إن كانت فيها، لأنَّ هذا الانْقِطاعَ لا يَحْصُلُ به المَقْصُود.
وإنِ اتَّصَلَ الانْقِطاعُ وبَرَأتْ، وكان قد جَرَى مِنها دَمٌ بعدَ الوُضُوءِ، بَطَلَتِ الطهارةُ والصلاةُ، لأنّا تَبَينا أنها صارَتْ في حُكْمِ الطّاهِراتِ بالانْقِطاعِ.
وإنِ اتَّصَلَ زَمَنًا يَتَّسِعُ للطهارةِ والصلاةِ، فالحُكْمُ فيه كالتي لم تَجْرِ لها عادةٌ بانْقِطاعِه، على ما ذَكَرْنا.
وإن كانت لها عادَةٌ بانْقِطاعِه زَمَنًا يَتَّسِعُ للصلاةِ والطهارةِ، لم تُصَلِّ حال جَرَيانِ الدمِ، وتَنْتَظِرُ انْقطاعَه، إلَّا أن تَخْشَى خُرُوجَ الوَقْتِ، فتَتَوَضَّأ وتُصَلِّيَ.
فإن شَرَعَتْ في الصلاةِ في آخِرِ الوَقْتِ بهذه الطهارةِ، فأمْسَكَ الدَّمُ عَنها، بَطَلَتْ طَهارَتُها؛ لأنَّها أمْكَنَتْها الصلاةُ بطَهارَةٍ صَحِيحَةٍ، أشْبَهَتْ غيرَ المُسْتَحاضَةِ.
وإن كان زَمَنُ إمْساكِه يَخْتَلِفُ، فتارَةً يَتَّسِعُ، وتارَةً لا يَتَّسِعُ، فهي كالتي قبلَها، إلَّا أن تَعْلَمَ أنَّ هذا الانْقِطاعَ لا يَتَّسِعُ. قال شيخُنا : ويَحْتَمِلُ أنَّها إذا شَرَعَتْ في الصلاةِ، ثم انْقَطَعَ الدَّمُ، لم تَبْطُلْ صَلاتُها، لأنَّها شَرَعَتْ فيها بطهارةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، وانْقِطاعُ الدَّمِ يَحْتَمِلُ أن يكُونَ مُتَّسِعًا، فتَبْطُلَ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ ضَيِّقًا، فلا تَبْطُلَ، فلا تَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ.
وإنِ اتَّصَلَ الانْقِطاعُ، تَبَينا أنَّه كان مُبْطِلًا، فبَطَلَتِ الصلاةُ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ للمُسْتَحاضَةِ أن تَغْتَسِلَ لكلِّ صلاةٍ. وذَهَب بَعْضُ العلماءِ إلى وُجُوبِه، رُوِيَ ذلك عن علي، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسِ، وابنِ الزُّبَيرِ. وهو أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ في المُتَحَيِّرةِ، لأنَّ أمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِين، فأمَرَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فكانت تَغْتَسِلُ عندَ كلِّ صلاةٍ . وروَى أبو داودَ ، أنَّ امرأةً كانت تُهَرَاقُ الدِّماءَ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،
وأنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَها أن تَغْتَسِلَ عندَ كلِّ صلاةٍ.
وقال بَعْضُهم: تَغْتَسِلُ كلَّ يَوْمٍ غُسْلًا. رُوِيَ ذلك عن عائشةَ، وابنِ عُمَرَ، وأنس.
وقال بعضُهم: تَجْمَعُ بينَ كلِّ صَلاتَي جَمع بغُسْلٍ واحِدٍ، وتَغْتَسِلُ للصُّبْحِ؛
لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لحَمْنَةَ : «فَإنْ قَويتِ أنْ تُؤخِّرِى الظّهْرَ، وتُعَجِّلِي العَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وتَجْمَعِينَ بَينَ الصَّلَاتَينِ الظّهْرِ وَالْعَصْرِ حِينَ تَطْهُرِينَ، وتُصَلِّينَ الظّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤخِّرِينَ الْمَغْرِبَ، وتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَينَ الصَّلَاتَينِ، وَتَغْتَسلِينَ لِلصبحِ، فَافْعَلِي، وَصُومِي إنْ قَويتِ عَلَى ذَلِكَ». فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «وَهُوَ أعْجَبُ الْأَمْرَينِ إِلَيَّ». وأمَرَ به سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيلٍ . وبه قال عَطاءٌ، والنَّخَعي.
وأكْثَرُ أهلِ العلم على أنَّها تَغْتَسِلُ عندَ انْقِضاءِ الحَيضِ، ثم عليها الوُضُوءُ لكلِّ صلاةٍ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَيسَتْ بالْحَيضَةِ، فَإِذَا أقْبَلَتْ فَدَعِي الصَّلَاةَ، فَإذَا أدبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي، وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ». وقد ذَكَرْنا حديثَ عَدِيِّ بنِ ثَابِتٍ ، وهذا يَدُلُّ على أنَّ الغُسْلَ المَأمُورَ به أمْرُ اسْتِحْبابٍ جَمْعًا بينَ الأحادِيثِ، والغُسْلُ لكلِّ صلاةٍ أفْضَلُ، لأنَّه أحْوَطُ، وفيه خُرُوج مِن الخِلافِ، ويَليه في الفَضْلِ الجَمْعُ بينَ الظُّهْرِ والعصْرِ بغُسْلٍ ، والمَغْرِب والعِشاءِ بغُسْلٍ، والغُسْلُ للصبحِ، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَينِ إلَيَّ».
ويَليه الغُسْلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً، ثم بعدَه الغُسْلُ عندَ انْقِطاعِ الدَّمِ، والوُضُوءُ لكلِّ صلاةٍ، وذلك مُجْزِئ إن شاءَ اللهُ تعالى. ٢٤٠ - مسألة: (وهل يُباحُ وَطْءُ المُسْتَحاضَةِ في الفَرْجِ مِن غيرِ خَوْفِ العَنَتِ؟ على رِوايَتَين) إحْداهُما، لا يُباحُ إلَّا أن يَخافَ على نَفسِه الوُقُوعَ في المَحْظُورِ. وهو مذهبُ ابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ؛ لأن عائشةَ يُرْوَى عنها أنها قالت: المُسْتَحاضَةُ لا يَغْشاها زَوْجُها . ولأنَّ بها أذى، فيَحْرُمُ وَطْؤها كالحُيَّضِ ؛ لأنَّ الأذَى عِلَّة لتَحْرِيمِ الوَطْءِ؛
لأنَّ الشّارِعَ ذَكَرَه عَقِيبَه بفاءِ التَّعْقِيبِ، فكان عِلَّةً له، كقَوْلِه تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا}. والأذَى مَوْجُودٌ في المُستحاضَةِ ، فمُنِعَ وَطْؤها، كالحائِضِ. والثانيةُ، يُباحُ وَطْؤها مُطْلَقًا. وهو قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، لِما روَى أبو داودَ ، عن عِكْرِمَةَ، عن حَمْنَةَ بنتِ جَحْش، أنَّها كانَتْ مُسْتَحاضَةً، وكان زَوْجُها يُجامِعُها.
وقال : إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ كانت تُسْتَحاضُ، وكان زَوْجُها يَغْشاها. وقد كانت حَمْنَةُ تحتَ طَلْحَةَ، وأمُّ حَبِيبَةَ تحتَ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، وقد سَألَتا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن أحْكامِ المُسْتَحاضَةِ،
فلو كان حَرامًا لبَيَّنَه لهما.
فأمّا إن خاف على نَفْسِه العَنَتِ، أُبِيحَ على الرِّوايَتَين، لأنَّ حُكْمَه أخَفُّ مِن حُكْمِ الحَيضِ، ومُدَّتَه تَطُولُ،
فإن وَطِئَها لغيرِ ذلك، وقُلْنا بالتَّحْرِيمِ، لم يَكُنْ عليه كَفّارَةٌ؛ لأنَّ الشرعَ لم يَرِدْ بها، وقد فَرَّقْنا بينَه وبينَ الحَيْضِ.
فإنِ انْقَطَع دَمُها أُبِيحَ وَطْؤها قبلَ الغُسْلِ، لأنَّه غيرُ واجِبٍ عليها، أشْبَهَ سَلَسَ البَوْلِ.
(وَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَالْمَذْيُ وَالرِّيحُ، وَالْجَرِيحُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ دَمُهُ، وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ) يَعْنِي: أَنَّ حُكْمَ هَؤُلَاءِ حُكْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ، لِتَسَاوِيهِمْ مَعْنًى، وَهُوَ عَدَمُ التَّحَرُّزِ مِنْ ذَلِكَ، فَوَجَبَ الْمُسَاوَاةُ حُكْمًا، قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: كَانَ بِيَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَكَانَ يُدَاوِيهِ مَا اسْتَطَاعَ،
فَإِذَا غَلَبَهُ، صَلَّى وَلَا يُبَالِي مَا أَصَابَ ثَوْبَهُ، وَلَمْ يَرَ أَحْمَدُ حَشْوَ الذَّكَرِ فِي ظَاهِرِ مَا نَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَوِ احْتَشَى فَصَلَّى، ثُمَّ أَخْرَجَهُ فَوَجَدَ بَلَلًا، فَلَا بَأْسَ مَا لَمْ يَظْهَرْ خَارِجًا، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ فِيمَنْ بِهِ رُعَافٌ دَائِمٌ: إِنَّهُ يَحْتَشِي، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِي خِلَافَهُ،
فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ عَصْبُهُ كَالْجُرْحِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ شَدُّهُ، أَوْ مَنْ بِهِ بَاسُورٌ أَوْ نَاصُورٌ، وَلَا يُمْكِنُ عَصْبُهُ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ لِفِعْلِ عُمَرَ، رَوَاهُ أَحْمَدُ.
فَإِنْ قَدَرَ عَلَى حَبْسِهِ حَالَ الْقِيَامِ وَحْدَهُ رَكَعَ وَسَجَدَ، وَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَالْمَكَانِ النَّجِسِ،
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُومِئُ، لِأَنَّ فَوَاتَ الشَّرْطِ لَا بَدَلَ لَهُ قَالَ: وَلَوِ امْتَنَعَتِ الْقِرَاءَةُ، أَوْ لِحِقَهُ السَّلَسُ إِنْ صَلَّى قَائِمًا،
صَلَّى قَاعِدًا قَالَ: وَلَوْ كَانَ قَامَ وَقَعَدَ لَمْ يَحْبِسْهُ،
وَلَوِ اسْتَلْقَى، حَبَسَهُ، صَلَّى قَائِمًا وَقَاعِدًا، لِأَنَّ الْمُسْتَلْقِيَ لَا نَظِيرَ لَهُ اخْتِيَارًا. (وَهَلْ يُبَاحُ، وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ الْعَنَتِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يَحْرُمُ إِلَّا لِخَوْفِ الْعَنَتِ، قَدَّمَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَذَكَرَ فِي " الْكَافِي " و" الْفُرُوعِ " أَنَّهُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ قِيلَ: وَبِعَدَمِ الطَّوْلِ لِنِكَاحِ حُرَّةٍ، أَوْ ثَمَنِ أَمَةٍ ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لِقَوْلِ عَائِشَةَ: الْمُسْتَحَاضَةُ لَا يَغْشَاهَا زَوْجُهَا، وَلِأَنَّ بِهَا أَذًى فحرم وطؤها كَالْحَائِضِ،
فَإِنْ وَطِئَ أَثِمَ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي الْأَشْهَرِ، وَالثَّانِيَةُ: يُبَاحُ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّ حَمْنَةَ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، وَكَانَ زَوْجُهَا طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُجَامِعُهَا، وَأُمَّ حَبِيبَةَ تُسْتَحَاضُ، وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَغْشَاهَا، رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ، وَلِلْعُمُومِ فِي حِلِّ وَطْءِ الزَّوْجَةِ، وَقَدْ قِيلَ: وَطْءُ الْحَائِضِ يَتَعَدَّى إِلَى الْوَلَدِ فَيَكُونُ مَجْذُومًا،
وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَظَاهِرُهُ إِذَا خَافَ الْعَنَتَ أَوْ خَافَتْهُ هِيَ، وَطَلَبَتْهُ مِنْهُ أُبِيحَ لَهُ، لِأَنَّ حُكْمَهُ أَخَفُّ مِنْ حُكْمِ الْحَيْضِ، وَمُدَّتُهُ تَطُولُ.
فَائِدَةٌ: لَا بَأْسَ بِشُرْبِ دَوَاءٍ مُبَاحٍ لِقَطْعِ الْحَيْضِ إِذَا أُمِنَ ضَرَرُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاعْتَبَرَ الْقَاضِي إِذْنَ الزَّوْجِ كَالْعَزْلِ، وَشُرْبُهُ يَجُوزُ لِإِلْقَاءِ نُطْفَةٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ "
وَيَجُوزُ لِحُصُولِ الْحَيْضِ، إِلَّا قُرْبَ رَمَضَانَ لِتُفْطِرَ. ذَكَرَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ. [النِّفَاسُ] فَصْلٌ
وكذلك مَن به سَلَسُ البَوْلِ والمَذْيُ والرِّيحُ، والجَرِيحُ الذي لا يَرْقَأ دَمُهُ، والرُّعافُ الدَّائِمُ. بلا نِزاع، لكنْ عليه أنْ يَحْتَشِيَ. نقَله المَيمُونِيُّ، وغيرُه. ونقل ابنُ هانِئ: لا يَلْزَمُه.
فائدة: لو قدَر على حبْسِه حال القِيامِ لأجْلِ الرُّكوعِ والسُّجودِ، لَزِمَه أنْ يرْكَعَ ويسْجُدَ. نصَّ عليه؛ كالمَكانِ النَّجِس. وهو المذهبُ. نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ.
قال في «الفُروعِ»: ويتَخَرَّجُ أنه يُؤمَرُ. وجزَم به أبو المَعالِي؛ لأنَّ فواتَ الشرطِ لا بَدَلَ له.
وقال أبو المَعالِي أيضًا: ولو امْتنعَتِ القراءةُ، أو لحِقَه السَّلَسُ إنْ صلَّى قائمًا، صلَّى قائمًا.
وقال أيضًا: لو كان لو قام وقعَد لم يحْبِسْه،
ولو اسْتَلْقَى حبَسه، صلى قائمًا أو قاعِدًا؛ لأنَّ المُسْتَلْقِيَ لا نظِيرَ له اخْتِيارًا.
ويأتِي قرِيبًا مِن ذلك سترُ العَوْرَةِ بعدَ قوْلِه: وإنْ وجَد السترَةَ قرِيبَةً منه. وَهَلْ يُبَاحُ وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي الْفَرْجِ مِنْ غَيرِ خَوْفِ الْعَنَتِ؛ عَلَى رِوَايَتَينِ. وهل يُباحُ وَطْءُ المُسْتَحَاضَةِ في الفَرْجِ مِن غيرِ خَوْفِ العَنَتِ؟ على رِوايَتَين. وأطْلقَهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الشرحِ»، وابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»، إحْداهَما، لا يُباحُ. وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ، مع عدَمِ العَنَتِ.
قال في «الكافِي»، و «الفُروعِ»: اخْتارَه أصحابُنا. وجزَم به «ناظِمُ المُفْرَداتِ» وغيرُه. وهو منها. الثانيةُ، يُباحُ.
قال في «الحاويَيْن»: ويُباحُ وَطْءُ المُسْتَحَاضَةِ مِن غيرِ خَوْفِ العَنَتِ، على أصَح الروايتَين.
وعنه، يُكْرَه. فعلَى المذهبِ، لو فعلَ فلا كفَّارَةَ عليه، على . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقيل: هو كالوَطْءِ في الحيضِ. وعلى الثَّانيةِ والثَّالثةِ، لا كفَّارةَ عليه، قوْلًا واحدًا.
وفي «الرعايةِ» احْتِمالٌ بوُجوبِ الكفَّارَةِ.
وإنْ قُلْنا: إنَّه غيرُ حَرام.
تنبيهان؛ أحَدُهما، شمِلَ قوْلُه: خَوْف العَنَتِ. الزَّوْجَ، أو الزَّوْجةَ، أو هما. وهو صحيح، صرَّح به الأصحابُ. الثَّاني، مَفْهومُ كلام المُصَنِّف، أنه إذا خافَ العَنَتَ، يُباحُ له وَطْؤها مُطْلَقًا. وهو صحيحٌ، وهو المذهَبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقيل: لا يُباحُ إلَّا إذا عدِمَ الطَّوْلَ؛ لِنِكاحِ غيرِها. قاله ابنُ عَقِيل في فَصل: وَأَكْثَرُ النِّفَاسِ أربَعُونَ يَوْمًا، رِوايَتَيْه. وقدَّمه في «الرِّعايَة الكبْرى».
وقال: الشَّبَقَ الشَّديدُ كخَوْفِ العَنَتِ. فائدتان؛ إحْداهما، يجوزُ شُرْبُ دواءٍ مُباحٍ لقَطْعِ الحيضِ مُطلْقًا، مع أمْنِ الضَّرَرِ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نصَّ عليه.
وقال القاضي: لا يُباحُ إلا بإذْنِ الزَّوْجِ، كالعَزْلِ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. قال: في «الفُروعِ»: يؤيِّدُهُ قوْلُ أحمدَ في بعضِ جوابِه: والزَّوْجَةُ تَسْتَأذِنُ زَوْجَها.
وقال: ويتَوَجَّهُ، يُكْرَهُ. وقال: وفِعْلُ الرَّجلِ ذلك بها مِن غيرِ عِلْم يتَوَجَّهُ تحْرِيمُه، لإِسْقاطِ حَقِّها مُطْلَقًا مِنَ النَّسْلِ المقْصودِ.
وقال: ويتَوَجَّهُ في الكافُورِ ونحوه له، لقَطْع الحيض.
قلتُ: وهو الصَّوابُ الذي لا شَكَّ فيه.
قال في «الفائِق»: ولا يجوزُ ما يقْطَعُ الحمْلَ. ذكَره بعْضُهم. الثَّانيةُ، يجوزُ شُرْبُ دواءٍ، لحصُولِ الحيض. ذكَره الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، واقْتصَر عليه في «الفُروعِ»، إلَّا قُرْبَ رَمَضانَ لتُفْطِرَه. ذكَره [أبو يَعْلَى] الصَّغيرُ.
قلتُ: وليس مخالف، والظاهرُ أنه مُراد مَنْ ذكر المسْألةَ، ويأتي في أثْناءِ النِّفاسِ، إذا شَرِبَتْ شيئًا لتُلْقِيَ ما في بَطْنِها.
قال: (وهل يباح وطء المستحاضة في الفرج من غير خوف العنت؟ على روايتين) .
أما كون وطء المستحاضة في الفرج من غير خوف العنت لا يباح على روايةٍ؛ فلأن الوطء في الحيض إنما منع منه لكونه أذى وهو موجود هاهنا.
وأما كونه يباح على روايةٍ فـ «لأن حمنة كان يجامعها زوجها وهي مستحاضة» رواه أبو داود.
وكذلك روي عن أم حبيبة .
ولأنها في حكم الطاهرات في جميع الأحكام فكذلك في هذا.
وتقيد المصنف رحمه الله الخلاف بغير خوف العنت مشعر بأنه إذا خاف العنت أبيح له الوطء بلا خلاف في المذهب. وهو صحيح؛ لأن عدم جوازه مع خوفه العنت مفضٍ إلى وقوعه في الزنا وذلك محذور.
ولأن بعض الأشياء محرم الفعل وخوف العنت يبيحه. دليله تزوج الأمة فكذلك يجب أن يكون هاهنا.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.