فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُتَطَوِّعٌ رَزَقَ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَنْ يَقُومُ بِهِمَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ صَيِّتًا أَمِينًا عَالِمًا بِالْأَوْقَاتِ
Its commentaries
مسألة: (فإن لم يُوجَدْ مُتَطَوِّع بهما رَزَق الإمامُ مِن بَيتِ المالِ مَن يَقُومُ بهما) لا نَعْلَمُ خِلافًا في جَوازِ أخْذِ الرِّزقِ عليه، وهو قَولُ الأوْزاعِي، والشافعيِّ؛ و لأنَّ بالمُسْلِمِين إليه حاجَة، وقد لا يُوجَدُ مُتَطوِّعٌ به،
فإذا لم يُدْفَع الرِّزْقُ فيه تَعَطَّل، ويَرْزُقُه الإمامُ مِن الفَىْءِ؛ لأنَّه المُعَدُّ للمَصالِحِ، فهو كأرْزاقِ القُضاةِ والغُزاةِ،
وقال الشافعيُّ: لا يُرْزَقُ المُؤذِّنُ إلَّا مِن خُمُسٍ الخُمُس، سَهْمِ النبي - صلى الله عليه وسلم -. حَكاهُ ابنُ المُنْذِر.
فأمّا إن وُجِد مُتَطَوِّع به، لم يرزَقْ غيرُه؛ لعَدَم الحاجَةِ إليه . والله أعلمُ. ٢٦٢ - مسألة: (ويَنْبَغِي أن يَكُونَ المُؤذِّنُ صيتًا أمِينًا عالِمًا بالأوْقاتِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يُسْتَحبُّ أن يكونَ المُؤذنُ صَيِّتًا ، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لعبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ:«ألقِهِ عَلَى بلَالٍ، فَإنَّه أنْدَى صَوْتًا مِنْكَ». واخْتارَ أبا مَحْذُورَةَ للأذانِ، لكَوْنِه صَيتًا، ولأنه أبْلَغُ في الإعْلامِ المَقْصُودِ بالأذانِ،
قال شيخُنا : ويُستَحَبُّ أن يكُونَ حَسَنَ الصَّوْتِ؛ لأنَّه أُرقُّ لسامِعه. ويَنْبَغِي أن يكُونَ عدْلًا أمِينًا؛ لأنَّه مُؤتَمَنٌ يُرجَعُ إليه في الصلاةِ والصيامِ، فلا يُؤمَنُ أن يَغُرَّهم بأذانه إذا لم يَكُن كذلك. وقد رُوِيَ عن أبي مَحْذُورَةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمَنَاءُ النَّاس عَلَى صَلاتهِمْ وَسُحُورِهِمُ الْمُؤذِّنُونَ». رَواه البَيهَقِيُّ مِن رِوايِةِ يَحْيَى بن عبدِ الحميدِ، وفيه كلامٌ. ولأنَّه يُؤذِّنُ على مَوْضِعٍ عالٍ، فلا يُؤمَنُ منه النَّظَرُ إلى العَوْراتِ.
وأن يكونَ عالِمًا بالأوْقاتِ؛ ليَتَحَراها، فيُؤذِّنَ في أوَّلِها، ولأنَّه إذا لم يَكُنْ عالِمًا لا يُؤمَنُ منه الغلَطُ والخطَأُ.
ويُستحَبُّ أن يكُونَ بَصِيرًا؛ لأن الأعْمَى لا يَعْرِفُ الوَقْتَ، فرُبَّما غَلِط. وكَرِه أذانَ الأعْمَى ابنُ مسعودٍ، وابنُ الزُّبَير. وعن ابن عباس، أنَّه كَرِه إقامَتَه.
وإن أذَّنَ، صَحَّ أذانُه؛ لأن ابنَ أمِّ مَكْتُوم كان يُؤذنُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال ابنُ عُمَرَ: وكان رجلًا أعْمَى لا يُنادِي حتىِ يُقال له: أصبحْتَ أصبحتَ. رَواه البخاري .
ويُستحَبُّ أن يكون معه بَصِيرٌ كما كان ابنُ أُمِّ مَكتُوم يُؤذِّنُ بعدَ بِلَالٍ.
وإن أذَّنَ الجاهِلُ أيضًا، صَحَّ؛ لأنَّه إذا صَحَّ أذانُ الأعْمَى فالجاهِلُ أوْلَى.
٢٦٣ -
(فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُتَطَوِّعٌ رَزَقَ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَنْ يَقُومُ بِهِمَا) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ أَخْذِ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " لِأَنَّ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةً إِلَيْهِ، وَنُقِلَ عَنْهُ الْمَنْعُ، لَكِنْ
قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": هُوَ ضَعِيفٌ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ يَرْزُقُهُ الْإِمَامُ مِنَ الْفَيْءِ، لِأَنَّهُ الْمُعَدُّ لِلْمَصَالِحِ، فَهُوَ كَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْغُزَاةِ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ مُتَطَوِّعٌ بِهِ لَمْ يُعْطَ غَيْرُهُ مِنْهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ.
[مَا يَتَحَلَّى بِهِ الْمُؤَذِّنُ مِنَ الصِّفَاتِ] (وَيَنْبَغِي)
أَيْ: وَيُسْتَحَبُّ (أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ صَيِّتًا) أَيْ: رَفِيعَ الصَّوْتِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ:«قُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ» وَاخْتَارَ أَبَا مَحْذُورٍ لِلْأَذَانِ لِكَوْنِهِ صَيِّتًا، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ،
زَادَ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ: وَأَنْ يَكُونَ حَسَنَ الصَّوْتِ، لِأَنَّهُ أَرَقُّ لِسَامِعِهِ (أَمِينًا) أَيْ: عَدْلًا لِمَا رَوَى أَبُو مَحْذُورَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«أُمَنَاءُ النَّاسِ عَلَى صَلَاتِهِمْ وَسُحُورِهِمُ الْمُؤَذِّنُونَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَفِيهِ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَفِيهِ كَلَامٌ، وَلِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، وَغَيْرِهَا، وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَغُرَّهُمْ بِأَذَانِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ يُؤَذِّنُ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ، وَلَا يُؤْمَنُ مِنْهُ النَّظَرُ إِلَى الْعَوْرَاتِ (عَالِمًا بِالْأَوْقَاتِ) لِيَتَحَرَّاهَا فَيُؤَذِّنَ فِي أَوَّلِهَا،
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهَا لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ الْخَطَأُ، وَاشْتَرَطَهُ أَبُو الْمَعَالِي كَالذُّكُورِيَّةِ، وَالْعَقْلِ، وَالْإِسْلَامِ،
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يَعْرِفُ الْوَقْتَ، فَرُبَّمَا غَلِطَ، وَكَرِهَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ أَذَانَهُ، وَكَرِهَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِقَامَتَهُ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْ يُعَرِّفُهُ الْوَقْتَ لَمْ يُكْرَهْ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِفِعْلِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَتُسْتَحَبُّ حُرِّيَّتُهُ، حَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ اتِّفَاقًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: لَا فَرْقَ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَيَسْتَأْذِنُ سَيِّدَهُ
فإنْ لم يُوجَدْ متَطَوِّع بهما، رزَق الإمامُ مِن بَيتِ المالِ مَن يَقومُ بهما. كرِزْقِ القضاةِ ونحوهم، على ما يأتي في بابِه. وظاهر كلامِ المُصنف، أنَّه إذا وُجد متَطَوِّعٌ بهما، لا يجوزُ أنْ يرْزُقَ الإمامُ غيرَه؛ لعدَمِ الحاجَةِ إليه. وهو صحيحٌ. وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ احْتِمالٌ، لا يجوزُ إلَّا مع امْتِيازٍ بحُسْنِ صوْتٍ. وَيَنْبَغِي أنْ يكونَ الْمُوذنُ صَيِّتًا أمِينًا عَالِمًا بِالْأوْقَاتِ.
تنبيه: قوله: ويَنْبغِي أنْ يكونَ المُؤذِّن صَيتًا، أمينًا، عالِمًا بالأوقاتِ. أنَّه لا فرْقَ في ذلك بينَ الحُرِّ والعَبْدِ، والبَصيرِ والأعْمَى. وهو صحيحٌ. وهو ظاهرُ كلامِ غيرِه مِنَ الأصحابِ في العَبْدِ. وصرحَ به أبو المَعالِي.
وقال: يسْتأذِنُ سَيِّدَه. وقال ابن هُبيرَةَ في «الإفْصاح»: وأجْمَعوا على أنَّه يُسْتَحبُّ أنْ يكونَ المُؤذنُ حُرًّا بالِغًا طاهِرًا.
قال في «الفُروعِ»: وظاهر كلامِ غيره لا فرْقَ.
قلتُ: قال في «المُذْهَب»: يُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ حُرًّا.
وأمَّا الأعْمَى؛ فصرَّح فَإنْ تَشَاحَّ فِيهِ نفْسَانِ قُدِّمَ أفْضَلُهُمَا في ذَلِكَ، ثُمَّ أفْضَلُهُما في دِينهِ وَعَقْلِهِ، بأذانِه الأصحابُ، وأنَّه لا يُكَرهُ إذا علم بالوقت. ونص عليه.
فائدتان؛ إحْداهما، قوله: ويَنبغي. مرادُه، يُسْتَحب. قاله كثير مِنَ الأصحاب. الثَّانية، يشترَطُ في المُؤذِّن ذُكُورِيَّتُه، وعقْلُه، وإسْلامُه،
ولا يُشترَطُ علْمُه بالوقْتِ، على الصحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقال أبو المعالي: يُشْتَرَطُ ذلك.
ويأتِي ذكْر بقِيَّة الشُّروطِ عندَ قولِه: ولا يصِحُّ الأذانُ إلَّا مُرَتبًا.
قال: (وينبغي أن يكون المؤذن صَيِّتاً أميناً عالماً بالأوقات) .
أما كون المؤذن ينبغي أن يكون صيتاً فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبدالله: ألقه على بلال فإنه أندى صوتاً».
ولأنه أبلغ في الإعلام المقصود بالأذان.
وأما كونه ينبغي أن يكون أميناً؛ فلأنه يحتاج إلى ذلك لكونه يُؤمَن على الأوقات، وعلى الكف عن النظر إلى الجيران.
وأما كونه ينبغي أن يكون عالماً بالأوقات فليتمكن من الأذان في أول الأوقات.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.