الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمُحَرَّمَاتُ إِلَى أَمَدٍ وَهُنَّ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: الْمُحَرَّمَاتُ لِأَجْلِ الْجَمْعِ، فَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا
Its commentaries
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (الضَّرْبُ الثَّانِي، المُحَرَّماتُ إلى أمَدٍ، وهُنَّ نَوْعان؛ أحدُهما، المُحَرَّماتُ لأجْلِ الجَمْعِ، فيَحْرُمُ الجَمْعُ بينَ الأُخْتَين) سَواء كَانَتَا مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ، حُرَّتَين كانَتَا أو أمَتَين، أو حُرَّةً وأَمةً، مِن أبَوَين كانَتا أو مِن أَبٍ أو أُمٍّ، وسَواءٌ في هذا ما قبلَ الدُّخُولِ أو بعدَه؛ لعُمُومِ قولِه تعالى:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ}.
٣١٤١ - مسألة: (و) يَحْرُمُ الجَمْعُ (بينَ المرأةِ وعَمَّتِها أو خالتِها) قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على القولِ به، وليس فيه بحمدِ اللهِ اخْتِلافٌ، إلَّا أنَّ بعضَ أهلِ البِدَعِ مِمَّن لا تُعَدُّ مُخالفَتُه خِلافًا، وهم الرَّافِضَةُ والخَوَارِجُ، لم يُحَرِّمُوا ذلك، ولم يَقُولُوا بالسُّنَّةِ الثَّابتَةِ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. وهي ما روَى أبو هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَجْمَعُوا بَينَ المرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَينَ المَرْأَةِ وَخَالتِهَا».
متفقٌ عليه . وفي روايةِ أبي داودَ : «لا تُنْكَحُ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا العَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخيها ، ولا المَرْأَة على خَالتِها، ولا الخَالةُ على بِنْتِ أُخْتِها، لا تُنْكَحُ الكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى، ولا الصُّغْرَى على الكُبْرَى». ولأنَّ العِلَّةَ في تَحْرِيمِ الجَمْعِ بينَ الأُخْتَين إيقاعُ العَداوَةِ بينَ الأقارِبِ، وإفْضاؤُه إلى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ المَحْرَم.
فإنِ احْتَجُّوا بعُمُومِ قولِه سبحانَه:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}. خَصَصْنَاه بما رَوَيناه. وبَلَغَنا أنَّ رَجُلَين مِن الخَوَارِجِ أَتَيا عمرَ بنَ عبدِ العزيز، فكانَ مِمَّا أنْكَرَا عليه رَجْمُ الزَّانِيَين، والجمعُ بينَ المرأَةِ وعَمَّتِها، وبينَها وبينَ خَالتِها، وقَالا: ليس هذا في كتابِ اللهِ تعالى. فقال لهما: كم فَرَضَ الله عليكم مِن الصَّلاةِ ؟ قالا: خَمْسَ صَلَوَاتٍ في اليومِ واللَّيلةِ. وسَأَلهُما عن عَدَدِ رَكَعَاتِها، فأخْبَرَاه بذلك. وسأَلَهُما عن مِقْدَارِ الزَّكَاةِ ونُصُبِها، فأخْبَرَاه. فقال: وأين تجِدَان ذلك في كتابِ اللهِ؟
قالا: لا نَجِدُه في كتابِ اللهِ.
قال: فَمِن أين صِرْتُما [إلى ذلك]؟ فقالا: فَعَلَه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون بعدَه. قال: فكذلك هذا. ولا فَرْقَ بينَ الخالةِ والعَمَّةِ، حقيقةً أو مَجازًا، كعَمَّاتِ آبائِها وخالاتِهِم، وعَمَّاتِ أُمَّهاتِها وخَالاتِهِنَّ،
وإن عَلَتْ دَرَجتُهُنَّ، مِن نَسَبٍ كان ذلك أو رَضاعٍ، فكُلُّ شَخصَين لا يَجُوزُ لأحَدِهما أن يَتَزَوَّجَ الآخَرَ، لو كان أحَدُهما ذَكَرًا والآخَرُ أُنْثَى لأجْلِ القَرابَةِ، لا يَجُوزُ الجَمْعُ بَينَهما؛ لتَأْدِيَةِ ذلك إلى قَطْعِ الرَّحِمِ القَرِيبَةِ، لِما في الطِّباعِ مِن التَّنافُسِ والغَيرَةِ مِن الضَّرائرِ.
ولا يجوزُ الجمعُ بينَ المرأةِ وأُمِّها في العَقْدِ؛ لِما ذَكَرْناه، ولأنَّ الأمَّ إلى ابْنَتِها أقْرَبُ مِن الأُختَين،
فإذا لم يُجْمَعْ بينَ الأُختَين، فالمرأةُ وبِنْتُها أوْلَى.
فصل: ولا يَحْرُمُ الجمعُ بينَ ابْنَتَي العَمِّ، وابْنَتَي الخالِ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ لعَدَمِ النَّصِّ فيهما بالتَّحْرِيمِ، ودُخُولِهما في عُمُوم قولِه تعالى:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}. ولأنَّ إحْدَاهما تَحِلُّ لها الأُخْرَى لو كانت ذَكَرًا.
وفي كَراهَةِ ذلك رِوَايتان؛ إحْدَاهما، يُكْرَهُ. رُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ. وبه قال جابرُ بنُ زيدٍ، وعطاءٌ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ. وروَى أبو حفص بإسنادِه عن عيسى بنِ طلحةَ قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن تُزَوَّجَ المرأةُ على ذي قَرابتِها، مَخافَةَ القَطِيعَةِ . ولأنه مُفْضٍ إلى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ المَأمُورِ بصِلَتِها، فأقَلُّ أحْوالِه الكَراهَةُ. والأُخْرَى، لا يُكْرَهُ. وهو قولُ سليمانَ بنِ يَسارٍ، والشَّعْبِيِّ، وحسنِ بنِ حسنٍ ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيدٍ؛
لأنَّه ليست بينَهما قَرابة تُحَرِّمُ الجمعَ، فلا يَقْتَضِي كَراهَةً، كسائرِ الأقارِبِ.
٣١٤٢ -
(الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمُحَرَّمَاتُ إِلَى أَمَدٍ) أَيْ: غَايَةٍ (وَهُنَّ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: الْمُحَرَّمَاتُ لِأَجْلِ الْجَمْعِ، فَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، حُرَّتَيْنِ أَوْ أَمَتَيْنِ، أَوْ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ مِنْ أَبَوَيْنِ، أَوْ مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ،
قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ} (وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا) إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ:«لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ مِثْلَهُ،
وَفِي " التَّمْهِيدِ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ،
وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ الْأَقَارِبِ، وَإِفْضَاؤُهُ إِلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَيَحْصُلُ تَخْصِيصُ قَوْله تَعَالَى:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْقَرِيبَةِ وَالْبَعِيدَةِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، وَضَابِطُهُ: كُلُّ امْرَأَتَيْنِ لَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ذَكَرًا وَالْأُخْرَى أُنْثَى حَرُمَ نِكَاحُهُ، وَلِهَذَا حَرُمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِ أَخِيهَا ; لِأَنَّ الْأَخَ لَا يُبَاحُ لَهُ بِنْتُ أُخْتِهِ، وَابْنُ الْأُخْتِ لَا تُبَاحُ لَهُ خَالَتُهُ، وَأُبِيحَ الْجَمْعُ بَيْنَ بِنْتَيْ عَمَّيْنِ وَبِنْتَيْ خَالَيْنِ، وَبِنْتَيْ عَمَّتَيْنِ وَبِنْتَيْ خَالَتَيْنِ ;
لِأَنَّ ابْنَ الْعَمِّ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِبِنْتِ عَمِّهِ، وَابْنُ الْخَالِ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِبِنْتِ خَالَتِهِ، وَهَلْ يُكْرَهُ لِأَجْلِ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ إِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً أَوْ لَا يُكْرَهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ عَمَّةٍ وَخَالَةٍ، بِأَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً وَابْنُهُ أُمُّهَا، فَوُلِدَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِنْتٌ، وَبَيْنَ عَمَّتَيْنِ بِأَنْ يَنْكِحَ أُمَّ رَجُلٍ وَالْآخَرُ أُمَّهُ، فَيُولَدُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِنْتٌ، وَبَيْنَ خَالَتَيْنِ بِأَنْ يَنْكِحَ كُلٌّ مِنْهُمَا ابْنَةَ الْآخَرِ لَا بَيْنَ أُخْتِ رَجُلٍ مِنْ أَبِيهِ وَبَيْنَ أُخْتِهِ مِنْ أُمِّهِ وَلَوْ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُ، وَلَا بَيْنَ مَنْ كَانَتْ زَوْجَةَ رَجُلٍ، وَبِنْتُهُ مِنْ غَيْرِهَا
Says nothing on this mas’ala.
فصل [المحرمات إلى أمد] قال المصنف رحمه الله تعالى: (الضرب الثاني: المحرمات إلى أمد. وهي نوعان: أحدهما: المحرمات لأجل الجمع. فيحرم الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها أو خالتها) .
أما كون الضرب الثاني: المحرمات إلى أمد؛ فلأنه يلي الضرب الأول.
وأما كونهن نوعين؛ فلأن منهن من يحرم لأجل الجمع، ومنهن من يحرم لعارض يزول؛ كزوجة الغير. وسيأتي ذكره بعد إن شاء الله تعالى.
وأما كون الجمع بين الأختين يحرم؛ فلأن الله تعالى قال:{وأن تجمعوا بين الأختين}. ولا فرق بين الأختين من نسب أو رضاع. حرتين أو أمتين أو حرة وأمة. من أبوين كانتا أو من أب أو أم. قبل الدخول أو بعده؛ لعموم الآية.
وأما كون الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها يحرم؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يُجمعُ بين المرأةِ وعمتها، ولا بين المرأةِ وخالتها». متفق عليه.
وفي روايةِ أبي داود:«لا تُنكح المرأةُ على عمتها، ولا العمةُ على بنتِ أخيها، ولا المرأةُ على خالتها، ولا الخالةُ على بنت أُختها. لا تُنكحُ الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكُبرى».
ولأن العلة في الجمع بين الأختين إيقاع العداوة بين الأقارب، وإفضاؤه إلى قطيعة الرحم المحرم. وهو موجود فيما ذكر.
فإن قيل: فما الجواب عن قوله تعالى: {وأُحِلَّ لكم ما وراء ذلكم}؟
قيل: هو مخصوص بما ذكر.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.