وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي ذَهَابِ بَصَرِهِ أُرِيَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ به وَقُرِّبَ الشَّيْءُ إِلَى عَيْنِهِ فِي وَقْتِ غَفْلَتِهِ
Its commentaries
مسألة: وفى ذَهابِ العَقْلِ الدِّيَةُ. ولا نعلمُ فيه خِلافًا. رُوِى ذلك عن عمرَ، وزيدٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وإليه ذهبَ مَن بَلَغَنا قوْلُه مِن الفُقَهاء. وفى كتابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمْرِو بنِ حَزْمٍ:«وفى العَقْلِ الدِّيَةُ». ولَأَّنه أكبرُ المعانى قَدْرًا، وأعْظَمُ الحواسِّ نَفْعًا؛
[فإنَّ به] يتمَيَّزُ مِن البَهِيمةِ، ويعْرِفُ به حَقائِقَ المعلوماتِ، ويَهْتَدِى إلى مَصالِحِه، ويتَّقِى ما يَضُرُّه، ويدْخُلُ به في التَّكْليفِ، وهو شَرْطٌ في ثُبوتِ الولاياتِ، وصِحَّةِ التَّصَرُّفاتِ، وأداءِ العباداتِ، فكان بإيجابِ الدِّيَةِ أحَقَّ مِن بَقِيَّةِ الحواسِّ.
فإن نَقَصَ عَقْلُه نَقْصًا معْلُومًا، وجَبَ بقَدْرِه.
فصل: فإن ذهَبَ عَقْلُه بجنايةٍ لا تُوجِبُ أَرْشًا، كاللَّطْمَةِ، والتَّخْوِيفِ، ونحوِ ذلك، ففيه الدِّيَةُ لا غيرُ.
وإن أذْهَبَه بجِنايةٍ تُوجِبُ أَرْشًا، كالجِراحِ، أو قَطْعِ عُضْوٍ، وجَبَتِ الدِّيَةُ وأَرْشُ الجُرْحِ. وبهذا قال مالكٍ، والشافعىُّ في الجديدِ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ في القَديمِ: يدْخُلُ الأقَلُّ منهما في الأكْثَرِ ،
فإن كانتِ الدِّيَةُ أكثرَ مِن أَرْشِ الجُرْحِ، وجَبَتْ وحدَها،
وإن كان أَرْشُ الجُرْحِ أكْثَرَ ، كأنْ قَطَعَ يدَيْه ورِجْلَيْه، فذهبَ عَقْلُه، وجبَتْ دِيَةُ الجُرْحِ، ودخَلَتْ دِيَةُ العَقْلِ فيه؛ لأَنَّ ذَهابَ العَقْلِ تَخْتَلُّ معه مَنافِعُ الأعْضاءِ، فدَخَلَ أَرْشُها فيه، كالموتِ. ولَنا، أنَّ هذه جِناية أذْهبَتْ منْفعَةً مِن غيرِ مَحَلِّها مع بَقاءِ النَّفْسِ، فلم يتَداخَلِ الأَرْشانِ، كما لو أَوضَحَه فذهبَ بَصَرُه أو سَمْعُه، ولأنَّه لو جَنَى على أنْفِه أو أُذُنِه، فذهبَ شَمُّه [أو سَمْعُه]، لم يدْخُلْ أَرْشُهما في دِيَةِ الأنْفِ والأذُنِ، مع قُرْبِهما منهما، فههُنا أوْلَى.
وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو دخَلَ أَرْشُ الجُرْحِ في ديَةِ العَقْلِ، لم يجبْ أَرْشُه إذا زادَ على دِيَةِ العَقْلِ، كما أنَّ دِيَةَ الأعْضاء كلِّها مع القتلِ لا يجبُ بها أكثرُ مِن دِيَةِ النَّفْسِ.
ولا يَصِحُّ قولُهم: إنَّ منافعَ الأعْضاءِ تبْطُلُ بذَهابِ العَقْلِ.
فإنَّ المَجْنُونَ تُضْمَنُ مَنافِعُه وأعْضاؤُه بعدَ ذَهابِ عَقْلِه بما تُضْمَنُ به مَنافِعُ الصَّحيحِ وأعضاؤُه،
ولو ذهبت مَنافعُه وأعْضاؤُه، لم تُضْمَنْ، كما لا تُضْمَنُ مَنافِعُ المَيِّتِ وأعْضاؤُه،
وإذا جازَ أن تُضْمَنَ بالجِنايةِ عليها بعدَ الجِنايَةِ عليه، جازَ ضَمانُها مع الجِنايةِ عليه، كما لو جَنَى عليه فأذْهَبَ سَمْعَه وبصَرَه بجِرَاحةٍ في غيرِ مَحَلِّهما .
فصل: فإن جَنَى عليه فأذْهَبَ عقْلَه وشمَّه وبصَرَه وكَلامَه، وجَبَ أرْبَعُ دِياتٍ مع أَرْشِ الجُرْحِ. قال أبو قِلَابَةَ : رَمَى رَجُلٌ رَجُلًا بحَجَرٍ، فذهبَ عقلُه وسمْعُه وبصرُه ولسانُه ، فقَضَى عليه عمرُ بأرْبَعِ دِياتٍ وهو حَىٌّ. ولأنه أذْهَبَ مَنافِعَ في كلِّ واحدٍ منها دِيَةٌ، فوجَبَتْ عليه دِياتُها، كما لو أذْهَبَها بجِناياتٍ.
فإن مات مِن الجِنايةِ، لم تَجِبْ إلَّا دِيَةٌ واحدَةٌ؛ لأن دياتِ المنافعِ كلُّها تدْخُلُ في دِيَةِ النَّفْسِ، كدِيَاتِ الأعْضاءِ.
٤٢٦٨ -
مسألة: (وَإِنِ اخْتَلَفا في ذَهابِ بَصَرِه، أُرِىَ أهْلَ الخِبْرَةِ) فيُرْجَعُ في ذلك إلى قوْلِ مسلمَيْن عَدْلَيْن منهم ؛ لأَنَّ لهما طَرِيقًا إلى مَعْرِفَةِ ذلك، لمُشاهَدَتِهما العَيْنَ التى هى مَحَلُّ البَصَرِ،
بخِلافِ السَّمْعِ. فإن لم يُوجَدْ أهْلُ الخِبْرَةِ، أو تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ ذلك، اعْتُبِرَ بأن يُوقَفَ في عَيْنِ الشَّمْسِ، ويُقَرَّبَ الشئُ إلى عَيْنِه في أوْقاتِ غَفْلَتِه،
فإنْ طَرَفَ عَيْنَه، وخافَ مِن الذى يُخَوَّفُ به، فهو كاذِبٌ، وإلَّا حُكِمَ له.
وإذا عُلِمَ ذَهابُ بصَرِه، وقال أهْلُ الخِبْرَةِ: لا يُرْجَى عَوْدُه. وَجَبَتِ الدِّيَة.
وإن قالوا: يُرْجَى عَوْدُه إلى مُدَّةٍ. عَيَّنُوها، انْتُظِرَ إليها، ولم يُعْطَ الدِّيَةَ حتى تَنْقَضِىَ المُدَّةُ،
فإن لم يَعُدِ اسْتَقَرَّتْ على الجانِى الدِّيَة.
فإن مات المَجْنِىُّ عليه قَبْلَ العَوْدِ، اسْتَقَرَّتِ الدِّيَةُ، سواءٌ مات في المُدَّةِ أو بَعْدَها.
فإن جاءَ أجْنَبِىٌّ، فقَلَعَ عَيْنَه في المُدَّةِ، اسْتَقَرَّتْ على الأوَّل الدِّيَةُ أو القِصاصُ؛ لأنَّه أذْهَبَ البَصَرَ فلم يَعُدْ، وعلى الثانى حُكومةٌ؛ لأَنَّه أذْهَبَ عَيْنًا لا ضَوْءَ لها، يُرْجَى عَوْدُ ضَوْئِها.
وإن قال الأَوَّلُ: عادَ ضَوْؤُها. وأنْكَرَ الثانى، فالقولُ قولُ المُنْكِرِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ معه،
وإن صَدَّقَ المَجْنِىُّ عليه الأوَّلَ، سَقَطَ حَقُّه عنه، ولم يُقْبَلْ قولُه على الثانى.
فأمَّا إن قال أهْلُ الخِبْرَةِ: يُرْجَى عَوْدُه، لكن لا يُعْرَفُ له مُدَّةٌ. وجَبَتِ الدِّيَةُ أو القِصاصُ؛ لأَنَّ انْتِظارَ ذلك إلى غيرِ غَايةٍ يُفْضِى إلى إسْقاطِ مُوجَبِ الجِنايةِ، والظَّاهرُ في البَصَرِ عَدَمُ العَوْدِ، والأَصْلُ يُؤيِّدُه،
فإن عادَ قبْلَ اسْتِيفاء الواجبِ، سقطَ،
وإن عادَ بعدَ الاسْتِيفاءِ، وجَبَ رَدُّ ما أخذَ منه؛ لأنَّنَا تبَينا أنَّه لم يَكُنْ واجبًا.
٤٢٨٦ -
(وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي ذَهَابِ بَصَرِهِ أُرِيَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ به) بِأَنْ يُمْتَحَنَ فِي ذَلِكَ (وَقُرِّبَ الشَّيْءُ إِلَى عَيْنِهِ فِي وَقْتِ غَفْلَتِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ مِنْهُمْ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ كَالْبَيِّنَةِ
Adds nothing on this mas’ala.
وإنِ اخْتَلَفَا فى حَيَاتِه ولا بَيِّنَةَ، ففى أَيِّهما يُقَدَّمُ قَوْلُه وَجْهَان. وأَطْلَقَهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «شَرْحِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنَ مُنَجَّى»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم؛ أحدُهما، القَوْلُ قولُ الجانِى. وهو المذهبُ. صحَّحه فى «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهما.
وجزَم به فى «الشَّرْحِ» فى مَكانَيْن، وهو عجِيبٌ، إلَّا أَنْ يكون فى النُّسْخَةِ سَقْطٌ. وجزَم به . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فى «المُغْنِى»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ». وقدَّمه فى «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ». والوَجْهُ الثَّانى، القَوْلُ قولُ المَجْنِىِّ عليه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدتان، إحْداهما، قال فى «التَّرْغيبِ» وغيرِه: لو خرَج بعْضُه حيًّا، وبعْضُه مَيِّتًا، ففيه رِوايَتان. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّانيةُ، يجِبُ فى جَنِينِ الدَّابَّةِ ما نقَص أُمَّه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نصَّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه. وعليه الأصحابُ. قالَه فى «القاعِدَةِ الرَّابِعَةِ والثَّمانِينَ».
وقال أبو بَكْرٍ: هو كجَنِينِ الأَمَةِ، فيَجِبُ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه. قال فى «القَواعِدِ»: وقياسُه جَنِينُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّيْدِ فى الحَرَمِ والإِحْرامِ.
قال: والمَشْهورُ أنَّه يُضْمَنُ بما نقَص أُمَّه أَيضًا. وتقدَّم ذلك فى أوائلِ الغَصْبِ.
قال: (وإن اختلفا في نقص بصره أو سمعه فالقول قول المجني عليه. وإن اختلفا في ذهاب بصره أُري أهل الخبرة به (٣) وقرّب الشيء إلى عينه في وقت غفلته.
وإن اختلفا في ذهاب سمعه أو شمه أو ذوقه صيح به في أوقات غفلته، وتتبع بالرائحة المنتنة، وأطعم الأشياء المرة فإن فزع مما يدنو من بصره أو انزعج للصوت أو عبس للرائحة أو الطعم المر سقطت دعواه، وإلا فالقول قوله مع يمينه).
أما كون القول قول المجني عليه إذا اختلف هو والجاني في نقص البصر والسمع؛ فلأن ذلك لا يعرف إلا من جهته. فكان القول قوله فيه؛ كما أن القول قول المرأة في حيضها لكونه لا يعلم إلا من جهتها.
وأما كونه يُرى أهل الخبرة إذا اختلف هو والجاني في ذهاب بصره؛ فلأن ذلك تمكن معرفته منهم وهم فيما يخبرون به كالبيّنة.
وأما كونه يقرب الشيء إلى عينه في وقت غفلته؛ فلأن ذلك يعلم به أَذَهَبَ بصره أم لا؟ .
وأما كونه يصاح به في وقت غفلته إذا ادعى ذهاب سمعه، ويتتبع بالرائحة المنتنة إذا ادعى ذهاب شمه، ويطعم الأشياء المرة إذا ادعى ذهاب ذوقه؛ فلأن كل واحد مما ذكر يمكن الاستعلام به هل صدق في دعواه [أو كذب، ولذلك لم يرجع إلى قوله فيما إذا ادعاه.
وأما كونه تسقط دعواه] إذا فزع عندما يدنو إلى بصره أو انزعج للصوت أو عبس للرائحة المنتنة أو الطعم المر؛ فلأن ذلك دليل على كذبه.
وأما كون القول قوله إذا لم يوجد منه ذلك؛ فلأن الظاهر صدقه.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.