وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ قَاذِفٍ وَتَوْبَتُهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ
Its commentaries
مسألة: (ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ القاذِفِ حتى يَتُوبَ) وجملةُ ذلك، أنَّ القاذِفَ إذا كان زَوْجًا، فحَقَّقَ قَذْفَه ببَيِّنَةٍ أو لِعانٍ، أو كان أجْنَبِيًّا فَحَقَّقَه بالبَيِّنَةِ أو بإقْرارِ المَقْذُوفِ، لم يَتعلَّقْ بقَذْفِه فِسْقٌ، ولا حَدٌّ، ولا رَدُّ شَهادَةٍ،
وإن لم يُحَقِّقْ قَذْفَه بشئٍ مِن ذلك، تَعلَّقَ به وُجوبُ الحدِّ عليه، والحُكْمُ بفِسْقِه، ورَدِّ شَهادَتِه؛ لقولِه تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.
فإن تابَ، لم يَسْقُطْ عنه الحَدُّ، وزَالَ الفِسْقُ، بلا خِلافٍ. وتُقْبَلُ شَهادَتُه عندَنا. ورُوِىَ ذلك عن عُمرَ، وأبى الدَّرْداءِ، وابنِ عباسٍ. وبه قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وعبدُ اللهِ بنُ عُتْبَةَ، وجَعفرُ بنُ أبى ثابِتٍ، وأبو الزِّنادِ، ومالِكٌ، والشافعىُّ، والبَتِّىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وذكرَه ابنُ عبدِ البَرِّ، عن يحيى ابنِ سعيدٍ، ورَبيعةَ.
وقال شُرَيْحٌ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: لا تُقْبَلُ شَهادتُه إذا جُلِدَ،
وإنْ تابَ. وعندَ أبى حنيفةَ، لا تُرَدُّ شَهادتُه قَبْلَ الجَلْدِ،
وإن لم يَتُبْ. فالخِلافُ معه في فَصْلَيْن؛ أحدُهما، أنَّه عندَنا تَسْقُطُ شَهادَتُه بالقَذْفِ إذا لم يُحَقِّقْه، وعندَ أبى حنيفةَ ومالكٍ، لا تَسْقُطُ إلَّا بالجَلْدِ. والثانى، أنَّه إذا تابَ، قُبِلَتْ شَهادتُه وإنْ جُلِدَ، وعندَ أبى حنيفةَ، لا تُقْبَلُ، وتُعلَّقُ؛ لقولِ اللهِ تعالى:{وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا}. وبما رَوَى ابنُ ماجَه، بإسْنادِه عن عَمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا مَحْدُودٍ فِى الإسْلَامِ».
واحْتَجَّ في الفَصْلِ الآخَرِ بأنَّ القَذْفَ قبلَ حُصولِ الجَلْدِ يجوزُ أَن تقومَ به البَيَّنَةُ، فلا يجبُ به التَّفْسِيقُ. ولَنا، في الفصلِ الثانى، إجْماعُ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، فإنَّه رُوِىَ عن عُمرَ، رَضِىَ الله عنه، أنَّه كان يقولُ لأبى بَكْرةَ، حينَ شَهِدَ على المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ: تُبْ أقْبَلْ شَهادَتَكَ. ولم يُنْكِرْ ذْلك مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا. قال سَعيدُ بنُ المُسَيِّبِ: شَهِدَ على المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ ثَلاثةُ رِجالٍ؛ أبو بَكْرةَ، وشِبْلُ بنُ مَعْبَدٍ، ونافِعُ بنُ الحارِثِ، ونكَلَ زِيادٌ، فجلَدَ عُمرُ الثَّلاثةَ،
وقال لهم عمرُ : تُوبوا تُقْبَلْ شَهادَتُكم. فتَابَ رجُلانِ، وقَبِلَ عمرُ شَهادَتَهما، وأبَى أبو بَكْرَةَ، فلم يَقْبَلْ شَهادَتَه، وكان قد عادَ مثلَ النَّصْلِ مِن العِبادةِ . ولأنَّه تابَ مِن ذَنْبِه، فقُبِلَتْ شَهادتُه، كالتَّائِبِ مِن الزِّنى، يُحَقِّقُه أنَّ الزِّنَى أعْظمُ مِن القَذْفِ به،
وكذلك قَتْلُ النَّفْسِ التى حَرَّمَ اللهُ، وسائِرُ الذُّنوب، إذا تابَ فاعِلُها، قُبِلَتْ شَهادتُه، فهذا أَوْلَى.
وأمَّا الآيةُ، فهى حجَّةٌ لنا؛ لأنَّه اسْتَثْنَى التَّائبين بقولِه تعالى:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا}. والاسْتِثْناءُ مِن النَّفْىِ إثْباتٌ، فيكونُ تَقْدِيرُه: إلَّا الذينَ تَابُواْ، فاقْبَلوا شَهادَتَهم، ولَيسوا بفَاسِقِينَ.
فإن قالوا: إنَّما يَعودُ الاسْتِثْناءُ إلى الجُملةِ التى تَلِيه، بدَليلِ أنَّه لا يَعودُ إلى الجَلْدِ. قُلْنا: بل يَعودُ إليه أيضًا؛ لأنَّ هذه الجُمَلَ مَعْطُوفٌ بعْضُها على بعضٍ بالواوِ، وهى للجَمْعِ تَجْعَلُ الجُمَلَ كلَّها كالجُملةِ الواحِدَةِ، فيعودُ الاسْتِثْناءُ إلى جَمِيعِها، إلَّا ما مَنَعَ [منه مانِعٌ]، ولهذا لمّا قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَؤْمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي بَيْتِه، وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإذْنِهِ». عادَ الاسْتِثْناءُ إلى الجُمْلَتَيْن جميعًا، ولأنَّ الاسْتِثْناءَ يُغايِرُ ما قبلَه، فعادَ إلى الجُمَلِ المعْطُوفِ بعْضُها على بعْضٍ بالواوِ، كالشَّرْطِ، فإنَّه لو قال: امرأتُه طالِقٌ، وعبدُه حُرٌّ، إنْ لم يَقُمْ.
عادَ الشَّرْطُ إليهما، كذا الاسْتِثْناءُ، بل عَوْدُ الاسْتِثْناءِ إلى رَدِّ [الشَّهادَةِ أَوْلَى؛ لأنَّ رَدَّ الشَّهادَةِ هو المَأْمُورُ به، فيكونُ هو] الحُكْمَ، والتَّفْسِيقُ خَرَجَ مَخْرَجَ الخَبرِ و [التَّعليلِ لردِّ] الشَّهادةِ، فعَوْدُ الاسْتِثْناءِ إلى الحُكْمِ المَقْصودِ ، أوْلَى مِن رَدِّه إلى التَّعليلِ، وحديثُهم ضَعِيفٌ، يَرْوِيه الحجَّاجُ بن أرْطَاةَ، وهو ضَعيفٌ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لم يَرْفَعْه مَن في رِوايَتِه حُجَّةٌ، وقد رُوِىَ مِن غيرِ طَرِيقِه، ولم يُذْكَرْ فيه هذه الزِّيادَةُ، فدَلَّ ذلك على أنَّها مِن غَلَطِه، ويَدُلُّ على خَطَئِه قَبولُ شَهادَةِ كُلِّ مَحْدُودٍ في غيرِ القَذْفِ بعدَ توبتِه .
ثم لو قُدِّرَ صِحَّتُه، فالمُرادُ به مَن لم يَتُبْ، بدليلِ: كُلِّ مَحْدودٍ تاب سِوَى هذا.
وأمّا الفصلُ الأوَّلُ فدَلِيلُنا فيه الآيةُ، فإنه رَتَّبَ على رَمْىِ المُحْصَناتِ ثَلاثةَ أشْياءَ؛ إيجابُ الجَلْدِ، ورَدُّ الشَّهادَةِ، والفِسْقُ، فيَجِبُ أن يَثْبُتَ رَدُّ الشَّهادَةِ بوُجودِ الرَّمْىِ الذى لم يُمْكِنْه تَحْقِيقُه، كالجَلْدِ، ولأنَّ الرَّمْىَ هو المَعْصِيَةُ، والذَّنْبُ الذى يَسْتَحِقُّ به العُقوبَةَ، وتثْبُتُ به المعْصِيَةُ المُوجِبَةُ رَدَّ الشَّهادةِ، والحدُّ كَفَّارَةٌ وتَطْهِيرٌ، فلا يجوزُ تَعْلِيقُ رَدِّ الشَّهادةِ به، وإنَّما الجَلْدُ ورَدُّ الشَّهادةِ حُكْمانِ للقَذْفِ، فيَثْبُتان جميعًا به، وتخلُّفُ اسْتِيفاءِ أحَدِهما لا يَمْنَعُ ثُبوتَ الآخَرِ.
وقولُهم: إنَّما يتَحقَّقُ بالجَلْدِ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الجَلْدَ حُكْمُ القَذْفِ الذى تَعذَّرَ تَحْقِيقُه، فلا يُسْتَوْفَى قبلَ تَحَقُّقِ القَذْفِ، وكيفَ يجوزُ أن يُسْتَوْفَى حَدٌّ قبلَ تحَقُّقِ سَبَبِه، ويَصِيرُ مُتحَقِّقًا بعدَه! هذا باطِلٌ.
فصل: والقاذِفُ في الشَّتْمِ تُرَدُّ شَهادَتُه ورِوايتُه حتى يَتُوبَ، والشاهِدُ بالزِّنَى إذا لم تكْمُلِ البَيِّنَةُ، تُقْبَلُ رِوايتُه دونَ شَهادتِه. وحُكِىَ عن الشافعيِّ أنَّ شَهادتَه لا تُرَدُّ. ولَنا، أنَّ عُمرَ لم يَقْبَلْ شَهادةَ أبى بَكْرةَ،
وقال له: تُبْ أقْبَلْ شَهادَتَكَ. ورِوايتُه مَقْبولَةٌ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في قَبُولِ رِوايَةِ أبي بَكْرَةَ، مع رَدِّ عُمرَ شَهادَتَه.
٥٠٤٩ - مسألة: (وتَوْبَتُهُ أن يُكْذِبَ نَفْسَهُ. وَقِيلَ: إن عَلِمَ صِدْقَ نَفْسِهِ، فَتَوْبَتُه أن يَقُولَ: قَدْ نَدِمْتُ على ما قُلْتُ، ولا أعُودُ إلى مِثْلِه، وأنا تَائِبٌ إلى الله تِعالى منه) ظاهِرُ كلامِ أحمدَ والْخِرَقِيِّ، أنَّ تَوْبَةَ القاذِفِ إكْذابُه نَفْسَه، فيقولُ: كَذَبْتُ فيما قلتُ. وهذا مَنْصوصُ الشافعيِّ، واخْتيارُ الإِصْطَخْرِيِّ مِن أصْحابه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وممَّن قال هذا سَعيدُ ابنُ المُسَيَّبِ، وطاوسٌ، وعَطاءٌ، والشعبيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيْدٍ ؛ لِما رُوِىَ عن الزُّهْرِىِّ، عن سَعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، عن عُمرَ، عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه
قال، في قولِ اللهِ تعالَى:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. قال:«تَوْبَتُهُ إكْذَابُ نَفْسِهِ». ولأنَّ عِرْضَ المقْذُوفِ يُلَوَّثُ بقَذفِه، فإكْذَابُه نفْسَه يُزيلُ ذلك التَّلْوِيثَ، فتكونُ التَّوْبةُ به . وذكرَ القاضي أنَّ القَذْفَ إن كان سَبًّا، فالتَّوْبةُ منه إكْذَابُ نَفْسِه،
وإن كانَ شَهادةً، فالتَّوْبةُ منه أن يقولَ: القَذْفُ حرامٌ باطِلٌ، ولَنْ أعُودَ إلى ما قلتُ. وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعيِّ. قال: وهو المذهبُ؛ لأنَّه قد يكونُ صادِقًا، فلا يُؤْمَرُ بالكَذِبِ، والخبَرُ مَحْمولٌ على الإِقْرارِ بالبُطْلانِ؛ لأنَّه نوعُ إكْذَابٍ. قال شَيْخُنا : والأَوْلَى أنَّه متى عَلِمَ مِن نَفْسِه الصِّدْقَ فيما قَذفَ به، فتَوْبَتُه الاسْتِغْفارُ، والإِقْرارُ ببُطْلانِ ما قالَه وتَحْرِيمِه، وأنَّه لا يَعودُ إلى مِثْلِه.
وإن لم يَعْلَمْ صِدْقَ نفْسِه، فتَوْبَتُه إكْذابُ نفْسِه، سواءٌ كان القَذْفُ بشهَادَةٍ أو سَبٍّ ؛ لأنَّه قد يكونُ كاذِبًا في الشَّهادَةِ، صادِقًا في السَّبِّ . ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ اللهَ تعالى سَمَّى القاذِفَ كاذِبًا [إذا لم يَأْتِ بأَرْبَعَةِ شُهَداءَ] على الإِطْلاقِ، بقوْلِه سبحانه:{لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ}. فتَكْذيبُ الصَّادِقِ نفْسَه يَرْجِعُ إلى أنَّه كاذِبٌ في حُكْمِ اللهِ تِعالى،
وإنْ كان في نفسِ الأمْرِ صادِقًا.
(وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ قَاذِفٍ) أَيْ: تَسْقُطُ شَهَادَتُهُ بِالْقَذْفِ إِذَا لَمْ يُحَقِّقْهُ لِلْآيَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْقَاذِفِ الْمَرْدُودِ الشَّهَادَةِ: وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَأْتِ بِمَا يُحَقِّقُ قَذْفَهُ، كَالزَّوْجِ يَقْذِفُ زَوْجَتَهُ وَيَتَحَقَّقُ عَدَمُهُ بِالْبَيِّنَةِ أَوِ اللِّعَانِ، وَكَالْأَجْنَبِيِّ يَقْذِفُ أَجْنَبِيَّةً وَيَتَحَقَّقُ عَدَمُهُ بِالْبَيِّنَةِ، فَهَذَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَتُوبَ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ سَوَاءٌ حُدَّ أَوْ لَا، جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُهُمْ، وَكَسَائِرِ الذُّنُوبِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى.
وَلِقَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي ذَرٍّ: إِنْ تُبْتَ قَبِلْتُ شَهَادَتَكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
وَاحْتَجُّوا بِهِ مَعَ اتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، مَعَ أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُ لِعَدَمِ تَوْبَتِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ إِنْ تَنَاوَلَتْهُ لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ لِفِسْقِهِ، وَإِلَّا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، كَرِوَايَتِهِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ (وَتَوْبَتُهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي قَوْله تَعَالَى:{إِلا الَّذِينَ تَابُوا}«تَوْبَتُهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ» وَلِكَذِبِهِ حُكْمًا
ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ القاذِفِ حتى يَتُوبَ. هذا المذهبُ. وقطَع به . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحابُ، وسَواءٌ حُدَّ أوْ لا. ومالَ صاحِبُ «الفُروعِ» إلى قَبُولِ شَهادَتِه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال: ويتَوَجَّهُ تخْريجُ رِوايةِ بَقاءِ عَدالَتِه مِن رِوايةِ أنَّه لا يُحَدُّ. وَتَوْبَتُهُ أَنْ يُكْذِبَ نَفْسَهُ.
وَقِيلَ: إنْ عَلِمَ صِدْقَ نَفْسِهِ، فَتَوْبَتُهُ أَنْ يَقُولَ: قَدْ نَدِمْتُ عَلَى مَا قُلْتُ، وَلَا أَعُودُ إلَى مِثْلِهِ، وَأَنَا تَائِبٌ إلَى اللهِ تَعَالَى مِنْهُ. وتَوْبَتُه أنْ يُكْذِبَ نَفْسَه. هذا المذهبُ. نصَّ عليه، لكَذِبِه حُكْمًا. وجزَم به القاضي في «الجامعِ الصَّغِيرِ»، والشَّرِيفُ، وأبو الخَطَّابِ، في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . .
«خِلَافَيْهما»، وابنُ عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ»، وصاحِبُ «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجِيزِ»، وغيرُهم مِن الأصحابِ. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيلَ: إنْ عَلِمَ صِدْقَ نفْسِه، فتَوْبَتُه أنْ يقولَ: نَدِمْتُ على ما قُلْتُ، ولن أعودَ إلى مِثْلِه، وأنا تائِبٌ إلى الله تِعالَى منه.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو حسَنٌ. وقال: واخْتارَ أبو محمدٍ في «المُغْنِي»، أنَّه إنْ لم يَعْلَمْ صِدْقَ نفْسِه، فكالأَوَّلِ،
وإنْ عَلِمَ صِدْقَه، فتَوْبَتُه الاسْتِغْفارُ، والإِقْرارُ ببُطْلانِ ما قالَه، وتحْرِيمُه،
وأنْ لا يعودَ إلى مِثْلِه.
وقال القاضي، وصاحبُ «التَّرْغيبِ»: إنْ كانَ القَذْفُ شَهادةً، قال: القَذْفُ حَرامٌ باطِلٌ، ولن أعودَ إلى ما قُلْتُ.
وإنْ كانَ سبًّا، فكَالمذهبِ. وقطَع في «الكافِي»، أنَّ الصَّادِقَ يقولُ: قَذْفِى لفُلانٍ باطِلٌ، نَدِمْتُ عليه.
فائدة: القاذِفُ بالشَّتْمِ تُرَدُّ شَهادَتُه ورِوايتُه. قال الزَّرْكَشِيُّ: وفُتْياه، حتى يتُوبَ. والشَّاهِدُ بالزِّنَى إذا لم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ تُقْبَلُ رِوايتُه، دُونَ شَهادَتِه.
قال: (ولا تُقبل شهادة القاذف حتى يتوب. وتوبته: أن يكذب نفسه. وقيل: إن علمَ صدق نفسه فتوبته أن يقول: قد ندمتُ على ما قلتُ ولا أعودُ إلى مثله، وأنا تائبٌ إلى الله تعالى منه) .
أما كون شهادة القاذف لا تُقبل قبل توبته؛ فلأن الله تعالى قال:{والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون}.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا محدودٍ في الإسلام». رواه ابن ماجة.
والمراد بالقاذفِ المردودِ الشهادة: القاذفُ الذي لم يأت بما يحقق قذفه فإن أتى بما يحقق قذفه؛ كالزوج يقذف زوجته، ويحقق قذفه بالبينة أو باللعان. والأجنبي يقذف أجنبية، ويحقق قذفه بالبينة: لم ترد شهادته؛ لأن الله تعالى إنما رتب الأحكام المذكورة على مجموع الأمرين: من رمي المحصنات، وعدم الإتيان بأربعة شهداء.
فإذا لم يوجد ذلك لم تترتب الأحكام المذكورة؛ لانتفاء شرطها.
وأما قول المصنف رحمه الله: حتى يتوب؛ فمشعر بقبول شهادته بعد توبته. وهو صحيح صرح به المصنف رحمه الله تعالى في المغني. والأصل في ذلك قوله تعالى:{إلا الذين تابوا}، وقول عمر لأبي بكرة:«تُب أقبل شهادَتك».
ولأن القاذف المذكور إذا تاب تائب من ذنبه. فوجب أن تقبل شهادته؛ كالتائب من الزنا بل أولى؛ لأن الزنا أعظم من القذف.
فإن قيل: قوله تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً}، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:«لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا محدودٍ في الإسلام» يدلان على عدم قبول شهادة القاذف وإن تاب.
قيل: أما الآية فقد استثنى الله تعالى فيها التائب بقوله بعد قوله: {ولا تقبلوا}{إلا الذين تابوا}.
وأما الحديث؛ فمحمول على من لم يتب بدليل الاستثناء في الآية.
وأما كون توبة القاذف أن يكذب نفسه على المذهب؛ فلأنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال في قوله تعالى:{إلا الذين تابوا}: «توبتهُ إكذابُ نفسه».
وأما كونها إذا علم صدق نفسه أن يقول: قد ندمت عما قلت ولا أعود إلى مثله، وأنا تائبٌ إلى الله تعالى منه على قول؛ فلأن المقصود يحصل بذلك. فوجب أن تحصل التوبة به؛ كغيره.
ولأن الندم توبة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:«الندمُ توبة». فوجب أن تحصل التوبة لمن يقول: قد ندمت ... إلى آخره بحصول الندم.
وإنما اعتبر القول؛ لأن ما في الباطن لا يُطلع عليه. فلم يكن بد من القول الدال عليه؛ ليعلم تحقق الندم الموجب للتوبة.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.