وَلَوْ كَانَ ثَمِينًا كَالْجَوْهَرِ وَنَحْوِهِ إِلَّا آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمُضَبَّبَ بِهِمَا فَإِنَّهُ يَحْرُمُ اتِّخَاذُهَا وَاسْتِعْمَالُهَا عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
Its commentaries
٢٩ - مسألة؛ قال: (إلَّا آنِيَةَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والمُضَبَّبَ بِهِما، فإنَّه يَحْرُمُ اتِّخاذُها واسْتِعْمالُها على الرِّجالِ والنِّساءِ) قال شيخُنا، رحمه الله : لا يَختَلِفُ المذهبُ، فيما عَلِمْنا، في تحريمِ اتِّخاذِ آنيةِ الذهبِ والفضةِ، وحُكِي عن الشافعيِّ إباحَتُه؛ لتَخْصِيصِ النَّهْي بالاستعمالِ، ولأنّه لا يَلزَمُ مِن تحريمِ الاستعمالِ تحريمُ الاتِّخاذِ، كما لو اتَّخذَ الرجلُ ثيابَ الحريرِ، وذكَرَه بعضُ أصحابِنا وجهًا في المذهبِ. ولَنا، أنَّ ما حَرُمَ استِعمالُه مُطلقًا، حَرُمَ اتِّخاذُه على هَيئةِ الاستعمال كالمَلاهِي،
وأمّا ثيابُ الحرِيرِ، فإنّها تُباحُ للنِّساءِ، وتُباحُ التِّجارةُ فيها، فحصَلَ الفرقُ،
وأمّا تَحْرِيمُ استِعمالِها فهو قَولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم أبو حنيفةَ، ومالكٌ. وعن مُعاويةَ بنِ قُرَّةَ ، أسنه قال: لا بَأسَ بالشُّربِ مِن قَدَحِ فضَّةٍ. وعن الشافعيِّ قولٌ، أنه مَكرُوة غيرُ مُحرَّمٍ؛ لأنّ النَّهْيَ لما فيه مِن التَّشَبُّهِ بالأعاجِمِ، فلا يَقتَضِي التَّحْريمَ. وَلَنا، ما روَى حُذَيفَةُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«لا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ولا تَأكُلُوا في صِحَافِهَا، فإنَّها لَهُمْ فِي الدُّنيا وَلَكُمْ في الآخِرَةِ».
وعن أمِّ سَلَمَةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الذِى يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ». متَّفَقٌ عليهما . فتَوَعد عليه بالنّارِ، فدَلَّ على تَحْرِيمِه. ولأنَّ في ذلك. سَرَفًا وخُيَلاءَ وكَسْرَ قلوبِ الفقراءِ. دَلَّ الحديثان على تحريمِ الأكلِ والشربِ، فكذلك الطهارَةُ وسائِرُ الاستعمالِ . ولأنه إذا حَرُمَ في غيرِ العبادةِ ففيها أولَى، ولا فَرْقَ في ذلك بينَ الرجالِ والنساءِ؛ لعُمُومِ النَّصِّ والمعنى فيهما، وإنَّما أبِيحَ التَّحَلِّي في حق المرأةِ لحاجَتِها إلى التَّزيُّنِ للزَّوجِ، وهذا يَخْتَصُّ الحَلْىَ، فاخْتَصَّتِ الإِباحَةُ به،
وكذلك المُضَبَّبُ بهما، فإن كان كثيرًا فهو مُحرَّم بكلِّ حالٍ، ذهبًا كان أو فِضَّةً، لحاجةٍ أو غيرِها. وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: هو مُباح؛ لأنّه تابعٌ للمُباحِ، أشْبَهَ اليَسِيرَ. ولَنا ما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:«مَنْ شَرِبَ فِي إنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، أوْ إنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِن ذلِكَ، فَإنمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ». رَواه الدَّارَقُطْنِي . ولأنَّ فيه سَرَفًا وخُيَلاءَ، أشْبَهَ الصُّفْرَ الخالِصَ، وفارَقَ اليسيرَ، فإنّه لا يُوجَدُ فيه المعنى المُحَرَّمُ.
(وَلَوْ كَانَ) الْإِنَاءُ (ثَمِينًا كَالْجَوْهَرِ وَنَحْوِهِ) كَبِلَّوْرٍ، وَيَاقُوتٍ، وَزُمُرُّدٍ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ الْوُضُوءَ فِي الصُّفْرِ، وَالنُّحَاسِ، وَالرَّصَاصِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْفَرَجِ الْمَقْدِسِيُّ، لِأَنَّ الْمَاءَ يَتَغَيَّرُ فِيهَا، وَرُوِيَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَكْرَهُ رِيحَ النُّحَاسِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ قَالَ:«أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ.
» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ جَفْنَةٍ،
وَمِنْ تَوْرِ حِجَارَةٍ، وَمِنْ إِدَاوَةٍ،
وَمِنْ قِرْبَةٍ، فَثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهَا لِفِعْلِهِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ قِيَاسًا، لِأَنَّهُ مِثْلُهُ، وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُحَرِّمَةَ لِلنَّقْدَيْنِ مَفْقُودَةٌ فِي الثَّمِينِ، لِكَوْنِهِ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا خَوَاصُّ النَّاسِ، فَلَا يُؤَدِّي إِلَى الْخُيَلَاءِ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، وَلِأَنَّ إِبَاحَتَهُ لَا تُفْضِي إِلَى اسْتِعْمَالِهِ لِقِلَّتِهِ،
بِخِلَافِ النَّقْدَيْنِ فَإِنَّهُمَا فِي مَظِنَّةِ الْكَثْرَةِ، فَيُفْضِي إِلَى الِاسْتِعْمَالِ، وَكَثْرَةُ أَثْمَانِهَا لَا تَصْلُحُ فَارِقًا كَمَا فِي الثِّيَابِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الْحَرِيرُ،
وَإِنْ قَلَّ ثَمَنُهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ،
وَإِنْ بَلَغَ ثَمَنُهُ أَضْعَافَ ثَمَنِ الْحَرِيرِ،
وَكَذَلِكَ يُبَاحُ فَصُّ الْخَاتَمِ جَوْهَرَةً،
وَلَوْ بَلَغَ ثَمَنُهَا مَهْمَا بَلَغَ،
وَيَحْرُمُ ذَهَبًا، وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا (إِلَّا آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) حَتَّى الْمِيلَ وَنَحْوَهُ، (وَالْمُضَبَّبَ بِهِمَا) لِأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ النَّقْدَيْنِ هِيَ الْخُيَلَاءُ، وَكَسْرُ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْمُضَبَّبِ بِهِمَا، وَيَأْتِي حُكْمُهَا (فَإِنَّهُ يَحْرُمُ اتِّخَاذُهَا) ذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " عَنْ شَيْخِهِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيمَا عَلِمْنَا فِي تَحْرِيمِ اتِّخَاذِ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْخِلَافُ فِيهِ مَشْهُورٌ، فَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ " رِوَايَةً، وَبَعْضُهُمْ حَكَاهُ وَجْهًا: أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الِاتِّخَاذُ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ تَحْرِيمُ الِاتِّخَاذِ، كَمَا لَوِ اتَّخَذَ الرَّجُلُ ثِيَابَ الْحَرِيرِ،
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ: إِذَا اتَّخَذَ مِسْعَطًا، أَوْ قِنْدِيلًا، أَوْ نَعْلَيْنِ، أَوْ مِجْمَرَةً، أَوْ مِدْخَنَةً مِنَ النَّقْدَيْنِ كُرِهَ وَلَمْ يَحْرُمْ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ،
وَفِي الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ مُطْلَقًا حَرُمَ اتِّخَاذُهُ عَلَى هَيْئَةِ الِاسْتِعْمَالِ، كَالْمَلَاهِي،
وَأَمَّا ثِيَابُ الْحَرِيرِ فَإِنَّهَا لَا تَحْرُمُ مُطْلَقًا، لِأَنَّهَا تُبَاحُ لِلنِّسَاءِ، وَتُبَاحُ لِلتِّجَارَةِ فِيهَا (وَاسْتِعْمَالُهَا) هَذَا مِمَّا اتُّفِقَ عَلَى تَحْرِيمِهِ، لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ:«لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» .
وَرَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، فَتَوَعَّدَ عَلَيْهِ بِالنَّارِ، فَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَالْجَرْجَرَةُ: هِيَ صَوْتُ وُقُوعِ الْمَاءِ بِانْحِدَارِهِ فِي الْجَوْفِ، وَغَيْرُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي مَعْنَاهُ، لِأَنَّ ذِكْرَهُمَا خَرَجَ فِي مَخْرَجِ الْغَالِبِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَتَقَيَّدُ الْحُكْمُ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ} الْآيَةَ (عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَالْمَعْنَى فِيهِمَا أَنَّ كُلًّا مِنَ الْجِنْسَيْنِ مُكَلَّفٌ، وَلَمْ يَكُنْ دَلِيلٌ مُخَصِّصٌ.
وَإِنَّمَا أُبِيحَ التَّحَلِّي لِلنِّسَاءِ لِحَاجَتِهِنَّ إِلَيْهِ لِأَجْلِ التَّزَيُّنِ لِلزَّوْجِ
إلَّا آنِيَةَ الذَّهبِ والفِضَّةِ، والمُضَبَّبَ بهما، فإنَّه يَحْرُمُ اتخَاذُها. وهذا المذهبُ، وعليه جمَاهيرُ الأصحاب، وقطعَ به أكثرُهم؛ منهم الخِرَقِي، وصاحبُ «الهِدَاية»، و «الخِصال»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، وابنُ عَبْدوسٍ في «تَذكِرَتِهِ»، وابنُ رَزِين، وابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِهما»، وغيرُهم. قال المُصَنِّفُ: لا يخْتلِفُ المذهبُ، فيما عَلِمْنا، في تَحْرِيمِ اتِّخاذِ آنِيَةِ الذَّهبِ والفِضَّة. وقدَّمَه في «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الفائِقِ»، و «مَجْمَع البَحْرَين»، و «الشرحِ»، و «ابنِ عُبَيدان»، وغيرهم.
وعنه، يجوزُ اتِّخاذُها. وذكَرَها بعضُ الأصحابِ وَجْهًا في المذهب. وأطْلَقَهما في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الحاويَين». وحكَى ابنُ عَقِيل في «الفُصُولِ» عن أبي الحسنِ التَّمِيمِيِّ، أنَّه قال: إذا اتَّخَذَ مِسْعَطًا ، أو قِنْديلًا، أو نَعْلَين، أو مِجْمَرَةً، أو مِدْخَنَةً، ذَهَبًا أو فِضَّةً، كُرِهَ ولم يَحْرُمْ.
ويَحْرُمُ سَرِير وكُرْسِيٌّ. ويُكْرهُ عملُ خُفَّينِ من فِضَّةٍ ولا يَحْرُمُ كالنَّعْلَين. ومنَعَ مِن الشربَةِ والمِلْعَقَةِ.
قال في «الفُروعِ»: كذا حَكاه، وهو غريبٌ.
قلت: هذا بعيدٌ جدًّا، والنَّفْسُ تأبَى صِحَّةَ هذا. واسْتِعمالُها. يعني، يَحْرُمُ اسْتِعْمالُها. وهذا المذهبُ. نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ، وأكثرُهم قطَع به.
وقيل: لا يَحْرُمُ اسْتِعْمالُها، بل يُكْرَهُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلتُ: وهو ضعيف جدًّا. قال القاضي في «الجامِعِ الكبير»: ظاهرُ كلامِ الحِرَقِي، أنَّ النَّهْيَ عن اسْتِعْمالِ ذلك نَهْيُ تَنْزيهٍ، لا تَحْريم. وجزَم في «الوَجيزِ» بصِحَّةِ الطهارةِ منهما مع قولِه بالكَراهة.
فَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْهُمَا، فَهَلْ تَصِحُّ طَهَارَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ،
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.