وَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ مُحْدِثٍ،
Its commentaries
مسألة: (ولا تَصِحُّ إمامَة مُحْدِثٍ ولا نَجِسٍ يَعْلَمُ ذلك فإن جَهِل هو والمَأْمُومُ حتَّى قَضَوُا الصلاةَ، صَحَّتْ صلاةُ المَأْمُومِ وحدَه) متى أخَلَّ بشَرْطِ الصلاةِ مع القُدْرَةِ عليه، لم تَصِحَّ صَلاتُه؛ لإخْلالِه بالشَّرْطِ.
فإن صَلَّى مُحْدِثًا، وجَهِل الحَدَثَ هو والمَأْمُومُ حتَّى قَضَوُا الصلاة، فصلاةُ المَأْمُومِين صَحِيحَةٌ، وصلاةُ الإِمامِ باطِلَةٌ. ورُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعُثمانَ، وعليٍّ، وابنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنهم. وبه قال الحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، ومالِكٌ، والأوْزاعِيُّ, والشافعيُّ. وعن عليٍّ، أنَّهم يُعيِدُون جميعًا . وبه قال ابنُ سِيرِينَ ، والشَّعْبِيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه؛ لأنَّه صَلَّى بهم مُحْدِثًا، أشْبَهَ ما لو عَلِم. ولَنا، إجْماعُ الصحابةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، فرُوِي أنَّ عُمَرَ صَلَّى بالنّاسِ الصُّبْحَ, ثم خَرَج إلى الجُرْفِ ، فأهْراقَ الماء، فوَجَدَ في ثَوْبِه احْتِلامًا، فأعاد ولم يُعِدِ النّاسُ .
وعن عثمانَ أنَّه صَلَّى بالنّاسِ صلاةَ الفجْرِ، فلَمّا أصْبَح وارْتَفَع النَّهارُ إذا هو بأثَرِ الجَنابَةِ، فقال: كَبُرَتْ واللهِ، كَبُرَتْ واللهِ. وأعاد الصلاةَ، ولم يَأْمُرْهم أن يُعِيدُوا. وعن ابنِ عُمَرَ نحوُ ذلك . رَواه كلَّه الأثْرَمُ. وعن البَراءِ بن عازِبٍ، أنَّ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال:«إذَا صَلَّى الجُنُبُ بِالْقَوْمِ، أعاد صَلَاتهُ، وتَمَّتْ لِلْقَوْمِ صَلاتُهم». رَواه أبو سُليمانَ محمدُ ابنُ الحسينِ الحَرّانِيُّ. ولَأنَّ الحَدَثَ ممَّا يَخْفَى، ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِه مِن الإِمامِ للمَأْمُومِ، فكان مَعْذورًا في الاقْتِداءِ به، ويُفارِقُ ما إذا عَلِم الإمامُ حَدَثَ نَفْسِه؛
لأنَّه يكونُ مُسْتَهْزِئًا بالصلاةِ، فاعِلًا ما لا يَحِلُّ.
وإذا عَلِمَه المَأْمُومُ، لم يُعْذَرْ في الاقْتِداءِ به، وما نُقِل عن عليٍّ لا يَثْبُتُ، بل قد نُقِل عنه كما ذَكَرْنا عن غيرِه مِن الصَّحابةِ. والحُكْمُ في النَّجاسَةِ كالحُكْمِ في الحَدَثِ؛ لأنَّها في مَعْناه في خَفائِها على الإِمامِ والمَأْمُومِ، على أنَّ في النَّجاسَةِ رِوايَةً أُخْرَى، أنَّ الإِمامَ أَيضًا لا تَلْزَمُه الإِعادَةُ. وقد ذَكَرْناه.
فصل: فإن عَلِم حَدَثَ نَفْسِه في الصلاةِ، أو عَلِم المَأْمُومُون، لَزِمَهم اسْتِئْنافُ الصلاةِ. قال الأثْرَمُ سأَلْتُ أَبا عبدِ اللهِ، عن رَجُلٍ صَلَّى بقَوْمٍ [غيرَ طاهرٍ]، بعضَ الصلاةِ، فذَكَرَ؟ قال: يُعْجِبُنِي أن يَبْتَدِئُوا الصلاةَ.
قلتُ: يقولُ لهم: اسْتَأْنِفُوا الصلاةَ؟ قال: لا، ولكنْ يَنْصَرِفُ وَيَتَكَلَّمُ، ويَبْتَدِئُون هم الصلاةَ. وذَكَر ابنُ عقيل رِوايَةً، إذا عَلِم المَأْمُومُون، أنَّهم يَبْنُون على صَلاِتهم.
وقال الشافعيُّ: يَبْنُون على صَلاِتهم، سواءٌ عَلِم بذلك، أو عَلِم المَأْمُومُون؛ لأن ما مَضَى مِن صَلاِتهم صَحِيحٌ، فكان لهم البِناءُ عليه، لو قام إلى خامِسَةٍ فسَبَّحُوا به فلم يَرْجِعْ. ولَنا، أنَّه ائْتَمَّ بمَن صَلَاتُه فاسِدَةٌ، مع العِلْمِ منهما أو مِن أحَدِهما، أشْبَهَ ما لو ائْتَمَّ بامرَأةٍ. وإنما خُولِفَ هذا إذا اسْتَمَرَّ الجَهْلُ [منهما؛ للإِجْماعِ، ولأنَّ وُجُوبَ الإِعادَةِ على المَأْمُومِين حالَ اسْتِمْرارِ الجَهْلِ] يَشُقُّ؛ لتَفَرُّقِهم،
بخِلافِ مَا إذا عَلِمُوا في الصلاةِ.
وإن عَلِم بعضُ المَأْمُومِين دُونَ بَعْضٍ، فالمَنْصُوصُ أنَّ صلاةَ الجَمِيعِ تَفْسُدُ. والأوْلَى يَخْتَصُّ البُطْلانُ بمَن عَلِم دُون مَن جَهِل؛ لأنَّه مَعْنًى مُبْطِلٌ اخْتَصَّ به، فاخْتَصَّ بالبُطْلانِ، كحَدَثِ نَفسِه.
فصل: قال أحمدُ، في رَجُلَيْن أمَّ أحَدُهما الآخرَ، فشَمَّ كلُّ واحِدٍ منهما رِيحًا، أو سَمِع صوْتًا يَعْتَقِدُه مِن صاحِبِه: يَتَوَضَّآن، ويُعِيدان الصلاةَ؛ لأنَّ كلُّ واحِدٍ منهما يَعْتَقِدُ فَسادَ صلاةِ صاحِبِه. وهذا إذا قُلْنا: تَفْسُدُ صلاةُ كُلِّ واحِدٍ مِن الإمامِ والمَأْمُومِ بفَسادِ صلاةِ الآخَرِ، بكَوْنِه صارِ فَذًّا. وعلى الرِّوايَةِ المَنْصُورَة يَنْوِي كلُّ واحِدٍ منهما الانْفِرادَ، ويُتِمُّ صَلاتَه. ويَحْتَمِلُ أنَّه إنَّما قَضَى بفَسادِ صَلاتِهما، إذا أتَمّا الصلاةَ على ما كانا عليه مِن غيرِ فَسْخِ النِّيَّةِ،
فإنَّ المَأْمُومَ يَعْتَقِدُ أنَّه مُؤتَمَّ بمُحْدِثٍ، والإمامَ يَعْتَقِدُ أنَّه يَؤُمُّ مُحْدِثًا.
وأمَّا قولُه: يَتَوَضَّآن. فلَعَلَّه أراد؛ لتَصِحَّ صَلاتُهما جَماعَةً. إذ ليس لأحَدِهما أن يَأْتَمَّ بالآخَرِ مع اعْتِقادِه حَدَثَه، [أو احْتِياطًا].
أمّا إذا صَلَّيا مُنْفَرِدَيْن، فلا يَجِبُ الوُضُوءُ على واحِدٍ منهما؛ لأنَّه مُتَيَقِّنٌ للطَّهارَةِ، شاكٌّ في الحَدَثِ.
فصل: فإنِ اخْتَلَّ غيرُ ذلك مِن الشُّرُوطِ في حَقِّ الإِمامِ، كالسِّتارَةَ، واسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، لم يُعْفَ عنه في حَقِّ المَأْمُومِ؛ لأنَّ ذلك لا يَخْفَى غالِبًا،
بخِلافِ الحَدَثِ والنَّجاسَةِ. وكذا إن فَسَدَتْ صلاُته، لتَرْكِ رُكْنٍ، فَسَدَتْ صلاُتهم. نَصَّ عليه أحمدُ، في مَن تَرَك القِراءَةَ، يُعِيدُ ويُعِيدُون،
وكذلك لو تَرَك تَكْبيرَةَ الإِحْرامِ.
٥٦٢ -
(وَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ مُحْدِثٍ، وَلَا نَجِسٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ) هَذَا هُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ عِنْدَ الْمُعْظَمِ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِشَرْطِ الصَّلَاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ، أَشْبَهَ الْمُتَلَاعِبَ، لِكَوْنِهِ لَا صَلَاةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ،
وَظَاهِرُهُ: أَنَّ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ سَوَاءٌ جَهِلَ الْحَدَثَ أَوْ عَلِمَهُ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُذْهَبِ " وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِلْإِشَارَةِ، وَبَنَاهُ فِي الْخِلَافِ عَلَى إِمَامَةِ الْفَاسِقِ لِفِسْقِهِ بِذَلِكَ،
وَقِيلَ لِلْقَاضِي: هُوَ أَمِينٌ عَلَى طَهَارَتِهِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ،
فَإِذَا عَلِمْنَا بِقَوْلِهِ لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَزُوِّجَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ؛ قَالَ: فَتَجِبُ لِهَذَا الْمَعْنَى أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَعَلَى أَنَّ دُخُولَهَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ اعْتِرَافٌ بِصِحَّتِهِ، فَلَمْ تُصَدَّقْ، وَهَذَا مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، فَقِيلَ: كَقَبْلِ الصَّلَاةِ، وَعَلَّلَهُ فِي " الْفُصُولِ " بِأَنَّهُ فَاسِقٌ، وَإِمَامَتُهُ عِنْدَنَا لَا تَصِحُّ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ وَاضِحٌ بِأَنَّ الْفَاسِقَ مُتَطَهِّرٌ، وَإِنَّمَا تَخَلَّفَتِ الصِّحَّةُ لِمَانِعٍ، بِخِلَافِهِ هُنَا
ولا تَصِحُّ إِمامَةُ مُحْدِثٍ ولا نَجِسٍ يعْلَمُ ذلك. هذا المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه الأصحابُ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقال في «الإِشارَةِ»: تصِحُّ إمامَةُ فَإنْ جَهِلَ هُوَ وَالْمَأْمُومُ حَتَّى قَضَوُا الصَّلَاةَ، صَحَّتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ وَحْدَهُ.
المُحْدِثِ، والنَّجِسِ، إنْ جَهِلَه المأْمومُ وعَلِمَه الإِمامُ. وبناه القاضي في الخِلافِ أَيضًا على إمامَةِ الفاسِقِ لِفِسْقِه بذلك.
وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وتصِحُّ إمامَةُ مَن عليه نَجاسَةٌ يعْجِزُ عن إزالَتِها بمَن ليس عليه نَجاسَةٌ.
قال: (ولا تصح إمامة محدِث ولا نجس يعلم ذلك. فإن جهل هو والمأموم حتى قضوا الصلاة صحت صلاة المأموم وحده) .
أما كون إمامة المحدث والنجس العالمين بحالهما لا تصح؛ فلأن الطهارة من الحدث والنجس شرط لصحة الصلاة فضلاً عن الإمامة وهو مفقود هنا فلم يصح لفوات الشرط.
وأما كون المأموم تصح صلاته إذا جهل هو والإمام إلى فراغ صلاته؛ فلما روى البراء بن عازب قال:«صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم وليس هو على وضوء فتمت للقوم وأعاد النبي صلى الله عليه وسلم».
وروى البراء أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إذا صلى الإمام بالقوم وهو على غير وضوء أجزأت صلاة القوم ويعيد».
وأما قول المصنف رحمه الله: وحده؛ ففيه
تنبيه على أن صلاة الإمام لا تصح وهو صحيح. صرح به في المغني وغيره.
ووجهه ما تقدم من الحديث في قوله:«وأعاد النبي صلى الله عليه وسلم» وفي قوله: «ويعيد».
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.