وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ الْأَضْحَى وَتَأْخِيرُ الْفِطْرِ وَالْأَكْلُ فِي الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَالْإِمْسَاكُ فِي الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ وَالْغُسْلُ وَالتَّبْكِيرُ إِلَيْهَا بَعْدَ الصُّبْحِ مَاشِيًا عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ إِلَّا الْمُعْتَكِفَ يَخْرُجُ مِنْ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ أَوْ إِمَامًا يَتَأَخَّرُ إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ
Its commentaries
مسألة: (ويُسَنُّ تَقْدِيمُ الأضْحَى، وتَأْخِيرُ الفِطْرِ، والأكْلُ في الفِطْرِ قَبْلَ الصَّلاةِ، والإِمْساكُ في الأضْحَى حتى يُصَلِّىَ) يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الأضْحَى؛ ليَتَّسِعَ وَقْتُ التَّضْحِيَةِ؛ لأنَّ التَّضْحِيَةَ لا تَجُوزُ إلَّا بعدَ الصَّلاةِ، وتَأْخِيرُ الفِطْرِ؛ ليَتَّسِعَ وَقْتُ إخْراجِ صَدَقَةِ الفِطْرِ؛ لأنَّ السُّنَّةَ إخْراجُها يَوْمَ العِيدِ قبلَ الصَّلاةِ. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ، ولا أعْلَمُ فيه خِلافًا. وقد رُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَتَب إلى عَمْرِو بنِ حَزْمٍ:«أنْ أخِّرْ صَلَاةَ الْفِطْرِ وَعَجِّلِ الْأضْحَى، وَذَكِّرِ النَّاسَ».
الحدِيثُ مُرْسَلٌ، رَواه الشافعىُّ .
فصل: ويُسْتَحَبُّ الأكْلُ في الفِطْرِ قبلَ الصَّلاةِ،
وأن لا يَأْكُلَ في الأضْحَى حتى يُصَلِّىَ. رُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وابنِ عباسٍ، وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ، ولا نَعْلَمُ فيه خلافًا؛ لِما روَى أنَسٌ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حتى يَأْكُلَ تَمَراتٍ.
وقال مُرَجَّأُ بنُ رَجاءٍ: حَدَّثنِى عُبَيْدُ اللَّهِ، قال: حَدَّثَنِى أنَسٌ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ويَأْكُلُهُنَّ وَتْرًا». رَواه البخارىُّ . وعن بُرَيْدَةَ، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حتى يَطْعَمَ، ولا يَطْعَمُ يَوْمَ الأضْحَى حتى يُصَلِّىَ. رَواه الإِمامُ أحمدُ، والتِّرْمِذِىُّ ، وهذا لَفْظُه، ورَواه الأثْرَمُ، ولَفْظُ رِوايَتِه: حتى يُضَحِّىَ.
ويُسْتَحَبُّ أن يُفْطِرَ على تَمَراتٍ، ويَأْكُلُهُنَّ وَتْرًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ.
وأمّا في الأضْحَى، فإن كان له أُضْحِيَةٌ اسْتُحِبَّ أن يُفْطِرَ على شئٍ مِنها. قال أحمدُ: والأضْحَى لا يَأْكُلُ فيه حتى يَرْجِعَ إذا كان له ذِبْحٌ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أكل مِن ذَبِيحَتِه. وروَى الدّارَقُطْنِىُّ حديثَ بُرَيْدَةَ، وفيه: وكان لا يَأْكُلُ يَوْمَ النَّحْرِ حتى يَرْجِعَ فيَأْكُلَ مِن أُضحِيَتِه،
وإذا لم يَكُنْ له ذِبْحٌ لم يُبالِ أن يَأْكُلَ.
٦٧٧ - مسألة: (و) يُسْتَحَبُّ (الغُسْلُ والتَّبْكِيرُ إليها بعدَ الصُّبْحِ، ماشِيًا على أحْسَنِ هَيْئَةٍ، إلَّا المُعْتَكِفَ يَخْرُجُ في ثِيابِ اعْتِكافِه، أو إمامًا يَتَأخَّرُ إلى وَقْتِ الصَّلاةِ) يُسْتَحَبُّ الغُسْلُ للعِيدِ، وكان ابنُ عُمَرَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الفِطْرِ. رَواه مالكٌ في «المُوَطَّإِ». ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، وبه قال عَلْقَمَةُ، وعُرْوَةُ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَغْتَسِلُ يَوْمَ الفِطْرِ ويَوْمَ الأضْحَى.
رَواه ابنُ ماجه ، إلَّا أنَّه مِن رِوايَةِ جُبارَةَ بنِ مُغَلِّسٍ، وهو ضَعِيفٌ. ورُوِىَ أيضًا أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-
قال في جُمُعَةٍ مِن الجُمَعِ:«إنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّه عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَاغْتَسِلُوا، وَمَنْ كَان عِنْدَهُ طِيبٌ فَلَا يَضُرُّهُ أنْ يمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ». عَلَّلَ بكَوْنِه عِيدًا. ولأنَّه يَوْمٌ يُشْرَعُ فيه الاجْتِماعُ للصلاةِ، فاسْتُحِبَّ الغُسْلُ فيه، كيومِ الجُمُعَةِ،
وإن تَوَضَّأَ أجْزَأَه؛ لأنَّه إذا أجْزَأَ في الجُمُعَةِ مع الأمْرِ بالغُسْلِ لها، فَههُنا أوْلَى. ووَقْتُ الغُسْلِ بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِىِّ. قال الآمِدِىُّ: إنِ اغْتَسَلَ قبلَ الفَجْرِ لم يُصِبْ سُنَّةَ الاغْتِسالِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: المَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّه قبلَ الفَجْرِ وبعدَه؛ ولأنَّ زَمَنَ العِيدِ أضْيَقُ مِن وَقْتِ الجُمُعَةِ،
فلو وُقِف على طُلُوعِ الفَجْرِ رُبَّما فات، ولأنَّ المَقْصُودَ مِنه التَّنْظِيفُ، وذلك يَحْصُلُ بالغُسْلِ في اللَّيْلِ؛ لِقُرْبِه مِن الصَّلاةِ. والأَوْلَى أن يكونَ بعدَ الفَجْرِ؛ ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ، ولأنَّه أبْلَغُ في النَّظافَةِ؛ لقُرْبِه مِن الصَّلاةِ. والغُسْلُ لها غيرُ واجِبٍ. قال ابنُ عَقيلٍ: وَيَتَخَرَّجُ وُجُوبُه بِناءً على غُسْلِ الجُمُعَةِ، لأنَّها في مَعْناها.
فصل: ويُسْتَحَبُّ التبكِيرُ إلى العِيدِ بعدَ صلاةِ الصُّبْحِ، والدُّنُوُّ مِن الإِمامِ؛ ليَحْصُلَ له أجْرُ التَّبْكِيرِ وانْتظارِ الصَّلاةِ، ويَحْصُلَ له فَضلُ الدُّنُوِّ مِن الإِمام مِن غيرِ تَخَطِّى رِقابِ النّاسِ، ولا أذَى أحَدٍ. قال عَطاءُ بنُ السّائِبِ: كان عبدُ الرحمن بنُ أبى لَيْلَى، وعبدُ اللَّه بنُ مَعْقِلٍ يُصَلِّيانِ الفَجْرَ يَوْمَ العِيدِ وعليهما ثِيابُهما، ثم يَتَدافَعانِ إلى الجَبَّانَةِ؛ أحَدُهما يُكَبِّرُ، والآخَرُ يُهَلِّلُ.
فأمَّا الإِمامُ فإنَّه يَتَأَخَّرُ إلى وَقْتِ الصَّلاةِ؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ والأضْحَى إلى المُصَلَّى، فأوَّلُ شئٍ يَبْدأُ به الصلاةُ. رَواه مسلمٌ . قال مالكٌ: مَضَتِ السُّنَّةُ أن يَخْرُجَ الإِمامُ مِن مَنْزِلِه قَدْرَ ما يَبْلُغُ المُصَلَّى، وقد حَلَّتِ الصلاةُ. ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان لا يَخْرُجُ حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَخْرُجَ ماشِيًا، وعليه السَّكِينَةُ والوَقارُ، كما ذَكَرْنا في الجُمُعَةِ. وهذا قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وغيرِهم، لِما رُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان لا يَرْكَبُ في عيدٍ ولا جِنازَةٍ . وروَى ابنُ عُمَرَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْرُجُ إلى العِيدِ ماشِيًا، ويَرْجِعُ ماشِيًا. رَواه ابنُ ماجه .
وإن كان بَعِيدًا، فلا بَأْسَ أن يَرْكَبَ. نصَّ عليه أحمدُ؛ لِما رُوِىَ أنَ عُمَرَ بنَ عبدِ العزِيزِ قال على المِنْبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ: إنَّ الفِطْرَ غَدًا، فامْشُوا إلى مُصَلَّاكُم،
فإنَّ ذلك كان يُفْعَلُ، ومَن كان مِن أهْلِ القُرَى فلْيَرْكَبْ،
فإذا جاء إلى المَدِينَةِ فلْيَمْشِ إلى الصَّلاةِ. رَواه سعيدٌ .
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَتَطَيَّبَ وَيَتسوَّكَ، وَيلْبَسَ أحْسَنَ ثِيابِه، كما ذَكَرْنا في الجُمُعَةِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ. وروَى ابنُ عبدِ البَرِّ، بإسْنادِه عن جابِرٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَعْتَمُّ ويَلْبَسُ بُرْدَه الأحْمَرَ في العِيدَيْن والجُمُعَةِ. وعن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَلْبَسُ في العِيدَيْن بُرَدَ حِبَرَةٍ . وبإسْنادِه عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا عَلَى أحَدِكُمْ أنْ يَكُونَ لَهُ ثَوْبَانِ سِوَى ثَوْبَىْ مِهْنَتِهِ لِجُمُعَتِهِ وَعِيدِهِ».
والإِمامُ بذلك أحَقُّ؛ لأنَّه المَنْظُورُ إليه مِن بَيْنِهم، إلَّا أنَّ المُعْتَكِفَ يُسْتَحَبُّ له الخُرُوجُ في ثِيابِ اعْتِكافِه، ليَبْقَى عليه أثَرُ العِبادَةِ والنُّسْكِ. قال أحمدُ، في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ: طاوُسٌ كان يَأْمُرُ بزِينَةِ الثِّيابِ، وعطاءٌ قال: هو يَوْمُ تَخَشُّعٍ. وأسْتَحْسِنُهُما جَمِيعًا.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَكُونَ في خُرُوجِه مُظْهِرًا للتَّكْبِيرِ، يَرْفَعُ به صَوْتَه. قال أحمدُ: يُكَبِّرُ جَهْرًا إذا خَرَج مِن بَيْتِه حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى. ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وابنِ عُمَرَ، وأبى أُمامَةَ، وناسٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، وفَعَلَه ابنُ أبى لَيْلَى، والنَّخَعِىُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وهو قولُ الحَكَمِ، وحَمّادٍ، ومالكٍ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: يُكَبِّرُ يَوْمَ الأضْحَى، ولا يُكَبِّرُ يَوْمَ الفِطْرِ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ سَمِع التَّكْبِيرَ يَوْمَ الفِطْرِ، فقال: ما شَأْنُ النّاسِ؟ فقِيلَ: يُكَبِّرُون. فقال: أمَجانِينُ النّاسُ؟ . ولَنا، أنَّه فِعْلُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابَةِ، وقَوْلُهم،
فأمّا ابنُ عباسٍ فكان يقولُ: يُكَبِّرُونَ مع الإِمامِ، ولا يُكَبِّرُونَ وحدَهم. وهذا خِلافُ مَذْهَبِهم. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُكَبِّرُ حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى؛ لقَوْلِ أبى جَمِيلَةَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، خَرجَ يومَ العيدِ، فلم يَزَلْ يُكَبِّرُ حتى انْتَهى إلى الجَبّانَةِ . قال الأَثْرَمُ: قِيلَ لأبى عبدِ اللَّه فِى الجَهْرِ بالتَّكْبِيرِ حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى، أو حتى يَخْرُجَ الإِمامُ؟ قال: حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى.
وقال القاضى: فيه رِوايَةٌ أُخْرَى، حتى يَخْرُجَ الإِمامُ.
فصل: ولا بَأْسَ بخُرُوجِ النِّساءِ يومَ العِيدِ إلى المُصَلَّى.
وقال ابنُ حامِدٍ: يُسْتَحَبُّ ذلك. ورُوِىَ عن أبى بكرٍ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنهما، أنَّهما قالا: حَقٌّ على كُلِّ ذاتِ نِطاقٍ أن تَخْرُجَ إلى العِيدَيْنِ . وكان ابنُ عُمَرَ يُخْرِجُ مَن اسْتَطاعَ مِن أهْلِه إلى العِيدَيْن . ورَوَتْ أمُّ عَطِيَّةَ، قالت: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نُخْرِجَهُنَّ في الفِطْرِ والأضْحَى؛ العَوَاتِقَ وذَواتَ الخُدُورِ،
فأمّا الحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصلاةَ، ويَشْهَدْنَ الخَيْرَ، ودَعْوةَ المُسْلِمين،
قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ: إحْدانا لا يَكُونُ لها جِلْبابٌ؟ قال:«لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا». مُتَّفَقٌ عليه . وهذا لَفْظُ رِوايَةِ مسلمٍ.
وقال القاضِى: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّ ذلك جائِزٌ غيرُ مُسْتَحَبٍّ، وكَرِهَه النَّخَعِىُّ، ويَحْيى الأنْصارِىُّ، وقالا: لا يُعْرَفُ خُرُوجُ المرأةِ في العِيدَيْن عندَنا. وكَرِهَه سُفْيانُ، وابنُ المُبارَكِ، ورَخَّصَ أهلُ الرَّأْىِ للمرأةِ الكَبِيرَةِ، وكَرِهُوه للشّابَّةِ، لِما في خُرُوجهِنَّ مِن الفِتْنَةِ، وقولِ عائِشةَ، رَضِىَ اللَّه عنها: لو رَأى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ما أحْدَثَ النِّساءُ لَمَنَعَهُنَّ المَساجدَ، كما مُنِعَت نِساءُ بَنِى إسْرائِيلَ . ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن سُنَّةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهى أحَقُّ أن تُتَبّعَ، وقولُ عائِشةَ مُخْتَصٌّ بمَن أحْدَثَتْ دونَ غيرِها، ولا شَكَّ في أنَّ تلك يُكْرَهُ لها الخُرُوجُ، وإنَّما يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ الخُرُوجُ غيرَ مُتَطَيِّباتٍ، ولا يَلْبَسْنَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ ولا زِينَةٍ ويَخْرُجْنَ في ثِيابِ البِذْلَةِ؛
لقَوْلِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ». ولا يُخالِطْنَ الرِّجالَ، بل يَكُنَّ ناحِيَةً مِنهم.
٦٧٨ -
(وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ الْأَضْحَى وَتَأْخِيرُ الْفِطْرِ) لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنْ عَجِّلِ الْأَضْحَى، وَأَخِّرِ الْفِطْرَ، وَذَكِّرِ النَّاسُ» وَلِأَنَّهُ يَتَّسِعُ بِذَلِكَ وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ، وَوَقْتُ إِخْرَاجِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَيَكُونُ تَعْجِيلُ الْأُضْحِيَّةِ بِحَيْثُ يُوَافِقُ مَنْ بِمِنًى فِي ذَبْحِهِمْ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَالْأَكْلُ فِي الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ) لِقَوْلِ بُرَيْدَةَ «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ مُنْقَطِعَةٍ «وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا» وَفِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ " أَنَّ الْأَكْلَ فِيهِ آكَدُ مِنَ الْإِمْسَاكِ فِي الْأَضْحَى، وَالتَّوْسِعَةُ عَلَى الْأَهْلِ وَالصَّدَقَةُ (وَالْإِمْسَاكُ فِي الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ) لِمَا تَقَدَّمَ،
فَإِنْ كَانَ لَهُ أُضْحِيَّةٌ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ كَبِدِهَا؛ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ تَنَاوُلًا وَهَضْمًا،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنْ شَاءَ أَكْلَ قَبْلَ خُرُوجِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَالْغُسْلُ) وَقَدْ سَبَقَ (وَالتَّبْكِيرُ إِلَيْهَا) لِلْمَأْمُومِ، لِيَحْصُلَ لَهُ الدُّنُوُّ مِنَ الْإِمَامِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ فَيَكْثُرُ ثَوَابُهُ (بَعْدَ الصُّبْحِ) أَيْ: بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَذَهَبَ آخَرُونَ أَنَّهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَعَلَهُ رَافِعٌ، وَيَنْوِيهِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ (مَاشِيًا) لِمَا رَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ،
وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إِنْ كَانَ الْبَلَدُ ثَغْرًا اسْتُحِبَّ الرُّكُوبُ وَإِظْهَارُ السِّلَاحِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِهِ مَنْ لَهُ ضَرُورَةٌ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ رَاكِبًا كَالْعَوْدِ؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ: ثُمَّ تَرْكَبُ إِذَا رَجَعْتَ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كَانَ يَعْتَمُّ، وَيَلْبَسُ بُرْدَهُ الْأَحْمَرَ فِي الْعِيدَيْنِ، وَالْجُمُعَةِ» رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ فِي الْعِيدَيْنِ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَيَكُونُ مُظْهِرًا لِلتَّكْبِيرِ،
وَعَنْهُ: يُظْهَرُ فِي الْفِطْرِ فَقَطْ لَا عَكْسِهِ (إِلَّا الْمُعْتَكِفَ) فِي الْعَشْرِ الْأُخَرِ أَوْ عَشْرِ ذِيِ الْحِجَّةِ (يَخْرُجُ مِنْ) مُعْتَكَفِهِ إِلَى الْمُصَلَّى (فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَوْبَانِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ " لَجُمُعَتِهِ وَعِيدِهِ إِلَّا الْمُعْتَكِفَ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ» وَاسْتَحَبَّهُ السَّلَفُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلِأَنَّهُ أَثَرُ الْعِبَادَةِ، فَاسْتُحِبَّ بَقَاؤُهُ كَالْخَلُوقِ،
وَعَنْهُ: ثِيَابٌ جَيِّدَةٌ وَرَثَّةٌ سَوَاءٌ لِلْمُعْتَكِفِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: مُعْتَكِفٌ كَغَيْرِهِ فِي زِينَةٍ وَطِيبٍ وَنَحْوِهِمَا (أَوْ إِمَامًا يَتَأَخَّرُ إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ يَنْتَظِرُ وَلَا يُنْتَظَرُ، لَابِسًا أَجْمَلَ ثِيَابِهِ؛ لِأَنَّهُ مَنْظُورٌ إِلَيْهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ النَّاسِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ مُعْتَكِفًا فَظَاهِرُ كَلَامِهِ خُرُوجُهُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ،
وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: يُسَنُّ لِلْإِمَامِ التَّجَمُّلُ وَالتَّنَظُّفُ،
وَإِنْ كَانَ مُعْتَكِفًا.
فَرْعٌ: لَا بَأْسَ بِخُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْعِيدِ لَكِنْ لَا يَتَطَيَّبْنَ، وَلَا يَلْبَسْنَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَوْ زِينَةٍ، وَلَا يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ»
وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالْمَجْدُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ فِي غَيْرِ ذَوِي الْهَيْئَاتِ وَالْمُسْتَحْسَنَاتِ،
وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَعَنْهُ: لِلشَّابَّةِ، وَعَنْهُ: لَا يُعْجِبُنِي خُرُوجُهُنَّ فِي وَقْتِنَا، لِقَوْلِ عَائِشَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. .
والأكْلُ. فى الفِطْرِ قبلَ الصَّلاةِ. يعْنِى، قبلَ الخُروجِ إلى الصَّلاةِ. والمُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ تَمَراتٍ،
وأنْ يكونَ وِتْرًا. قال المَجْدُ، وتَبِعَه فى «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»: وهو آكَدُ مِن إمْساكِه فى الأضْحَى. والإمْساكُ فى الأضْحَى حتى يُصلِّىَ. وذلك ليَأْكُلَ مِن أُضحِيَتِه،
فلو لم يكُنْ له أُضْحِيَةٌ، أكَل إنْ شاءَ قبلَ خُروجِه. نصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ، وقالَه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحابُ. وَالْغُسْلُ، وَالتَّبْكِيرُ إِلَيْهَا بَعْدَ الصُّبْحِ، مَاشِيًا عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ، إِلَّا الْمُعْتَكِفَ يَخْرُجُ فِى ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ، أَوْ إِمَامًا يَتَأَخَّرُ إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ. والغُسْلُ. تقدَّم الكلامُ عليه فى بابِ الغُسْلِ، فى الأغْسالِ المُسْتَحَبَّةِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والتَّبْكيرُ إليها بعدَ الصُّبْحِ.
هكذا قيَّدَه جماعةٌ مِنَ الأصحابِ بقولِهم: بعدَ الصُّبْحِ. يعْنِى، بعدَ صلاةِ الصُّبْحِ؛ منهم المُصَنِّفُ هنا، وفى «المُغْنِى»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، وغيرِهم. وأطْلَقَ الأكْثَرُ. ماشيًا. هذا المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقال أبو المَعالِى: إنْ كان البلَدُ ثَغرًا، اسْتُحِبَّ الرُّكوبُ وإظْهارُ السِّلاحِ.
وقال الشَّارِحُ وغيرُه: وإنْ كان بعيدًا، فلا بأْسَ أنْ يَرْكَبَ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نصَّ عليه. وزادَ ابنُ رَزِينٍ وغيرُه، أو لعُذْرٍ. وهو مُرادٌ قَطْعًا.
فائدة: لا بأْسَ بالرُّكوبِ فى الرُّجوعِ.
وكذا مِن صلاةِ الجُمُعَةِ. على أحْسَنِ هَيْئَةٍ، إلَّا المعْتَكِفَ، يَخْرُجُ فى ثيابِ اعْتِكافِه. الذَّاهِبُ إلى العيدِ لا يخْلُو؛
إمَّا أنْ يكونَ مُعْتَكِفًا، أو غيرَ مُعْتَكِفٍ،
فإنْ كان مُعْتَكِفًا، فلا يخْلُو؛
إمّا أنْ يكونَ الإِمامَ أو غيرَه،
فإنْ كان الإِمامَ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يخْرُجُ فى ثيابِ اعْتِكافِه. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ. وغيرِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الفائقِ».
وقيل: يُسْتَحَبُّ له التَّجَمُّلُ والتَّنَظُّفُ. جزَم به . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فى «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»، و «مُخْتَصَرِ ابنِ تَميمٍ». قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: يُسَنُّ التَّزَيُّنُ للإمامِ الأعْظَمِ،
وإنْ خرَج مِنَ المُعْتَكَفِ. نقَله عنه فى «الفائِقِ». قال فى «الفُروعِ»: يخْرُجُ فى ثيابِ اعْتِكافِه. قال جماعةٌ: إلَّا الإمامَ.
وإنْ كان غيرَ الإِمامِ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يخرُجُ فى ثيابِ اعْتِكافِه، وعليه جماهيرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقال القاضى فى مَوْضِعٍ مِن كلامِه: المُعْتَكِفُ كغيرِه فى الزِّينَةِ والطِّيبِ ونحوِهما.
وإنْ كان غيرَ مُعْتَكِفٍ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ فى حقِّه، أنْ يأْتِىَ إليها على أحْسَنِ هَيْئَةٍ، وعليهَ الأصحابُ.
وعنه، الثِّيابُ الجَيِّدَةُ والرَّثَّةُ فى الفَضْلِ سَواءٌ، وسواءٌ كان مُعْتَكِفًا أو غيرَه.
فائدة: إنْ كان المُعْتَكِفُ فرَغ مِنِ اعْتِكافِه قبلَ ليْلَةِ العيدِ، اسْتُحِبَّ له المَبيتُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ليْلَةَ العيدِ فى المَسْجدِ، والخُروجُ منه إلى المُصَلَّى،
وإنْ كان اعْتِكافُه ما انْقَضَى، فظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، جوازُ الخُروجِ. وهو صحيحٌ. وصرَّح به المَجْدُ فى «شَرْحِه»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»، وغيرِهم. قال وَإذَا غَدَا مِنْ طَرِيقٍ، رَجَعَ فِى أُخْرَى.
المَجْدُ: يجوزُ له الخُروجُ، ولُزومُه مُعْتَكَفَه أوْلَى. وتابَعَه ابنُ تَميمٍ، وابنُ حَمْدانَ، وغيرُهم.
Says nothing on this mas’ala.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.