وَلَا تَجِبُ إِلَّا فِي السَّائِمَةِ مِنْهَا وَهِيَ الَّتِي تَرْعَى أَكْثَرِ الْحَوْلِ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا الْإِبِلُ
Its commentaries
بابُ زكاةِ بهيمةَ الأنعامِ ٨٤٧ - مسألة: (ولا تَجِبُ إلَّا في السّائِمَةِ منها) والسّائِمَةُ؛ الرّاعِيَةُ، وقد سامَتْ تَسُومُ سَوْمًا: إذا رَعَتْ، وأسَمْتُها إذا رَعَيْتُها، ومنه قَوْلُه تعالى:{فِيهِ تُسِيمُونَ}. وذَكَر السّائِمَةَ ههُنا احْتِرازًا مِن المَعْلُوفَةِ والعَوامِلِ، فإنَّه لا زَكاة فيها عندَ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّ فيها الزكاةَ؛ لعُمُومِ قَوْلِه عليه السلامُ:«في كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ». قال أحمدُ: ليس في العوامِلِ زكاةٌ. وأهلُ المَدِينَةِ يَرَوْنَ فها الصَّدَقَةَ، وليس عندَهم في هذا أصْلٌ.
ولَنا؛ قولُ - صلى الله عليه وسلم - في حَدِيثِ بَهْزِ ابنِ حَكِيمٍ:«في كُلِّ سَائِمَةٍ في أرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ». قَيَّدَه بالسّائِمَةِ، فدَلَّ على أنَّه لا زكاةَ في غيرِها، وحَدِيثُهم مُطْلَقٌ، فيُحْمَلُ على المُقَيَّدِ. وعن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَيْسَ في العَوَامِلِ صَدَقَةٌ». رَواه الدّارَقُطْنِيُّ . ولأنَّ وَصْفَ النّماءِ مُعْتَبَرٌ في الزكاةِ، والمَعْلُوفَةُ يَسْتَغْرِقُ عَلَفُها نَماءَها، ولأنَّها تُعَدُّ للانْتِفاعِ دُونَ النَّماءِ، أشْبَهَتْ ثِيابَ البِذْلَةِ، إلَّا أن تَكُونَ للتِّجارَةِ، فيَجبُ فيها زكاةُ التِّجارَةِ، على ما يَأْتِى إن شاء الله.
٨٤٨ - مسألة: (وهى التى تَرْعَى في أكْثَرِ الحَوْلِ) متى كانت سائِمَةً في أكْثَرِ الحَوْلِ وَجَبَتْ فيها الزكاةُ. وهذا مَذْهَبُ أبي حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: يُعْتَبَرُ السَّوْمُ في. جَمِيعِ الحَوْلِ؛ لأنَّه شَرْطٌ في الزكاةِ، أشْبَهَ المِلْكَ وكَمالَ النِّصابِ، ولأنَّ العَلَفَ مُسْقِطٌ، والسَّوْمُ مُوجِبٌ،
فإذا اجْتَمَعا غَلَب الإسْقاطُ، كما لو كان فيها سائِمَةٌ ومَعْلُوفَهٌّ. ولَنا، عُمُومُ النُّصُوصِ الدّالًّةِ على وُجُوبِ الزكاةِ في الماشِيَةِ، واسْمُ السَّوْمِ لا يَزُولُ بالعَلَفِ اليَسِيرِ، قلم يَمْنَعْ دُخُولَها في الأخْبارِ، ولأنَّهُ لا يَمْنَعُ خِفَّةَ المَؤُونَةِ، أشْبَهَ السّائِمَةَ في جَميعِ الحَوْلِ، ولأنَّ العَلَفَ اليَسِيرَ لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عنه، فاعْتِبارُه في جَمِيعِ الحَوْلِ يُفْضِى إلى إسْقاطِ الزكاةِ بالكُلِّيَّةِ، لا سِيَّما عندَ مَن يَسُوغُ له الفِرارُ مِن الزكاةِ، فإنَّه متى أرادَ إسْقاطَ الزكاةِ عَلَفَها يَوْمًا فَأسْقَطَها، ولأنَّ هذا وَصْفٌ مُعْتَبَرٌ في رَفْعِ الكُلْفَةِ، فاعْتُبِرَ فيه الأكْثَرُ، كالسَّقْىِ بغيرِ كُلْفَةٍ في الزُّرُوعِ والثِّمارِ.
قولُهم: السَّوْمُ شَرْطٌ. مَمْنُوعٌ، بل العَلَفُ في نِصْفِ الحَوْلِ فما زاد مانِعٌ، كما أنَّ السَّقْىَ بكُلْفَةٍ كذلك مانِعٌ مِن وُجُوب العُشْرِ، ولَئِن سَلَّمْنا أنَّه شَرْطٌ، فيَجُوزُ أن يَكُونَ الشَّرْطُ وُجُودُه في أكْثَرِ الحَوْلِ، كالسَّقْىِ بغيرِ كُلْفَةٍ، شَرْطٌ في وُجُوبِ العُشْرِ، ويُكْتَفَى فيه بالوُجُودِ في الأكْثَرِ، ويُفارِقُ ما إذا كان بعضُ النِّصابِ مَعْلُوفًا؛ لأنَّ النِّصابَ سَبَبُ الوُجُوبِ، فلا بُدَّ مِن وُجُودِ الشَّرْطِ في جَمِيعِه، والحَوْلُ والسَّوْمُ شَرْطُ الوُجُوب، فجاز أن يُعْتَبَرَ الشَّرْطُ في أكْثَرِه.
٨٤٩ - مسألة: (وهى ثَلَاثةُ أنْواعٍ؛ أحَدُها، الإِبِلُ، فلا زَكاةَ فيها حتى تَبْلُغَ خَمْسًا فتَجِبَ فيها شاةٌ) بَدَأ بذِكْرِ الإِبِلِ؛ لأنَّها أهَمُّ، لكَوْنِها أعْظَمَ النَّعَمِ قِيمَةً وأجْسامًا، وأكْثَرَ أمْوالِ العَرَبِ، ووُجُوبُ الزكاةِ فيها ممّا أجْمَعَ عليه عُلَماءُ الإِسْلامِ، وصَحَّتْ فيه السُّنَّةُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -،
ومِن أحْسَنِ ما رُوِىَ فيها، ما روَى البخاريُّ بإسْنادِه، عن أنَسِ بنِ مالكٍ، أنَّ أبا بكر الصِّدِّيقَ، رَضِىَ اللهُ عنه، كَتَبَ له كِتابًا لمّا وَجَّهَه إلى البَحْرَيْن: بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذه فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ التى فَرَض رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، والتى أمَر الله بها رَسُولَه - صلى الله عليه وسلم -،
فمَن سُئِلَها مِن المسلمين على وَجْهِها فَلْيُعْطِها،
ومَن سُئِل فَوْقَها فلا يُعْطِ: «في أرْبَعٍ وَعِشْرِين فَما دُونَها مِن الإِبِلِ في كُلِّ خَمْسٍ شاةٌ، فإذا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِين إلىِ خَمْسٍ وثَلاثِين، ففيها بنْتُ مَخاضٍ أُنْثَى، فإذا بَلَغَتْ سِتًّا وثَلاثِين إلى خمْسٍ وأرْبَعِين، ففيها بِنْتَ لَبُونٍ أُنْثَى، فإذا بَلَغَتْ سِتًّا وِأرْبَعِين إلى سِتِّين، ففيها حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ، فإذا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وسِتِّين إلَى خمْسٍ وسَبْعِين، ففيها جَذَعَةٌ، فإذا بَلَغَتْ سِتًّا وسَبْعِين إلى تِسْعِين، ففيها بِنْتَا لَبُونٍ، فإذا بَلَغَتْ إحْدَى وتِسْعِين إلى عِشْرِين ومائَةٍ، ففيها حِقَّتانِ طَرُوقَتا الجَمَلِ، فإذا زادَتْ علي عِشْرِين ومائَةٍ، ففِى كلِّ أرْبَعِين بِنْتُ لَبُونٍ، وفى كلِّ خَمْسِين حِقَّةٌ، ومَن لم يَكُنْ مَعَهُ إلَّا أرْبَعٌ مِن الإِبِلِ، فليس عليه فيها صَدَقَةٌ إلَّا أنْ [يَشاءَ رَبُّها]، فإذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِن الإِبِلِ، ففيها شاةٌ».
وتَمامُ الحَدِيثِ نَذْكُرُه إن شاء اللهُ في أبْواِبِه. وقولُ الصِّدِّيقِ: التى فَرَض رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: يَعْنِى: قَدَّرَ. ومنه فرَض الحاكِمُ للمرأةِ: بمَعْنَى قَدَّرَ التَّقْدِيرَ. وقولُ المُصَنِّفِ: ولا شئَ فيها حتى تَبْلُغَ خَمْسًا. مُجْمَعٌ عليه، وقد دَلَّ عليه قَوْلُه في هذا الحَدِيثِ:«وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا أرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَ». وقَوْلُه عليه السلامُ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، فَإذَا بَلَغَتْ خَمْسًا فَفِيهَا شَاةٌ» .
وهذا مُجْمَعٌ عليه أيضًا، وقد دَلَّ عليه الحَدِيثُ المَذْكُورُ أيضًا، وإنَّما أوْجَبَ الشّارِعُ فيما دُونَ خَمْس وعِشْرِين مِن الإبِلِ الشّاةَ؛ لأنَّها لا تَحْتَمِلُ المُواساةَ مِن جِنْسِها، لأنَّ واحِدَةً منها كَثِيرٌ، وإيجابُ شِقْصٍ منها يَضُرُّ بالمالكِ والفَقِيرِ، والإِسْقاطُ غيرُ مُمْكِنٍ، فعَدَلَ إلى إيجابِ الشّاةِ جَمْعًا بينَ الحُقُوقِ، فصارَتْ أصْلًا في الوُجُوبِ لا يَجُوزُ إخْراجُ الإِبِلَ مَكانَها. فصل: ولا يُجْزِئُ في الغَنَمِ المُخْرَجَةِ في الزكاةِ إلَّا الجَذَعُ مِن الضّأْنِ، وهو ما لَه سِتَّةُ أشْهُرٍ فما زاد، والثَّنِيُّ مِن المَعْزِ، وهو ما لَه سَنَةٌ،
وكذلك شاةُ الجُبْرانِ، وأيُّهما أخْرَجَ أجْزأه، ولا يُعْتَبَرُ كَوْنُها مِن جِنْسِ غَنَمِه، ولا جِنْسِ غَنَمِ البَلَدِ؛ لأنَّ الشّاةَ مُطْلَقَةٌ في الخَبَرِ الذى ثَبَت به وُجُوبُها، وليس غَنَمُه ولا غَنَمُ البَلَدِ سَبَبًا لوُجُوبِها، فلم يَتَقَيَّدْ بذلك، كالشّاةِ الواجِبَةِ في الفِدْيَةِ، وتَكُونُ أُنْثَى، ولا يُجْزِئُ الذَّكَرُ، كالشّاةِ الواجِبَةِ في نِصابِ الغَنَمِ. ويَحْتَمِلُ أن تُجْزِئَه؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أطْلَقَ الشّاةَ، ومُطْلَقُ الشّاةِ يَتَناوَلُ الذَّكَرَ والأُنْثَى، وقِياسًا على الأُضْحِيَةِ،
فإن لم يَكُنْ له غَنَمٌ، لَزِمَه شِراءُ شاةٍ.
وقال أبو بكرٍ: يُخْرِجُ عَشَرَةَ دَراهِمَ، قِياسًا على شاةِ الجُبْرانِ. ولنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -: نَصَّ على الشّاةِ، فيَجِبُ العَمَلُ بنَصِّه، ولأنَّ هذا إخْراجُ قِيمَةٍ فلم يَجُزْ، كالشّاةِ الوَاجِبَةِ في نِصابِها، وشاةُ الجُبْرانِ مُخْتَصَّةٌ بالبَدَلِ بالدّراهِم، بدَلِيلِ أنَّها لا تَجُوزُ بَدَلًا عن الشّاةِ الواجِبَةِ في سائِمَةِ الغَنَمِ، ولأنَّ شاةَ الجُبْرانِ يَجُوزُ إبْدالُها بالدَّراهِمِ مع وُجُودِها،
بخِلافِ هذه.
فصل: وتَكُونُ الشّاةُ المُخْرَجَةُ كحال الإِبِلِ في الجَوْدَةِ والرَّداءَةِ والتَّوَسُّطِ، فيُخْرِجُ عن السِّمانِ سَمِينَةً، وعن الهُزالِ هَزِيلَةً، وعن الكِرامِ كَرِيمَةً، وعن اللِّئامِ لَئِيمَةً،
فإن كانتْ مِراضًا أخْرَجَ شاةً صَحِيحَةً على قَدْرِ قِيمَةِ المالِ. فيُقالُ: لو كانَتِ الإِبِلُ صِحاحًا كانتْ قِيمَتُها مائةً، وقِيمَةُ الشّاةِ خَمْسَةً، فيَنْقُصُ مِن قِيمَتِها قَدْرُ ما نَقَصَتِ الإِبِلُ،
فإن نَقَصَتِ الإِبِلُ خُمْسَ قِيمَتِها وَجَب شاةٌ قِيمَتُها أرْبَعَةٌ،
وقِيلَ: تُجْزِئُه شاةٌ تُجْزِئُ في الأُضْحِيَةِ، مِن غيرِ نَظَرٍ إلى القِيمَةِ، وعلى القَوْلَيْن لا يُجْزِئُه مَرِيضَةٌ؛ لأنَّ المُخْرَجَ مِن غيرِ جِنْسِها، وليس كلُّه مِراضًا، فتُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الصِّحاحِ؛ والمِراضُ لا يُجْزِئُ فيها إلَّا صَحِيحَةٌ.
٨٥٠ -
بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ] [زَكَاةُ الْإِبِلِ] بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ بَدَأَ بِهِ اقتداء بِكِتَابِ الصِّدِّيقِ الَّذِي كَتَبَهُ لِأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِطُولِهِ مُفَرَّقًا. سُمِّيَتْ بَهِيمَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ، وَالْأَنْعَامُ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: النَّعَمُ: هِيَ الْإِبِلُ خَاصَّةً،
فَإِذَا قِيلَ: الْأَنْعَامُ، دَخَلَ فِيهِ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ (وَلَا تَجِبُ إِلَّا فِي السَّائِمَةِ مِنْهَا) السَّائِمَةُ: الرَّاعِيَةُ، وَقَدْ سَامَتْ تَسُومُ سَوْمًا إِذَا رَعَتْ، وَأَسَمْتُهَا: إِذَا رَعَيْتُهَا؛ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى:{فِيهِ تُسِيمُونَ} ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فِي الْإِبِلِ السَّائِمَةِ، فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً، شَاةٌ» ، فَذِكْرُهُ السَّوْمَ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا تُرَادُ لِلنَّسْلِ وَالدَّرِّ
بِخِلَافِ الْمِعْلُوفَةِ وَالْعَوَامِلِ، وَقِيلَ: يَجِبُ فِي الْعَوَامِلِ كَالْإِبِلِ الَّتِي تُكْرَى.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ،
وَقِيلَ: وَتَجِبُ فِي مَعْلُوفَةٍ كَمُتَوَلِّدٍ بَيْنَ سَائِمَةٍ وَمَعْلُوفَةٍ (وَهِيَ الَّتِي تَرْعَى) الْمُبَاحَ،
فَلَوِ اشْتَرَى لَهَا مَا تَرْعَاهُ، أَوْ جَمَعَ لها مَا تَأْكُلُ، فَلَا زَكَاةَ، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ هَلِ السَّوْمُ شَرْطٌ أَوْ عَدَمُهُ مَانِعٌ، فَلَا يَصِحُّ التَّعْجِيلُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي (أَكْثَرِ الْحَوْلِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوِ اعْتُبِرَ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ لَامْتَنَعَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ أَصْلًا،
وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ كُلُّهُ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَلَا أَثَرَ لِعَلَفِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَلَا يُعْتَبَرُ لِلسَّوْمِ، وَالْعَلَفُ نِيَّةٌ فِي وَجْهٍ،
فَلَوْ سَامَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ أَسَامَهَا غَاصِبٌ، وَجَبَتْ كَغَصْبِهِ حَبًّا، وَزَرْعِهِ فِي أَرْضِ مَالِكِهِ، فِيهِ الْعُشْرُ عَلَى رَبِّهِ كَنَبَاتِهِ بِلَا زَرْعٍ،
وَإِنِ اعْتَلَفَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ عَلَفَهَا غَاصِبٌ فَلَا زَكَاةَ؛ لِفِقْدَانِ الشَّرْطِ،
وَفِي آخَرٍ يُعْتَبَرُ فَتَنْعَكِسُ الْأَحْكَامُ،
وَقِيلَ: تَجِبُ إِذَا عَلَفَهَا غَاصِبٌ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، فَقِيلَ: لِتَحْرِيمِ فِعْلِهِ،
وَقِيلَ: لِانْتِفَاءِ الْمُؤْنَةِ عَنْ رَبِّهَا،
وَقِيلَ: يَجِبُ إِنْ أَسَامَهَا لِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ، كَمَا لَوْ كَمُلَ النِّصَابُ بِيَدِ الْغَاصِبِ (وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا الْإِبِلُ) بَدَأَ بِهَا لَبُدَاءَةِ الشَّارِعِ حِينَ فَرَضَ زكاة الْأَنْعَامَ؛ وَلِأَنَّهَا أَهَمُّ؛ لِكَوْنِهَا أَعْظَمَ النِّعَمِ قِيمَةً وَأَجْسَامًا، وَأَكْثَرُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ، وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهَا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ
بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَلَا تَجِبُ إِلَّا في السَّائِمَةِ مِنْهَا، بابُ زكاةِ بهيمَةَ الأنْعامِ ولا تَجِبُ إلَّا فى السَّائِمَةِ منها. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقيل: تجِبُ فى المَعْلوفَةِ أيضًا. قال ابنُ تَميمٍ: ونصَر ابنُ عَقِيلٍ وُجوبَ الزَّكاةِ فى المَعْلوفَةِ فى مَوْضِعٍ مِن «فُنُونِه». انتهى. وذكَر ابنُ وَهِىَ الَّتِى تَرْعَى في أَكْثَرِ الْحَوْلِ.
عَقِيلٍ، فى «عُمَدِ الأدِلَّةِ»، و «الفُنُونِ» تَخْريجًا بوُجوبِ الزَّكاةِ فيما أُعِدَّ للإِجارَةِ مِنَ العَقَارِ والحَيَوانِ وغيرِه فى القِيمَةِ.
وقال فى «الرِّعايَةِ»: فلو كان نتاجُ النِّصابِ المُباعِ له فى الحَوْلِ رَضِيعًا غيرَ سائمٍ فى بقِيَّةِ حَوْلِ أُمَّهاتِه، فوَجْهَان. انتهى. وأطْلَقَهما ابنُ تَميمٍ. وأطْلَق بعضُهم احْتِمالَيْن.
قال فى «الفُروعِ»: وقيل: تجِبُ فيما أُعِدَّ للعَملِ، كالإِبلِ التى تُكْرَى. وهو أظْهَرُ. ونصُّه لا. انتهى. وهى التى تَرْعَى فى أكْثَرِ الحَوْلِ. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم، ونصَّ عليه فى رِوايَةِ صالحٍ وغيرِه.
وقيل: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُعْتَبَرُ أنْ تَرْعَى الحَوْلَ كلَّه. زادَ بعضُ الأصحابِ، ولا أَثَرَ لعَلَفِ يَوْمٍ أو يَوْمَيْن. وظاهِرُ كلامِ القاضى، فى «أحْكامِه»، عَدَمُ اشْتِراطِ أكْثَرِ الحَوْلِ. قالَه ابنُ تَميمٍ.
تنبيه: يُسْتَثْنَى مِن ذلك العَوامِلُ،
ولو كانتْ سائِمةً. نصَّ عليه فى رِوايَةِ جماعَةٍ. وقالَه المَجْدُ، وابنُ حَمْدانَ، وصاحِبُ «الحاوِى»، والزَّرْكَشِىُّ. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرُهم. قال فى «الرعايَةِ الكُبْرَى»: ولا زَكاةَ فى عَوامِلِ أكْثَرِ السَّنَةِ بحالٍ ولو بأُجْرَةٍ.
وقيل: تجبُ فى المُؤجَّرَةِ السَّائمةِ. قال فى «الفُروعِ»: وهو أظْهَرُ.
وقال فى «الرِّعايَةِ»: ولا تجِبُ فى الرَّبائبِ فى الأصحِّ،
وإنْ كانت سائمةً. انتهى.
فوائد؛ إحْداها، لا يُعْتَبَرُ للسَّوْمِ والعَلَفِ نِيَّةٌ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نصَرَه المُصَنِّفُ. ورَجَّحَه أبو المَعالِى. قال ابنُ تَميمٍ، وصاحِبُ «الفائقِ»، و «حَواشِى ابنِ مُفْلِحٍ»: لا يُعْتبرُ فى السَّوْمِ والعَلَفِ نِيَّةٌ فى أصحِّ الوَجْهَيْن.
وقيل: تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ لهما. قال المَجْدُ فى «شَرْحِه»: وهو أصحُّ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. وأطْلَقَهما فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الزَّرْكَشِىِّ».
فلوِ اعْتَلَفَتْ بنَفْسِها، أو عَلَفَها غاصِبٌ، فلا زَكاةَ على الأوَّلِ؛ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لفَقدِ السَّوْمِ المُشْتَرَط. وعلى الثَّانِى، تجِبُ، كما لو غصب حبًّا وزَرَعَه فى أرْضِ ربِّه،
فإنَّ فيه الزَّكاةَ على مالِكِه، كما لو نبَت بلا زَرْعٍ. وفِعْلُ الغاصِبِ مُحَرَّمٌ، كما لو غصَب أثْمانًا فَضاعفَها، ولعدَمِ المُؤْنَةِ، كما لو ضلَّتْ فأكَلَتِ المُباحَ. قال المَجْدُ: وطَرْدُه ما لو سلَّمَها إلى راعٍ يُسِيمُها فعَلَفَها. وعَكْسُهما؛ لو تَبرَّعَ حاكِمٌ، ووصَّى بعلَفِ ماشِيَةِ يَتِيمٍ، أو صَديقٌ بذلك بإذْنِ صَديقِه، لفقدِ قَصْدِ الإِسامَةِ ممَّن يُعْتَبَرُ وُجودُه منه.
وقيل: تجِبُ إذا عَلَفَها غاصِبٌ. اخْتارَه غيرُ واحدٍ. وفى مأْخَذِه وَجْهان؛ تحْريمُ علَفِ الغاصِبِ، أو انْتِفاءُ المُؤْنَةِ عن رَبِّها. وأطْلَقَهما فى «الفُروعِ»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «ابنِ حَمْدانَ».
قلتُ: الصَّوابُ الثَّانِى. واخْتارَه الآمدى. والأوَّلُ اخْتارَه القاضى، ورَدَّه المُصَنِّفُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيرُه. ولو أسامَتْ بنَفْسِها، أو أسامَها غاصِبٌ، وجَبَتِ الزَّكاةُ على الأوَّلِ لا الثَّانِى؛ لأنَّ ربَّها لم يَرْضَ بإسامَتِها، فقد فُقِدَ قصْدُ الإِسامَةِ المُشْترَطُ. زادَ صاحِبُ «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، كما لو سامَتْ مِن غيرِ أنْ يُسِيمَها. قال فى «الفُروعِ»: فجعَلاه أصْلًا.
وكذا قطَع به أبو المَعالى.
وقيلَ: يجِبُ إنْ أسامَها الغاصِبُ، لتَحَقُّقِ الشَّرْطِ، كما لو كَمُلَ النِّصابُ بيَدِ الغاصِبِ.
وإنْ لم يعْتَدَّ بِسَوْمِ الغاصبِ، ففى اعْتِبارِ كوْنِ سَوْمِ المالك أكْثَرَ السَّنَةِ وَجْهان. وأطْلَقَهما فى «الفُروعِ»، و «ابنِ تميمٍ»، وابن حَمْدانَ، فى «الكُبْرَى»؛ أحدُهما، عدَمُ اعْتِبارِ ذلك. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصنِّفِ، فى «المُغْنِى»، والشَّارِحِ، وابنِ رَزِين.
وقال الأصحابُ: يسْتَوِى غصْبُ النِّصابِ وضَياعُه كلَّ الحَوْلِ أو بعضَه.
وقيل: إنْ كان السَّوْمُ عندَ الغاصبِ أكْثَرَ، فالرِّوايتَان،
وإنْ كان عندَ ربِّها أكْثَرَ، وجَبَتْ،
وإنْ كانتْ سائمةً عندَهما، وجبَتِ الزَّكاةُ، على رِوايَةِ وُجوبِ الزَّكاةِ فى المَغْصُوبِ، وإلَّا فلا. الثَّانيةُ، يُشْترَطُ فى السَّوْم أنْ تَرْعَى المُباحَ،
فلو اشْتَرَى ما تَرْعاه، أو جَمَع لها ما تأْكُلُ، فلا زَكاةَ فَيها. قالَه الأصحابُ. الثَّالثةُ، هلِ السَّوْمُ شرْطٌ، أو عَدَمُ السَّوْمِ مانِعٌ؟ فيه لَي جْهان. وأطْلَقَهما فى «الفُروعِ»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الفائقِ». فعلى الأوَّلِ، لا يصِحُّ التَّعجيلُ قبلَ الشُّروعِ،
ويصِحُّ على الثَّانِى. قلتُ.: قطَع المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»، والشَّارِحُ، وغيرُهما، بأنَّ السَّوْمَ شرْطٌ.
قلتُ: منَع ابنُ نَصْرِ اللهِ فى «حَواشِى الفُروعِ» مِن تحَقُّقِ هذا الخِلافِ،
وقال: كلُّ ما كان وُجودُه شرْطًا، كان عدَمُه مانِعًا، كما أنَّ كلَّ مانع فعدَمُه شرْطٌ. ولم يُفرِّقْ أحدٌ بينَهما، بل نصُّوا على أنَّ المانِعَ عَكْسُ الشَّرْطِ. وأطالَ الكلامَ على ذلك.
وقال فى «الفروعِ»، فى الخُلْطَةِ، فى أوَّلِ الفَصْلِ الثَّانى: التَّعلُّقُ بالعَيْنِ لا يَمْنَعُ وَهِىَ عَلَى ثَلَاثَةِ أنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا، الإبِلُ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا فَتَجِبَ فِيهَا شَاةٌ، انْعِقادَ الحَوْلِ باتِّفاقِنا. الرَّابعةُ، لو غصَب ربُّ السَّائمةِ عَلَفًا، فعَلَفَها وقطَع السَّوْمَ، ففى انْقِطاعِه شَرْعًا وَجْهان. قطَع فى «المُغْنِى» بسُقوطِ الزَّكاةِ.
قلتُ: وَهو ظاهِرُ كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ.
وكذا لو قطَع ماشِيَتَه عنِ السَّوْمِ؛ لقَصْدِ قطْعِ الطَّريقِ بها ونحوِه، أو نَوَى قُنْيَةَ عَبيدِ التِّجارَةِ لذْلك، أو نوَى بثِيابِ الحَريرِ التى للتِّجارَةِ لُبْسَها. وأطْلَقَهما فى ذلك كلِّه فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ»، و «ابنِ تَميمٍ».
قلتُ: الصَّوابُ أنَّه لا ينْقَطِعُ بذلك.
وقال فى «الرَّوْضَةِ»: إنْ أسامَها بعضَ الحَوْلِ، ثم نَوَاها لعَمَلٍ أو حَمْلٍ. فلا زَكاةَ، كسُقوطِ زَكاةِ التِّجارَةِ بنِيَّةِ القُنْيَةِ. قال فى «الفُروعِ»: كذا قال. وهى مُحْتَمِلَةٌ، وبينَهما فَرْقٌ. وجزَم جماعةٌ بأنَّ مَن نَوَى بسائمةٍ عمَلًا، لم تَصِرْ له قُنْيَةً. انتهى. الخامِسَةُ، تجِبُ الزَّكاةُ فيما توَلَّدَ بينَ سائمةٍ ومعْلُوفَةٍ. قالَه الأصحابُ، وقطَعوا به.
وقال فى «الرِّعايَةِ»: وتجِبُ على الأظْهَرِ فيما وُلِدَ بينَ سائمةٍ ومعْلُوفَةٍ.
تنبيه: ظاهرُ قوله: أحَدُها، الإِبلُ، فلا زَكاةَ فيها حتى تَبْلُغَ خَمْسًا، فَتَجِبَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيها شَاةٌ. أنَّ القِيمَةَ لا تُجْزِئُ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقال أبو بَكْرٍ: تُجْزِئُه عشَرَةُ دَراهِمَ، لأنَّها بدَلُ شاةِ الجبْرانِ. أطْلَقَه بعضُ الأصحابِ. وذكَر بعضُهم، لا تُجْزِئُه مع وُجودِ الشَّاةِ، وإلَّا فوَجْهان؛ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منهم ابنُ تَميمٍ، وابنُ حَمْدانَ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: يُشْتَرَطُ فى الشَّاةِ المُخْرَجَةِ عنِ الإِبلِ، أنْ تكونَ بصِفَتِها؛ ففى كرامٍ سمانٍ كرِيمَةٌ سمِينَةٌ، والعكْسُ بالعَكْسِ.
وإنْ كانتِ الإِبِلُ مَعِيبَةً، فقيلَ: يُخْرِجُ شاةً كشَاةِ الصِّحاحِ، لأنَّ الواجِبَ مِن غيرِ جِنْسِ المالِ، فلم يُؤَثِّرْ فيها عَيْبُه،
فَإِنْ أَخْرَجَ بَعِيرًا لَمْ يُجْزِئْهُ.
كشَكاةِ الفِدْيَةِ والأُضْحِيَةِ. وقيلَ: تُجْزِئُه شاةٌ صحيحَةٌ قِيمَتُها على قَدْرِ قِيمَةِ المالِ، تنْقُصُ قِيمَتُها على قَدْرِ نَقْصِ الإبلِ، كالمُخْرَجَةِ عنِ الغَنَمِ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ للمُواساةِ. ثم رأيْتُ المُصَنِّفَ، فى «المُغْنِى» قدَّمه.
وكذلك الشَّارِحُ، وابنُ رَزِين، فى «شَرْحِه»، وهو ظاهِرُ ما قدَّمه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». وعليهما لا يُجْزِئُه شاةٌ مَعِيبَةٌ؛ لأنَّ الواجِبَ ليس مِن جِنْسِ المالِ. وقيك: تُجْزِئُه شاةٌ تجْزِئُ فى الأُضْحِيَةِ. ذكَرَه القاضى. وأطْلَقَهُنَّ فى «الفُروعِ»، والمَجْدُ فى «شَرْحِه».
باب زكاة بهيمة الأنعام] قال المصنف رحمه الله: (ولا تجب إلا في السائمة منها، وهي: التي ترعى في أكثر الحول) .
أما كون الزكاة لا تجب في غير السائمة من الإبل والغنم فلأن مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم:«في الإبل السائمة في كل أربعين بنت لبون، وفي سائمة الغنم في كل أربعين شاة» يدل عليه لأنه عليه السلام ذكر السوم فيهما وذكره يدل على نفي الوجوب في غير السائمة منهما وإلا وقع لغواً وكلام الشرع منزه عن ذلك.
ولأن المعلوفة لا تقتنى للنماء فلم يجب فيها شيء كثياب البذلة.
وأما كونها لا تجب في غير السائمة من البقر فلأن ورود ذلك في الإبل والغنم [يدل على اعتباره في البقر لأنها في معناها].
ولأن منطوق الحديثين المتقدم ذكرهما يدل عليه.
وأما كونها تجب في السائمة من البقر فلما يأتي في بابه إن شاء الله تعالى .
وأما قول المصنف رحمه الله: وهي التي ترعى في أكثر الحول؛ فبيان للسائمة من غيرها. وإنما اعتبر رعيُ أكثر الحول لأن أكثر الشيء يقوم مقام كله في كثير من الأحكام الشرعية
وكذلك هاهنا.
ولأن اعتبار السوم في جميع الحول يمنع وجوب الزكاة بالكلية. قال: (وهي ثلاثة أنواع: أحدها: الإبل؛ فلا زكاة فيها حتى تبلغ خمساً فتجب فيها شاة، فإن أخرج بعيراً لم يجزئه، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة (٤) ثلاث شياه،
وفي العشرين أربع شياه، فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض، وهي التي لها سنة،
فإن عدمها أجزأه ابن لبون، وهو: الذي له سنتان،
فإن عدمه أيضاً لزمه بنت مخاض.
وفي ست وثلاثين بنت لبون،
وفي ست وأربعين حقة، وهي: التي لها ثلاث سنين،
وفي إحدى وستين جذعة، وهي: التي لها أربع سنين،
وفي ست وسبعين ابنتا لبون،
وفي إحدى وتسعين حقتان إلى عشرين ومائة.
فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث بنات لبون. ثم في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة).
أما كون بهيمة الأنعام ثلاثة أنواع فلأنها إبل وبقر وغنم.
وأما كون الإبل منها لا زكاة فيها حتى تبلغ خمساً فلما تقدم في اشتراط النصاب لوجوب الزكاة من قوله عليه السلام:«ليس فيما دون خمس ذود صدقة».
ومن قوله:«ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة» أخرجه البخاري.
وأما كون الخمس تجب فيها شاة فلأن تكملة الحديث المذكور قبل:«فإذا بلغت خمساً ففيها شاة».
والشاة الواجبة في الإبل ما لها ستة أشهر إن كانت من الضأن فإن كانت من المعز فما لها سنة لأنها هي الشاة التي يُعلق بها حكم الشرع وتعتبر في سائر موارده المطلقة. ويعتبر كونها في صفة الإبل ففي السمان الكرام شاة سمينة كريمة وفي اللئام الهزال لئيمة هزيلة لأن الإبل سببها فاعتبر أن تكون على صفتها،
فإن كانت الإبل مراضاً لم يجز إخراج المريضة لأن المخرج من غير جنسها وليس كله مراضاً فينزل منزلة اجتماع الصحاح والمراض وذلك لا يجزئ فيه إلا الصحيحة، ولا يجزئ الذكر كالمخرجة عن الغنم، ويحتمل أن يجزئ لأنها شاة مطلقة فيدخل فيها الذكر كالأضحية،
فإن عَدِمَ الشاة في ماله لزمه شراؤها.
وقال أبو بكر: يجزئه عشرة دراهم لأنها بدل شاة الجبران.
ولا يصح لأن هذا إخراج قيمة فلم يجزئه كما في الشاة المخرجة عن الغنم، وليست الدراهم في الجبران بدلاً بدليل إجزائها مع وجود الشاة.
وأما كون البعير لا يجزئ عن الشاة فلأن الواجب شاة والمخرج غيرها فوجب أن يبقى في عُهدة الواجب. لا يقال ذلك أكمل من الواجب فيجب أن يجزئ كما لو أخرج بنت لبون عن بنت مخاض لأن المخرِج لبنت لبون مخرج للواجب وزيادة لأنه من جنس الواجب
بخلاف البعير فإنه مخرج من غير جنسه، ولذلك من وجب عليه خمسة دراهم لو أخرج عنها عرضاً قيمته أكثر من ذلك لا يجزئه عن الواجب عليه على الصحيح.
فإن قيل: لم لا يخرج هنا خلاف؟
قيل: إذا قيل بجواز إخراج القيمة يجزئ البعير عن الشاة.
وأما كون العشر من الإبل فيها شاتان، والخمس عشر فيها ثلاث شياه، والعشرين فيها أربع شياه، فلأن في حديث أبي بكر:«في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة».
وأما كون الإبل إذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض إلى آخره فلأن تكملة الحديث المذكور:«فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض، فإن لم يكن بنت مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون، فإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل، فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها ابنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الفحل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة» رواه أبو داود.
وأما كون بنت مخاض هي ما لها سنة وبنت لبون هي ما لها سنتان والحقة هي ما لها ثلاث سنين والجذعة هي ما لها أربع سنين فلما روى أبو داود قال: سمعته من الرياشي وأبي هاشم وغيرهما ومن كتاب النضر بن شميل ومن كتاب أبي عبيدة وربما ذكر أحدهم الكلمة قالوا: «يسمى الحُوار، ثم الفصيل إذا فصل، ثم تكون بنت مخاض لسنة إلى تمام سنتين، فإذا دخلت في الثالثة فهي بنت لبون فإذا تمت لها ثلاث سنين فهي حقة إلى تمام أربع سنين لأنها استحقت أن تركب ويحمل عليها الفحل فإذا طعنت في الخامسة فهي جذعة».
وأما كون من عدم بنت مخاض وابن لبون يلزمه بنت مخاض فلأنهما لو استويا في الوجود لم يجزئه إلا بنت مخاض فكذلك إذا استويا في العدم.
ولأن الشارع إنما نقل من بنت مخاض إلى ابن لبون إذا لم يكن في ماله بنت مخاض للسهولة وعدم كلفة الشراء فإذا لم يكن في ماله أيضاً ابن لبون وتعين الشراء وجب شراء بنت مخاض لأنها الأصل.
فإن قيل: لم سميت بنت مخاض وبنت لبون والحقة بذلك؟
قيل: أما بنت مخاض فسميت بذلك؛ لأن أمها ماخض أي حامل بغيرها قد حان ولادتها وليس ذلك شرطاً في الإجزاء وإنما سميت به تعريفاً لغالب حالها.
وأما بنت لبون فإنما سميت بذلك؛ لأن أمها لبون أي ذات لبن.
وأما الحقة فإنما سميت بذلك؛ لأنها استحقت أن يطرقها الفحل وقد تقدم ذكر ذلك في الحديث .
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.