وَهُوَ عَلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا: خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَيَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ وَالصُّلْحُ بِمَعْنَاهُ وَالْإِجَارَةِ وَيَثْبُتُ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ
Its commentaries
بابُ الخِيَارِ في البيعِ (وهو على سَبْعَةِ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُها، خِيارُ المَجْلِسِ، ويَثْبُتُ في البَيْعِ. والصُّلْحُ بمَعْنَاهُ، والإِجارَةُ. ويَثْبُتُ في الصَّرْفِ، والسَّلَمِ. وعنه، لا يَثْبُتُ فيهما. ولا يَثْبُتُ في سائِرِ العقُودِ، إِلَّا في المُسَاقَاةِ والحَوالَةِ والسَّبْقِ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ) وجُمْلته، أنَّ خِيارَ المَجْلِسِ يَثْبُتُ في البَيْعِ، بمَعْنَى أنَّه يَقَعُ جائِزًا، ولكُلِّ واحِدٍ مِن المُتَبَايِعَيْنِ الخِيارُ في فَسْخِه ما دَامَا مُجْتمِعَيْنِ لم يَتَفَرَّقَا. وهو قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ. يُرْوَى ذلك عن عمرَ، وابنِه، وابنِ عَباسٍ، وأَبى هُرَيْرَةَ، وأَبى بَرْزَةَ، وبه قال سَعِيدُ ابنُ المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، وعَطاء، وطاوُسٌ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وابنُ أبِى ذِئْبٍ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال مالِكٌ، وأصحابُ الرّأْىِ: يلزمُ العَقْدُ بالإِيجابِ والقَبُول، ولا خِيارَ لَهُما؛ لأنَّه رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: البَيْعُ صَفْقَةً، أو خِيَارٌ . ولأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فلَزِمَ بمُجَرَّدِه، كالنِّكَاحِ، والخُلْعِ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ عن رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «إذا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ [فَكُلُّ واحِدٍ منهما بالخِيارِ]، ما لم يَتَفَرَّقَا، وكَانا جَمِيعًا، أو يُخَيِّرُ أحَدُهما الآخَرِ، فإنْ خَيَّرَ أحَدُهما الآخرَ، فَتَبَايَعَا على ذلك، فقد وَجَبَ البَيْعُ، وإنْ تَفرَّقَا بعدَ أَنْ تَبَايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهما البَيْعَ، فقد وَجَبَ البَيْعُ».
مُتَّفَقٌ عليه . وقال عليه الصَّلَاةُ والسَّلامُ:«البَيِّعَانِ بالخِيارِ ما لم يَتَفَرَّقَا». رَواه الأَئِمَّةُ . ورَوَاه عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، وعبدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو، وحَكِيمُ بنُ حِزامٍ، وأبو بَرْزَةَ الأَسْلَمِىُّ. وَرَواهُ عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، مالِكٌ، وَأَيُّوبُ، وعُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، وابنُ جُرَيْجٍ، واللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ، وغيرُهم. وهو صَرِيحٌ في حُكمِ المَسْأَلةِ. وعابَ كثِيرٌ مِن أَهْلِ العِلْمِ على مالِكٍ مُخَالَفَتَه للحَديثِ مع رِوَايَتِه له، وثُبُوتِه عِنْدَه. قال الشّافِعِىُّ: لا أَدْرِى هل اتَّهَمَ مالِكٌ نَفْسَهُ أو نافِعًا؟
وأُعْظِمُ أَنْ أقُولَ: عَبْدَ اللَّهِ بنَ عمرَ.
وقال ابنُ أبِى ذِئْبٍ: يُسْتَتَابُ مالِكٌ في تَرْكِه لهذا الحَدِيث.
فإن قِيلَ: المُرَادُ بالتَّفَرُّقِ ههُنا التَّفَرُّقُ بالأَقْوالِ، كقَوْلِه تَعالَى:{وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ}. وقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِى على ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً». أى بالأَقْوالِ والاعْتِقَادَاتِ. قُلْنا: هذا باطِلٌ لوُجُوهٍ؛ منها أنَّ اللَّفْظَ لا يَحْتَمِلُ ما قالُوه؛ إذْ لَيْسَ بين المُتَبايِعَيْنِ تَفَرُّقٌ بقَوْلٍ ولا اعْتِقادٍ، إنَّما بَيْنَهُما اتِّفَاقٌ على البَيْعِ بعد الاخْتِلافِ فيه. الثانى، أنَّ هذا يُبْطِلُ
فائِدَةَ الحَدِيثِ؛ إذْ قَدْ عُلِمَ أنَّهما بالخِيارِ قَبْلَ العَقْدِ في إنْشائِه وإِتْمامِه أو تَرْكِه. الثالِثُ، أنّه
قال في الحَدِيثِ؛ «إذا تَبَايَعَ الرَّجُلانِ، فكُلُّ واحِدٍ منهما بالخِيارِ». [فجعلَ لهما الخِيارَ] بعدَ تَبَايُعِهما، وقال:«وإنْ تَفَرَّقَا بعدَ أَنْ تَبايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهما البَيْعَ، فقد وَجَبَ البَيْعُ». الرابعُ، أنَّه يَرُدُّه تَفْسِيرُ ابنِ عمرَ للحَدِيثِ بفِعْلِه، فإنَّه كان إذا بايَعَ رَجُلًا مَشى خُطُوَاتٍ؛ ليَلْزَمَ البَيْعُ . وتَفْسِيرُ أَبِى بَرْزَةَ، بقَوْلِه مِثلَ قَوْلِنا، وهما رَاويا الحَدِيثِ، وأعْلَمُ بمَعْنَاهُ. وقوْلُ عمرَ: البَيْعُ صَفْقَةٌ أو خِيارٌ. معناه، أنَّ البَيْعَ يَنْقَسِمُ إلى بَيْع شُرِطَ فيه الخِيارُ، وبَيْعٍ لم يُشْتَرَطْ فيه، سَمَّاهُ صَفْقَةً لقِصَرِ مُدَّةِ الخِيارِ فيه؛
لأَنَّه قد رَوَى عنه الجُوزْجَانِىُّ مِثلَ مَذْهَبِنا،
ولو أَرَادَ ما قَالُوه، لم يَجُزْ أَنْ يُعارَضَ به قَوْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنَّه لا حُجَّةَ في قَوْلِ أحَدٍ مع قَوْلِ رسولِ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم-، على أنَّ قَوْلَ الصَّحَابِىُّ لا يُحْتَجُّ به إذا خالَفَه غيرُه مِن الصَّحَابَةِ، وقد خالَفَه ابنُه، وأبو بَرْزَةَ، وغيرُهما.
ولا يَصِحُّ قِياسُ البَيْعِ على النِّكاحِ؛ لأَنَّ النِّكاحَ لا يقَعُ إلَّا بعد رُؤْيَةٍ ونَظَرٍ غالِبًا، فلا يَحْتَاجُ إلى الخِيارِ بَعْدَه. ولأنَّ في ثُبوتِ الخِيارِ فيه مَضَرَّةً، لِما يَلْزَمُ مِن رَدِّ المَرْاةِ بعد ابْتِذالِها بالعَقْدِ، وذَهابِ حُرْمَتِها بالرَّدِّ، وإلْحاقِها بالسِّلَعِ المَبِيعَةِ، فلم يَثْبُتِ الخِيارُ لذلك، ولهذا لم يَثْبُتْ فيه خِيارُ الشَّرْطِ، ولا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ. والحُكْمُ في هذه المسألةِ ظاهِرٌ؛ لظُهُورِ دَلِيلِه، وضَعْفِ ما يَذْكُرُه المُخالِفُ في مُقَابَلَتِه.
فصل: ويَثْبُتُ الخِيارُ في الصُّلْحِ بمَعْنَى البَيْعِ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، أَشْبَهَ البَيْعَ. والهِبَةُ إذا شَرَطَ فيها عِوَضًا مَعْلومًا، ثبَتَ فيها الخِيارُ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، بناءً على الاخْتِلافِ فيها، هل تَصِيرُ بَيْعًا أو لَا؟ ويَثْبُتُ في الإِجارَةِ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أشْبَهَ البَيْعَ. ويَثْبُتُ في الصَّرْفِ، والسَّلَمِ، وما يُشْتَرَطُ فيه القَبْضُ في المَجْلِسِ، كبَيْعِ مالِ الرِّبَا بجِنْسِه في الصَّحِيحِ، لِما ذَكَرْنا مِن الخَبَرِ والمَعْنَى.
وعنه، لا يَثْبُتُ فيها قِياسًا على خِيارِ الشَّرْطِ، فإنّه لا يَثْبُتُ فيها، رِوايةً واحِدَةً؛ لأَنَّ مَوْضُوعَها على أَنْ لا يَبْقَى بينهما عُلْقَةٌ بعدَ التَّفَرُّقِ، بدَلِيلِ اشْتِراطِ القَبْضِ، وثُبُوتُ الخِيارِ يُبْقِى بَيْنَهُما عُلْقَةً. ولا يَثْبُتُ في سائِرِ العُقُودِ، وهى على أضْرُبٍ؛ أحَدُها، لازِمٌ، لا يُقْصَدُ به العِوَضُ، كالنِّكَاحِ والخُلْعِ، فلا يَثْبُتُ فيهما خِيارٌ؛ لأَنَّ الخِيارَ إنَّما يَثْبُتُ لمَعْرِفَةِ الحَظِّ في كَوْنِ العِوَضِ جابِرًا لِما يَذْهَبُ مِن مالِه، والعِوَضُ ههنا ليس هو المَقْصُودَ،
وكذلك الوَقْفُ والهِبَةُ بغيرِ عِوَض، ولأنَّ في ثُبُوتِ الخِيارِ في النِّكاحِ ضَرَرًا ذَكَرْنَاهُ. الضربُ الثَّانِى، لازِمٌ مِن أحَدِ طَرَفَيْهِ، كالرَّهْنِ، لازِمٌ في حَقِّ الرَّاهِنِ وَحْدَه، فلا يَثْبُتُ فيه خِيارٌ؛ لأَنَّ المُرْتَهِنَ يَسْتَغْنِى بالجوازِ في حَقِّه عن ثُبوتِ الخِيارِ له، والرّاهِنَ يَسْتَغْنِى بثُبُوتِ الخِيارِ له إلى أَنْ يَقبِضَ.
وكذلك الضّامِنُ والكَفِيلُ، لا خِيارَ لهما؛ لأنَّهُما دَخَلَا مُتَطَوِّعَيْنِ رَاضِيَيْنِ بالغَبْنِ،
وكذلك المكاتَبُ. الضربُ الثالِثُ، عَقْدٌ جائِزٌ مِن الطَّرَفَيْنِ، كالشَّرِكَةِ، والمُضارَبَةِ، والجَعَالَةِ، والوَكَالَةِ، والوَدِيعةِ، والوَصِيَّةِ، فلا يَثْبُتُ فيها خِيارٌ، اسْتِغْناءً بجَوازِها، والتَّمَكُّنِ مِن فَسْخِها بأَصْلِ وَضْعِها. الضربُ الرَابعُ، ما هو مُتَرَدِّدٌ بينَ الجَوازِ واللُّزُومِ، كالمُسَاقَاةِ، والمُزَارَعَةِ. وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّهُما جائِزَانِ، فلا يَدْخُلُهما خِيارٌ.
وقيل: هما إجارَةٌ، فلهما حُكْمُها. والسَّبْقُ والرَّمْىُ، الظاهِرُ أنَّهُما جَعالَةٌ، فلا يَثْبُتُ فيهما خِيارٌ.
وقيل: هما إِجَارَةٌ. وقد ذَكَرْنَاهُ.
فأَمَّا الحَوَالَةُ والأَخْذُ بالشُّفْعَةِ، فهو عَقْدٌ لازِمٌ، يَسْتَقِلُّ به أحَدُ المُتَعاقِدَيْنِ، فلا خِيارَ فيهما؛ لأَنَّ مَنِ لا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ لا خِيارَ له.
وإذا لم يَثْبُتْ في أحَدِ طَرَفَيْهِ، لا يَثْبُتُ في الآخَرِ، كسائِرِ العُقُودِ. ويَحْتَمِل أَنْ يَثْبُتَ الخِيارُ للمُحِيلِ والشَّفِيعِ؛ لأنَّه يُقصَدُ فيها العِوَضُ، فأَشْبَهَت سائِرَ عُقودِ المُعاوَضَاتِ.
١٦٠١ -
بَابُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ] [أَقْسَامُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ] [الْأَوَّلُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ] بَابُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ الْخِيَارُ: اسْمُ مَصْدَرٍ مِنِ اخْتَارَ يَخْتَارُ اخْتِيَارًا، وَهُوَ طَلَبُ خَيْرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ إِمْضَائِهِ أَوِ الْفَسْخِ. (وَهُوَ عَلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ) وَسَيَأْتِي (أَحَدُهَا: خِيَارُ الْمَجْلِسِ) وَهُوَ - بِكَسْرِ اللَّامِ - مَوْضِعُ الْجُلُوسِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَكَانُ التَّبَايُعِ (وَيَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَدْ أَنْكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَالِكٍ مُخَالَفَتَهُ لِلْحَدِيثِ مَعَ رِوَايَتِهِ لَهُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَدْرِي هَلْ مَالِكٌ اتَّهَمَ نَفْسَهُ، أَوْ نَافِعًا وَأُعْظِمُ أَنْ أَقُولَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ انْتَهَى.
وَاعْتِرَاضُ الْمَالِكِيِّ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَدْفُوعٌ بِمُخَالَفَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ،
فَإِنْ قِيلَ: هُوَ خَبَرُ آحَادٍ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، فَالْجَوَابُ بِأَنَّهُ مُسْتَفِيضٌ فَإِنَّهُ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ وَجَابِرٍ،
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: الْبَيْعُ صَفْقَةٌ أَوْ خِيَارٌ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَلْزَمُ بِمُجَرَّدِهِ كَالنِّكَاحِ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّفَرُّقِ فِي الْخَبَرِ التَّفَرُّقُ بِالْأَقْوَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي» الْخَبَرَ، فَالْجَوَابُ بِأَنَّ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ الْبَيْعَ يَنْقَسِمُ إِلَى بَيْعِ شَرْطٍ فِيهِ الْخِيَارُ، وَبَيْعٍ لَمْ يَشْرُطْ فِيهِ وَسَمَّاهُ صَفْقَةً لِقِصَرِ مُدَّةِ الْخِيَارِ مَعَ أَنَّ الْجُوزَجَانِيَّ رَوَى عَنْهُ الْأَوَّلُ،
وَلَوْ سَلِمَ فَقَدْ خَالَفَهُ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وَالْقِيَاسُ مَدْفُوعٌ،
فَإِنَّ النِّكَاحَ لَا يَقَعُ إِلَّا بَعْدَ تَرَوٍّ وَنَظَرٍ،
وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِذْهَابِ حُرْمَةِ الْمَرْأَةِ وَرَدِّهَا وَإِلْحَاقِهَا بِالسِّلَعِ الْمَبِيعَةِ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ تَفَرُّقٌ بِقَوْلٍ وَلَا اعْتِقَادٍ، وَلِأَنَّهُ تَبْطُلُ
فَائِدَةُ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُمَا الْخِيَارَ بَعْدَ تَبَايُعِهِمَا، وَفَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ بِأَنَّهُ كَانَ يَمْشِي خُطُوَاتٍ لِيَلْزَمَ الْبَيْعُ، وَهُوَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ، وَالْهِبَةُ بِعِوَضٍ؛ إِذِ الْمُغَلَّبُ فِيهَا حُكْمُ الْبَيْعِ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَالْقِسْمَةُ إِنْ قِيلَ هِيَ بَيْعٌ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْكِتَابَةُ، وَمَا تَوَلَّاهُ وَاحِدٌ كَالْأَبِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا فِي شِرَاءِ مَنْ يُعْتِقُ عَلَيْهِ فِي الْأَشْهَرِ، كَمَا لَوْ بَاشَرَ عِتْقَهُ،
وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا رِوَايَةٌ لَا يَثْبُتُ خِيَارُ مَجْلِسٍ فِي بَيْعٍ وَعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ (وَالصُّلْحُ بِمَعْنَاهُ) أَيْ: بِمَعْنَى الْبَيْعِ، كَمَا إِذَا أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ، ثُمَّ صَالَحَهُ عَنْهُ بِعِوَضٍ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فَيَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ (وَالْإِجَارَةِ) لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَثْبُتُ فِيهَا كَالْبَيْعِ،
وَقِيلَ: لَا تَلِي مُدَّتُهَا الْعَقْدَ (وَيَثْبُتُ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ الْقَبْضُ، وَهُوَ بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ
بَابُ الْخِيَارِ فى الْبَيْعِ وَهُوَ عَلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا، خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَيَثْبُت فى الْبَيْعِ. وَالصُّلْحُ بِمَعْنَاهُ، وَالإِجَارَةُ. وَيَثْبُت فى الصَّرْفِ، وَالسَّلَمِ.
وَعَنْهُ، لَا يَثبُتُ فِيهِمَا. وَلَا يَثْبُتُ فى سَائِرِ الْعُقُودِ، إِلَّا فى الْمُسَاقَاةِ وَالْحَوَالَةِ وَالسَّبْقِ، فى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
بابُ الخِيارِ فى البَيْعِ تنبيهات، الأَوَّلُ، يُسْتَثْنَى مِن عُمومِ قولِه: أحدُها، خِيارُ المَجْلِسِ، ويثْبُتُ فى البَيْعِ. الكِتابةُ فإنَّها بَيْعٌ، ولا يثْبُتُ فيها خِيارُ المَجْلِسِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وِقطَع به الأكثرُ، وقد ذكَرَه المُصَنِّفُ وغيرُه مِنَ الأصحابِ فى بابِ الكِتابَةِ، وفيه خِلافٌ يأْتِى فى ذلك البابِ. فالأوْلَى أَنْ يُقالَ: عُمومُ كلامِ المُصَنِّفِ . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . .
هنا مَخْصوصٌ بكلامِه فى الكِتابَةِ. الثَّانى، يُسْتَثْنَى أيضًا، لو توَلَّى طَرَفَىِ العَقْدِ، فإنَّه لا يَثْبُتُ فيه خِيارُ المَجْلِسِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، وغيرِهم. وصحَّحَه فى «الفُروعِ». وجزَم به فى «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوِيَيْن»، وغيرِهم.
وقيل: يَثْبُتُ. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا. وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ فى «شَرْحِه». قال الأَزَجِىُّ فى «النِّهايَةِ»: وهو الصَّحيحُ. وأطْلَقهما الزَّرْكَشِىُّ. فعلى هذا الوَجْهِ، يَلْزَمُ العَقْدُ بمُفارَقَةِ المَوْضِعِ الذى وقَع العَقْدُ فيه. على الصَّحيحِ. جزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايَةِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وقيل: لا يَحْصُلُ اللُّزومُ إلَّا بقولِه: اخْتَرْتُ لُزومَ العَقْدِ. ونحوِه. وأطْلَقَهما الزَّرْكَشِىُّ. الثَّالثُ،
وكذلك حُكْمُ الهِبَةِ إذا توَلَّى طَرَفَيْها واحِدٌ. قالَه فى «الفائقِ» وغيرِه. الرَّابعُ، ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، أنَّه لوِ اشْتَرى مَن يَعْتِقُ عليه، ثُبوتُ خِيارِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَجْلِسِ له. وهو أحَدُ الوَجْهَيْن. والوَجْهُ الثَّانى، لا خِيارَ له. قال الأَزَجِىُّ فى «نِهايَتِه»: الظَّاهِرُ فى المذهبِ عدَمُ ثُبوتِ الخِيارِ فى شِراءِ مَن يَعْتِقُ عليه. وجزَم به ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه»، والزَّرْكَشِىُّ. وأطْلَقَهما فى «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «تَجْرِيدِ العِنايَةِ». الخامِسُ،
وكذا الخِلافُ فى حَقِّ البائعِ فى هذه المَسْأَلةِ.
وقيل: يثْبُتُ له الخِيارُ، وإنْ منَعْناه مِنَ المُشتَرِى. قالَه فى «الرِّعايَةِ».
وقال الزَّرْكَشِىُّ: وفى سُقوطِ حَقِّ صاحبِه وَجْهان. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويثْبُتُ فى البَيْعِ. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، ونصَّ عليه، وقطَع به أكثرُهم. وفى طَريقَةِ بعضِ الأصحابِ رِوايَةٌ، لا يثْبُتُ خِيارُ المَجْلِسِ فى بَيْعٍ وعَقْدِ مُعاوَضَةٍ.
تنبيه: ظاهرُ قوْلِه: ويثْبُتُ فى البَيْعِ. أنَّه سواءٌ كان فيه خِيارُ شَرْطٍ أَوْ لا. وهو أحَدُ الوَجْهَيْن. وهو ظاهِرُ كلامِه فى «الفُروعِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهما.
وقيل: لا يثْبُتُ فيه خِيارُ المَجْلِسِ. ويأْتِى فى خِيارِ الشَرْطِ إنِ ابْتدَأَه مِن حينِ العَقْدِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وأطْلَقهما فى «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الرِّعايَتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفائقِ». وفائدَةُ الوَجْهَيْن، هلِ ابْتِداءُ مُدَّةِ خِيارِ الشَّرْطِ مِن حينِ العَقْدِ، أو التَّفَرُّقِ؟ فعلى الأوَّلِ، يكونُ مِن حين، التَّفَرُّقِ. وعلى الثَّانى، مِن حينِ العَقْدِ. قالَه فى «التَّلْخيصِ» وغيرِه. والإِجارَةِ. يثْبُتُ خِيارُ المَجْلِسِ فى الإِجارَةِ مُطْلَقًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وهو ظاهِرُ ما جزَم به فى «الهِدايَةِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الكافِى»، و «الفُروعِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ»، وغيرِهم.
وقيل: لا يثْبُتُ فى إجارَةٍ تَلِى العَقْدَ. وهو وَجْهٌ فى «الكافِى». وأطْلَقَهما فى «الحاوِى الكَبِيرِ». وأطْلقَ فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى» الوَجْهَيْن فى الإِجارَةِ فى الذِّمَّةِ. وجزَم فى «الحاوِى الكَبِيرِ» بثُبوتِ الخِيارِ فيها. ويثْبُتُ فى الصَّرْفِ والسَّلَمِ. وهو المَذْهبُ. قال فى «الفُروعِ»: يثْبُتُ على الأصحِّ. قال النَّاظِمُ: هذا الأُوْلَى. وصحَّحَه المُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ» وقدَّمه فى «الكافِى»، و «الزَّرْكَشِىِّ»، وغيرِهما.
وعنه، لا يثْبُتُ فيهما. وجزَم به ناظِمُ «نِهايَةِ ابنِ رَزِينٍ». وأطلْقَهُما فى «الهِدايَةِ»، و «الفُصُولِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِب»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفائقِ»، و «تَجْريدِ العِنايَةِ»، وغيرِهم. وخصَّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . .
القاضى الخِلافَ فى كتابِ «الرِّوايتَيْن» بالصَّرْفِ، وترَدَّدَ فى السَّلَمِ، هل يلْحَقُ بالصَّرْفِ، أو ببَقِيَّةِ البِياعاتِ؟ على احْتِمالَيْن.
فائدة: قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما: ويثْبُتُ فى الصَّرْفِ والسَّلَمِ، وما يُشْتَرطُ فيه القَبْضُ فى المَجْلِسِ، كبَيْعِ مالِ الرِّبا بجِنْسِه. على الصَّحيحِ.
وقال فى «الفُروعِ»: وعلى الأصحِّ، وما يُشْتَرَطُ فيه قَبْضٌ، كصَرْفٍ وسَلَمٍ.
وقال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: وفى الصَّرْفِ، والسَّلَمِ.
وقيل: وبقِيَّةِ الرِّبَوِىِّ بجِنْسِه، رِوايَتان.
باب الخيار في البيع] قال المصنف رحمه الله: (وهو على سبعة أقسام: أحدها: خيار المجلس. ويثبت في البيع، والصلحِ بمعناه، والإجارة).
أما كون الخيار على سبعة أقسام؛ فلأنه تارة يكون خيار المجلس، وتارة خيار الشرط، وتارة خيار الغبن، وتارة خيار التدليس، وتارة خيار العيب، وتارة في بيع التولية والشركة والمرابحة والمواضعة، وتارة لاختلاف المتبايعين.
وأما كون أحدها خيار المجلس فظاهر.
وأما كون خيار المجلس يثبت في البيع فلما روى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً، أو يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع» متفق عليه.
وقال عليه السلام:«البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» رواه الأئمة كلهم.
وأما كونه يثبت في الصلح بمعنى البيع كمن يقر لإنسان بعين أو دين ثم يصالحه على ذلك بعوض؛ فلأنه بيع فيدخل تحت ما تقدم.
وإن صولح على ذلك بذهب أو فضة فحكم الصلح حكم الصرف وسيأتي ذكره.
وأما كونه يثبت في الإجارة؛ فلأنها بيع المنافع فيدخل في الحديث المتقدم ذكره. قال: (ويثبت في الصرف والسلم. وعنه: لا يثبت فيهما) .
أما كون خيار المجلس يثبت في الصرف والسلم على المذهب؛ فلأن ذلك بيع في الحقيقة فيدخل في قوله صلى الله عليه وسلم:«البيعان بالخيار ما لم يتفرقا».
ولأنه شرع نظراً لهما في الأحظ وهذا موجود في الصرف والسلم.
وأما كونه لا يثبت فيهما على روايةٍ؛ فلأن ذلك عقد لا يدخله خيار الشرط فلا يثبت فيه خيار المجلس كالنكاح. وإنما لم يدخله خيار الشرط لأنه عقد يفتقر إلى التقابض في الحال ويقتضي عدم العلقة بينهما وثبوت الخيار بعد التفرق يمنع لزوم القبض ويثبت العلقة بينهما.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.