وَلَا يَنْفَكُّ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَالٍ وَالْبُلُوغُ يَحْصُلُ بِالِاحْتِلَامِ أَوْ بُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ نَبَاتِ الشَّعْرِ الْخَشِنِ حَوْلَ الْقُبُلِ وَتَزِيدُ الْجَارِيَةُ بِالْحَيْضِ وَالْحَمْلِ وَالرُّشْدُ: الصَّلَاحُ فِي الْمَالِ
Its commentaries
مسألة: (والبُلُوغُ يَحْصُلُ بالاحْتِلامِ، أو بُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، أو نَباتِ الشَّعَرِ الخَشِنِ حَوْلَ القُبُلِ، وتَزِيدُ الجارِيَةُ بالحَيضِ والحَمْلِ) يَثْبُتُ البُلُوغُ في حَقِّ الجارِيَةِ والغُلامِ بأحَدِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ، وهي، خُرُوجُ المَنِيِّ مِن القُبُلِ، وهو الماءُ الدّافِقُ الذي يُخْلَقُ منه الوَلدُ، كيفما خَرَج في يَقَظَةٍ أو مَنامٍ، بجِماعٍ أو احْتِلامٍ، أو غيرِ ذلك، يَحْصُلُ به البُلُوغُ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى:{وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا}. وقَوْلِه:{وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ}.
وقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ، عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ». رواه أبو داودَ . قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعُوا على أنَّ الفَرائِضَ والأحْكامَ تَجِبُ على المُحْتَلِمِ العاقِلِ، وعلى المرأةِ بظُهُورِ الحَيضِ منها. الثانِي، السِّنُّ، وهو بُلُوغُ خَمْسَ عَشرَةَ سَنَةً، [يَحْصُلُ به البُلُوغُ] في حَقِّ الغُلامِ والجارِيَةِ. وبهذا قال الأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال داودُ: لا حَدَّ للبُلُوغِ مِن السِّنِّ؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «رُفِعَ الْقَلَمُ [عَنْ ثَلَاثٍ]؛ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ». وإثْباتُ البُلُوغِ بِغيرِه يُخالِفُ الخَبَرَ. وهذا قَوْلُ مالِكٍ.
وقال أصْحابُه: سَبْعَ عَشْرَةَ، أو ثَمانِيَ عَشْرَةَ. وعن أبي حَنِيفَةَ في الغُلامِ رِوايَتانِ؛ إحْداهما، سَبْعَ عَشْرَةَ.
والثانِي، ثَمانِيَ عَشرَةَ، والجارِيَةُ سَبْعِ عَشْرَةَ بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّ الحَدَّ لا يَثْبُتُ إلَّا بتَوْقِيفٍ أو اتِّفاقٍ، ولا تَوْقِيف فيما دُونَ هذا، ولا اتِّفاقَ. ولَنا، أنَّ ابنَ عُمَرَ قال: عُرِضْتُ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ فلمِ يُجِزْنِي في القِتالِ، وعُرِضْتُ علية وأنا ابنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فأجازَني. مُتَّفقٌ عليه .
وفي لفظٍ: عُرِضْتُ عليه يومَ أُحُدٍ وأنا ابنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ فرَدَّنِي، ولم يَرَنِي بَلَغْتُ، وعُرِضْتُ عليه عامَ الخَنْدَقِ وأنا ابنُ خمْسَ عَشْرَةَ فأجازَنِي. فأُخْبِرَ بهذا عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، فكَتَبَ إلى عُمّالِه: أن لا تَفْرِضُوا إلَّا لمَن بَلَغ خَمْسَ عَشْرَةَ. رَواه الشافعيُّ في «مُسْنَدِه»، والتِّرْمِذِيُّ .
وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ولأنَّ السِّنَّ مَعْنًى يَحْصُلُ به البُلُوغُ، يَشْتَرِكُ فيه الجارِيَةُ والغُلامُ، فاسْتَوَيا فيه، كالإِنْزالِ. وما احْتَجَّ به مالِكٌ ودَاودُ لا يَمْنَعُ إثْباتَ البُلُوغِ بغيرِ الاحْتِلامِ إذا ثَبَت بالدَّلِيلِ، ولهذا كان إنْباتُ الشَّعَرِ عَلَمًا عليه. الثالثُ، نَباتُ الشَّعَرِ الخَشِنِ حَوْلَ ذَكَرِ الرجلِ، وفَرْجِ المَرْأةِ.
فأمَّا الزَّغَبُ الضَّعِيفُ، فلا اعْتِبارَ به، فإنَّه يَثْبُتُ في حَقِّ الصَّغِيرِ. وبهذا قال مالِكٌ، والشافعيُّ في قولٍ،
وقال في الآخَرِ: هو بُلُوغٌ في حَقِّ المُشْرِكِين، وهل هو بُلُوغٌ في حَقِّ المسلمين؟ فيه قَوْلَان.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا اعْتِبارَ به؛ لأنَّه نَبات شَعَرٍ، أشْبَهَ سائِرَ شَعَرِ البَدَنِ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا حَكَّمَ سعدَ بنَ مُعاذٍ في بني قُرَيظَةَ، حَكَم بأنْ تُقْتَلَ مُقاتِلَتُهم وتُسْبَى ذَرارِيُّهم، فأمَرَ بأن يُكْشَفَ عن مُؤْتزَرِهم،
فمَن أنْبَتَ فهو مِن المُقاتِلَةِ،
ومَن لم يُنْبِتْ ألْحَقُوهُ بالذُّرِّيَّةِ. قال عَطِيَّةُ القُرَظِيُّ: عُرِضْتُ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ قُرَيظَةَ، فَشَكُّوا فِيَّ، فأمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُنْظَرَ إلَيَّ، هل أنْبَتُّ بَعْدُ؟ فنَظَرُوا إلَيَّ، فلم يَجِدُونِي أنْبَتُّ بَعْدُ، فألْحَقُونِي. بالذُّرِّيَّةِ. مُتَّفَقٌ على مَعْناهُ . وكَتَب عُمرُ، رَضِيَ اللهُ عنه، إلى عامِلِه، أن لا تَأْخُذَ الجِزْيَةَ إلَّا مِمَّن جَرَتْ عليه المَواسِي . وروَاى محمدُ بنُ يَحْيَى بنِ حَبّانَ ، أنَّ غُلامًا مِن الأنْصارِ شَبَّبَ بامرأةٍ في شِعْرِه، فرُفِعَ إلى عُمَرَ، فلم يَجِدْه أنْبَتَ، فقال: لو أنْبَتَّ الشَّعَرَ لحَدَدْتُك .
ولأنَّه خارِجٌ يُلازِمُه البُلُوغُ غالِبًا، يَسْتَوى فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى، فكان عَلَمًا على البُلُوغِ، كالاحْتِلام. ولأنَّ الخارِجَ ضَرْبانِ؛ مُنْفَصِلُ، ومُتَّصِلٌ، فلَمّا كان مِن المُنْفَصِلِ مَا يَثْبُتُ به البُلُوغُ، كذلك المُتَّصِلُ، وما كان بُلُوغًا في حَقِّ المُشْرِكِ كان بُلُوغًا في حَقِّ المُسْلِمِ، كالاحْتِلامِ والسِّنِّ.
فصل: والحَيضُ عَلَم على البُلُوغِ في حَقِّ الجارِيَةِ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وقد دَلَّ عليه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقْبَل اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بخِمَارٍ». رَواه التِّرْمِذِيُّ .
وقال: حديثٌ حسنٌ. وكذلك الحَمْلُ يَحْصُلُ به البُلُوغُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أجْرَى العادَةَ أنَّ الوَلَدَ إنَّما يُخْلَقُ مِن ماءِ الرجلِ وماءِ المرأةِ، قال اللهُ تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَينِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} . وأخْبَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك في الأحَادِيثِ. فعلى هذا، يُحْكَمُ ببُلُوغِها في الوَقْتِ الذي حَمَلَتْ فيه.
فصل: إذا وُجِد خُرُوجُ المَنِيِّ مِن ذَكَرِ الخُنْثَى المُشْكِلِ، فهو عَلَمٌ على بُلُوغِه وكونِه رجلًا،
وإن خَرَج مِن فَرْجِه أو حاضَ، كان عَلَمًا على بُلُوغِه وكونِه امرأةً.
وقال القاضي: ليس واحِدٌ منهما عَلَمًا على البُلُوغِ،
فإنِ اجْتَمَعا فقد بَلَغ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، لجَوازِ أن يَكُونَ الفَرْجُ الذي خَرَج منه ذلك خِلْقَةً زائِدَةً. ولَنا، أنَّ خُرُوجَ البَوْلِ مِن أحَدِ الفَرْجَين دَلِيلٌ على ذُكُورِيَّتِه أو أُنْوثيَّته، فخُرُوجُ المَنِيِّ والحَيضِ أوْلَى،
وإذا ثَبَت كَوْنُه رجلًا خرَج المَنِيُّ مِنِ ذَكَرِه، أو امرأةً خَرَج الحَيضُ مِن فَرْجِها، لَزِم وجُودُ البُلُوغِ، ولأنَّ خُرُوجَ مَنِيِّ الرجلِ مِن المرأةِ، أو الحَيضِ مِن الرجلِ، مُسْتَحِيلٌ، فكان دَلِيلًا على التَّعْيِينِ،
وإذا ثَبَت التَّعْيينُ، لَزِم كَوْنُه دَلِيلًا على البُلُوغِ، كما لو تَعَيَّنَ قبلَ خُرُوجِه، ولأنَّهم سَلَّمُوا أنَّ خُرُوجَهما معًا دَلِيلٌ [على البُلُوغِ]، فخُرُوجُ أحَدِهما مُنْفَرِدًا أوْلَى، لأنَّ: خُرُوجَهما معًا يَقْتَضِي تَعارُضَهما وإسْقاطَ دَلالتِهِما، إذ لا يُتَصَوَّرُ أن يَجْتَمِعَ حَيضٌ صَحِيحٌ ومَنيُّ رجلٍ، فيَلْزَمُ أنْ يكونَ أحَدُهما فَضْلَةً خارِجَةً مِن غيرِ مَحَلِّها، وليس أحَدُهما بذلك أوْلَى مِن الآخَرِ، فتَبْطُلُ دَلالتُهما، كالبَيِّنتَين إذا تَعارَضَتَا، وكالبَوْلِ إذا خرَج مِن المَخْرَجَينِ جَمِيعًا،
بخِلافٍ ما إذا وُجِد أحَدُهما مُنْفَرِدًا،
فإنَّ اللهَ تعالى أجْرَى العادَةَ بأنَّ الحَيضَ يَخْرُجُ مِن فَرْجِ المرأةِ عندَ بُلُوغِها، ومَنِيَّ الرجلِ يَخْرُجُ مِن ذَكَرِه عند بُلُوغِه،
فإذا وُجِد ذلك مِن غيرِ مُعارِضٍ، وَجَب أنْ يَثْبُتَ حُكْمُه،، يُقْضَى بثُبُوتِ دَلالتِه، كالحُكْمِ بكَوْنِه رَجلًا بخُرُوجِ البَوْلِ مِن ذَكَرِه، وبكَوْنِه أُنْثَى بخُروجِه مِن فَرْجِه ، والحُكْمِ للغُلامِ بالبُلُوغِ بخُرُوجِ المنِيِّ مِن ذَكَرِه، وللجارِيَةِ بخُرُوجِ الحَيضِ مِن فَرْجِها. فعلى هذا، إن خَرَجا جَمِيعًا، لم يَثْبُتْ كَوْنُه رجلًا ولا امرأةً. وهل يَثْبُتُ البُلُوغُ بذلك؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَثْبُت. وهو اخْتِيارُ القاضي، ومَذْهَبُ الشافعيِّ، لأنَّه إن كان. رجلًا، فقد خَرَجِ المَنِيُّ مِن ذَكَرِه،
وإن كان أُنْثَى، فقد حاضَتْ.
والثانِي، لا يَثْبُتُ؛ لأنَّ هذا يَجُوزُ أن لا يَكُونَ حَيضًا ولا مَنِيًّا، فلا يكونُ فيه دَلالةٌ، وقد دَلَّ على ذلك تَعارُضُهما، فانْتَفَتْ دَلالتُهما على البُلُوغِ، كانْتِفاءِ دَلالتِهما على الذُّكُورِيَّةِ والأنُوثِيَّةِ. ١٩٣٩ - مسألة: (والرُّشْدُ الصَّلاحُ في المالِ) وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم مالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ.
وقال الحَسَنُ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: الرُّشْدُ الصَّلاحُ في الدِّينِ والمالِ؛ لأنَّ الفاسِقَ غيرُ رَشِيدٍ، ولأنَّ إفْسادَه دِينَه يَمْنَعُ الثِّقَةَ به في حِفْظِ مالِه، كما يَمْنَعُ قَبُولَ قَوْلِه وثُبُوتَ الولايةِ على غيرِه،
وإن لم يُعْرَفْ منه كَذِبٌ ولا تَبْذِيرٌ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى:{فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ}. قال ابنُ عباس: يَعْنِي صَلاحًا في أمْوالِهم.
وقال مُجاهِدٌ: إذا كان عاقِلًا. ولأنَّ هذا إثْباتٌ في نَكِرَةٍ،
ومَن كان مُصْلِحًا لمالِه فقد وُجِد منه رُشْدٌ ، ولأنَّ العَدالةَ لا تُعْتَبَرُ في الرُّشْدِ في الدَّوامِ، فلا تُعْتَبَرُ في الابْتِداءِ، كالزُّهْدِ في الدُّنْيا، ولأنَّ هذا مُصْلِحٌ لمالِه، فأشْبَهَ العَدْلَ، يُحَقِّقُه أنَّ الحَجْرَ عليه إنَّما كان لحِفظِ مالِه عليه، والمُؤثِّرُ فيه ما أَثَّر في تضْيِيعِ المالِ أو حِفظِه. قَوْلُهم: إنَّ الفاسِقَ غيرُ رَشِيدٍ. قُلْنا: هو غيرُ رَشِيدٍ في دِينِه،
أمّا في مالِه وحِفْظِه فهو رَشِيدٌ، ثم هو مُنْتَقِضٌ بالكافِرِ فإنَّه غيرُ رَشِيدٍ في دِينِه، ولا يُحْجَرُ عليه لذلك،
ولا يَلْزَمُ مِن مَنْعِ قَبُولِ القولِ مَنْعُ دَفْعِ مالِه إليه،
فإنَّ مَن يُعْرَفُ بكَثْرَةِ الغَلَطِ والنِّسْيانِ، أو مَن يَأْكُلُ في السُّوقِ، ويَمُدُّ رِجْلَيه في مَجْمَعِ النّاسِ، لا تُقْبَلُ شَهادَتُهم، وتُدْفَعُ إليهم أمْوالُهم.
١٩٤٠ -
(وَلَا يَنْفَكُّ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَالٍ) ،
وَلَوْ صَارَ شَيْخًا، وَرَوَى الْجَوْزَجَانِيُّ فِي الْمُتَرْجَمِ.
قَالَ: كَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَلِي أَمْرَ شَيْخٍ مِنْ قُرَيْشٍ ذِي أَهْلٍ وَمَالٍ لِضَعْف عقله، وَلِأَنَّ الْمَجْنُونَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ لِجُنُونِهِ، فَوَجَبَ اسْتِمْرَارُهُ عَلَيْهِ، وَالصَّبِيَّ عَلَّقَ اللَّهُ تَعَالَى الدَّفْعَ إِلَيْهِ بِشَرْطَيْنِ، وَالْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ بِهِمَا مُنْتَفٍ بِانْتِفَاءِ أَحَدِهِمَا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَأَكْثَرَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَالشَّامِ، وَالْعِرَاقِ - ومصر يرون الْحَجْرَ عَلَى كُلِّ مُضَيِّعٍ لِمَالِهِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ مَالٌ، وَهُوَ يُقَتِّرُ عَلَى نَفْسِهِ وَيُضَيِّقُ عَلَى عِيَالِهِ وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ تَنَاوُلِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَتَنَاوَلُهَا أَدْنَى النَّاسِ فَيَحْجُرُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُنَصِّبُ لَهُ وَلِيًّا يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَعَلَى عِيَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. (وَالْبُلُوغُ يَحْصُلُ بِالِاحْتِلَامِ) ، وَهُوَ خُرُوجُ الْمَنِيِّ مِنَ الْقُبُلِ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْفَرَائِضَ، وَالْأَحْكَامَ تَجِبُ عَلَى الْمُحْتَلِمِ الْعَاقِلِ (أَوْ بُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً) أَيِ: اسْتِكْمَالِهَا لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ:«فَاسْتَصْغَرَنِي وَرَدَّنِي مَعَ الْغِلْمَانِ» ،
فَإِنْ قُلْتَ: بَيْنَ أُحُدٍ، وَالْخَنْدَقِ سَنَتَانِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ عَرْضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ كَانَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَيَوْمَ الْخَنْدَقِ عِنْدَ اسْتِكْمَالِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. لَا يُقَالُ: إِجَازَتُهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ لِقُوَّتِهِ لَا لِبُلُوغِهِ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ فِي الْخَبَرِ السَّابِقِ مَعَ أَنَّ رِوَايَةَ الْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، " وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ " رَافِعَةٌ لِلسُّؤَالِ، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى الشَّافِعِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ لَا يَفْرِضُوا إِلَّا لِمَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً (أَوْ نَبَاتِ الشَّعْرِ الْخَشِنِ حَوْلَ الْقُبُلِ) ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَمَّا حَكَّمَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَحَكَمَ بِقَتْلِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيهِمْ وَأَمَرَ أَنْ يُكْشَفَ عَنْ مُؤْتَزِرِيهِمْ، فَمَنْ أَنْبَتَ فَهُوَ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ فَهُوَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: لَقَدْ حَكَمَ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَضِيَّةُ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَالْحَاكِمُ.
وَقَالَ: عَلَى شَرْطِهِمَا، وَلِأَنَّ الْإِنْبَاتَ يُلَازِمُهُ الْبُلُوغُ غَالِبًا وَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ، وَالْأُنْثَى كَالِاحْتِلَامِ، وَالْخُنْثَى يُعْتَبَرُ فِيهِ الْإِنْبَاتُ حَوْلَ الْفَرْجَيْنِ وَتَقْيِيدُهُ الشَّعْرَ بِالْخَشِنِ لِيَخْرُجَ الزَّغَبُ الضَّعِيفُ، فَإِنَّهُ يَنْبُتُ لِلصَّغِيرِ (وَتَزِيدُ الْجَارِيَةُ) عَلَى الذَّكَرِ (بِالْحَيْضِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَعَنْهُ: لَا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا بِغَيْرِهِ، نَقَلَهَا جَمَاعَةٌ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هِيَ قَوْلٌ أَوَّلٌ (وَالْحَمْلِ) ، لِأَنَّهُ دَلِيلُ إِنْزَالِهَا، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ بِخَلْقِ الْوَلَدِ مِنْ مَاءَيْهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ}{خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ}{يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} فَعَلَى هَذَا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي حَمَلَتْ فِيهِ. قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "،
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَحْكُمُ بِبُلُوغِهَا إِذَا وَلَدَتْ مُنْذُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، لِأَنَّهُ الْيَقِينُ،
وَفِي " التَّلْخِيصِ "، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يُوطَأُ كَأَنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَمْلِ مِنْ حِينِ طَلَاقِهَا فَيُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا حَاضَ خُنْثَى مُشْكِلٌ مِنْ فَرْجِهِ، وَأَنْزَلَ مِنْ ذَكَرِهِ،
وَقِيلَ: أَوْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا أَوْ وُجِدَا مِنْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ، فَقَدْ بَلَغَ،
فَإِنْ أَمْنَى وَحَاضَ مِنْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ، فَلَا ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى،
وَفِي الْبُلُوغِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: لَا يُحْكَمُ بِأَنَّ الْخُنْثَى ذَكَرٌ بِإِنْزَالِهِ مِنْ فَرْجِهِ، وَلَا بِأَنَّهُ أُنْثَى بِحَيْضِهِ، وَلَا بِبُلُوغِهِ بِهِمَا مَعًا، وَلَا بِأَحَدِهِمَا،
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْإِنْزَالَ عَلَامَةُ الْبُلُوغِ مُطْلَقًا. (وَالرُّشْدُ: الصَّلَاحُ فِي الْمَالِ)
فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي صَلَاحًا فِي أَمْوَالِهِمْ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا كَانَ عَاقِلًا، وَلِأَنَّ الْعَدَالَةَ لَا تُعْتَبَرُ فِي الرُّشْدِ فِي الدَّوَامِ، فَلَا تُعْتَبَرُ فِي الِابْتِدَاءِ كَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ مُصْلِحٌ لِمَالِهِ، أَشْبَهَ الْعَدْلَ، فَعَلَى هَذَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَالُهُ،
وَإِنْ كَانَ مُفْسِدًا لِدِينِهِ كَمَنْ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَيَمْنَعُ الزَّكَاةَ وَنَحْوِ ذَلِكَ،
وقيل: الدين، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَقَالَ: هُوَ الْأَلْيَقُ بِمَذْهَبِنَا.
قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْفَاسِقَ غَيْرُ رَشِيدٍ وَاسْتَدَلَّ ابْنُ عَقِيلٍ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، فَإِنَّهَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الِامْتِنَانِ، فَتَعُمُّ
والبُلُوغُ يَحْصُلُ بالاحْتِلامِ -بلا نِزاعٍ- أو بُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، أو نَباتِ الشَّعَرِ الخَشِنِ حولَ القُبُلِ. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، ونقَلَه الجماعَةُ عن أحمدَ. وحُكِيَ عنه رِوايَةٌ، لا يَحْصُلُ البُلوغُ بالإنْباتِ.
وقال في «الفائقِ»: ويَحْصُلُ البُلُوغُ بإكْمالِ خَمْسَ عشْرَةَ سَنَةً.
وعنه، الذَّكَرُ وحدَه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وتَزِيدُ الجارِيَةُ بالحَيضِ والحَمْلِ. بلا نِزاعٍ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»: وحَمْلُها دَلِيلُ إنْزالِها، وقَدْرُه، أقَلُّ مُدَّةِ الحَمْلِ.
وكذا قال الزَّرْكَشِيُّ، وغيرُهم. وعنه، لا يَحْصُلُ بُلُوغُها بغيرِ الحَيضِ. نقَلَها جماعَةٌ. قال أبو بَكْر: هذا قَوْلٌ أوَّلُ.
فائدة: لو وُجِدَ مَنِيٌّ مِن ذَكَرِ خُنْثَى مُشْكِلٍ، فهو عَلَمٌ على بُلوغِه، وكَوْنِه رَجُلًا وإنْ خرَج مِن فَرْجِه، أو حاضَ، كان عَلَمًا على بُلوغِه، وكونِه امْرأَةً. هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. وجزَم به في «الكافِي». وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ». وصحَّحه في «التَّلْخيصِ».
قال في «الرِّعايةِ»: والصَّحيحُ، أنَّ الإِنْزال علامَةُ البُلوغِ مُطْلَقًا. وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه».
وقال القاضي: ليس واحِدٌ منهما عَلَمًا على البُلوغِ.
قال في «عُيونِ المَسائلِ»: إنْ حاضَ مِن فَرْجِ المرْأَةِ، أو احْتَلَمَ منه، أو أَنْزَلَ مِن ذَكَرِ الرَّجُلِ، لم يُحْكَمْ ببُلوغِه؛ لجَوازِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَوْنِه خِلْقَةً زائِدَةً، وإنْ حاضَ مِن فَرْجِ النِّساءِ، وأنْزَلَ مِن ذَكَرِ الرَّجُلِ، فبالِغٌ، بلا إشْكالٍ. انتهى.
وإنْ خرَج المَنِيُّ مِن ذَكَرِه، والحَيضُ مِن فَرْجِه، فمُشْكِلٌ، ويَثْبُتُ البُلوغُ بذلك. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال القاضي: يَثْبُتُ البُلوغُ به. جزَم به في «التلْخيصِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الفائقِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، و «الفُروعِ». وقدَّمه ابنُ رَزِين في «شَرْحِه»، ذكَرَه في بابِ مِيراثِ الخُنْثَى. وتقدَّم كلامُه في «عُيونِ المَسائلِ».
وقيل: لا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يثْبُتُ بذلك البُلوغُ. وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وإنْ خرَج المَنِيُّ والحَيضُ مِن مَخْرَج واحدٍ، فمُشْكِلٌ، بلا نِزاعٍ. وهل يَثْبُتُ البُلوغُ بذلك؟ فيه وَجْهان. وأطْلَقهما في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الفُروعِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الفائقِ»؛ أحدُهما، لا يَحْصُلُ البُلوغُ بذلك. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرى».
والثاني، يَحْصُلُ به. قلتُ: وهو أوْلَى، لأنَّه، إنْ كان ذَكَرًا، فقد أمْنَى،
وإنْ كان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أُنْثَى، فقد أمْنَتْ وحاضَتْ، وكِلاهما يحْصُلُ به البُلوغُ. ثم وَجَدْتُ صاحِبَ «الحاوي الكَبِيرِ» قطعَ بذلك، وعلَّلَه بما قُلْنا. وَالرُّشْدُ الصَّلَاحُ في الْمَالِ. والرُّشْدُ؛ الصَّلاحُ في المالِ. يعْنِي، لا غيرُ. وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقال ابنُ عَقِيل: الرُّشْدُ؛ الصَّلاحُ في المالِ والدَّينِ. قال: وهو الألْيَقُ بمذهبِنا.
قال في «التَّلْخيصِ»: ونصَّ عليه. وَلَا يَدْفَعُ إِلَيهِ مَالهُ حَتَّى يُخْتَبَرَ،
فَإِنْ كَانَ مِنْ أوْلَادِ التُّجَّارِ، فَبِأَنْ يَتَكَرَّرَ مِنْهُ الْبَيع وَالشِّرَاءُ، فَلَا يُغْبَنَ،
وَإنْ كَانَ مِنْ أُوْلَادِ الرُّؤَسَاءِ. وَالْكُتَّابِ، فَبِأَنْ يَسْتَوْفِيَ عَلَى وَكِيلِهِ فِيمَا وَكَّلَهُ فِيهِ. والْجَارِيَةُ بِشِرَائِهَا الْقُطْنَ، وَاسْتِجَادَتِهِ، وَادَفْعِهَا الأُجْرَةَ إِلَى الْغَزَّالاتِ، وَالاستِيفَاءِ عَلَيهِنَّ.
فائدة: قوْلُه: ولا يَدْفَعُ إليه ماله حتى يُخْتَبرَ -يعْنِي، بما يَلِيقُ به، ويُؤنَسُ وَأنْ يَحْفَظَ مَا في يَدِهِ عَنْ صَرْفِهِ فِيمَا لَا
فَائِدَةَ فِيهِ؛ كَالْغِنَاءِ، وَالْقِمَارِ، وَشِرَاءِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَنَحْوهِ.
وَعَنْهُ، لَا يُدْفَعُ إِلَى الْجَارِيَةِ مَالُها بَعْدَ رُشْدِهَا، حَتَّى تَتَزَوَّجَ وتَلِدَ، أوْ تقِيمَ في بَيتِ الزَّوْجِ سَنَةً.
رُشْدُه- فإنْ كان مِن أوْلادِ التُّجَّارِ، فبأنْ يَتَكَرَّرَ منه البَيعُ والشِّراءُ، فلا يُغْبَنَ. يعْنِي، لا يُغبَنُ في الغالِبِ، ولا يَفْحُشُ.
قال: (والبلوغ يحصل بالاحتلام أو بلوغ خمس عشرة (١) سنة أو نبات الشعر الخشن حول القبل، وتزيد الجارية بالحيض والحمل. والرشد الصلاح في المال).
أما كون البلوغ يحصل بالاحتلام فلقوله تعالى:{وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا}. وقول النبي صلى الله عليه وسلم:«رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم» رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
وقوله لمعاذ في الجزية:«خُذْ منْ كلِّ حَالِمٍ دِيناراً» رواه أبو داود.
وأما كونه يحصل بخمس عشرة سنة فلما روى ابن عمر قال:«عُرضتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدرٍ وأنا ابن ثلاثَ عشرة سنة فَردّنِي، وعُرضت عليه وأنا ابن أربع عشرة سنة فردنِي ولم يَرَنِي بَلغتُ، وعُرضتُ عليه عامَ الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. فأخبر بها عمر بن عبدالعزيز فكتب إلى عماله أن لا يفرضوا إلا لمن بلغ خمس عشرة سنة» رواه الشافعي في مسنده قريباً من هذا المعنى.
وروي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إذا استكملَ المولودُ خمس عشرة سنة كُتب ما له وما عليه وأخذتْ منه الحدود».
وأما كونه يحصل بالإنبات فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حكّم سعد بن معاذ في بني قريظة حكم بأن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، وأمرَ بأن يكشفَ عن مؤتزَرِهم فمن أَنبتَ فهو من المقاتلة ومن لم ينبتْ فهو من الذريّة. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لقد حكمَ بحكمِ الله من فوقِ سبعةِ أرقعة».
وروي عن عطية القرظي قال:«عُرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فشكوا فيَّ فأمر أن ينظر إليَّ هل أنبت بعد فنظروا إليَّ فلم يجدوني أنبت بعد فخلوا عني وألحقوني بالذرية» متفق على معناه.
ولأن الإنبات خارج يلازمه البلوغ غالباً ويستوي فيه الذكر والأنثى فكان بلوغاً كالاحتلام.
وأما كون الجارية تزيده بالحيض والحمل؛ فلأن كل واحد منهما معنى لا يوجد في غيرها.
وأما كون البلوغ يحصل بهما: أما بالحيض؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» رواه أبو داود والترمذي.
وأما بالحمل؛ فلأن الله تعالى أجرى العادة أن المرأة لا تحمل إلا بعد أن تحيض. ولأن الله تعالى أخبر أن الولد يخلق من ماء الرجل وماء المرأة بقوله تعالى:{فلينظر الإنسان مم خلق? خلق من ماء دافق? يخرج من بين الصلب والترائب}.
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في أحاديث غير واحدة .
وأما كون الرشد الصلاح في المال فـ «لأن ابن عباس قال في تفسير قوله تعالى: {فإن ءانستم منهم رشداً} [النساء: ٦] أي صلاحاً في أموالهم».
ولأن هذا مصلح لماله فكان رشيداً كالعدل.
ولأن الحجر إنما هو في المال فالمؤثر فيه يجب أن يكون ما أثر في تضييعه أو حفظه.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.