الرَّابِعُ: شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ فَهِيَ شَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ وَمَا يَتَقَبَّلُهُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْعَمَلِ يَصِيرُ فِي ضَمَانِهِمَا يُطَالَبَانِ بِهِ وَيَلْزَمُهُمَا عَمَلُهُ فَهَلْ تَصِحُّ مَعَ اخْتِلَافِ الصَّنَائِعِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ
Its commentaries
فصل: (الرّابعُ، شَرِكَةُ الأبدانِ؛ وهي أن يَشْتَرِكا فيما يَكْتَسِبان بأبْدانِهِما، فهي شرِكَة صَحِيحة) فهي أن يَشْتَرِكَ اثْنان أو أكْثَرُ فيما يَكْتَسِبُونَه [بأيدِيهم أن يَعْمَلُوا في صِناعَتِهم، فما رَزَق اللهُ سُبْحانه، فهو بينَهم،
وكذلك إذا اشْتَرَكُوا فيما يَكْتَسِبُون] مِن المُباحِ؛ كالحَطَبِ، والحَشِيشِ، والثِّمارِ المَأخوذَةِ مِن الجِبالِ، والاصْطِيادِ، والمَعادِنِ، والتَّلَصُّصِ على دارِ الحَرْبِ، فهذا جائِز. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ أبي طالِبٍ، فقال: لا بَأسَ أن يَشْتَرِكَ القَوْمُ بِأبْدانِهم وليس لهم مالٌ، مِثْلَ الصَّيّادِين والحَمّالِين والنَّخّالِين، قد أشْرَكَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بينَ عَمّارٍ وسَعْدٍ وابنِ مَسْعُودٍ، فجاء سَعْدٌ بأسِيرَين ولم يَجِيئا بشيءٍ . وفَسَّرَ أحمدُ صِفَةَ الشرِكَةِ في الغَنِيمَةِ، فقال: يَشتَرِكان فيما يُصِيبان مِن سَلَبِ المَقْتُولِ؛
لأنَّ القاتِلَ يَخْتَصُّ به دُونَ الغانِمِين. وبه قال مالكٌ.
وقال أبو حنيفةَ: تَصِحُّ في الصِّناعَةِ، ولا تَصِحُّ في اكْتِسابِ المُباحِ، كالاحْتِشاشِ والاغْتِنامِ؛ لأن الشَّرِكَةَ مُقْتَضاها الوَكالةُ، ولا تَصِحُّ الوَكالةُ في هذه الأشْياءِ؛ لأنَّ مَن أخَذَها مَلَكَها.
وقال الشافعيُّ: شَرِكَةُ الأبدانِ كلُّها فاسِدَة؛ لأنها شَرِكَة على غيرِ مالٍ، فلم تَصِحَّ، كما لو اخْتَلَفَتِ الصِّناعاتُ. ولَنا، ما روَى أبو داوُدَ ، والأثْرَمُ، بإسْنادِهما عن عبدِ اللهِ قال: اشْتَرَكْنا أنا وسَعْدٌ وعَمّارٌ يومَ بَدْر، فلم أجِيء أنا وعمّارٌ بشيءٍ، وجاء سَعْدٌ بأسِيرَين. ومِثْلُ هذا لا يَخْفَى عن رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وقد أقرَّهُم، وقد قال أحمدُ: أشْرَكَ بينَهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -.
فإن قِيلَ: فالمَغانِمُ مُشتَرَكَة بينَ الغانِمِين بحُكْمِ الله تِعالى، فكيف يَصِحُّ اخْتِصاصُ هؤلاء بالشَّرِكَةِ فيها؟
وقال بعضُ الشافعيّةِ: غَنائِمُ بَدْرٍ كانت لرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فكان له أن يَدْفعَها إلى مَن يَشاءُ، فيَحْتَمِلُ أن يَكُونَ فَعَل ذلك لهذا.
قُلْنا: أمَّا الأوَّلُ، فالجَوابُ عنه: أنَّ غَنائِمَ بَدْرٍ كانت لمَن أخَذَها قبل أن يُشرِكَ الله تعالى بينَهم، ولهذا نُقِلَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«مَنْ أخَذَ شَيئًا فَهُوَ لَهُ». فكان ذلك مِن قَبِيلِ المباحاتِ؛ مَن سَبَق إلى أخْذِ شيء، فهو له.
ويَجُوزُ أن يَكُونَ شَرَّك بينَهم فيما يُصِيبُونَه مِن الأسْلابِ والنَّفَلِ. إلَّا أنّ الأوَّلَ أصَحُّ؛ لقَوْلِه: جاء سَعْدٌ بأسِيرَين ولم أجِئ أنا وعمّارٌ بشيء.
وأمّا الثّانِي، فإنَّ اللهَ تعالى إنَّما جَعَل الغَنِيمَةَ لنَبيِّه عليه السّلامُ بعدَ أن غَنِمُوا واخْتَلَفُوا في الغَنائِمِ، فأنْزَلَ الله تعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ}. والشَّرِكَةُ كانت قبلَ ذلك. ويَدُلُّ على صِحَّةِ هذا، أنَّها لو كانت لرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،
فإمّا أن يَكُونَ قد أباحَهُم أخْذَها، فصارَتْ كالمُباحاتِ، أو لم يُبِحْها لهم، فكيفَ يَشْتَرِكُون في شيءٍ لغيرِهم؟
وفي هذا الخَبَرِ حُجَّة على أبي حنيفةَ أيضًا؛ لأنَّهم اشْتَرَكُوا في مُبَاحٍ، وفيما ليس بصِناعَةٍ ، وهو يَمْنَعُ ذلك، ولأنَّ العَمَلَ أحَدُ جِهَتَي المُضارَبَةِ، فصَحَّتِ الشَّرِكَةُ عليه، كالمالِ، وعلى أبي حنيفةَ أيضًا، أنَّهما اشْتَرَكا في مَكْسَبٍ مُبَاح، فصَحَّ، كما لَو اشْتَرَكا في الخِياطَةِ والقِصارَةِ. ولا نُسَلِّمُ أنَّ الوَكالةَ لا تَصِحُّ في المُباحاتِ؛ فإنَّه يَصِحُّ أن يَسْتَنِيبَ في تَحْصِيلها بأجْرَةٍ، فكذلك يَصِحُّ بغيرِ عِوَض إذا تَبَرَّعَ أحَدُهما بذلك، كالتَّوْكِيلِ في بَيعِ مالِه.
ومَبْناها على الوَكالةِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما وَكِيلُ صاحِبِه، وما يَتَقَبّلُه كلُّ واحِدٍ منهما مِن الأعْمالِ، فهو مِن ضَمانِهما، يُطالبُ به كل واحِدٍ منهما.
٢١٠٨ - مسألة: وتَصِحُّ مع اتِّفاقِ الصَّنائِعِ روايَةً واحِدَةً،
فأمّا مع اخْتِلافِهِما، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَصِحُّ. اخْتَارَه أبو الخَطّابِ. وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّ مُقْتَضاها أنَّ ما يَتَقَبَّلُه كلُّ واحِدٍ منهما مِن العَمَلِ يَلْزَمُهما ويُطالبُ به كلُّ واحِدٍ منهما،
فإذا تَقَبَّلَ أحَدُهما شيئًا مع اخْتِلافِ صَنائِعِهما، لم يُمْكِنِ الآخَرَ أن يَقُومَ به، فكيفَ يَلْزَمُه عَمَلُه؟ أم كيف يُطالبُ بما لا قُدْرَةَ له عليه!
والثّانِي، تَصِحُّ. اخْتارَه القاضي؛ لأنهما اشْتَرَكا في مَكْسَبٍ مُباحٍ، فصَحَّ، كما لو اتَّفَقَتِ الصَّنائع، ولأنَّ الصَّنائع المُتَّفِقَةَ قد يَكُونُ أحَدُ الرَّجُلَينِ أحْذَقَ فيها مِن الآخَرِ، فربَّما يَتَقَبّلُ أحَدُهما ما لا يُمْكِنُ الآخَرَ عَمَلُهُ، ولم يَمْنَعْ ذلك صِحَّتَها، فكذلك إذا اخْتَلَفَت الصَّنائع. وقَوْلُهم: يَلْزَمُ كلَّ واحِدٍ منهما ما يَتَقَبَّلُه صاحِبُه. قال القاضي: يَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه ذلك، كالوَكِيلَين؛ بدَلِيلِ صِحَّتِها في المُباحِ، ولا ضَمانَ فيها.
وإن قُلْنا: يَلْزَمُه. أمْكَنَه تَحْصِيلُ ذلك بالأجْرَةِ، أو بمن يَتَبَرَّعُ له بعَمَلِه. ويَدُلُّ على صِحَّةِ هذا، أنَّه لو قال أحَدُهما: أنا أتَقَبَّلُ وأنتَ تَعْمَلُ. صَحَّتِ الشَّرِكَةُ، وعَمَلُ كلِّ واحِدٍ منهما غيرُ عَمَلِ صاحِبِه.
وقال زُفَرُ: لا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ إذا قال أحَدُهما: أنا أتَقَبَّلُ وأنْتَ تَعْمَلُ. ولا يَسْتَحِقُّ العامِلُ المُسَمَّى، وإنَّما له أجْرُ المِثْلِ. ولَنا، أنَّ الضَّمانَ يُسْتَحَقُّ به الرِّبْحُ، بدَلِيلِ شَرِكَةِ الأبدانِ، وتَقَبُّلُ العَمَلِ يُوجِبُ الضَّمانَ على المُتَقَبِّلِ، ويَسْتَحِقُّ به الرِّبْحَ، فصار كتَقَبُّلِه المال في المُضارَبَةِ، والعَمَلُ يَسْتَحِقُّ به العامِلُ الرِّبْحَ، كعَمَلِ المُضارِبِ، فيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ المُضارَبَةِ.
فصل: والرِّبْحُ في شَرِكَةِ الأبدانِ على ما اتَّفَقُوا عليه، مِن مُساواةٍ أو تَفاضُل؛ لأنَّ العَمَلَ يُسْتَحَقُّ به الرِّبْحُ، وقد يَتفاضَلان في العَمَلِ، فجاز تَفاضُلُهُما في الرِّبْحِ الحاصِلِ به. ولكلِّ واحِدٍ منهما المُطالبةُ بالأجْرَةِ، وللمُسْتَأجِرِ دَفْعُها إلى كلِّ واحِدٍ منهما، وأيهما دَفَعَها إليه بَرِئ منها.
وإن تَلِفَتْ في يَدِ أحَدِهما مِن غير تَفْرِيطٍ، فهي مِن ضَمانِهما؛ لأنَّهما كالوَكِيلَين في المُطالبةِ، وما يَتَقَبَّلُه كل واحِدٍ منهما مِن الأعْمالِ، فهو مِن ضَمانِهِما، يُطالبُ به كلُّ واحِدٍ منهما، ويَلْزَمُه عَمَلُه؛ لأنَّ هذه الشَّرِكَةَ لا تَنْعَقِدُ إلَّا على الضَّمانِ، ولا شيءَ فيها تَنْعَقِدُ عليه الشَّرِكَةُ حال الضَّمانِ، فكأن الشَّرِكَةَ تَضَمَّنتْ ضَمانَ كلِّ واحِدٍ منهما عنِ الآخَرِ ما يَلْزَمُه.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَ أحَدَهما ما لَزِم الآخرَ، كما ذَكَرْنا مِن قَبلُ. وما يَتْلَفُ بتَعَدِّي أحَدِهما أو تَفْرِيطِه أو تحتَ يَدِه على وَجْهٍ يُوجِبُ الضَّمانَ عليه، فهو عليه وَحْدَه،
وإن أقَرَّ أحَدُهما بما في يَدِه، قُبِل عليه وعلى شَرِيكِه؛ لأنَّ اليَدَ له، فيُقْبَلُ إقْرارُه بما فيها، ولا يُقْبَلُ إقْرارُه بما في يَدِ شَرِيكِه، ولا بَدْينٍ عليه؛ لأنَّه لا يَدَ له على ذلك.
٢١٠٩ -
(الرَّابِعُ: شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ) وَبَدَأَ بِهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " (وَهِيَ أَنْ يَشْتَرِكَا) أَيِ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ (فِيمَا يَكْتَسِبَانِ بِأَبْدَانِهِمَا) أَيْ يَشْتَرِكُونَ فِيمَا يَكْتَسِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ، وَصَنَائِعِهِمْ، فَمَا رَزَقَ اللَّهُ فَهُوَ بَيْنَهُمْ،
وَفِي " الْفُرُوعِ " وَهِيَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِيمَا يَتَقَبَّلَانِ فِي ذِمَمِهِمَا مِنْ عَمَلٍ (فَهِيَ شَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ) نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَسَعْدٌ وَعَمَّارٌ يَوْمَ بَدْرٍ فَلَمْ أَجِئْ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ، وَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ،
وَمِثْلُهُ لَا يَخْفَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ أَقَرَّهُمْ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: أَشْرَكَ بَيْنَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،
فَإِنْ قُلْتَ: الْمَغَانِمُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ اخْتِصَاصُ هَؤُلَاءِ بِالشَّرِكَةِ فِيهَا.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: غَنَائِمُ بَدْرٍ كَانَتْ لِمَنْ أَخْذَهَا قَبْلَ أَنْ يُشْرِكَ بَيْنَهُمْ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقَالُ: «مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ» ، فَكَانَ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحَاتِ،
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شُرِكَ بَيْنَهُمْ فِيمَا يُصِيبُونَهُ مِنَ الْأَسْلَابِ وَالنَّفْلِ، وَبِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا جَعَلَ الْغَنِيمَةَ لِنَبِيِّهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْغَنَائِمِ، فَانْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ} الْآيَةَ، وَالشَّرِكَةُ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَالرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ، نَصَّ عَلَيْهِ. (وَمَا يَتَقَبَّلُهُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْعَمَلِ يَصِيرُ فِي ضَمَانِهِمَا يُطَالَبَانِ بِهِ وَيَلْزَمُهُمَا عَمَلُهُ) لِأَنَّ شَرِكَةَ الْأَبْدَانِ لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ.
وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ عَنِ الْقَاضِي احْتِمَالًا: لَا يَلْزَمُ أَحَدَهُمَا مَا يَلْزَمُ الْآخَرَ كَالْوَكِيلَيْنِ (فَهَلْ تَصِحُّ مَعَ اخْتِلَافِ الصَّنَائِعِ؟) كَقَصَّارٍ مَعَ خَيَّاطٍ (عَلَى وَجْهَيْنِ) الْأَصَحُّ الصِّحَّةُ، لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي تَكَسُّبٍ مُبَاحٍ فَصَحَّ كَمَا لَوِ اتَّفَقَتِ الصَّنَائِعُ،
وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ; لَأَنَّ مُقْتَضَاهَا أَنَّ مَا يَتَقَبَّلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَمَلِ يَلْزَمُهُمَا، وَيُطَالَبَانِ بِهِ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ مَعَ اخْتِلَافِ صَنَائِعِهِمَا ; لِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَرُدَّ بِأَنَّ تَحْصِيلَ ذَلِكَ يُمْكِنُهُ بِالْأُجْرَةِ، أَوْ بِمَنْ يَتَبَرَّعُ لَهُ بِعَمَلِهِ.
تَنْبِيهٌ: لَا يُشْتَرَطُ مَحَلُّ عَمَلِهِمَا، وَلَا تَسَاوِيهِمَا فِيهِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَلَبُ الْأُجْرَةِ، وَلِلْمُسْتَأْجِرِ دَفْعُهَا إِلَى أَحَدِهِمَا،
وَمَنْ تَلِفَ بِيَدِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْ،
وَإِنْ فَرَّطَ أَوْ تَعَدَّى ضَمِنَ فَقَطْ،
فَإِذَا أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِمَا فِي يَدِهِ قُبِلَ عَلَيْهِ وَعَلَى شَرِيكِهِ ; لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ، وَلَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِمَا فِي يَدِ شَرِيكِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ.
فَصْل: الرَّابع، شَرِكَة الْأبْدَانِ؛ وهِيَ أنْ يَشْتَرِكَا فِيمَا يَكْتَسِبَانِ بِأبْدَانِهِمَا، فَهِيَ شَرِكَةٌ صَحِيحَة، وَمَا يَتَقَبَّله أحَدهمَا مِنَ الْعَمَلِ، يَصِير فِي ضَمَانِهِمَا يُطَالبَانِ بِهِ وَيَلْزَمهمَا عَمَلُهُ.
تنبيه: قوْلُه: الرَّابعُ، شَرِكَةُ الأبدانِ؛ وهي أنْ يَشْتَرِكا فيما يَكْتَسِبان بأبدانِهما.
قال في «الفُروعِ»: وهي أنْ يَشْتَرِكا فيما يتَقَبَّلان في ذِمتِهما مِن عَمَلٍ.
وكذا قال في «المُحَرَّرِ» وغيرِه. وما يَتَقَبَّلُه أحدُهما مِنَ العَمَلِ، يَصِيرُ في ضَمانِهما، يُطالبان به، ويَلْزَمُهما عَمَلُه. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. وذكَر المُصَنِّفُ وغيرُه، عنِ القاضي احْتِمالًا، لا يَلْزَمُ أحدَهما ما يَلْزَمُ صاحِبَه. وَهَلْ تَصِحُّ مَعَ اخْتِلَافِ الصَّنَائِعِ؟ عَلَى وَجْهَينِ. وَتَصِحُّ فِي وهل تصِحُّ مع اخْتلافِ الصَّنائعِ؟ على وَجْهَين. وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «التلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الزرْكَشِيُّ»، و «المَذهَبِ الأحْمَدِ»؛
أحدُهما، يصِحُّ. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. اخْتارَه القاضي.
قال في «الفُروعِ»: ويصِحُّ مع اخْتِلافِ الصِّناعَةِ، في الأصحِّ. قال النَّاظِمُ: هذا أجْوَدُ. وصحَّحَه في «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ». وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «النِّهايةِ»، و «الإيضاحِ». وقدَّمه في «الكافِي». وهو ظاهِرُ كلامِ الاحتِشَاشِ، وَالاصْطِيَادِ، وَالتَّلَصُّصِ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ.
الخِرَقِيِّ. والوَجْهُ الثَّاني، لا يصِحُّ.
قال في «الهِدايَةِ»: وهو الأقْوَى عندِي.
قوله: ويَصِحُّ في الاحْتِشاش والاصْطِيادِ، والتَّلَصُّصِ على دارِ الحرْبِ، وسائر المُباحاتِ. هذا المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»: ويصِحُّ في تَمَلُّكِ المُباحاتِ، في الأصحِّ، كالاسْتِئْجارِ عليه. وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الوَجيزِ».
وقيل: لا يصِحُّ. وَإنْ مَرِضَ أحدُهُمَا، فَالْكَسْبُ بَينَهُمَا.
فَإِنْ طَالبَهُ الصَّحِيحُ أنْ يُقِيمَ مُقَامَهُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ.
تنبيه: مَفْهومُ قوْلِه: وإنْ مَرِضَ أحدُهما، فالكَسْبُ بينَهما. أنَّه لو ترَك العَمَلَ لغيرِ عُذْرٍ، لا يكونُ الكَسْبُ بينَهما. وهو أحدُ الوَجْهَين. وهو احْتِمالٌ فَإِنِ اشْتَرَكَا لِيَحْمِلَا عَلَى دَابَّتَيْهمَا وَالأُجْرَةُ بَينَهُمَا، صَحَّ.
فَإن تَقَبَّلَا حَمْلَ شَيْءٍ، فَحَمَلَاهُ عَلَيهِمَا، صَحَّتِ الشَّرِكَةُ، وَالأجْرَةُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ.
للمُصَنِّفِ. والوَجْهُ الثاني، يكونُ الكَسْبُ بينَهما أيضًا. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
قال في «الفُروعِ»: والأصحُّ، ولو ترَكَه بلا عُذْرٍ، فالكَسْبُ بينَهما. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى»، و «الفائقِ».
فصل [في شركة الأبدان] قال المصنف رحمه الله: (الرابع: شركة الأبدان. وهي: أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما. فهي شركة صحيحة، وما يتقبله أحدهما من العمل يصير في ضمانهما، يطالبان به ويلزمهما عمله. وهل يصح مع اختلاف الصنائع؟ على وجهين) .
أما كون الرابع من أضرب الشركة شركة الأبدان؛ فلأنه يلي الثالث.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهي أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما فبيان لمعنى شركة الأبدان.
وأما كونها صحيحة فلما روي عن عبدالله قال:«اشتركتُ أنا وسعدٌ وعمارٌ يومَ بدرٍ. فلمْ أَجئْ أنا وعمارٌ بشيء وجاءَ سعدٌ بأسيرين» رواه أبو داود والأثرم.
ومثل هذا لا يخفى على النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: الغنائم مشتركة بين الغانمين بحكم الله فكيف يصح اختصاص هؤلاء بالشركة فيها؟
وقال بعض الشافعية: غنائم بدر كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان له أن يدفعها إلى من شاء فيحمل أن يكون إقراره لهم على ذلك لذلك.
قيل: أما الأول فلا يصح لأن غنائم بدر كانت قبل أن يشرك الله بين الغانمين فيها ولهذا نقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أخذ شيئاً فهو له». فكان ذلك من قِبَل المباحات مَنْ سَبَقَ إلى أخذ شيءٍ فهو له.
وأما الثاني فهو مثل الأول؛ لأن الشركة كانت قبل نزول قوله تعالى:{قل الأنفال لله والرسول}.
ويدل على صحة هذا أنها لو كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم تخل: إما أن يكون قد أباحها لهم فتكون كالمباحات، أو لم يبحها لهم فكيف يشتركون في شيء لغيرهم.
ولأن العمل أحد جهتي المضاربة فصحت الشركة عليه كالمال.
وأما كون ما يتقبله أحدهما من العمل يصير في ضمانهما يطالبان به ويلزمهما عمله؛ فلأن شركة الأبدان لا تنعقد إلى على ذلك لأنه لا شيء فيها غير ذلك تنعقد عليه.
وأما كونها تصح مع اختلاف الصنائع؛ مثل: أن يكون أحدهما خياطاً والآخر قَصّاراً وما أشبه ذلك على وجهٍ وهو للقاضي؛ فلأنهما اتفقا في مكسب مباح فصح كما لو اتفقت الصنائع.
وأما كونها لا تصح على وجهٍ وهو لأبي الخطاب؛ فلأن مقتضى الشركة لزوم كل واحد منهما ما يتقبله الآخر ولا يمكن القيام بذلك مع اختلاف الصنعة لأنه لا قدرة له عليه.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.