وَهُمَا مَشْرُوعَانِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ دُونَ غَيْرِهَا لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ وَهُمَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إِنِ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِمَا قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ
Its commentaries
بابُ الأذانِ والإقامَةِ أصْلُ الأذانِ في اللغَةِ الإعْلامُ. قال الله تعالى:{وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}. أي: إعْلام.
وقال الشّاعِرُ :
* آذَنَتْنا ببَينها أسْماءُ * أي: أعْلَمتْنا. والأذانُ للصلاةِ إعْلام بوَقْتِها، والأذانُ الشَّرعِيُّ هو اللفْظُ المَعْلُومُ المَشْروعُ في أوْقاتِ الصلَوات. فصل: وفيه فَضْل عَظِيم، لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رَسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال:«لَوْ يَعْلَمُ الناسُ مَا في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأولِ، ثُم لَمْ يَجِدُوا إلَّا أنْ يَستهمُوا عَلَيهِ، لَاسْتَهَمُوا عَلَيهِ». مُتَّفَق عليه . وعن مُعاويَةَ بنِ أبي سُفْيانَ، قال: سَمعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ:«الْمُؤذِّنُونَ أطْوَلُ النَّاسِ أعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
رَواه مسلمٌ . وعن ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«مَنْ أذنَ سَبْعَ سِنِينَ مُحْتَسِبًا، كتبَ الله لَهُ بَرَاءَة مِنَ النَّارِ». رَواه ابنُ ماجَه . وعن ابنِ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «ثَلَاثةٌ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ رَجُل أمَّ قوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ، وَرَجُل يُؤذِّنُ في كُل يَوْم خَمْسَ صَلَواتٍ، وَعَبْدٌ أدَّى حَقَّ اللهِ وَحَق مَوَالِيهِ». رَواه أحمدُ، والترمِذِيُّ .
وعن البراءِ بنِ عازِبٍ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:«إنَّ اللهَ وَمَلَائِكتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّف الْمُقَدَّمِ، وَالْمُؤذِّنُ يُغْفرُ لَهُ بِمَدِّ صَوْتِهِ، وَيُصَدِّقُهُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ رَطْبٍ وَيَابِس، وَلَهُ مِثْلُ أجْرِ مَنْ صَلى مَعَهُ». رَواه الإمامُ أحمدُ والنَّسائِيُّ .
فصل: قال القاضي: الأذانُ أفْضَلُ مِن الإمامَةِ. وهذا إحْدَى الرِّوايَتَين عن أحمدَ، وهو اخْتِيارُ ابنِ أبي موسى، وجَماعَةٍ مِن أصحابِنا. [وهذا مَذْهَبُ] الشافعيِّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأخْبارِ في فَضِيلَتِه،
ولِما روَى أبو هريرة، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«الإمَامُ ضَامنٌ، وَالمُوذِّن مُوتمنٌ اللَّهُمَّ أرشِدِ الأئمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُوذنِينَ». رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمِذِيُّ . والأمانَةُ أعْلَى مِن الضَّمانِ، والمَغْفِرَةُ أعلى مِن الإرْشادِ. والرِّوايَةُ الثانيةُ، الإمامَةُ أفْضَل؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَلّاها بنَفْسِه، وخُلَفاؤه مِن بعدِه، ولا يَخْتارُون إلَّا الأفضلَ، ولأنَّ الإمامَةَ يُخْتارُ لها مَن هو أكْمَلُ حالًا وأفْضَلُ، واعْتِبارُ فضِيلَتِه دَلِيلٌ على فضيلةِ مَنْزِلَتِه.
ومَن نَصَر الروايَةَ الأُولَى قال: إنَّما لم يَتَوَلَّه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وخُلَفاؤُه؛ لضِيقِ وَقْتِهم عنه، ولهذا قال عُمَرُ: لولا الخِلِّيفَي لأذَّنْتُ . والله أعلمُ.
٢٥٨ - مسألة: (وهما مَشْرُوعان للصَّلَواتِ الخَمْسِ دُونَ غيرِها، للرِّجالِ دونَ النِّساءِ) أجْمَعَتِ الأمةُ على أنَّ الأذانَ والإقامَةَ مَشْرُوعان للصَّلَواتِ الخَمسِ، ولا يُشرعان لغيرِ الصَّلَواتِ الخَمسِ، لأنَّ المَقْصُودَ منه الإعْلامُ بوَقْتِ المفْرُوضَةِ على الأعْيانِ، وهذا لا يُوجَدُ في غيرِها. والأصْلُ في الأذانِ ما رُوِيَ عن أنس بنِ مالكٍ، رَضِي اللهُ عنه، قال: لَمّا كثُر النّاسُ ذَكَرُوا أن يَعْلَمُوا وَقْتَ الصَّلاةِ بشيءٍ يَعْرِفُونَه، فذَكَرُوا أن يُورُوا نارًا، أو يَضْرِبُوا ناقُوسًا، فأُمِرَ بِلالٌ اُن يَشْفَعَ الأذانَ ويُوتر الإقامَةَ.
مُتَّفَقٌ عليه . وعن عبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ بن عبدِ رَبِّه، رَضِي اللهُ عنه، قال: لَما أمَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالنّاقُوس يُعْمَلُ ليُضْرَبَ به [للنّاسِ لجَمْعِ الصلاة]، طاف بِي وأنا نائمٌ رجلٌ يَحْمِلُ ناقوسًا في يَدِه، فقلتُ: يا عبدَ اللهِ، أتَبِيعُ النّاقُوسَ؟ قال: وما تَصْنَعُ به؟
قلتُ: نَدْعُو به إلى الصلاةِ. قال: أفلا أدُلُّكَ على ما هو خَير مِن ذلك؟ فقلت: بلى. قال: فقال: تقولُ: الله أكبرُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ، أشْهَدُ أن لا إِلَهَ إلا الله، أشْهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ، أشْهدُ أن محمدًا رسولُ الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ، حَيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الصلاةِ، حَيَّ على الفَلاح، حيَّ على الفلاحِ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، لا إلَهَ إلا الله. ثم اسْتَأخَرَ عنِّي غيرَ بَعِيدٍ، ثم قال: ثم تَقُولُ إذا أقَمْتَ الصلاةَ: اللهُ أكبرُ الله أكبرُ، أشْهدُ أن لا إلَهَ إلَّا الله، أشْهَدُ أن محمدًا رسولُ الله، حَيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الفَلاحِ، قد قامتَ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ، الله أكبرُ الله أكبرُ، لا إلَهَ إلَّا اللهُ.
فلَمّا أصْبَحْتُ أتَيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فأخْبرتُه بما رَأيتُ، فقال:«إنَّهَا لرؤيَا حَقٍّ، إنْ شَاءَ الله، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ، فألْقِ عَلَيةِ مَا رَأيتَ، فَلْيُؤذِّنْ بهِ، فَإَّنهُ أندَى صَوْتًا مِنْكَ». فقُمْتُ مع بِلالٍ، فجَعَلْتُ أُلقِيه عليه ويُؤذِّنُ به. قال: فَسَمِعَ ذلك عُمَرُ بنُ الخطابِ، رَضِي الله عنه، وهو في بَيته، فخرَجَ يَجُرُّ رِداءَه، يقولُ: والذي بَعَثَك بالحَقِّ يا رسولَ الله، لقد رَأيتُ مثلَ الذي رَأى. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَلِلَّهِ الْحَمدُ».
أخْرَجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وهذا لَفْظُه، وابنُ ماجَه ، وأخْرَج الترِّمِذِيُّ بعْضَه ،
وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
فصل: وليسَ على النِّساءِ أذانٌ ولا إقامَةٌ. كذلكَ قال ابنُ عُمَرَ، وأنَسٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وابنُ سِيرينَ، والثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، وأصحابُ الرَّأْي. ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم. واخْتَلَفُوا، هل يُسَنُّ لَهُنَّ ذلك؟ فرُوىَ عن أحمدَ، إن فَعَلْنَ فلا بَأْسَ،
وإن لم يَفْعَلْنَ. فجائِزٌ. وقال القاضي: هل تُسْتَحَبُّ لها الإقامَةُ؟ على رِوايَتَين. وعن جابِرٍ، أنَّها تُقِيمُ. وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والأوْزاعِيُّ.
وقال الشافعيُّ: إن أذَّنَّ وأقَمْنَ فلا بَأْسَ. وعن عائشةَ، أنَّها كانَتْ تُؤَذِّنُ وتُقِيمُ. وبه قال إسحاقُ. وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أذِنَ لأُمِّ وَرَقَةَ أن يُؤذَّنَ لها ويُقامَ، وتَؤُمَّ نِساءَ أهْلِ دارِها . إلَّا أنَّ هذا الحديثَ يَرويه الوَلِيِدُ بنُ جُمَيعٍ ، وقد قال ابنُ حِبّانَ: لا يُحْتَجُّ بحَدِيثِه. ووَثَّقَه يَحْيى بنُ مَعِينِ. ورُوي عنه، لا يُشْرَعُ لها ذلك، لِما روَى النَّجَادُ، بإسنادِه، عن أسماءَ بنتِ يَزِيدَ، قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ:«لَيسَ عَلَى النِّسَاءِ أذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ».
ولأنَّ الأذانَ يُشْرَعُ له رَفْعُ الصَّوْتِ، ولا يُشْرَعُ لها، ولا تُشْرَعُ لها الإقامَةُ؛ لأنَّ مَن لا يُشْرَعُ له الأذانُ، لا تُشْرَعُ له الإقامَةُ، كغيرِ المُصَلِّي وكالمَسْبُوقِ. ٢٥٩ - مسألة؛ قال: (وهما فَرْضٌ على الكِفايَة، إن اتفَق أهلُ بَلَدٍ كل تركِهما قائَلَهُم الإمامُ) كذلك ذَكَرَه أبو بكر عبدُ العزيزِ ، وهو قولُ أكْثَرِ الأصحابِ، وبعض أصحابِ مالكٍ. وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهدٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: الأذانُ والإقامةُ واجِبان كل كلِّ جماعةٍ، في الحَضَرِ والسَّفرِ، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ به مالكَ بنَ الحُوَيرِثِ وصاحِبَه، والأمْرُ يَقْتَضي الوُجُوبَ، وداوَم عليه هو وخُلَفاؤه وأصحابُه.
ولأنَّه مِن شعائِرِ الإسلامِ الظّاهِرَةِ، فكان فَرْضًا، كالجهادِ. فعلى هذا إذا قام به مَن تَحْصُلُ به الكِفايَةُ سَقَط عن الباقِين، كسائِرِ فُرُوض الكِفاياتِ،
وإن اتَّفَقُوا على تَرْكِه أثِمُوا كلُّهم. ولأن بِلالًا كان يُؤذِّنُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فيَكتَفِي به.
وإنِ اتَّفَق أهلُ البَلَدِ على تركِه، قاتَلَهُم الإمامُ عليه؛ لأنَّه مِن شعائِرِ الإسلامِ الظّاهِرَةِ، فقُوتِلُوا عليه، كصَلاةِ العِيدَين. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أن الأذانَ سُنَّةٌ غيرُ واجِب؛
لأنه قال: فإن صَلَّى بلا أذانٍ ولا إقامةٍ، كَرِهْنا له ذلك. فجَعَلَه مَكْرُوهًا، وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ لأنَّه دُعاءٌ إلى الصلاةِ، فأشْبَهَ قَوْلَه: الصَّلاةَ جامِعَةً.
وقال ابنُ أبي موسى: الأذانُ سُنةٌ في إحْدَى الروايَتَين، إلَّا أذانَ الجُمُعَةِ حين يَصْعَدُ الإمامُ، فإنَّه واجِبٌ. وعلى كِلا القَوْلَين إذا صَلى بغيرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ، كُرِه له ذلك، لِما ذَكَرْنا، وصَحَّتْ صَلاتُه؛ لِما رُوِيَ عن عَلْقَعَةَ والأسْوَدِ ، أنَّهما قالا: دَخَلْنا على عبدِ اللهِ فصَلَّى بنا، بلا أذانٍ ولا إقامَةٍ. رَواه الأثْرَمُ. قال شيخُنا : ولا أعْلَمُ أحدًا خالفَ في ذلك إلَّا عَطَاءً، قال: مَن نَسِي الإقامَةَ يُعِيدُ. ونَحْوُه عن الأوْزاعِيِّ.
والصَّحِيحُ، إن شاء الله، قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّ الإقامَةَ أحَدُ الأذانَين، فلم يُفْسِدْ تَرْكُها، كالآخَرِ.
فصل: ومَن أوْجَبَ الأذانَ مِن أصحابِنا إنَّما أوْجَبَه على أهلِ المِصْرِ،
فأمّا غيرُ أهلِ المِصْرِ مِن المُسافِرِين فلا يَجِبُ عليهم. كذلك ذَكَره القاضي.
وقال مالكٌ: إنَّما يَجِبُ النِّداءُ في مَساجِدِ الجَماعَةِ التي يُجْمَعُ فيها للصلاةِ؛ وذلك لأنَّ الأذانَ إنَّما شُرِعَ في الأصْلِ للإعْلامِ بالوَقْتِ، ليَجْتَمِعَ النَّاسُ إلى الصلاةِ، ويُدْرِكُوا الجَماعَةَ. ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ في السَّفَرِ للجَماعَةِ، وهو قَوْلُ ابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ به بلالًا في السَّفَرِ،
وقال لمالكِ بنِ الحُوَيرِثِ، ولابنِ عَمٍّ له:«إذَا سَافَرْتُمَا فَأذِّنَا وَأقِيمَا ولْيَؤُمَّكُمَا أكْبَرُكُمَا». مُتَّفَقٌ عليه . وهذا ظاهِرٌ في وُجُوبِه. ويَكْفِي مُؤَّذِّنٌ في المِصْرِ، إذا كان يُسْمِعُهم ويَجْتَزئُ بَقِيَّتُهم بالإقامَةِ. قال أحمدُ، في الذي يُصَلِّي في بَيتِه: يُجْزِئُه أذانُ المِصْرِ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي،
وقال مالكٌ، والأوْزاعِيُّ: تَكْفِيهِ الإقامَةُ.
وقال الحسنٌ، وابنُ سِيرِينَ: إن شاء أقام. لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال للذي عَلَّمَه الصلاةَ:«إذَا أردْتَ الصَّلَاةَ فَأحْسِنِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَكَبِّرْ».
وفي لفطٍ رَواه النَّسائِيُّ: «فَأقِمْ ثُمَّ كَبِّرْ . وقد ذَكَرْنا حديثَ ابنِ مسعودٍ . فصل: والأفْضَلُ لكلِّ مُصَلٍّ أن يُؤذِّنَ ويُقِيمَ، إلَّا أنه إن كان يُصَلِّي قَضاءً أو في غيرِ وَقْتِ الأذانِ، لم يَجْهَرْ به، وإن كان في الوقت في بادِيةٍ أو نَحْوها، اسْتُحبَّ له الجَهْرُ بالأذانِ؛ لقَوْلِ أبي سعيدِ:«إذا كُنْتَ في غَنَمِكَ أوْ بَادِيتكَ فَأذنْتَ بالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالندَاءِ، فَإنَّه لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمؤذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قال أبو سعيدٍ: سَمعْتُه عِن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. رَواه البخاريُّ . وعن أنسٍ، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُغِيرُ إذا طَلَع الفَجْرُ، وكان إذا سَمِع أذانًا أمْسَك، وإلَّا أغار، فسَمِعَ رجلًا يقولُ: الله أكبرُ الله أكبرُ. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَى الْفِطْرَةِ». فقال: أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ، [أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا الله]. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «خَرجْتَ مِنَ النَّارِ». فَنَظروا فإذا صاحبُ مِعْزًى . رَواه مسلمٌ .
فصل: ويُسْتَحَبُّ الأذانُ في السَّفَرِ، وللراعِي وأشْباهِه في قوْلِ أكثَرِ أهلِ العلم، وكان ابنُ عُمَرَ يُقيمُ لكلِّ صلاةٍ إقامَة، إلَّا الصُّبحَ، فإنَّه يُؤذِّنُ لها ويُقيمُ، وكان يقولُ: إنَّما الأذانُ على الإمام والأميرِ الذي يَجْمَعُ النّاسَ. وعنه، أنَّه كان لا يُقِيمُ الصلاةَ في أرضٍ تُقامُ فيها الصلاةُ. وعن علي، رَضِي الله عنه: إن شاء أذَّنَ وأقام، وإن شاء أقام. وبه قال الثَّوْرِيُّ. وقال الحسنُ: تُجْزِئُه الإقامَةُ. وقال إبراهيمُ في المُسافِرِين: إذا كانوا رِفَاقًا أذَّنُوا وأقامُوا، وإن كان وَحْدَه أقام الصلاةَ. ولَنا، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُؤذنُ له في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وأمَرَ به مالكَ بنَ الحُوَيرِثِ وصاحِبَه، وما نُقِل عن السَّلَفِ في هذا، فالظّاهِرُ أنَّهم أرادُوا وَحْدَه، كما قال إبراهيمُ النخعِيُّ في كَلامِه، والأذانُ مع ذلكَ أفضل؛ لِما ذَكْرنا مِن حديثِ أبي سعيدٍ، وحديثِ أنسٍ، وروَى عُقبَةُ بنُ عامِرٍ، قال: سَمعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنمٍ في رَأس الشَّظِيَّة لِلْجَبَلِ، يُؤذِّنُ بِالصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي، فَيَقُول الله عَز وَجَلَّ: انْظُرُوا إلَى عَبْدِي هَذَا، يُؤذِّنُ وَيُقيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ منِّي، قدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، وَأدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ». رَواه النَّسائِيُّ . والصَّلَواتُ في الأذانِ على أرْبَعةِ أضرُب؛ ما يُشرَعُ لها الأذانُ والإقامَةُ، وهي الفَرْضُ المُؤدَّاةُ مِن الصَّلَواتِ الخمْسِ، وصَلاة يُقيمُ لها ولا يؤذِّنُ، وهي الثّانِيَة مِن صَلاتَّي الجَمْعِ، وما بعدَ الأولَى في الفَوائِتِ، وصلاة لا يُؤذِّنُ لها ولا يُقِيمُ، لكن يُنادِي لها: الصلاةَ جامِعَة. وهي العِيدان والكُسُوفُ والاسْتِسْقاءُ، وصلاة: لا يُوْذِّنُ لها أصْلًا وهي صلاةُ الجِنازَةِ. ٢٦٠ -
بَابُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ] [تَعْرِيفُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَمَشْرُوعِيَّتُهُمَا] بَابُ الْأَذَانِ.
الْأَذَانُ: هُوَ فِي اللُّغَةِ الْإِعْلَامُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} أَيْ: إِعْلَامٌ، وَقَوْلِهِ {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} أَيْ: أَعْلِمْهُمْ يُقَالُ: أَذَّنَ بِالشَّيْءِ يُؤَذِّنُ أَذَانًا وَتَأْذِينًا، وَأَذِينًا عَلَى وَزْنِ رَغِيفٍ: إِذَا أَعْلَمَ بِهِ، وَهُوَ اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْأُذُنِ، وَهُوَ الِاسْتِمَاعُ كَأَنَّهُ يُلْقِي فِي آذَانِ النَّاسِ مَا يُعْلِمُهُمْ بِهِ.
وَفِي الشَّرْعِ: الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ قُرْبِهِ بِذِكْرٍ مَخْصُوصٍ، وَالْإِقَامَةُ: هِيَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ أَقَامَ، وَحَقِيقَتُهُ إِقَامَةُ الْقَاعِدِ،
وَفِي الشَّرْعِ: الْإِعْلَامُ بِالْقِيَامِ إِلَيْهَا بِذِكْرٍ مَخْصُوصٍ، كَأَنَّ الْمُؤَذِّنَ أَقَامَ الْقَاعِدِينَ، وَأَزَالَهُمْ عَنْ قُعُودِهِمْ. إِعْلَامُ الْأَذَانِ فِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، وَلِقَوْلِهِ: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، وَلِقَوْلِهِ:«مَنْ أَذَّنَ سَبْعَ سِنِينَ مُحْتَسِبًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِمَامَةِ فِي الْأَصَحِّ،
وَمِنَ الْإِقَامَةِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ،
وَعَنْهُ: فَضَّلَهَا، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ عَدَمَ مُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِ
إِمَّا خَوْفُ تَغْيِيرِ صِيغَتِهِ، أَوْ تَوَهُّمُ سَامِعٍ أَنَّ ثَمَّ غَيْرَهُ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ أَوْ لِضِيقِ الْوَقْتِ عَنْهُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ "
وَقِيلَ: إِنَّمَا تَرَكَهُ، لِأَنَّهُ لَوْ أَذَّنَ لَزِمَ إِجَابَتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ التَّخَلُّفُ عَنْ دَعْوَتِهِ، مَعَ أَنَّهُ وَرَدَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذَّنَ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي مَطَرٍ، وَبِلَّةٍ» . خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي أَنَّهُ أَفْضَلُ (وَهُمَا مَشْرُوعَانِ) بِالْكِتَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} ، وَبِالسُّنَّةِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ: «لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيَضْرِبَ النَّاسُ بِهِ لِجَمْعِ الصَّلَاةِ، طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؛ فَقَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؛ فَقُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؛ فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ: ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ قَالَ: تَقُولُ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ فَقَالَ: إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ، فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ وَيُؤَذِّنُ بِهِ، قَالَ: فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وَيَقُولُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي رَأَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلَفْظُهُ لَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ بَعْضَهُ، وَصَحَّحَهُ، وَمَدَارُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ عَلَى ابْنِ إِسْحَاقَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ فَذَكَرَهُ،
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلْتُ الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا فَقَالَ: هُوَ عِنْدِي حَدِيثٌ صَحِيحٌ (لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ) وَفِي " الْفُرُوعِ " وَالْجُمُعَةِ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِدُخُولِهَا فِي الْخَمْسِ (دُونَ غَيْرِهَا) مِنْ فَائِتَةٍ وَمَنْذُورَةٍ،
وَقِيلَ: بَلَى، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ بَيْنَ الْمَفْرُوضَاتِ وَغَيْرِهَا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْإِعْلَامُ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا،
وَكَذَا عِيدٌ، وَكُسُوفٌ، وَاسْتِسْقَاءٌ بَلْ يُنَادَى لِذَلِكَ، وَأَلْحَقَ الْقَاضِي بِذَلِكَ التَّرَاوِيحَ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يُنَادَى لَهَا كَالْجِنَازَةِ عَلَى الْمَعْرُوفِ.
فَرْعٌ: يُسَنُّ أَذَانٌ فِي أُذُنِ مَوْلُودٍ حِينَ يُولَدُ،
وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهَا، وَيُقِيمُ فِي الْيُسْرَى. (لِلرِّجَالِ) بِشَرْطِ الْإِسْلَامِ وَالْعَقْلِ،
وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَسَيَأْتِي (دُونَ النِّسَاءِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ:«لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إِقَامَةٌ» رَوَاهُ النَّجَّادُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَأَنَسٍ، وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُ، لِأَنَّ الْأَذَانَ يُشْرَعُ لَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَلَا يُشْرَعُ لَهَا،
وَكَذَا الْإِقَامَةُ، لِأَنَّ مَنْ لَا يُشْرَعُ لَهُ الْأَذَانُ لَا تُشْرَعُ لَهُ الْإِقَامَةُ كَالْمَسْبُوقِ،
وَعَنْهُ: يُسَنُّ لَهُنَّ، لِفِعْلِ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَذِّنُ وَتُقِيمُ. رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ،
وَعَنْهُ: مَعَ خَفْضِ الصَّوْتِ، وَالْخُنْثَى كَامْرَأَةٍ. [حُكْمُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ] (وَهُمَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ) عَلَى الْمَذْهَبِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ لَا يُؤَذِّنُونَ، وَلَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ، إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَلِأَنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ، فَكَانَ وَاجِبًا كَالْجِهَادِ، فَعَلَى هَذَا تَجِبُ عَلَى جَمَاعَةِ الرِّجَالِ،
وَعَنْهُ: عَلَى كُلِّ رَجُلٍ عَاقِلٍ يُرِيدُ الصَّلَاةَ وَحْدَهُ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " حَضَرًا،
وَعَنْهُ: وَسَفَرًا، وَهُوَ أَظْهَرُ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُؤَذَّنُ لَهُ، وَيُقَامُ فِيهِمَا، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُمَا فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ، سُنَّتَانِ عَلَى الْمُسَافِرِينَ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ أَحْمَدَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ،
وَقَالَ السَّامِرِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمِصْرِ وَالْقُرَى، وَلَا بَيْنَ الْحَاضِرِينَ وَالْمُسَافِرِينَ، وَالْوَاحِدُ وَالْجَمَاعَةُ سَوَاءٌ، قُلْنَا هُمَا وَاجِبَانِ أَوْ مَسْنُونَانِ،
وَعَنْهُ: هُمَا سُنَّةٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، لِأَنَّهُ دُعَاءٌ إِلَى الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ قَوْلَهُ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ،
وَفِي " الرَّوْضَةِ " هُوَ فَرْضٌ، وَهِيَ سُنَّةٌ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ،
وَقِيلَ: وَعَلَى أَنَّهُمَا سُنَّةٌ (إِنِ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِمَا قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ) لِأَنَّهُمَا مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، فَقُوتِلُوا عَلَى التَّرْكِ، كَصَلَاةِ الْعِيدِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِمَامِ الْخَلِيفَةُ،
وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُ كَنَائِبِهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إِذَا قَامَ بِهِمَا مَنْ يَحْصُلُ بِهِ الْإِعْلَامُ غَالِبًا، أَجْزَأَ عَنِ الْكُلِّ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِالْبَلَدِ الصَّغِيرِ، أَوِ المحلة الكبيرة إِذَا كَانَ يُسْمِعُهُمْ جَمِيعَهُمْ، لِأَنَّ الْغَرَضَ إِسْمَاعَهُمْ،
وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": مَتَى أَذَّنَ وَاحِدٌ سَقَطَ عَمَّنْ صَلَّى مَعَهُ مُطْلَقًا خَاصَّةً،
وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ اثْنَانِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ فِي الْفَجْرِ فَقَطْ كَبِلَالٍ، وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا،
وَقَالَ الْقَاضِي: عَلَى أَرْبَعَةٍ لِفِعْلِ عُثْمَانَ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، وَيُقِيمَ مَنْ أَذَّنَ أَوَّلًا،
وَإِنْ لَمْ يَحْصُلِ الْإِعْلَامُ بِوَاحِدٍ زِيدَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، كُلُّ وَاحِدٍ فِي جَانِبٍ، أَوْ دُفْعَةٌ وَاحِدَةٌ بِمَكَانٍ وَاحِدٍ، وَيُقِيمُ أَحَدُهُمْ، وَالْمُرَادُ بِلَا حَاجَةٍ فَإِنْ تَشَاحُّوا أُقْرِعَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ بِدُونِهِمَا، لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ صَلَّى بِعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، لَكِنْ يُكْرَهُ ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: إِلَّا بِمَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَ فِيهِ، وَنَصُّهُ: أَوِ اقْتَصَرَ مُسَافِرٌ وَمُنْفَرِدٌ عَلَى الْإِقَامَةِ، وَهُمَا أَفْضَلُ لِكُلِّ مُصَلٍّ إِلَّا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَا يُشْرَعُ، بَلْ حَصَلَ لَهُمُ الْفَضِيلَةُ كَقِرَاءَةِ الْإِمَامِ لِلْمَأْمُومِ.
وَهَلْ صَلَاةُ مَنْ أَذَّنَ لِصَلَاتِهِ بِنَفْسِهِ أَفْضَلُ، لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ فَضْلٌ يَخْتَصُّ الصَّلَاةَ أَمْ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا وَصَلَاةَ مَنْ أُذِّنَ لَهُ سَوَاءٌ لِحُصُولِ سُنَّةِ الْأَذَانِ؛ ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ أَحْمَدَ تَوَقَّفَ نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ.
[أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْأَذَانِ]
بابُ الأذانِ والإقامَةِ بابُ الأذانِ فوائد؛ إحْداها، الأذان أفْضلُ مِنَ الإقامة، على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقيل: الإقامة أفْضلُ. وهو روايةٌ في «الفائقِ»،
وقيل: هما في الفَضِيلَةِ سواءٌ. الثَّانيةُ، الأذانُ أفْضَل مِنَ الإمامَةِ، على الصَّحيح مِنَ المذهبِ. قال الشيخ تقيُّ الدِّينِ: هذا أصَحُّ الرِّوايتَين، واخْتِيارُ أكثرِ الأصحاب.
قال في «المُغْنِي»: اخْتارَه ابنُ أبي موسى، والقاضي، وجماعةٌ.
وعنه، الإمامة أفْضلُ. وهو وَجْهٌ في «الفائقِ»، وغيرِه، واخْتارَه ابنُ حامدٍ، وابن الجَوزِيِّ.
وقيل: هما سواءٌ في الفَضِيلَةِ.
وقيل: إنْ عَلِمَ مِن نفْسِه القِيامَ بحُقوق الإمامَةِ وجميع خِصالِها، فهي أفْضلُ، وإلَّا فلا. الثَّالثةُ، له الجمْع بينَهما. وذكَر أبو المَعالِي، أنَّه أفْضَل.
وقال: ما صَلُحَ له فهو أفْضَل. وَهُمَا مَشْرُوعَانِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ دُونَ غَيرِهَا، لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ.
تنبيهات؛ الأوَّلُ، ظاهر قولِه: وهما مَشْروعان لِلصَّلواتِ الخمس. سواءٌ كانت حاضِرةً أوْ فائتةً، ويَحْتَمِل أنْ يُريدَ غيرَ الفائتةِ. ويأتِي الخِلافُ في ذلك قرِيبًا. ويأتِي أيضًا إذا جمع بينَ صلاتين، أو قَضاء فوائت. الثَّاني، مفْهومٌ قوله: للصَّلَواتِ الخمْس. أنَّه لا يُشرَعُ لغيرها مِنَ الصَّلواتِ. وهو صحيحٌ. وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقيل: يُشْرعُ للمَنْذورةِ. وأطْلقَهما ابنُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عبيدان، والزَّرْكَشي، و «الرعاية الكُبْرَى». ويأتي آخِرَ البابِ ما يقولُ لصلاة العيدِ، والكسوفِ، والاسْتسْقاءِ، والجِنازَةِ، والتِّراويحِ. الثَّالثُ، ظاهرُ قوله: للرِّجال. أنَّه مَشْروع لكل مُصلٍّ منهم، سواءٌ صلَّى في جماعَةٍ أو مُنْفرِدًا، سفَرًا أو حضَرًا. وهو صحيحٌ. قال المصَنِّف: والأفضَلُ لكلِّ مُصل أنْ يؤذِّنَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . .
ويُقيمَ، إلَّا أنْ يكونَ يصَلِّي قضاءً أو في غيرِ وَقْتِ الأذانِ.
قال في «الفُروعِ»: وهما أفْضَلُ لكلِّ مُصَلِّ، إلَّا لكلِّ واحدٍ ممَّن في المسْجِدِ، فلا يُشْرَعُ، بل حصَل له الفضِيلَةُ كقراءةِ الإمامِ للمأْمومِ.
وقال المَجْدُ في «شَرْحِه»: وإنِ اقْتصَر المُسافِرُ أو المُنْفَرِدُ على الإقامَةِ، جازَ مِن غيرِ كَراهَةٍ. نصَّ عليه. وجَمْعُهما أفْضَلُ. انتهى. ويأْتِي قريبًا؛ هل يكونُ فَرْضَ كِفايَةٍ للمُنْفَرِدِ والمُسافِرِ أم لا؟ الرَّابعُ، مفْهومُ قولِه: للرِّجالِ. أنَّه لا يُشْرَعُ للخَناثى، ولا للنِّساءِ. وهو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . .
صحيحٌ، بل يُكْرَه. وهو المذهبُ، وعليه الجمهور. قال الزَّرْكَشِيُّ: هو المشْهورُ مِنَ الرِّوايات. قال المَجْدُ في «شَرْحِه»: لا يُسْتَحَبُّ لهُنَّ، في أظْهَرِ الرِّوايَتْين. وقدَّمه «ابنِ تَميمٍ»، و «الرِّعايَتْين»، و «الحاويَين».
وعنه، يُباحان لهما مع خفْضِ الصَّوْتِ. ذكَرَهما في «الرِّعايِة».
وقال في «الفُصولِ»: تُمْنَعُ مِنَ الجَهْرِ بالأذانِ.
وعنه، يُسْتَحَبَّان للنِّساء. ذكَرَها في «الفائقِ».
وعنه، يُسَنُّ لهُنُّ الإقامَةُ، لا الأذانُ. ذكَرَها في «الفُروعِ» وغيرِه؛
فقال في «الفُروعِ»: وفي كَراهَتِهما للنِّساءِ، بلا رَفْع صَوْتٍ،
وقيلَ مُطْلقًا، رِوايَتَان، وعنه، يُسَنُّ الإقامةُ فقط. ويتَوَجَّهُ في التِّحْرِيمِ جَهْرًا، الخِلافُ في قِراءَةٍ وتَلْبيَةٍ. انتهى. ومَنَعَهُنَّ في «الواضِحِ» مِنَ الأذانِ. ذكَرَه عنه في «الفُروعِ»، في آخرِ الإحْرامِ. وَهُمَا فَرْضٌ عَلَى الْكفَايةِ، إنِ اتَفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِمَا قَائلَهُمُ الْإمَامُ. وهما فَرْضُ كفايةِ. اعلمْ أنهما تارة يُفْعلان في الحضَرِ، وتارةً في السَّفر،
فإنْ فعلَهما في الحضَرِ، فالصحيح مِنَ المذهبِ، أنَّهما فرْضُ كِفاية في القُرْى والأمْصارِ وغيرِهما. وعليه الجمهورُ، وهو من مفْرَداتِ المذهبِ.
وعنه، هما فرْضُ كِفايةٍ في الأمْصارِ، سُنَّة في غيرِها.
وعنه، هما سُنَّةٌ مُطلقًا. قال المصَنِّفُ وغيرُه: وهو ظاهرُ كلام الخِرقيِّ.
وقال في «الرَّوْضةِ»: الأذانُ فَرْضٌ، والإقامَةُ سُنَّةٌ.
وعنه، هما وَاجبان للجُمعَةِ فقط. اخْتارَه ابن أبي موسى، والمَجْدُ في «شَرْحِه»، وغيرُهما. وأقامَ الأدلَّةَ على ذلك. قال الزَّرْكشيُّ: لا نِزاع فيما نعْلَمُه في وُجوبِهما للجُمعَةِ؛ لاشْتراطِ الجماعَةِ لها.
قلتُ: قد تقدَّم الخِلافُ في ذلك. ذكَرَه ابنُ تَميم، وصاحِبُ «الفروع»، وغيرُهما، لكن عُذْرَه أنَّه لم يطَّلِعْ على ذلك.
وقال بعض الأصحابِ: يسْقُطُ الفرْضُ للجُمُعَةِ بأوَّل أذانٍ.
وإنْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فُعِلا في السَّفَرِ، فالصحيحُ مِنَ المذهبِ، أنهما سُنَّة. وعليه جمهورُ الأصحاب؛ منهم أبو بَكْرٍ، والقاضي، في «المُحَرَّرِ». قال الزَّرْكَشيُّ: هي المشْهورةُ، وعليها أكْثرُ الأصحابِ. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرَى»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. وجزَم به في «الرعايَة الصُّغرى»، وغيرِه.
وعنه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حُكمُ السَّفَرِ حُكْمُ الحضَرِ فيهما.
قلتُ: وهو ظاهرُ كلامِ المصَنِّفِ هنا، وظاهرُ كلامِ جماعةٍ. قال الزَّرْكَشِيِّ: وهو ظاهرُ إطْلاقِ طائفةٍ مِنَ الأصحابِ. وجزَم به . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«ناظِمُ المُفْرَداتِ». واخْتارَه صاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، و «الحاويَين»، و «الفائقِ». وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
فائدة: فعلى القوْلِ بأنَّهما فرْضُ كِفايةِ في أصْلِ المسْأَلَةِ، يُسْتَثْنَى مِن ذلك المُصَلِّي وحدَه، والصَّلاةُ المَنْذُورَةُ، والقَضاءُ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. فليس هما في حَقِّهم فرْضَ كِفايَةِ. قدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل بفَرْضيَّتِهما فيهِنَّ. وهي روايةٌ في المُنْفَرِدِ. واخْتارَه في المُنْفَرِدِ في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الحاويين»، و «الفائقِ»، وأطْلَقهما في «الرِّعايَةِ». و «الزَّرْكَشِيِّ»، و «ابنِ عُبَيدان». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: ظاهر قوله: إنِ اتفَق أهْلُ بلَدٍ على تركِهما قائلهم الْإمامُ.
أمَّا إذا قُلْنا: إنَّهُما سُنَّة، واتفقوا على ترْكِهما، فلا يُقاتَلون. وهو صحيحٌ. وهو المذهبُ وعليه جماهير الأصحابِ.
وقيل: يُقاتَلون أيضًا على القوْلِ بأنَّهما سُنة. واخْتاره الشيخ تَقيُّ الدِّينِ.
فائدة: يكفِي مؤذنٌ واحدٌ في المِصْرِ. نصَّ عليه.
قال في «الفُروعِ»: وأطْلقَه جماعة.
وقال جماعة مِن الأصحابِ: يكفِي مُؤذِّن واحدٌ بجيثُ يُسْمِعُهم. قال المَجْدُ، وابنُ تَميم، وغيرُهما: بحيث يحْصُلُ لأهْله العلمُ.
وقال في «المسْتَوْعِبِ»: متى أذَّن واحدٌ، سقط عن مَن صَلَّى معه، لا عن مَن لم يصلِّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
معه وإنْ سَمِعه، سواءٌ كان واحِدًا أو جماعةً في المسْجدِ الذي صلّى فيه بأذانٍ أو غيرِه.
وقيل: يُسْتَحَب أنْ يُؤذِّنَ اثْنان. وجزَم به في «الحاويَين».
قال في «الفُروعِ»: ويَتَوجَّهُ في الفجْرِ فقط، كبلالٍ وابن أم مَكْتُوم، ولا يُسْتَحبُّ الزِّيادةُ عليهما، على الصَّحيحِ. جزَم به المصِّنف في «المُعنى»، والشَّارِحُ، وغيرُهما. وقدمه في «الفروعِ»، و «ابنِ تميم»، وغيرِهما.
وقال القاضي: لا يُسْتَحَبُّ الزِّيادة على أربَعَةٍ، لفِعْلِ عُثْمانَ، إلا مِن حاجَةٍ. وتابعه في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُسْتوْعِب»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويين». والأوْلَى، أنْ يؤذنَ واحدٌ بعدَ واحدٍ، ويقيمَ من أذَّنَ أوَّلًا.
وإنْ لم يحْصُل الإعْلامُ بواحدٍ، في يزيدُ بقَدْرِ الحاجَةِ كلُّ واحدٍ مِن جانبٍ، أو دَفْعةً واحدةٌ بمكانٍ واحدٍ، ويقيمُ أحدُهم.
قال في وَلَا يجُوزُ أخذُ الأُجْرَةِ عَلَيهِمَا في أظْهرِ الرِّوَايَتَينِ.
«الفُروعِ»: والمُرادُ بلا حاجَةٍ. وهو كما قال.
فإنْ تشاحُّوا أُقرِعَ بينَهم.
باب الأذان والإقامة] الأذان في اللغة: الإعلام. قال الله تعالى:{وأذان من الله ورسوله} أي وإعلام.
وقال تعالى:{فقل آذنتكم على سواء} أي أعلمتكم فاستوينا في العلم.
قال الشاعر :
آذَنَتْنَا بِبَيْنِها أسماءُ ... رب ثاوٍ يَمَلُّ منه الثَّواءُ وقال الحطيئة :
أَلاَ إنّ ليْلى آذَنَتْ بِقُفُولٍ ... وما آذَنَتْ ذا حَاجَةَ برَحِيلِ وفي الشرع:[هو] الإعلام بدخول الوقت للصلاة.
يقال: أذّن يُؤذن أذاناً وتأذيناً أي أعلم الناس بدخول الوقت للصلاة. وشُدد للمبالغة والتكثير؛ لأن المؤذن يكرر الشهادتين.
والإقامة في اللغة: الإدامة. ومنه قوله تعالى:{ويقيمون الصلاة} أي ويديمون فعلها.
وفي الشرع هنا: إعلام الحاضرين بقيام الصلاة ليقوموا فيصطفوا.
والأصل في الأذان قوله تعالى:{يا أيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة}، ، وقوله تعالى:{وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعبا}، ، وقوله صلى الله عليه وسلم:«لو يعلم الناس ما في النداء ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه» رواه البخاري. قال المصنف رحمه الله: (وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها. للرجال دون النساء) .
أما كون الأذان والإقامة مشروعين للصلوات الخمس للرجال؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُؤذن له للصلوات الخمس وتقام سفراً وحضراً.
وأما كونهما غير مشروعين في غير الصلوات الخمس؛ فلأن ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما كونهما غير مشروعين للنساء؛ فلأنهما مشروعان للإعلام. يسن فيهما رفع الصوت ورفع الصوت مكروه للنساء لأن صوتهن عورة.
وقد روى النجاد بإسناده عن أسماء قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس على النساء أذان ولا إقامة ولا جمعة ... مختصر».
قال: (وهما فرض على الكفاية. إن اتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الإمام) .
أما كون الأذان فرضاً على الكفاية؛ فلما روى مالك بن الحويرث قال:«أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فأقمنا عنده عشرين يوماً. وكان رحيماً رفيقاً. فظن أننا قد اشتقنا إلى أهلنا. فقال: ارجعوا إلى أهلكم. وليؤذن أحدكم وليؤمكم أكبركم» متفق عليه.
أمر أحدهم بالأذان فظاهر الأمر الوجوب فيكون ذلك فرضاً على الكفاية للإجماع على أنه ليس فرضاً على الأعيان. وقد روى أبو الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من ثلاثة لا يُؤذن ولا يُقام فيهم إلا استحوذ عليهم الشيطان» رواه البخاري.
ولأن الأذان من شعائر الإسلام أشبه الجهاد.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم واظب عليه سفراً وحضراً ولو كان ذلك غير واجب لبين حكمه بالترك ولو مرة.
وأما كون الإقامة فرضاً على الكفاية؛ فلأنها كأذان معنى فوجب أن تكون كالأذان حكماً.
وعن الإمام أحمد أنها سنة؛ لما روى الأثرم بإسناده عن علقمة والأسود قالا:«دخلنا على عبدالله فقام فصلى بلا أذان ولا إقامة».
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء في صلاته: إذا أدركتَ الصلاة فأحسن الوضوء. ثم استقبل القبلة فكبر». ولم يأمره بأذان ولا إقامة.
والصحيح الأول لما ذكر.
وحديث المسيء يدل على أن الأذان والإقامة ليسا ركناً ولا شرطا لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين له الأركان والشرائط ونحن نقول به. وذلك لا ينفي كونهما فرضين على الكفاية.
فإن قيل: ذلك يختص أهل البلدان أم يعم البلدان والقرى والصحراء جماعة وفرادى؟
قيل: يختص أهل البلدان. ذكره القاضي؛ لأنها هي المواضع التي يقصد فيها شعائر الإسلام غالباً. وتختص الجماعة بذلك.
وقيل: يعم ما ذكر.
وهو الصحيح من المذهب لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤذن له ويقام سفراً وحضراً.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي سعيد الخدري: إذا كنت في غنمك أو في باديتك فأذّنت بالصلاة فارفع صوتك فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» رواه البخاري.
ويكفي أذان واحد لجميع أهل البلد الصغير والمحلة الكبيرة إذا كان يسمعهم جميعهم؛ لأن الغرض إسماعهم. وذلك حاصل بما ذكر.
وأما كون الإمام يُقاتل أهل بلد اتفقوا على تركهم الأذان والإقامة؛ فلأنهم تركوا ما هو من شعائر الإسلام الظاهرة. فكان للإمام أن يقاتلهم؛ كما لو تركوا الجهاد.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا أن ما ذكر مرتب على القول بفرضهما على الكفاية لأنه قال: وهما فرض على الكفاية إن اتفق أهل بلد. وهو ظاهر كلامه في المغني أيضاً؛ لأنه حكى أنهما فرض كفاية. ثم قال: فعلى هذا إذا قام به قوم سقط عن الباقين.
فإن اتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الإمام. فعلى هذا يكون قتال الإمام لهم لتركهم الواجب كقتال مانعي الزكاة.
وقال صاحب النهاية فيها: سواء قلنا أنهما سنة أو واجب متى اتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الإمام لأنهما من أعلام الدين الظاهرة فلا يرخص في تعطيلهما لأن الشعائر المستمرة الظاهرة في الشريعة لو خلا منها قطرٌ لتبادر الخلق بالإنكار والاستنكار.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.